Indexed OCR Text

Pages 81-100

حُصولِ القيراط الثاني له ظاهرُ روايةٍ مَعْمَر، عن الزهريِّ: ((حتى
تُوضعَ في اللَّحْدِ)(١)، وروايةُ أبي حازم، عن أبي هريرةَ: ((ومن اتَّبعها
حتَّى تُوْضَعَ في القَبْرِ فقيراطانٍ)(٢).
السابعة والأربعون: إن قلت: هل يُمكنُني أن أقول: إنَّ القيراطَ
لفظٌ يدلُّ على مقاديرَ مختلفةٍ، وأجعلَ القيراطَ الحاصلَ بالاتِّباع إلى أن
يوضعَ الميِّتُ في اللَّحدِ؟
قلت: قد حكيتُ لكَ من روايةِ أبي حازم، عن أبي هريرةَ:
((ومن اتَّبَعَها حتى تُوضعَ في القبرِ، فلهُ قيراطانٍ)). قال: قلتُ: يا أبا
هريرةَ! وما القيراطُ؟ قال: ((مثلُ أُحُدٍ)).
وحكيتُ لكَ من رواية عامرٍ بن سعدٍ : ((من خَرَجَ مع جَنازةٍ من
بيتِها، وصلَّى عليها، ثم تَبِعَهَا حَتَّى تُدْفَنَ، كَانَ لَهُ قِيْرَاطَانٍ من الأَجْرِ،
كُلُّ قِيراطٍ مِثْلُ أُحُدٍ».
فأنت ترى أنَّ المقدارَ في روايةٍ أبي حازم، هو المقدارُ في روايةٍ
عامرِ بنِ سعدٍ هذه، وهو تقديرُ القيراطِ بأَحُدٍ، وأَحدُ الحديثين رتَّبه
على الوضعِ في اللَّحد، والثاني على الدَّفْن، ومع اتِّحادِ المقدارِ كيف
يُمكنُ التفاوتُ فيه(٣)؟
(١) تقدم تخريجها عند مسلم برقم (٩٤٥ / ٥٢).
(٢) تقدم تخريجها عند مسلم برقم (٩٤٥ / ٥٤).
(٣) قال الإمام المحقق ابن القيم في ((بدائع الفوائد)) (٣/ ٦٥٥): لم أزلْ
حريصاً على معرفة المراد بالقيراط في هذا الحديث، وإلى أي شيء نسبتُه، =
٨١

فإذا(١) كان تقديرُ القيراط بشيءٍ واحد - وهو أحُد - يمنع من
اختلاف مقداره، فالذي یبقی هاهنا عندي أحدُ وجهين:
إِمَّا أن يقالَ بإجراءِ الألفاظِ على ظاهرِها والتعارض، ويُطلبُ التَّرجيحُ
بين الرواياتٍ بأحَدٍ وجوهِ التَّرجيح؛ كالكثرة مثلاً، وزيادة الحفظ.
وإِمَّا أن يقالَ - وهو الأقرب عندي -: إنَّ اللفظَ من بعض الرُّواةِ وقع
فيه(٢) تَجَوُّزٌ؛ فعبَّر(٣) عن الشيء بما يقارِبُه، وهو سائغٌ، لا سيّما مع فهم
= حتی رأیت لابن عقیل فیه کلاماً، قال: القيراط نصف سدس درهم مثلاً،
أو نصف عشر دينار، ولا يجوز أن يكون المراد هنا جنس الأجر؛ لأن
ذلك يدخل فيه ثواب الإيمان بأعماله؛ كالصلاة والحج وغيره، وليس في
صلاة الجنازة ما يبلغ هذا، فلم يبق إلا أن يرجع إلى المعهود، وهو الأجر
العائد إلى الميت، ويتعلق بالميت صبر على المصاب فيه وبه، وتجهيزه،
وغسله، ودفنه، والتعزية به، وحمل الطعام إلى أهله، وتسليتهم، وهذا
مجموع الأجر الذي يتعلق بالميت، فكان للمصلي والجالس إلى أن يُقْبرَ
سدس ذلك، أو نصف سدسه إن صلی وانصرف.
قلت - أي: ابن القيم -: كأن مجموع الأجر الحاصل على تجهيز الميت
من حين الفراق إلى وضعه في لحده، وقضاء حق أهله وأولاده وجبرهم
دينار مثلاً، فللمصلي عليه فقط من هذا الدينار قيراط، والذي يتعارفه
الناس من القيراط أنه نصف سدس، فإن صلی علیه وتبعه، كان له قيراطان
منه، وهما سدسه، وعلى هذا فيكون نسبة القيراط إلى الأجر الكامل
بحسب عظم ذلك الأجر الكامل في نفسه، فكلما كان أعظم، كان القيراط
منه بحسبه، فهذا بیِّن هاهنا، انتهى.
(١) ((ت)): ((وإذ)).
(٢) (ت)): ((وفيه)).
(٣) ((ت)): ((ويعبر)).
٨٢

المراد، وعدم المشَاحَّة (١) في الألفاظ في مثل هذا، فیکون روایةٌ من روی
((حتى تُوضعَ فَي اللَّحدِ))، و((حَتَّى توضَعَ في القبرِ))، و((حَتَّى تُدفَ)): كلٌّ (٢)
شيءٌ واحدٌ عُبِّر به عن الدَّفنِ؛ لأنَّ الوضعَ في اللحد أو القبرِ مقاربٌ لحالة
الدَّفن، والمقصودُ - والله أعلم -: الاتِّبَاعُ إلى حالة الفراغ.
ويدلُّ على هذا: أنَّه لا يُتوهَّمُ الفرقُ بين وضعهِ في اللحد،
ووضعِه في القبر، وبينهما اختلافٌ في الحقيقة، اللهمَّ إلا على مذهب
الظاهريَّة الجامدة.
وعلى هذا البحثِ لا يترجَّح حصولُ القيراط الثاني لصاحب
الدَّرجة الثَّانية من حيثُ اللفظُ؛ لأنَّه إن سلكنا طريقَ الترجيحِ، فقد
يكونُ الراجحُ روايةَ من روى: ((إلى أَنْ تُدفنَ))، فلا يترجَّحُ حصولُ
القيراطِ لمن لم يتّبعْ إلى الدفن، واكتفى بالوضع في اللَّحدِ.
وإن سلكنا طريقَ التجوُّزِ فقد آلَ الحالُ إلى أنَّ الكلَّ راجعٌ إلى
الاتباع إلى أَنْ تدفنَ، وقد اتَّضح لك سبيلان، فاسلكْ أيَّهُمَا رَجَحَ(٣)
عندكَ، أو فكِّرْ في طريقٍ ثالث، والله أعلم.
الثامنة والأربعون: اتباعُ الجنائزِ عامٌّ بالنسبةِ إلى الرجال والنساء،
وقد وردَ في اتباع النساء تشديدٌ يقتضي التخصيصَ من حديثٍ
إسرائيلَ، عن إسماعيلَ بنِ سلمانَ، عن دينارِ أبي عمرَ، عن
(١) ((ت)): ((المشاححة)).
(٢) ((ت): ((كله)) .
(٣) ((ت)): ((أرجح)).
٨٣

ابنِ الحنفيّةِ، عن عليٍّ - ◌َّه - قال: خرج رسولُ اللهِ وَزَ، فإذا نِسوةٌ
جلوسٌ، قال: ((ما يُجْلِسُكُنّ؟)) قلنَ: ننتظر الجنازة، قال: ((هل
تَغْسِلْنَ؟)) قلن: لا، قال: ((هل تَحْمِلْنَ؟)) قلنَ: لا، قال: ((تُدْلِيْنَ
فيمَنْ يُدْلِي؟)) قلنَ: لا. [قال]: ((فارْجِعْنَ مأْزُوراتٍ غيرَ مأجوراتٍ)).
رواه ابن ماجه، عن محمد بن مصفّى، عن أحمد بن خالد، عن
إسرائيل(١).
وأصُ من هذا حديثُ أمِّ عطيةَ الصحيح قالت: نُهينا عن اتّباع
الجنائز، ولم يُعْزَم علينا. متَّفق عليه(٢).
وفي ((التهذيب)) المالكي(٣): وتتبعُ المرأةُ جنازةَ زوجها وولدِها
(١) رواه ابن ماجه (١٥٧٨)، كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في اتباع النساء
الجنائز. وإسناده ضعيف. انظر: ((العلل المتناهية)) لابن الجوزي
(٢ / ٩٠٢)، و((مصباح الزجاجة)) للبوصيري (٢ / ٤٤).
(٢) رواه البخاري (١٢١٩)، كتاب: الجنائز، باب: اتباع النساء الجنائز، ومسلم
(٩٣٨/ ٣٤)، كتاب: الجنائز، باب: نهي النساء عن اتباع الجنائز.
(٣) للإمام شيخ المالكية خلف بن أبي القاسم أبي القاسم وأبي سعيد الأزدي
القيرواني المغربي المالكي المعروف بالبراذعي، كتاب: ((التهذيب في
اختصار المدونة)) اتبع فيه طريقة اختصار أبي محمد إلا أنه ساقه على نسق
المدونة، وحذف ما زاده أبو محمد - أي: ابن أبي زيد -، وقد ظهرت بركة
هذا الكتاب على طلبة الفقه، وعليه معوَّل الناس بالمغرب والأندلس،
توفي بعد (٤٣٠هـ)، وكان من كبار أصحاب ابن أبي زيد وأبي الحسن
القابسي رحمهم الله أجمعين. انظر: ((ترتيب المدارك)) للقاضي عياض
(٤ / ٧٠٨)، و((الديباج المذهب)) لابن فرحون (ص: ١١٢)، و((سير
أعلام النبلاء)» للذهبي (١٧ / ٥٢٣).
٨٤

ووالدِها وأختِها، إذا كان يُعرف أنَّ مثلَها يخرج على مثلهِ، وإن كانت
شابةً، ويُكرَهُ أن تخرجَ على غير هؤلاء ممَّن(١) لا يُنكر عليها الخروجُ
عليهم من قرابتها(٢).
وذكر بعضُ مصنفي الشافعيَّةِ: أنَّه يكرهُ لها - يعني: المرأةَ - اتّباعُ
الجَنازةِ، والخروجُ إلى المقبرةِ مع النِّسوان (٣).
وقال بعض مصنفي الحنابلة: ويُكره اتباع النساءِ الجنائزَ (٤).
قلت: حديثُ أمّ عطيةَ يدلُّ على الكراهة لا على التَّحريم؛ لقولها:
ولم يُعزم علينا، والذي ذكرناه عن ابنِ ماجه يقتضي التحريمَ؛ لقوله:
((مأزورات))، إلا أنه حديثٌ فيه من لا يُعرف حالُه، وفي معناه حديثٌ
رواه أبو داود: أنَّ النَّبِيَّ نَّهُ لقيَ فاطمةَ، قال: ((ما أخرجَكِ يا فاطمةُ من
بيتك؟)) قالت: أتيتُ أهلَ هذا البيتِ، فرحمت(٥) على ميِّتهم، أو عزَّتهم
به. قال لها رسولُ الله ◌َّهِ: ((فلعلَّكِ بلغتِ معهم الكُدى)»، قالت: معاذَ
اللهِ! وقد سمعتكَ تذكرُ [فيها](٦) ما تذكر. قال: ((لو بَلَغْتِ مَعهُم الكُدى))،
فذكر تشديدآ(٧).
(١) ((ت)): ((ويكره أن تخرج على غيرها ولا ممن)).
(٢) انظر: ((تهذيب المدونة)) البراذعي (١ / ١٣٠).
(٣) انظر: ((المجموع شرح المهذب)) للنووي (٥ / ٢٣١).
(٤) انظر: ((المغني)) لابن قدامة (٢ / ١٧٦).
(٥) في الأصل: ((فترحمت))، والمثبت من (ت)) و(ب)).
(٦) سقط من ((ت)).
(٧) رواه أبو داود (٣١٢٣)، كتاب: الجنائز، باب: في التعزية، وابن حبان =
٨٥

فإن(١) لم يثْبُتِ التحريمُ، فحديثُ أمِّ عطيةَ يقتضي الكراهةَ،
ويَخصُّ به هذا الأمرَ باتباع الجنائز بالنسبة إلى النساء.
التاسعة والأربعون: هاهنا تخصيصٌ آخرُ من رواية إسرائيل، عن
أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: نَهى رسولُ الله ◌َ﴿ أَنْ نتبعَ
جنازةً معها رانَّةٌ. رواه ابن ماجه، عن أحمدَ بنِ يوسفَ، عن عبيد الله،
عن إسرائيل(٢).
وقال بعضُ الحنابلة: فإن كان مع الجنازة منكرٌ يراهُ أو يسمعُه؛
فإنْ قدِرَ على إنكارِه وإزالتِهِ أَزْالَهُ، وإن لمْ يَقْدِرْ على إزالتِهِ، ففيه
وجهان :
أحدهما: يُنكرُه ويتَّبعُها؛ فيسقطُ فرضُه بالإنكار، ولا يتركُ حقاً
بالباطل .
والثاني: يرجع؛ لأنه يؤدِّي إلى استماع محظورٍ ورؤيتِه مع
= في ((صحيحه)) (٣١٧٧)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله
عنهما. وإسناده ضعيف؛ لضعف ربيعة بن سيف المعافري. إلا أن
المنذري قال في ((الترغيب والترهيب)) (٤ / ١٩٠): وربيعة هذا من تابعي
أهل مصر فیه مقال لا يقدح في حسن الإسناد.
(١) ((ت)): ((وإذا)).
(٢) رواه ابن ماجه (١٥٨٣)، كتاب: الجنائز، باب: في النهي عن النياحة.
وإسناده ضعيف؛ لضعف أبي يحيى وهو القتَّات، وقد تقدم أنه منكر
الحدیث .
٨٦

قدرته على ترك ذلك. ثم ذكر كلاماً يقتضي أصلاً لهذا، وأنَّه یتخرَّجُ
وجهانِ على ذلك الأصل(١).
والحديثُ الذي أوردناه يقتضي المنعَ من الاتباع مع وجود
الرانَّةَ، وغيرُه يكون بالقياس عليه، وهو قياسٌ قويّ.
الخمسون: الاتباعُ المعنوي، وهذا (٢) التقييد بالجنازة، له
مراتبٌ، ومن أبعدِها انتظارُها في المصلَّى قبل أَنْ يؤتَى بها، فإذا أُتي
بها صَلَّى عليها، وفي انطلاق الاتباعِ عليه بُعدٌ.
ودونَ هذا في البُعد أنْ يبعُدَ عنها في المَمْشَى، وإن كان قد خرج
معها، والذي ذكرناه عن القاضي الحسين فيما تقدم، فيه إلمامٌ بهذا
الذي قلناه، لكنَّه لا يُغني عنه، يُعرف ذلك بالتأمُّل لمدلول لفظه.
الحادية والخمسون: من ضرورة تحقّقِ الاتباعِ وجودُ مُتَبَعٍ، فإذا
لم يوجدْ سقطَ الأمرُ بالاتباع، فلو أنّ ميتاً غُسِلَ في مكانه ودُفِنَ فيه،
سقط الأمرُ باتّباعه، إذ لا متَّبَعَ وجوباً كان أو استحباباً، إن حُمِلَ
الاتباعُ على الحسيّ لا على المعنوي، وهل يحصُلُ به الثوابُ الموعودُ
به على الاتباع؟
فيه احتمال؛ فيحتملُ أن يقالَ به نظراً إلى المعنى، واطّراح
الظاهرِ إذا لم يتعلَّقْ به مقصودٌ، ويحتمل أن لا يحصلَ الثوابُ
(١) انظر: ((المغني)) لابن قدامة (٢ / ١٧٦).
(٢) في الأصل: ((وهو))، والمثبت من ((ت)).
٨٧

المخصوصُ إلا بما رتَّبَ عليه من اللفظ، وليس ذلك من جُمود
الظاهرية لوجهين :
أحدهما: أنَّ مقاديرَ الثوابِ لا تَهتدي إليها العقولُ، فهي مثلُ
التعبداتِ في الأحكام، لا تتعدَّى محلَّها(١).
[و] (٢) الثاني: أنَّ في الاتّاعِ زيادةَ عملٍ يناسبُ زيادةَ الأجرِ .
الثانية والخمسون: اختُلف في تشميتِ العاطسِ على أقوال:
فقيل: هو واجبٌ على كلِّ من سمعَه على الكفاية كردِّ السَّلام،
وهو قول القاضي أبي الوليد بن رشد المالكي.
وقيل: هو نَذْبٌ وإرشادٌ، وليس بواجب(٣).
وظاهرُ الأمرِ الوجوبُ، فمن قالَ به، فقد مشى على الأصل،
ومن لم يقل به، فلا بدّ له من دليل يخرج به عن ظاهرِ الأمر،
وقد وردت صيغةُ الوجوب في حديثٍ صحيحٍ، وهي (٤) روايةٌ
الزُّهري، عن ابن المسيّب، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ◌ِّت :
((خمسٌ تجبُ للمسلِمِ على أخيه؛ ردُّ السلام، وتشميت العاطسِ،
وإجابةُ الدَّعوةِ، وعيادةُ المريضِ، واتباعُ الجنازةِ)) وهذا لفظُ روايةٍ
(١) ((ت)): ((محالّها)).
(٢) سقط من ((ت)).
(٣) انظر: ((الاستذكار)) لابن عبد البر (٨/ ٤٨٢ - ٤٨٣)، و((إكمال المعلم))
للقاضي عياض (٨/ ٤٨٣)، و((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ١٢٠).
(٤) ((ت)): ((من)) بدل ((وهي)).
٨٨

مَعْمَر، عن الزُّهري عند أبي داودَ، رواه عن محمد بن داودَ بن سفيان،
وخُشَيْش بن أَصْرم، عن عبد الرزاق، عن مَعْمَر (١).
الثالثة والخمسون: لهذا الأمرِ مخصِّصٌ في تكرارِ العُطَاس،
وذلك في أحاديث :
منها: روايةُ عِكْرمةَ بنِ عمَّار، عن إياس بن سَلَمَةَ بنِ الأكْوَع،
عن أبيه: أنَّ رجلاً عطَسَ عند النّبِيِّ وَ﴿ فقال له: ((يرحمُك الله)، ثم
عطسَ [أخرى]، فقال النّبيُّ ◌َّهِ: ((الرَّجُلُ مزكومٌ؟))(٢).
ومنها: رواية يحيى بن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة(٣)، عن
أمِّ حُمَيْدَة - أو عُبَيْدَة - بنت عبيد بن رفاعة الزُّرَقِيّ، عن أبيها، عن
النّبِيِّ بَّرِ قال: ((تشميتُ العاطسِ ثلاثاً؛ فإن شئتَ فشمِّته، وإن
شئتَ فَكُفَّ)) رواه أبو داودَ، عن هارونَ بنِ عبد الله، عن مالكِ بن
(١) رواه أبو داود (٥٠٣٠)، كتاب: الأدب، باب: في العطاس، وتقدم
تخریجه عند مسلم برقم (٢١٦٢)، من رواية عبد الرزاق، عن معمر، به،
وهو كلفظ أبي داود الذي ساقه المؤلف رحمه الله، إلا أن في آخره:
((الجنائز)) بدل («الجنازة)).
(٢) رواه مسلم (٢٩٩٣)، كتاب: الزهد والرقائق، باب: تشميت العاطس
وكراهية التثاؤب.
(٣) في الأصل و((ت)): ((ومنها: رواية محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي
طلحة))، والتصويب من ((ب)).
٨٩

إسماعيل، عن عبد السلام(١) بن حَرْب، عن يزيد بن عبد الرحمن،
عن یحیی(٢).
ومنها: راوية [محمد](٣) بن عَجْلان، عن سعيد بن أبي سعيد
المَقْبُري، عن أبي هريرة، واختُلِفَ في رفعه ووقفه:
ففي رواية مُسَدَّد، عن يحيى، عن ابن عَجْلانَ موقوفاً قال:
شمِّتْ أخاكَ ثلاثاً، فما زاد فهو مَزْكُومٌ(٤).
وفي رواية عيسى بن حمَّاد المصري، [عن الليث](٥)، [عن](٦)
ابنِ عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال: لا أعلمه
إلا أنه رفعَ الحديثَ إلى النّبيِّ ◌َلّ بمعناه؛ رواه أبو داود وقال: رواه
أبو نعيم(٧) قال: عن موسى بن قَيْسٍ، عن محمدٍ بن عَجْلانَ، عن
(١) في النسخ الثلاث: ((عبد الله))، والتصويب من ((سنن أبي داود)).
(٢) في النسخ الثلاث: ((محمد)»، والصواب ما أثبت. وقد رواه أبو داود
(٥٠٣٦)، كتاب: الأدب، باب: كم مرة يشمت العاطس. وهو مرسل،
كما نبه إليه ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (٥ / ٤٠٦)، وابن حجر
في ((الإصابة)) (٥ / ٥٩).
(٣) زيادة من ((ت)).
(٤) رواه أبو داود (٥٠٣٤)، كتاب: الأدب، باب: كم مرة يشمت العاطس.
(٥) زيادة من ((سنن أبي داود)).
(٦) سقط من ((ت)).
(٧) في النسخ الثلاث: ((أبو معمر))، والتصويب من ((سنن أبي داود)):
٩٠

سعيد، عن أبي هريرة، عن النّبِيِّ وَّةَ(١).
وأقوى هذه الأحاديثِ، حديثُ سَلَمَةَ بن الأكْوَع الذي بدأنا به،
والله تعالى أعلم.
الرابعة والخمسون: هذا التخصيصُ في تكرار العُطاس يقتضي
ظاهرُهُ سقوطَ الأمر بالتّشميت بعد الثلاث، وأنَّ الثَّلاثَ هي التي
استُدلَّ بها على الزُّكام.
وبعضُ مصنفي الشافعية - رحمهم الله تعالى - قال: ويكرِّرُ
التشميتَ إذا تكرَّرَ العطاسُ، إلا أَنْ يعرفَ أنَّه مزكومٌ، فيدعو له
بالشفاء(٢).
وهذا يمكن تقريرُه بأنَّ العمومَ يقتضي التكرارَ؛ لأنَّ كلَّ مرة هو
فيها عاطس، فيشمِّته(٣) عملاً بالحديث، وأن لا يوجدَ عاطسٌ من غير
تشميت، وهو خلافُ العموم، وإذا اقتضى العمومُ الإجابةَ، فيُعملُ
بها، إلا في موضع العلة التي عُلَّلَ بها عدمُ التشميت، وهو الزكام.
وظاهرُ هذا الكلام الذي حكيناه عن هذا المصنف: أنَّ التشميتَ
يسقطُ الأمرُ به عند العلم بالزكام، ولا يعتبرُ تكرارَ العطاسِ ثلاثاً،
وسنذكر الآن ما يُورَدُ عليه.
(١) رواه أبو داود (٥٠٣٥)، كتاب: الأدب، باب: كم مرة يشمت العاطس.
وانظر: ((علل الحديث)) لابن أبي حاتم (٢ / ٢٩١).
(٢) انظر: ((روضة الطالبين)) للنووي (١٠ / ٢٣٣).
(٣) ((ت): ((فیشمت)).
٩١

الخامسة والخمسون: لو سألَ سائلٌ فقال: التعليلُ بالزُّكام
يقتضي أن لا يشمِّتَ من عَلِمَ زكامَه ولا مرةً واحدة عملاً بعموم
الحكم؛ لعموم علته، فيقالُ عليه: المذكورُ هو العلةُ دونَ المعلّل، فلا
نسلِّمُ أنَّ المعلَّلَ هو مطلقُ التَّركِ، ليعمّ الحكمُ بعموم علتِهِ، بل المعلَّلُ
هو التَّركُ بعد التكرير، فكأنَّه قيل: لا يلزمُ تكرارُ التّشميتِ؛ لأنه
مزكومٌ(١)، ويؤيد ذلك مناسبةُ المشقةِ الناشئةِ عن التكرار(٢).
السادسة والخمسون: تكلم بعضُ الفضلاءِ في تعليلِ عدم
التشميت [بالزُّكام](٣) فقال(٤): للحديثِ مخصِّصٌ آخرُ صحيحٌ ثابتٌ
مقتضٍ (٥) تَرْكَ التشميتِ لمن لم يحمدِ الله تعالى.
(١) في الأصل زيادة: ((لأن المراد لا يشمت؛ لأنه مزكوم))، والمثبت من
(ت)) .
(٢) نقل الحافظ في ((الفتح)) (١٠ / ٦٠٦) عن المؤلف الفائدتين الرابعة
والخمسين والخامسة والخمسين بتصرف.
(٣) زيادة من ((ت).
(٤) جاء في الأصل: بعد قوله: ((فقال)): ((السابعة والخمسون))، وكذا في ((ب))
وكتب عندها: كذا في الأصل. ومقتضى السياق لا يناسب قطع الكلام بين
قوله: ((فقال)) ثم ذكرِ الفائدة التي تليها وفيها تتمة الكلام، فهذا غير معهود
في هذا الكتاب، وقد جاءت على الصواب في النسخة ((ت))، فأثبتُّ ترقيم
الفوائد بدءاً من هنا موافقة للنسخة ((ت))، وأغفلتُ ترقيم النسختين الأصل
و(ب))؛ للاضطراب فيهما في أكثر من موضع.
(٥) ((ت)): ((يقتضي)).
٩٢

روى سليمانُ التَّيميُّ، عن أنس قال: عَطَسَ رجلان عندَ
النّبِيِّ ◌َ﴿ فشمَّتَ أحدَهما، [وتركَ الآخَرَ، قال: فقلت: يا رسولَ اللهِ!
رجلان عَطَسَا فشمَّتَ أحدَهُمَا!](١) - قال بعضُ الرواة: فشمتَّ
أحدَهما، وتركتَ آخر - قال: ((إِنَّ هذا حَمِدَ اللهَ، وإنَّ هذا لم
یحمَدْهُ))(٢).
وهذا دليلٌ على سقوطِ التشميتِ لمن لم يحمدِ اللهَ، وهو
مخصِّصٌ للعموم الذي في الحديث، والله أعلم(٣) .
السابعة والخمسون: إذا ثبت أنَّ التشميتَ مشروطٌ بالحمد، فإنْ
سَمِعَهُ فقد حصَلَ الشرطُ، وإن لم يسمعْهُ؛ فإنَّ مالكاً - رحمه الله تعالى -
يذهبُ إلى أنه لا يشمّته حتى يَسْمَعَهُ يحمدُ اللهَ تعالى(٤)، قيل له: فإنَّهِ
ربّما كانت الحلقةُ كثيرةَ الأهلِ فأسمعُ القومَ يشمتونه، قال: إذا سمعتَ
الذين يشمّتونه فشمتْهُ.
وهذا اكتفاءٌ بالدليل على الحمد عن السماع له من العاطس،
(١) سقط من ((ت)).
(٢) رواه البخاري (٥٨٦٧)، كتاب: الأدب، باب: الحمد للعاطس، ومسلم
(٢٩٩١)، كتاب: الزهد والرقائق، باب: تشميت العاطس وكراهة
التثاؤب.
(٣) انظر: ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (٨ / ٥٤٣)، و((المفهم)) للقرطبي
(٦ / ٦٢٣).
(٤) انظر: ((عارضة الأحوذي)) لابن العربي (١٠ / ٢٠١).
٩٣

وهو دليلٌ ظاهرٌ إذا كان المشمّتون عالِمين بأنه لا يُشَمَّتُ حتى يحمَدَ
اللهَ تعالى، وكذا إذا لم يظنَّ بخصوصهم العلم بذلك، إذا كان الحكمُ
شائعاً .
أمّا إذا كانوا من أهلِ الجهل الذين يُظَنُّ بهم عدمُ العلم بذلك،
فالدَّلالةُ ليست بالقويَّة، فيحتمل أن يكونَ مالكُ - رحمه الله - اعتبرَ
الأعمَّ الأغلبَ، ويمكن أن لا يكونَ حكمُهُ فيمن هو من أهل الجهل.
الثامنة والخمسون: الحكمُ عامٌّ بالنسبة إلى المسلم والذمي،
وقد روى سفيان، عن حكيم بن الدَّيْلَم، عن أبي بُرْدَةَ، عن أبيه قال:
كانت اليهودُ تَعَاطَسُ عند النّبِيِّ نَّهِ رجاءَ أن يقولَ لها: يرحمُكِ الله،
فكان يقول: ((يهديكُمُ اللهُ، ويُصْلِحُ بالَكَم)). رواه أبو داود، عن عثمان
بن أبي شيبة، عن وكِيْع، عن سفيان(١).
وقد ذكرنا عمَّن حكينا عنه من أهل اللغة: أنّ كلَّ داعٍ مشمِّتٌ،
فهذا على هذا (٢) تشميتٌ لأهل الذِّمة (٣)؛ لأنّه صلى الله عليه وسلم دعا
لهم بالهداية، وتركَ الدعاءَ لهم بالرحمة، فيقتضي أن لا يُدعى للكافر
(١) رواه أبو داود (٥٠٣٨)، كتاب: الأدب، باب: كيف يشمت الذمي،
وصححه الحاكم في ((المستدرك)» (٧٦٩٩).
(٢) أي: فقول النبي ◌َّر لأهل الذمة: ((يهديكم الله، ويصلح بالكم)) تشميت
على قول أهل اللغة: ((إن كل داع مشمت)).
(٣) ((ت)): ((الكفر)).
٩٤

برحمةِ الله(١)، والمغفرةُ في معناه، ولعلّ مَن خصَّ التشميتَ بالدعاءِ
بالرحمة، إنما بناه على الغالب، لا أنه تقييدٌ لوضع اللفظ في اللغة (٢)،
والله أعلم.
التاسعة والخمسون: مناسبة الدعاء بالرحمة للعاطس من
حيث إنه دفعُ المؤذي للجسد باحتبَاسِهِ، فتسهيلَه نعمةٌ من الله تعالى،
ناسَبَ أن يُحمَدَ اللهَ سبحانه وتعالى عليها، والنعمةُ من الله تعالى رحمةٌ
منه للعبد، فيُدعى له بعدَ الرحمةِ الخاصةِ بالرحمةِ العامَّةِ. [من
المتقارب]:
كما أحسنَ اللهُ فيما مَضَى
كذلكَ يُحْسِنُ فيما بقي(٣)
(١) ((ت)): ((بالرحمة)).
(٢) قال الحافظ في ((الفتح)) (١٠ / ٦٠٤) بعد أن نقل كلام ابن دقيق هذا،
قلت: وهذا البحث أنشأه من حيث اللغة، وأما من حيث الشرع، فحديث
أبي موسى دالٌّ على أنهم يدخلون في مطلق الأمر بالتشميت، لكن لهم
تشميت مخصوص، وهو الدعاء لهم بالهداية وإصلاح البال، وهو الشأن،
ولا مانع من ذلك، بخلاف تشميت المسلمين، فإنهم أهل الدعاء بالرحمة
بخلاف الكفار .
(٣) نسبه القيرواني في ((زهر الآداب)) (٣/ ٨٨٣ - ٨٨٤) إلى منصور بن
إسماعيل الفقيه .
وقبله :
رضيت بما قسم الله لي وفوّضت أمري إلى خالقي
وقد نسب إلى علي بن أبي طالب ﴿ كما في ((ديوانه)) (ص: ١٣٥).
٩٥

الستون: ما حكينا عن غيرٍ واحدٍ من أن التشميتَ الدعاءُ، ليس
فيه تقييدٌ ولا تخصيصٌ بدعاء معيَّنٍ، بخلاف ما حكيناه عمَّن خصَّه
بالدُّعاء بالرحمة، وعلى هذا يدلُّ الحديثُ؛ أعني: التخصيص.
والحديث ما رواه هلالُ بنُ يَساف قال: كنّا عند سالمٍ بن عُبيد،
فعطسَ رجلٌ من القوم، فقال: السَّلامُ عليكم، فقال سالم: وعليك
وعلى أمِّك، ثم قال بعد: لعلَّك وجدتَ ممَّا قلتُ لك؟ قال: لودِدْتُ
أنَّك لم تذكرْ أمّي بخير ولا بِشَرّ، قال: إنَّما قلتُ لك كما قال
رسولُ الله ◌َّهِ، بينا نحنُ عندَ رسولِ اللهِ وَّهِ إِذْ عطس رجلٌ من القوم
فقال: السَّلام عليكم، فقال رسولُ الله ◌َّه: ((وعليك، وعلى أمّك))،
ثم قال: ((إذا عَطَسَ أحدُكُمْ فَلْيَحْمَدِ اللهَ تعالى))، [قال](١) فذكر بعضَ
المحامِد، ((وليقلْ له مَنْ عندَهُ: يرحمُك اللهُ، وليردّ؛ يعني: عليهم،
يغفرُ اللهُ لنا ولكم)) (٢).
فهذا أمرٌ بخصوص هذا الدُّعاء، وهو يقتضي سنِّتَهُ، وأن
لا يتأتَّى(٣) المأمورُ به بغيره.
الحادية والستون: فيه تخصيصٌ آخرُ بعد تخصيصِهِ بالدعاء
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) رواه أبو داود (٥٠٣١)، كتاب: الأدب، باب: ما جاء في تشميت
العاطس، ومن طريقه: الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٤ / ٣٠١)،
والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٩٣٤٢).
(٣) ((ت): ((يتأدَّى)) .
٩٦

بالرحمة، وهو أن يكونَ ذلك بلفظِ المُخَاطَبةِ، وهو قولُه:
((رحمُكَ الله))؛ لحديث سالمٍ بنِ عُبيد - ﴿ - الذي أوردناه، [وقد
نصّ عليه](١).
وهؤلاء المتأخرون إذا خاطبوا من يعظّمُونَهَ قالوا: يرحم الله
سيِّدَنا، أو ما أشبهَ ذلك، من غيرِ خطاب، وهو خلافُ ما دلّ عليه
الأمرُ في الحديث، وبلغني عن بعضٍ رؤساءِ أهلِ العلم في زماننا: أنه
و
خُوطِبَ بهذا الذي جرت عادتهم به، فقال: قل: يرحمُك الله
يا سيِّدنا، أو كما قال. وكأنه قصدَ الجمعَ بين لفظِ الخطاب وبين
ما اعتادُوه من التعظيم.
الثانية والستون: إذا علمَ من رجل أنه يكرَه أن يُشَمَّتَ، ويرفع
نفسه عن ذلك تكبُّراً؛ كما يُقال: إِنّ الملوكَ لا تشمَّت، فقد ذكر بعضُ
الأكابرِ من الفقهاء والفضلاءِ فيما إذا علم من رجل [أنه](٢) يكره أن
يشمّت، لَمْ يشمَّت، فقال(٣): لا إجلالاً له، بل إجلالاً للتشميت عن
أن يُؤمَّل له من يكرهه، قال الله - رَّ - فيما حكاه عن نوح النّبيّ - العَيْه : -
أنّه قال لقومه: ﴿أَرَءَيْتُ إِن كُنتُ عَلَى بَيْنَةٍ مِّن رَّبِ وَءَانَنِى رَحْمَةً مِّنْ عِنْدِهِ،
فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنْزِ مُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَرِهُونَ﴾ [هود: ٢٨].
(١) سقط من ((ت)).
(٢) زيادة من ((ت)) .
(٣) ((ت): ((قال)).
٩٧

قال: فإن قيل: إذا كان التشميتُ سنّةً، فكيف تُتركُ السنّةُ بكراهة
من يكرهُها؟ قيل: هي السنّة (١) لمن أحبَّها، وليس بسنّةٍ لمن
يكرهُها (٢)؛ لأن من يَرغَبُ عن الخيرِ، يَرغَبُ الخيرُ عنه، وإن كَرِهَ
رجلٌ أن يُسلَّم عليه عند اللقاء، لم يسلّمْ عليه؛ لِمَا وَصفْنا، كما أنَّه إذا
مرض فكرِهَ أن يُعاد، لم يُعَدْ، وإن أوصى مُحتَضِرٌ بأن لا يصلّ عليه
إذا مات، صُلِّي عليه؛ لأن الصلاةَ عليه شفاعةٌ له، وهو - إذا أسرف
على نفسه بأن أوصى أن لا يُصلَّى عليه - أحوجُ إلى الشفاعة له منه إذا
لم يُوصِ به.
وأما السلامُ فتحيةٌ، والتشميت مثلُه، ومن كَرِهَ التحيةَ لم يُحيَّ،
كما أن مَنْ كرِهَ الزيارةَ لم يُزَرْ، والله أعلم.
ولأنَّ الصلاةَ عليه ودفنَه واجبانٍ بإيجاب الله تعالى، وفرضه، فلا
يُعْمَلُ بوصيته في إبطالهما، والله أعلم.
ويظهر لي: أنه إذا أَمِنَ من الضَّررِ من هذا المتكبِّ، فإنَّه ينبغي
تشميتُه؛ لأنَّ فيه امتثالاً للأمر (٣)، وفعلَ السنة مع مناقضة كِبْرِهِ، وکسٍ
سَوْرتِهِ(٤) في الكِبْرِ بما يضادُّ مقصودَه، وهذا المعنى أظهرُ من معنى
(١) ((ت)): ((هو سنة)).
(٢) ((ت)): ((كرهها)) .
(٣) (ت)): ((امتثال الأمر)).
(٤) أي: سطوته واعتدائه.
٩٨

إجلالِ التشميت عنه(١)، إلا أَنْ يقالَ: إنَّ المشمّتَ لا يخلو من أنَ
يقصِدَ معنى اللفظِ، وهو الدعاء، أو لا، والثاني لا فائدةَ فيه، والأول
لا يناسبُهُ حالُ المتكبرِ المخالفِ للشرع كِبْراً وعُلَوَّاً، بل مناسِبُ حالِه
الإغلاظُ، والله أعلم.
الثالثة والستون: إذا ظُنّ أو خيفَ من المسلَّم عليه أن لا يردَّ الردَّ
الواجبَ، فهذا أولى بأن لا يسلَّمَ عليه، مما ذكرهُ هذا الفقيهُ الفاضلُ؛
لأنَّ فيه إقامةَ سنة، يلزمها(٢) التعريضُ لتركِ واجب، والله أعلم.
الرابعة والستون: إذا عطسَ أحدُ الحاضرين للخطبة، والإمام
يخطب، وقال: الحمد لله، فقد اختلفوا فيه: هل يشمَّت بالإشارة، أو
يشمّت بالكلام، أو لا يشمّت؟
[والذين قالوا: إنه لا يشمّت، إذا تمَّ الدليلُ على ما قالوه، فهو
من محالِّ التخصيص](٣)، والذين قالوا: يشمَّتُ بالكلام، جَرَوْا على
العموم، والذين قالوا: يُشمَّت بالإشارة، حملوا اللفظَ على مجازِهِ؛
لأن التشميتَ حقيقةٌ في الكلام(٤).
(١) قال الحافظ في ((الفتح)) (١٠ / ٦٠٦) بعد أن نقل كلام المؤلف هذا
مختصراً: ويؤيده أن لفظ التشميث دعاء بالرحمة، فهو يناسب المسلم
كائناً من كان، والله أعلم.
(٢) في الأصل: ((يلزمه))، والمثبت من (ت)).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) نقله عنه الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (١٠ / ٦٠٦).
٩٩

الخامسة والستون: ذكر بعضُ أكابر الفضلاء(١) فيما إذا عطسَ
الخاطبُ، وقال: الحمد لله: أنه - إنْ مرَّ في خطبته - لم يشمّت، وإن
وقفَ شمَّتوه، وهذا - إذا قام عليه دليلٌ وتمَّ - من محالِ التخصيص
أيضاً(٢).
السادسة والستون: قال: وينبغي إذا عطسَ العاطسُ، أن يتأنی حتى
ء
يَسْكُنَ ما به، ثم يشمّتوه، ولا يُعَاجِلُوه بالتشميت، وهذا إذا(٣) لم يكن في
الأمر بالتشميت لفظً يقتضي التعقيب، فلا منافاةَ بينه وبين ما قال،
ولا دلالةَ لهُ أيضاً عليه، بل يُطلب دليلٌ (٤) من أمر خارج(٥)، والله أعلم.
السابعة والستون: قولُ المشمِّتِ: ((يرحمك الله)) الظاهرُ منه
والسابقُ إلى الفهم: أنه دعاءٌ بالرحمة، ويحتمل أن يكونَ إخباراً على
طريقةِ البِشارة المبنيّة على حسن الظنِّ، كقوله ◌َِّ للمَحْمُومِ: ((لا بأسَ،
طَّهُورٌ إن شاء الله))(٦)؛ أي: هي طهورٌ لك إن شاء الله، واللهُ أعلمُ بمُرادِ
(١) في الأصل: ((الأكابر والفضلاء))، والمثبت من ((ت)).
(٢) روى ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٥٢٥٩) عن إبراهيم النخعي قال: كانوا
يردون السلام يوم الجمعة والإمام يخطب، ويشمتون العاطس.
وروى أيضاً (٥٢٦٠) عن الحكم وحماد في الرجل يدخل المسجد يوم
الجمعة وقد خرج الإمام قال: يسلم ويردون عليه، وإذا عطس شمتوه
وردوا عليه .
(٣) ((ت)): ((إن)) .
(٤) ((ت)): ((دليله)) .
(٥) في الأصل: ((من خارج))، والمثبت من ((ت)).
(٦) رواه البخاري (٥٣٣٨)، كتاب: المرضى، باب: ما يقال للمريض
وما یجیب، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
١٠٠