Indexed OCR Text

Pages 361-380

الحصر، ولا يغني فيهِ الفرقُ بين كونِ التيمم عن الحدث، أو(١) رافعاً
للحدث، وأنَّ التيمُّمَ لا يرفع الحدث.
واعلمْ أنَّ هذا لا يمنعُ من الاستدلال بلفظة (الطَّهور) على
النَّجاسَة إلا على تقدير القول بأنَّ التيممَ لا يرفع الحدث، وما يُمنعُ
على تقديرٍ لا يلزم أن يُمنعَ في نفس الأمر، فمَنْ يختار أنَّ التيممَ يرفع
الحدثَ أمكنه الاستدلالُ بهذه اللفظة على نجاسة الإناء بالولوغ(٢).
الثانية: إذا ثبتت دَلالَةُ [لفظة](٣) (الطَّهور) على نجاسة السُّؤر،
فالنَّجاسَة أعمُّ من نجاسة العين والذات، ومن النَّجاسَة الطارئة على
العين الطاهرة، وإذا كانت(٤) أعمَّ، لم تدلّ على أحد الخاصَّتين، فلا
بدَّ من دليل آخرَ يدلُّ على تعيين حمل النَّجاسَة على نجاسة العين،
ويمكنُ أنْ يُقالَ فيهِ: لو كان التطهيرُ لنجاسةٍ طارئةٍ لِزِمَ أحدُ أمرين، إما
التَّخصيصُ في محلِّ العموم، وإما ثبوتُ الحكم بدون علَّتِهِ، وكلاهما
على خلاف الأصل.
(١) ((ت)): ((وبين كونه)).
(٢) وانظر: ((معالم السنن)) للخطابي (١/ ٣٩)، و((عارضة الأحوذي)) لابن العربي
(١/ ١٣٥)، و(شرح عمدة الأحكام)) للمؤلف رحمه الله (١ / ٢٦).
(٣) سقط من الت)).
(٤) (ت): ((كان)).
٣٦١

بيانُه: أنَّا إذا فرضنا تطهيرَ فم الكلب، أو ولوغ كلبٍ لم
يأكل النَّجاسَةَ قبلَ الولوغ (١)، كجَرْوٍ صغير، فإما أنْ يُقالَ: لا يلزم
غسلُ الإناء، فيلزم التخصيصُ؛ لأنَّ لفظَ الكلب عامّ، وإما
أنْ يُقالَ: إنه يلزم أن يُغسلَ منه، فيلزم ثبوتُ الحكم بدون
علته؛ لأنَّا نتكلم على تقدير عدم تنجيسه باستعمال النَّجاسة،
ولا سببَ حينئذٍ للغسل إلا التنجيسُ، وقد انتفى، وقد يقالُ على
هذا: الحكمُ مبنيٌ على الغالب من استعمالِ الكلابِ النَّجاسةَ
واطّراحِ النادر.
الثالثة: ليسَ يدلُّ على نجاسة ذاتِ الکلب کلُّه بنفسه بعد تقدیر
نجاسة سُؤرهِ بذاته، بل لا [بدَّ] (٢) من واسطة، وفيها طريقتان(٣):
إحداهما: أنْ يُقالَ: لعابُه نجسٌ للأمر بغسلِ الإناء منه، ففمُهُ
نجسٌ؛ لأنَّ اللعابَ متحلِّبٌ منه، وجزءٌ منه، ويلزم من نجاسة عينٍ
فمه نجاسةُ كلِّه.
الثانية: أنْ يُقالَ: لعابُه عَرَقُ فمه، وهو نجسرٌ، فعرقُه كلُّه
نجسٌ (٤)؛ فكلُّه نجسٌ؛ لأنَّ العرقَ متحلَّبٌ من جملة البدن، وخارجٌ
(١) في الأصل: ((البلوغ))، والمثبت من ((ت).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) ((ت)): ((طريقان)).
(٤) ((ت)): ((لأن فمه أطيب أعضائه، فإذا كان ما يتحلب منه نجس، فغيره نجس،
فغيره أولی، فبدنه کله نجس)).
٣٦٢

منه، وهذا بعد ثبوت أنَّ نجاسةَ الفم عينيّةٌ(١).
الرابعة: يدلُّ على أنَّ حكمَ النَّجاسَة يتعدَّى عن محلُّها إلى
ما يجاوِرُها بشرط كونِهِ مائعاً؛ لأنَّ الكلبَ إذا ولغ في شيء لم يُبَاشِرْ
بلسانه كلَّ ذلك المائع، أو قد لا يُباشرُ، فالأمرُ بإراقته على العموم
دليلٌ على ما ذكرنا، بل الأمر بغسل الإناء من ولوغه فيهِ مع إمكانٍ أن
لا يصلَ لسانُهُ إلى الإناء دليلٌ على ذلك.
الخامسة: وإذا دلَّ على ذلك دلَّ على نجاسة المائعات إذا وقعَ
في جزء منها نجاسة، وإن عُلِمَ أنَّ ذلك الجزءَ لا يسري إلى جميع ذلك
المائع لنجاستها بما يجاورُ ذلك الجزء.
السادسة: ثُمَّ يُجعَلُ أصلاً في نجاسة ما يثَّصلُ مع البِلَّة بنجس
يُعلَم أنه لا يتحلَّلُ منه شيءٌ، كما لو وطىء برجله المبتلةِ عظماً نَخِراً
لا دُهْنِيَّةَ فيه، أو مُتنجساً صلباً كجيرٍ(٢) ممزوج بالسِّرْقين(٣) النجس،
ورأيت لبعض نُظَّار المالكية منعاً في هذه المسألة؛ أعني: نجاسةً
(١) انظر: ((شرح عمدة الأحكام)) للمؤلف (١ / ٢٧)، و((فتح الباري)) لابن حجر
(١ / ٢٧٧).
(٢) ((ت): ((کجصّ)).
(٣) السِّرقين - بكسر السين وسكون الراء -: فسره البخاري بزبل الدواب، وهي
فارسية السرجين - بالجيم - وكذا قال ابن قتيبة. انظر: ((مشارق الأنوار)) للقاضي
عياض (٢ / ٢١٣).
٣٦٣

الطاهر إذا اتصل بنجس لا يتحلل منه شيء، هذا أو معناه، ذَكَرَه في
مسألة خلافية .
السابعة: [و](١) يدلُّ حينئذٍ على نجاسة الإناء الذي يَتَّصلُ بالمائع
النجس للأمر بغسل الإناء، وهو عامٌّ فيما يصل إليه لسانُ الكلبِ،
وما لا يصلُ إليه.
وهذه المسائل تفريعٌ على [دلالة](٢) لفظة (طهور) على
النَّجاسَة.
الثامنة: استُدِلَّ به على أنَّ الماءَ القليل ينجسُ بوقوع النَّجاسَة فیهِ
وإنْ لم يتغيّر، بناءً على أنَّ الغسل للنجاسة، وولوغُ الكلب فيهِ لا يغيِّره
غالباً.
[قلت](٣): و[قد](٤) يُتمسّك بالعموم الذي يتناول ما غيَّره،
وما لم يغيِّرْهُ.
التاسعة: الإناءُ عامٌ يدخلُ تحته أحوالُ الإناء؛ لِما كنّا قد قرَّرنا
في عموم الحكم في الأحوال إذا كان التخصيصُ ببعضها يخالفُ
(١) سقط من ((ت)).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) زيادة من ((ت)).
(٤) زيادة من ((ت)).
٣٦٤

ما دلّ عليه اللَّفظُ من العموم في الذوات(١)، على خلاف ما يقوله
بعضُ المتأخرين.
العاشرة: فعلى هذا يدخل فيهِ الإناءُ الذِي فيهِ الطَّعام للعموم،
ولمالكٍ - رحمه الله تعالى - قولٌ: إنَّه لا يغسل إلا إناء الماء دونَ إناء
الطعام، قال في ((المُدَونَةِ)): إن كان يغسل سَبعاً للحديث، ففي
الماء وحدَه(٢) .
وقد وجّه ذلك بأمرين :
أحَدُهُما: مبنيٌ على تخصيص العامِّ بالعُرف، والعُرْفُ أنَّ الطعامَ
محفوظٌ عنْ الكلابِ مصونٌ عنها لعزَّتِهِ عندَ العرب، فلا يكاد الكلبُ
يصلُ إلا إلى آنية الماء، فيقيَّدُ اللَّفظُ بذلك.
الثاني: أنَّ في الحديث: ((فليُرِقْهُ، وَلْيَغْسِلُهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ)»،
والطعام لا يجوزُ إراقتُهُ لحرمته، ولنهيهِ وَّ عن إضاعة المال(٣).
ويَجيء على البحث المُتأخِّر وجهٌ ثالثٌ، وهو أنْ يُقالَ: هو عامٌّ
(١) ((ت)): ((الدوران)).
(٢) انظر: ((المدونة الكبرى)) (١ / ٥).
(٣) رواه البخاري (١٤٠٧)، كتاب: الزكاة، باب: قوله الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَلُونَ
النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]، ومسلم (٥٩٣)، كتاب: الأقضية، باب: النهي
ك.
عن كثرة المسائل من غير حاجة، من حديث المغيرة بن شعبة ـ
٣٦٥

في الأواني، مُطلَقٌ في أحوالها، عمِلْنا (١) به فيما إذا كان فيها الماء،
والمُطلَقُ إذا عُمِلَ به مَرَّةً [كفَى](٢) في تَأَدِّي الواجبِ، فلا يبقَى حجةً
في إناء الطعام.
فأمَّا الوجهُ الأوَّلُ: فمبنيٌ على تخصيص العموم بالعُرْف، وفيهِ
منعٌ في الأصول، والراجحُ عندَ كثيرٍ من الأصوليِّين خلافُهُ(٣).
وأمَّا الثَّاني: فضعيفٌ؛ لأنَّ عمومَ الأمر بالإراقة يقتضي إراقةً
الطعام أيضاً، وتحريمُ إراقتِهِ ممنوعٌ بعد دَلالَة العموم على الأمر
بها، وماليَّتُهُ أيضاً يمنعها القائلُ بتنجيسِهِ بعد الولوغ فيه،
وأمَّا الاستدلالُ بالنهي عن إضاعة المال، فنتكلّمُ عليه عقيبَ(٤) هذه
المسألة.
وأمَّا الوجهُ المُتَأخِّر: فمتأخِّرٌ؛ لِما بيَّنا أنَّا لو خصَّصناه ببعض
أحواله لكان الخارجُ عن تلك الحال(٥) مخصوصاً عن العموم مع دَلالَة
العموم على تناوله، ووجوب المحافظة (٦) عليها .
(١) في الأصل: ((علمنا)) والمثبت من ((ت)).
(٢) سقط من ((ت)).
(٣) انظر: ((البحر المحيط)) للزركشي (٤ / ٥١٩).
(٤) (ت)): ((عقب))، وهو الأصح.
(٥) ((ت): ((الأحوال)).
(٦) ((ت)): ((المحافظ)).
٣٦٦

الحادية عشرة: نهيُّهُ وَّهِ عن إضاعةِ المال خاصٌّ بالمال، عامٌّ
بالنسبة إلى ما يَلغُ فيهِ الكلب، وما لمْ يَلغْ فيه، وأمره ◌َّه بإراقة ما ولغ
فيهِ [الكلب](١) خاصٌّ بالنسبة إلى ما يَلغُ فيه، عامٌّ بالنسبة إلى المال
وغير المال، فكلُّ واحدٍ منهما عامٌّ من وجه، خاصٌّ من وجه، فلئن(٢)
قال أحد الخصمين: أخصُّ عمومَ الأمر بإراقة ما ولغ فيهِ الكلبُ
بالماء؛ عملاً بنهيهِ نَّهِ عن إضاعة المال، قال خصمُهُ: أخصُّ نهيَهُ وَله
عن إضاعة المال بما [لمْ)(٣) يَلَغْ فِيهِ الكلبُ؛ عملاً بقوله: ((إذَا وَلَغَ
الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ، فَلْيُرِقْهُ))، فإذا تقابلا، فلا بُدَّ من التَّرجيح، وقد
يُرجَّحُ العملُ بهذا الحديث لوجهین:
أحَدُهُما: أنْ يُقالَ: النهيُ عن إضاعة المال عامٌّ مخصوصٌ
بالاتّفاق، فإنَّهُ يخرج عنه المائعاتُ الَّتِي تغلو قيمتُها وتكثُرُ بعد وقوع
قطرةٍ من البول فيها، والعمومُ في هذا الحديث غيرُ مخصوصٌ
بالإجماع؛ أعني: [أنه](٤) لمْ يُجْمَعْ على تخصيصه، فإنَّ القائلَ
بالنَّجاسَة يعمُّ به كلَّ ما يُولَغُ فيه، والعملُ بالعمومِ الَّذِي لمْ يُجمع على
تخصيصه أَولَى من العمومِ الَّذِي أُجمِعَ على تخصيصه، فإن قال:
لا أسلِّمُ أنَّ المائعَ الَّذِي وقعت فيهِ قطرةُ البول مالٌ(٥) بعد وقوعها فيه،
(١) سقط من ((ت)).
(٢) ((ت)): ((ولئن)).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) سقط من ((ت)).
(٥) في الأصل و((ت)): ((مالاً))، والصواب ما أثبت.
٣٦٧

قال خصمُه: لا أسلُّمُ أنَّ الطعامَ مالٌ(١) بعد ولوغ الكلب فيهِ.
الوجه الثاني: أنْ يُقالَ: مقصودُ ذلك الحديث النهيُ عن التبذير
وإضاعة المال من غير غرضٍ صحيح، والمقصودُ من هذا الحديث،
إمَّا الإبعاد، وإمَّا التنزُّه عمَّا لَحِقه سؤرُ الكلب؛ لنجاسته، أو لِقذارته،
وهذا المقصودُ أخصُّ بالنسبة إلى ما يقع فيهِ الولوغ من ذلك
المقصود؛ أعني: النهيَ عن إضاعة المال، وقد ظهر اعتبارُهُ في بعض
ما يقع فيهِ الولوغ، فالعموم بالنسبة إلى هذا المقصود أمسُّ من العموم
بالنسبة إلى ذلك المقصود، إذا اعتبرنا المقاصد.
الثانية عشرة: لفظُ (الإناء) لمَّا كان عاماً دخل تحته إناءُ الفَخَّار
غيرُ المُتَرشِّح(٢) ممَّا يتشربُ الماءَ أو غيرَه، ويغوصُ فيه، وقد حُكِمَ
بطهارتهِ بالغسل، فقد يُجْعلُ أصلاً لمسألةٍ اختُلِفَ فيها، وهي
أنَّ الفخَّارَ إذا اتَّصل به نجسٌ غوَّاصُّ (٣) كالخمر، هلْ يطهُرُ بالغسل؟
وكذلك ما يناسبُهُ مثلُ الزيتون يُمَلح بماء [نجس] (٤)، والقمح يُنفَعُ
بماءٍ نجسٍٍ، وهذا البحث بناءً على نجاسة الماء، فيستمرُّ(٥) من غير
(١) (ت)): ((كون الطعام مالاً)).
(٢) في الأصل و(ب)): ((المزجج)، والمثبت من (ت)).
(٣) أي: كثير الغوص، أي: النفوذ في أجزاء الإناء. انظر: ((الشرح الكبير)) للدردير
(١ / ٦٠).
(٤) زيادة من (ت)
(٥) ات: ايستقرا.
٣٦٨

اعتراض؛ لأنَّهُ حينئذٍ لا فرقَ بين أنْ يلغَ في الماء الَّذِي في الإناء، أو
يُؤْخَذَ الماءُ الَّذِي في الإناء بعد ولوغه، ويُجعلَ في إناء فخَّار.
الثالثة عشرة: الطَّحاوِيُّ - رحمه الله تعالى - لمَّا تكلّم في مسألة
نزح ماءِ البئرِ قال: فإن قال قائل: فأنتم قد جعلتم ماءَ البئر نجساً بوقوع
النَّجاسَة فيها، وكان(١) يقتضي ذلك أنْ لا تطهُرَ البئرُ أبداً؛ لأنَّ حيطانَها
قد تشرَّبت ذلك الماءَ النجسَ واستَكَنَّ فيها، فكان ينبغي(٢) أن تُطِمَّ.
قيل [له](٣): [ألم](٤) ترَ العاداتِ جرت على هذا؟ [و](٥) قد فعلَ
عبدُ الله بن الزُّبير ما ذكرنا في ماء زمزم(٦)، ورآه أصحابُ رسول الله وله
فلمْ ينكروا ذلك عليه، ولا أنكرَهُ مَن بعدَهم، ولا رأى أحدٌ منهم
طمَّها، وقد أمرَ رسولُ اللهِ بَّهِ فِي الإناء الَّذِي قد نَجَس من ولوغ
الكلب فيهِ أن يُغسَلَ، ولم يأمرْ أنْ يكسرَ(٧)، وقد تشرَّب من الماء
(١) ((ت)): «فكان)).
(٢) (ت)): ((وكان يقتضي)).
(٣) زيادة من ((ت)).
(٤) سقط من (ت)).
(٥) سقط من ((ت).
(٦) رواه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١ / ١٧)، عن عطاء: أن حبشياً وقع في
زمزم فمات، فأمر ابن الزبير، فتُرح ماؤها ... إلخ. وإسناده ضعيف، كما ذكر
الحافظ ابن حجر في «الدراية» (١ / ٦٠).
(٧) ((ت)): ((بكسرہ)) .
٣٦٩

النجس، فكما (١) لمْ يأمرْ بكسر الإناء في ذلك، فكذلك لا يُؤْمَرُ بطمٌ
تلك البئر، فهذه فائدةٌ استنتجتُها من هذا الحديث(٢).
الرابعة عشرة: الظاهريُّ لا يرَى بالغسل إذا وقع اللعابُ في الإناء
من غير ولوغ(٣)، وهذا زيادةٌ في التَّعبُّد على ما في الغسل عندَ الولوغ
من التعبُّد، فإنَّ(٤) الأمر بالغسل لأجل اتُّصال اللعاب بالماء، لا لمعنى
يقال على غير اللعاب، فيكونُ(٥) وقوعُ اللَّعابِ فيهِ من غير ولوغ مساوياً
للولوغ، من غير أن ينافيَهِ التعبدُ بالغسل لأجل اتصال اللعاب به، وإذا
كان التعبد قليلاً في الأحكام بالنسبة إلى ما عُقِلَ معناه، كان القول به
على خلاف الغالبِ والأصلِ، ويكون هذا زيادةً في مخالفة الأصل،
ومالكٌ - رحمه الله تعالى - لما قام عنده الدليلُ على طهارة الكلب، ولم
يمكنْ مخالفةُ الأمر بالغسل، لزم الجمعُ بالقول بالتعبُّد، فالموجبُ لذلك
هو قيامُ الدليل المانع من القول بالنَّجاسَة عنده، والله أعلم.
الخامسة عشرة: هاهُنا مرتبةٌ دون الَّتِي قبلَها، وهو أن يأكلَ
الكلبُ من طعام الإناء مع بِلَّتِهِ المتصلةِ بالإناء.
(١) ((ت)): ((فلما)).
(٢) انظر: ((شرح معاني الآثار)) (١ / ١٨).
(٣) انظر: ((المحلى) لابن حزم (١ / ١٠٩ - ١١٠).
(٤) ((ت)): ((في)) بدل («فإن».
(٥) ((ت)): ((ویکون)).
٣٧٠

السادسة عشرة: وهاهُنا [مرتبة](١) أيضاً دون [مرتبةٍ] (٢) الَّتِي
قبلها، وهو أن يقعَ الكلبُ كلُّهُ في الإناء.
السابعة عشرة: لو أدخل جزءاً من أجزائه كاليد والرجل وغيرهما،
فالتعبُّد يقتضي عدمَ إجراء [هذا] (٣) الحكم في هذه المسائل، ويقتضي(٤)
القولُ بالنَّجاسَة إجراءَها(٥) فيها، وهو الَّذِي ذكره المُزَنِيُّ في ((المختصر))،
قال: وما مسَّ الكلبُ والخنزير من أبدانهما نجسٌ، وإن لمْ يكنْ فيهما
قذرٌ (٦).
وربَّما ادُّعِيت الأولويَّةُ في هذا، ووُجِّه ذلك: بأنَّ فمَهُ أنظفُ من
غيره، فإذا وردَ التغليظُ فيهِ، فغيرُهُ أَوَلَى.
ولبعض أصحاب الشَّافِعي - رحمه الله تعالى - وجه: أنَّ غيرَ
اللعاب كسائر النجاسات(٧)، والأولويةُ المذكورةُ قد تُمْنَعُ؛ لأنَّ فمهُ
محلُّ استعمال النَّجاسات أكلاً.
الثامنة عشرة: اذَّعَى بعضُ مَن يُعمِّم الحكمَ في سائر أعضائه
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) سقط من ((ت)).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) (ت): ((ومقتضى)).
(٥) ((ت)): ((إجراؤه)).
(٦) انظر: ((مختصر المزني)) (ص: ٨).
(٧) انظر: ((المجموع شرح المهذب)) للنووي (٢ / ٥٣٨).
٣٧١

الأولويَّةَ في الحکم فیھا، وذکر وجهین:
أحدهما: أنه لما نَصَّ على الولوغ، وهو أصونُ أعضاءِ الكلب،
كان وجوبُ الغسل بما ليسَ بمصونٍ منها أَوَلَی.
والثاني: أنَّ ولوغَهُ يكثُر، وإدخالُ غير ذلك من أعضائه يَقِلُّ،
فلما علَّق وجوبَ الغسل بما يكثُرُ، كان وجوبُهُ بما يقلُّ أَوَلَى؛ لأنَّ
النَّجاسَة إذا عمَّ وجودُها خَفَّ حكمُهَا، وإذا قلَّ وجودُها تغلَّظ (١)
حکمھا(٢) .
وهذا إن كان مَبنياً على القول بالقياس، وفَرعاً له، فلا يصلُحُ ردّاً
على داودَ مُنكِرِ القياس، بل طريقُه إثباتُهُ عليه، ثمَّ ادِّعَاءُ أولويَّتِهِ، وإن
كان ذلك بناءً على ما في نفس الأمر، سواءٌ قلنا بالقياس، أم لا، فهذا
إنَّما يكونُ فيما يقوَى فيهِ الإلحاقُ، كالضرب مع التأفيف، مع القول
بأنّ ذلك لیس بقیاس.
التاسعة عشرة: لا بُدَّ من التَّخصيص في الأواني عند مَن يرَى أنَّ
الغسلَ للنجاسة، ويرَى أنَّ القليل من الماء ينجُسُ بوقوع النَّجاسَة فيه،
فحينئذٍ يَخصُّ ذلك بالماء القليل، ويُخرِج عنه الماءَ الكثير.
والشَّافِعِيُّ - ﴿﴾ - لمَّا حدَّد (٣) الكثيرَ بالقُلَّتين يُخرِجُ الإناءِ الَّذِي
(١) ((ت)): ((يتغلظ)).
(٢) انظر: ((الحاوي)) للماوردي (١ / ٣١٥).
(٣) ((ت)): ((حدَّ)).
٣٧٢

[يكون](١) فيهِ قُلَّتان من العموم.
العشرون: لمَّا تَعلَّقَ الحكمُ بالإناء، فمَن قال بالتعبد يُخرِجُ عنهُ
كلَّ ما لا يُسَمَّى إناءً، كبقعةٍ من الأرض، ويدِ الإنسان(٢) مثلاً.
الحادية والعشرون: ومن قال بالتعبُّد لا يُعدِّي الحكمَ أيضاً
إلى ما (٣) لا يُسَمَّى ولوغاً، كما إذا مسَّ اللعابُ ثوباً أو جسداً أو
متاعاً، أو عضَّ صيداً، أو وَطِىءَ برطوبة يديهِ أرضاً أو بِسَاطاً أو ثوباً
[يابساً] (٤) (٥).
الثانية والعشرون: هذه الإضافةُ الَّتِي في (أحدِكُمْ)، والضميرُ الَّذِي
في (أن يغسلَهُ)، مُلغَى الاعتبارِ بخصوصِهِ في هذا الحكم؛ لأنَّ الطهارةَ
لا تتوقَّفُ على ملكه الإناء المُطَهَّر، ولا على أن يكونَ هو الغاسل.
الثالثة والعشرون: في مرتبةٍ دون هذه، وهو ما إذا صبَّ المطرُ
على الإناء [مثلاً] (٦)، و(٧) تركُهُ من غير قصدٍ قاصدٍ، والمعنى فيهِ
(١) سقط من ((ت)).
(٢) ((ت): ((إناء)).
(٣) ((ت): ((فيما)) بدل ((إلى ما)).
(٤) زيادة من ((ت)).
(٥) انظر: ((المحلى)) لابن حزم (١ / ١٠٩ - ١١٠).
(٦) سقط من ((ت)).
(٧) ((ت)): ((أو)).
٣٧٣

كالَّذِي قبلَه، لكنَّ (١) مرتبتَهُ دونَ ما قبلَه؛ لأنَّ(٢) ذاك فيهِ إلغاءُ خصوصٍ
الفاعل، [وهذا فيهِ إلغاءُ أصل الفاعل](٣)، والله أعلم.
الرابعة والعشرون: الألفُ واللامُ تكون للجنس، وتكون للعهد،
وتكون لتعريف الماهيَّةِ، وقد دخلت على لفظة (٤) (الكلب)، فيجب
النظرُ في أنَّها من أيِّ هذه الأقسام [هي](٥)؛ ليترتّبَ عليه غيرُه من
المسائل.
فأمَّا العهدُ: فسيأتي الكلامُ على مَن اذَّعى حملَ بعضٍ المسائل
علی کون الألف واللام للعهد.
وأمَّا تعريفُ الحقيقة: فإنَّهُ يلزم مِنْهُ ترتَّبُ الحكم على ولوغ كلِّ
كلب، فإنَّهُ يصير الحكم مرتباً على ولوغ ما وُجِدَت فيهِ هذه الحقيقة،
[وكلُّ كلبٍ وَلَغ فقد وُجِدَت فيهِ هذهِ الحقيقة](٦) ضرورة وجودٍ(٧)
المُطلَق في المُقَيَّد، فيَتْبت وجوبُ الغسل بالنسبة إلى كلِّ كلب والغ،
ثمَّ بعدَ ذلك بحثان دقيقان يجب أنَ ينظرَ فيهما لا يختصَّان بهذا
(١) ((ت)): ((لأن)).
(٢) في الأصل و((ب)): ((لكن))، والمثبت من ((ت)).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) ((ت)): «لفظ».
(٥) زيادة من ((ت)).
(٦) سقط من ((ت)).
(٧) في الأصل: ((وجوده))، والمثبت من ((ت)) و(ب)).
٣٧٤

الموضِع [فقط] (١) :
أحَدُهُما: حملُ الألف واللام على الجنس الاستغراقي (٢)،
والنظر في دلالته حينئذٍ على ثبوت الحكم في كلِّ فرد، أو على تَوَقُّفِهِ
على المجموع بحسب اختلاف المجال.
والثاني: الفرقُ بين هذا العموم الَّذِي جاء من حملِها على تعريف
الحقيقة، والعموم الَّذِي يأتي من حملها على الجنس الاستغراقي إذا
كان دالاً على ثبوت الحكم في كلِّ فرد، فتأمَّله.
الخامسة والعشرون: خصَّصَ بعضُ المالكيَّةِ الحكم (٣) بالكلب
المنهيِّ عن اتخاذِهِ دونَ المأذونِ فيه، وأشار بعضُهم إلى أنَّ هذا
التخصيصَ مبنيٌ على حمل الألف واللام على العهد(٤)(٥)، وهذا(٦)
التخصيصُ خلافُ العموم، وحملُهُ على العهد يحتاج إلى أمرين:
أحَدُهُما: أنْ يثبتَ تقدُّمُ النهي عن اتخاذ الكلاب على هذا الأمر
بالغسل من ولوغها .
والثاني: أنَّه - وإنْ تقدَّمَ - فلا بُدَّ من قرينة تُرشدُ إلى أنَّ المُرادَ
(١) سقط من ((ت).
(٢) ((ت)): ((للاستغراق)).
(٣) ((ت)): ((الكلب)) بدل ((الحكم)).
(٤) ((ت)): ((العهدية)).
(٥) انظر: ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (٢ / ١٠١).
(٦) (ت) زيادة: ((أو على الجنس، فإن حمل على الجنس فهذا التخصيص ... )).
٣٧٥

هذا المنهيُّ عن اتخاذه، ولا يكفي مجرَّدُ تقدُّم النهي، ولعلَّه أن يأخذَهُ
من مناسبة هذا الحكم والكُلفةِ فيهِ لتقدُّم(١) مخالفة ومعصية، فينصرفُ
إلى ما نهي عن اتخاذه، ولم يُنْتُهَ عنه، وإذا لمْ تَقُمْ قرينةٌ على إرادة
ما تقدَّمَ النهيُ عنه، فهذه المناسبةُ - الَّتِي ذكرتُ - عِلَّةٌ استُنْبِطَت من
اللَّفظ تعودُ عليه بالتخصيص، وفيهِ ما عُرِفَ في الأصول [من الخلاف
في الصحة، واختيارِهم عدمَ الصحة في كثير من المسائل](٢) .
السادسة والعشرون: إذا ولغ كلبٌ واحدٌ(٣) في إناء مرَّتين فأكثر،
فَهِلْ يُغسَلُ لكلِّ مَرَّة سبعاً، أم تكفي غسلَةٌ(٤) واحدةٌ للمرَّتين؟
فيهِ اختلافٌ عن أصحاب الشَّافِعِي رحمة الله عليه، فالمنقولُ عن
أبي سعيد الإصْطَخْرِيِّ منهم: أنَّهُ يُغْسَلُ لكلِّ ولوغ سبعاً، وتنفرِدُ كلُّ
واحدة(٥) باستحقاق السبع لها، فإنْ ولغ مرَّتين غُسِلَ أربعَ عشرةَ مَرَّة،
وإن وَلغ عشراً غسل سبعين مَرَّة، والمنقول عن أبي العبَّاس ابنِ
سُرَيج، وأبي إسحاق المَرْوَزي، وأبي عليٍّ ابن أبي هريرة: أنه يُغسَلُ
(١) في الأصل: ((التقديم))، والمثبت من ((ت)).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) ((ت)): ((الكلب)) بدل («كلب واحد)).
(٤) ((ت)): ((السبع مرة)) بدل ((غسلة)).
(٥) ((ت)): ((مرة)).
٣٧٦

من جميع ولوغه سبعاً(١).
السابعة والعشرون: إذا ولغ جماعةُ كلاب في إناء، فَهلْ يغسل
لكلِّ سبعاً(٢)، أو للجميع؟
فيهِ اختلافٌ عند الشَّافِعية والمالكية، وجمع الماوَرْدِيُّ [بين](٣)
هاتين المسألتين(٤) فحكَى فيهما ثلاثةَ أوجه(٥):
الثالث - وهو قول بعض المُتأخِّرين -: أنَّهُ إذا(٦) كان تكراراً
لولوغ مِن كلبٍ واحد اكتُفِيَ فِيهِ بسبع، وإن كان من كلابٍ وجب أن
يُفْرَدَ ولوغُ كلِّ كلب بسبع.
قال: ولا أعرف بينهما فرقاً، والأَصَحُّ هو الوجهُ الثاني(٧)، والله
أعلم(٨)؛ يريد الَّذِي حكيناه عن أبي العبّاس بن سُرَيج ومن معه.
قُلْتُ: علَّلَ الماورديُّ ذلك الوجهَ بأنَّ الأحداثَ لَمَّا تداخلَ
(١) انظر: ((حلية العلماء)) للقفال (١ / ٢٤٧).
(٢) ((ت)): ((فهل يغسل سبعاً لكل واحد)).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) أي: بين مسألة ولوغ كلب واحد في إناء مرتين فأكثر، وبين ولوغ جماعة كلاب
في إناء.
(٥) تقدم الوجهان في المسألة السابقة .
(٦) ((ت)): ((إن)).
(٧) في النسخ الثلاث: ((الأول))، والمثبت من المطبوع من ((الحاوي))، وهو الصواب.
(٨) انظر: ((الحاوي)) للماوردي (١/ ٣١٠ -٣١١).
٣٧٧

بعضُها في بعض، كان تداخلُ الولوغ اعتباراً له بسائر الأنجاس أَولَى
بالتداخل، فهذا يرجعُ إلى التعليل بأمر خارج عن اللَّفظِ الَّذِي ورد في
هذا الحديث، ويعود إلى القياس.
وأمَّا إنْ أردنا أنْ نَردَّ المسألتين إلى لفظ [هذا] (١) الحديث، فقد ذكر
بعضُ المالكية بناءَه على ما تقتضيه الألفُ واللامُ، فنقول في بيانه :
إِنَّا إِنْ حملنا الألف واللامَ على تعريف الحقيقة، اقتضى ذلك
تكرارَ الغسل عند تكرر الولوغ من كلب واحد لوجود الحقيقة في كلِّ
مَرَّة، ولا يجبُ على تقدير حملها على الاستغراق؛ بمعنى: ثبوتُ
الحكمٍ في كلِّ فرد؛ لأنَّهُ(٢) لو قيل: إذا ولغ كلُّ كلب، فولغ [كلُّ](٣)
كلبٍ مَرَّة، لمْ يدخلْ [تحتَ](٤) اللَّفظ - الَّذِي هو (كلُّ كلب) - ولوغُهُ
مَرَّةَ ثانية [من واحد](٥).
وإذا(٦) حملناه على الاستغراق، بمعنى: ثبوت الحكم في (٧) كلِّ
فرد، لزم تكررُ الغسلِ عند ولوغ جماعة من الكلاب، ولا يلزم عند
تکژُّر الولوغ من واحد.
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) في الأصل: ((ولأنَّهُ))، والمثبت من ((ت)).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) سقط من ((ت)).
(٥) زيادة من ((ت)).
(٦) ((ت): ((وإن)).
(٧) ((ت)): ((تحت)) بدل ((في)).
٣٧٨

الثامنة والعشرون: ما تولَّدَ من كلبٍ(١) وحيوانٍ طاهرِ مُلحَقٌ (٢)
بالكلب عند مَن يرَى التعليل بالنَّجاسَة مع ضَميمة [مقدمة](٣) أُخرَى،
وهو تغليبُ المُحرِّم على المبيح، ومَن يقول بالتعبُّد أو الظاهِرِ
لا يُلحقُهُ به؛ لانتفاء الاسم، والله أعلم.
التاسعة والعشرون: هاهُنا مرتبةٌ دونَ الَّتِي قبلَها، وهي أنَّ الحكمَ
معلَّقٌ بولوغ الكلب، فَهَلْ يُلحَقُ به الخنزيرُ في هذا الحُكم؛ أعني:
الغسلَ سبعاً؟
فيهِ اختلافٌ محكيٌّ عن مالك والشَّافِعِي، رحمة الله عليهما(٤).
وبعضُ الشَّافِعية - رحمهم الله - لا يُثبِتُ القولَ بعدم الإلحاق،
ومَن أثبته - أو بعضُ من أثبته - منهم نسبَهُ إلى القديم، وذكر المُزَنِيُّ
عن الشَّافِعي - رحمة الله عليهما -: أنَّهُ احتجَّ بأنَّ الخنزير أسوأ حالاً
من الكلب(٥)، فقاسه عليه، وقرَّرَ كونَ الخنزير أسوأ حالاً بوجهين:
(١) ((ت)): ((الكلب)).
(٢) ((ت)) زيادة: ((وغيره)).
(٣) زيادة من ((ت)).
(٤) انظر: ((المجموع شرح المهذب)) للنووي (٢ / ٥٢٤)، و((مواهب الجليل))
للخطاب (١ / ١٧٨).
(٥) انظر: ((الأم)) للإمام الشافعي (١ / ٦). وقال الإمام أحمد: هو شر من الكلب.
انظر: ((الفروع)) لابن مفلح (١ / ٢٠٤).
٣٧٩

أحدُهُما: أنَّ نجاستَهُ بالنَّصِّ، والكلبُ نجاستُهُ (١) بالاستدلال.
والثاني: أنَّ تحريمَ الانتفاع بالخنزير عامٌّ، وبالكلب خاصٌّ (٢).
والأول ممنوعٌ؛ أعني: [أن](٣) نجاسةَ الخنزير بالنص، والَّذِي
استدلَّ به على هذا، قولُهُ تعالى: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِىَ إِلَّ مُحَرَّمًا عَلَى
طَاِمٍ يَطْعَمُهُ: إِلَّ أَنْ يَكُونَ مَيْنَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِزِيرٍ فَإِنَّهُ
رِجْسُ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، بناءً على أنَّ المرادَ بلحم الخنزير هو جملةٌ
الخنزيرِ؛ لأنَّ لحمَه قد دخل في عموم الميتة، فكان حمله على الجملة
أَوَلَى من حمله على (٤) التكرار(٥)، فيقال عليه: إنَّ حملَهُ على ما ذكرتَ
يلزَمُ مِنْهُ مجازُ إطلاقِ لفظِ البعضِ على الكلِّ.
واعلم أنَّ إلحاقَ الخنزير بالكلب قويٌّ على مذهب مَن يرَى
التعليلَ بالإبعاد بناءً على هذين الوجهين؛ لأنَّهُما يثبتان زيادةً فيما جعلَ
علَّةً، وهو الإبعاد، فيكون من باب ثبوت الحكم فيما هو أَولَى
بالعِلَّة، ولا يساوي ذلك إلحاقه على التعليل بالنَّجاسَة؛ لأنَّ زيادةَ
الإبعاد ليست قوةً فيما جُعِل ◌ِلَّةٌ، وإنَّما يُنْقَلُ (٦) إلى ذلك بطريق خارج
يَتجاذبُهُ النظرُ، والخمرُ مبعدةٌ ممنوعٌ مِن اتخاذها، ولم يلزم غسل
(١) ((ت)): ((ونجاسة الكلب)).
(٢) انظر: ((الحاوي)) للماوردي (١/ ٣١٥).
(٣) زيادة من ((ت)).
(٤) في الأصل: ((من))، والمثبت من ((ت)).
(٥) انظر: ((تفسير القرطبي)) (٢/ ٢٣٣)، و((البحر المحيط)) لأبي حيان (٤ / ٦٧٤).
(٦) ((ت)): ((ينتقل)).
٣٨٠