Indexed OCR Text
Pages 161-180
واعلمْ أنَّ المتغيرَ بأصل خلقته يدخلُ تحتَ مدلول اللفظ إذا قلنا: إنَّ اسمَ البحرِ ينطلقُ على المالح والحلو، وإلا فالمالحُ بأصل خلقته لا يقال في صفاته: إنها متغيرة، إلا بالنسبة إلى غيره، مما (١) لا يدل عليه لفظ البحر، والله أعلم. (١) ((ت)): ((فيما)). ١٦١ الحديث الثاني وعنه؛ أي: وعنْ أبي هريرةَ ظُه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَالت: ((لاَ يُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِيْ الْمَاءِ الدَّائِمِ(١)، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ))، أخرجه مسلم (٢). (١) في النسخ الثلاث زيادة: ((الذي لا يجري))، ولعلها إقحام من النَّسخة، إذ لم يخرج مسلم هذه اللفظة في هذا السياق، ولعله مما يؤكد هذا الإقحام: قول المؤلف رحمه الله في المسألة الأولى من الوجه الرابع: وقد جاء في بعض الأحاديث: «الذي لا يجري)). وكذا ساقها المؤلف في كتابه ((الإمام)) (١ / ١٩٦) دون لفظ «الذي لا يجري)). وكذا في النسخة الخطية من كتاب ((الإلمام)) بخط الإمام ابن عبد الهادي (ق٢/ ب). وكذا في كتاب: ((الاهتمام بتلخيص كتاب الإلمام)) للإمام قطب الدين الحلبي (ص: ٢٢)، والله أعلم. (٢) * تخريج الحديث: الحديث رواه مسلم (٢٨٢ / ٩٥)، كتاب: الطهارة، باب: النهي عن البول في الماء الراكد، وأبو داود (٦٩)، كتاب: الطهارة، باب: البول في الماء الراكد، من طريق هشام، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، به. ورواه النسائي (٥٧)، كتاب الطهارة، باب: الماء الدائم، من طريق عوف، عن ابن سیرین، به . ورواه النسائي (٥٨)، كتاب: الطهارة، باب: الماء الدائم، من طريق يحيى بن عتيق، عن ابن سيرين، به . = ١٦٣ الكلام علیه من وجوه : * [الوجه](١) الأول: في التعريف بمَنْ ذُكِر (٢): = ورواه النسائي (٤٠٠)، كتاب: الغسل والتيمم، باب: ذكر نهي الجنب عن الاغتسال فى الماء الدائم، من طريق أيوب، عن ابن سيرين، به. ورواه البخاري (٢٣٦)، كتاب: الوضوء، باب: البول في الماء الدائم، من طريق شعيب، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، به. ورواه النسائي (٣٩٨)، كتاب: الغسل والتيمم، باب: ذكر نهي الجنب عن الاغتسال في الماء الدائم، من طريق ابن عجلان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، به. ورواه مسلم (٢٨٢/ ٩٦)، كتاب: الطهارة، باب: النهي عن البول في الماء الراكد، والنسائي (٣٩٧)، كتاب: الغسل والتيمم، باب: ذكر نهي الجنب عن الاغتسال في الماء الدائم، والترمذي (٦٨)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في كراهية البول في الماء الراكد، من طريق معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، به. ورواه مسلم (٢٨٣)، كتاب: الطهارة، باب: النهي عن الاغتسال في الماء الراكد، والنسائي (٢٢٠)، كتاب: الطهارة، باب: النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم، وابن ماجه (٦٠٥)، كتاب: الطهارة، باب: الجنب ينغمس في الماء الدائم، أيجزئه؟ من طريق عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة، عن أبي هريرة، به. * تنبيه: قوله: ((أخرجه مسلم)) كذا هو في النسخ الثلاث، لكن سيأتي قول المؤلف في الوجه الثالث من هذا الحديث قوله: ((ونبهت بقولي - أي تخريج الحديث -: لفظ مسلم))، وكذا في ((الإلمام)) للمؤلف (ق٢/ ب) قال: ((لفظ مسلم))، قلت: ولعل قوله: ((لفظ مسلم)) هو المراد؛ لما ذكره في الوجه الثالث في هذا الحديث، وهو اختلاف لفظ غير مسلم، عن لفظ مسلم، فكلام ابن دقيق رحمه الله دقیق، والله أعلم. (١) سقط من (ت)). (٢) ((ت)): ((ذكرنا)). ١٦٤ فأمَّا أبو هُرَيْرَةَ: فقد تقدم التعريفُ به، والذي نزيده هاهنا مما يتعلَّق به ما رواه محمد بن سعد الكاتب قال: [حدثنا عارم بن الفضل قال: ثنا حماد بن زيد، عن عباس (١) الجُريري قال: سمعت أبا عثمانَ النَّهدي قال](٢): تَضَّفت أبا هريرة سبعاً، فكانوا يتناوبون الليلَ أثلاثاً، ثلثاً هو، وثلثاً امرأتُهُ، وثلثاً خادمُهُ. قال: وقلت لأبي هريرة: كيف تصومُ يا أبا هريرةَ؟ قال: أما أنا فإني أصوم في الشهر ثلاثاً، فإنْ حَدَثَ حدثٌ كنتُ قد قضيته(٣). وأما مُسْلِمٌ رحمة الله عليه: فهو أبو الحسين مسلم بن الحجّاج بن مسلم القُشيري النَّيسابوري، أحدُ الأئمة في هذه الصناعة، والفائزين بالربح في هذه البضاعة، وقد أعظمَ الله تعالى به النفعَ للمسلمين، ورفع له وللبخاري ذِكْراً صالحاً في الغابرين (٤)، وجعل أفئدة المسلمين(٥) بعدهما تَهْوي إليهما، وربط قلوبَهم على الوثوق بهما، والاعتمادِ عليهما، ذلك فضلُ الله يُؤْتيه من يشاء، واللهُ ذو الفضلِ العظيمِ. (١) في الأصل ((الغياضي)) وهو خطأ. (٢) سقط من ((ت)). (٣) لم أقف عليه في المطبوع من ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد. وقد رواه البخاري (٥١٢٥)، كتاب: الأطعمة، باب: الرطب بالقثاء، والإمام أحمد في ((المسند)) (٢ / ٣٥٣)، من طريق حماد بن زيد، به. ولفظ الإمام أحمد أقرب إلى اللفظ الذي ساقه المؤلف رحمه الله . (٤) ((ت)): ((الغابرين)). (٥) في الأصل: ((في المسلمين))، وفي (ب)): ((من المسلمين))، والتصويب من ((ت)). ١٦٥ قال أبو عليٍّ الحسينُ بن علي النيسابوريُّ: ما تحتَ أديمِ السماء كتابٌ أصحُ من كتاب مسلم بن الحجاج(١). وذكر الحاكمُ أبو عبد الله محمدُ بن عبد الله النيسابوري: [أنَّ](٢) الحسينَ بنَ منصورٍ قال: سمعت إسحاقَ بنَ إبراهيم الحنظليَّ يقول - وقد نظر إلى مسلم بن الحجاج -: مرد كابن برد(٣) (٤). قال الحاكم: قرأت بخط أبي عمرو الْمُسْتَمْلِي، سمعت أبا أحمد محمد بن عبد الوهاب يقول، وذكر حديثاً عن الحسين بن الوليد في مَسِّ الذَّكَر، فقال: كان مسلم بن الحجاج يُعجبه هذا الحديثُ، ویراه، ويأخذ به، وكان مسلم بن الحجاج من علماء الناس وأوعية العلم، ما علمت عليه إلا خيراً، وكان بَرّاً - رحمه الله تعالى - بأبيه، وكان أبوه الحجاجُ بن مسلم من مشيخة أبي، رضي الله عنهما(٥). وقال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن يعقوب غيرَ مرّةٍ يقول: إنما أخرجتْ نَيَسابورُ هذه من رجال الحديث ثلاثةً: محمد بن يحيى، (١) رواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (١٣ / ١٠١)، ومن طريقه: ابن عساكر في (تاريخ دمشق)» (٥٨/ ٩٢)، وابن نقطة في ((التقييد)) (ص: ٤٤٧). (٢) في الأصل: ((أبا))، و((ت)): ((أبو))، وكلاهما خطأ، وفي (ب)): ((أن أبا))، وهو خطأ أيضاً، والتصويب من ((معرفة علوم الحديث)) . (٣) (ت)): ((من راك بن بود)). (٤) رواه الحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) (ص: ٧٨)، ومن طريقه: الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (١٣ / ١٠١ - ١٠٢)، وابن نقطة في ((التقييد)) (ص: ٤٤٨)، قال أبو بكر المنكدري شيخ الخطيب: وتفسيره: أي رجل كان هذا. (٥) ورواه من طريق الحاكم: ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٥٨/ ٨٩). ١٦٦ ومسلم بن الحجاج، وإبراهيم بن أبي طالب(١) (٢). وقال: حدثنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم قال: سمعت أحمدَ ابن سلمة(٣) يقول: رأيت أبا زرعة وأبا حاتم يقدِّمان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما (٤). وقال: قرأت بخط أبي عمرو المُسْتَملي: أملى علينا إسحاق بن منصور سنةً إحدى وخمسين ومئتين، ومسلمُ بن الحجاج ينتخبُ(٥) عليه، وأنا (٦) المستملي، فنظر إسحاق بن منصور إلى مسلم فقال: لنْ يُعدَمَ الخيرُ ما أبقاكَ اللهُ للمسلمين(٧). (١) في الأصل و(ب)): ((طاهر))، والصواب ما أثبت كما في ((ت)). (٢) ورواه من طريق الحاكم: ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٥٨/ ٩١). في الأصل و((ب)): ((مسلمة))، والصواب ما أثبت كما فى ((ت)). (٣) (٤) ورواه من طريق الحاكم: ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٥٨/ ٨٩)، وابن الصلاح في ((صيانة صحيح مسلم)) (ص: ٦١). ورواه (الخطيب) في ((تاريخ بغداد)) (١٣ / ١٠١)، ومن طريقه: ابن نقطة في ((التقييد)) (ص: ٤٤٧)، وابن العطار رشيد الدين في ((غرر الفوائد المجموعة)) (ص: ٣٢٨ - ٣٢٩). (٥) (ت): ((یبحث)). (٦) في الأصل: ((وأبا))، والتصويب من ((ت)). (٧) ورواه من طريق الحاكم: ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٨٨/٥٨). قلت: قال الذهبي في (سير أعلام النبلاء)) (١٢ / ٥٦٢): ذكر الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في ((تاريخه)) مسلماً؛ بناء على سماعه من محمد بن خالد السكسكي فقط، والظاهر أنه لقيه في الموسم، فلم يكن مسلم ليدخل دمشق فلا يسمع إلا من شيخ واحد، والله أعلم. ١٦٧ وقال الحاكم في ابتداء ترجمة مسلم بن الحجاج: مسلم بن الحجاج بن مسلم الإمام، أبو(١) الحسين القَشَيري ثم النيسابوري، المقدَّم، الحجة في التمييز بين الصحيح والسقيم. وذكر الحاكمُ مصنفاتِهِ: كتاب ((المسند الكبير على الرجال))، قال: وما أرى أنه سمعه منه أحد، [كتاب ((الجامع الكبير)) على الأبواب](٢)، كتاب ((الأسامي والكُنى))، كتاب ((المسند الصحيح))، كتاب ((التمييز))، كتاب ((العلل))، كتاب ((الوحدان))، كتاب ((الأقران)»، كتاب ((سؤلات أحمد بن حنبل))، كتاب ((الانتفاع بأهب السباع(٣))، كتاب ((عمرو بن شعيب))، قال: يذكر كلَّ من يُحتَجُّ بحديثه وما الخطأ(٤) فيه، كتاب ((مشايخ مالك بن أنس))، كتاب («مشايخ الثوري))، كتاب ((مشايخ شعبة))، كتاب ((من ليس له إلا راوٍ واحدٌ من رواة الحديث))، كتاب ((المخضرمين))، كتاب ((أوهام المحدثين))، كتاب ((تفضيل الحديث عن رسول الله وَ طيف))، كتاب ((طبقات التابعين))، كتاب ((أفراد السامعين [من الحديث عن رسول الله وَلق﴾](٥))، [كتاب ((المعرفة](٦))، كتاب «ما أخطأ [فيه](٧) معمر)). (١) في الأصل: ((أبوه))، والتصويب من ((ت)). (٢) سقط من ((ت)). في النسخ الثلاث: ((السماع))، والصواب ما أثبت. (٣) (٤) ((ت)): ((أخطأ)). (٥) سقط من ((ت)). ما بين معكوفتين جاء في ((ت)) بعد قوله: ((كتاب طبقات التابعين)). (٦) (٧) زيادة من ((ت)). ١٦٨ وكانت وفاة مسلم - رحمه الله تعالى - عشيةً [يوم](١) الأحد، ودفن يوم الإثنين سنة إحدى وستين ومئتين، رحمه الله تعالى(٢). * الوجه الثاني: في مَخْرَجه [ومُخَرِّجه](٣): [و](٤) هو مرويٌّ من حديث أبي هريرة من غيرِ ما وجهٍ، وقد أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ والنسائيُّ. فأخرجه البخاري من حديث شُعيب، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، بإسناد حديث قدَّمه عليه(٥)، ثم قال: (١) زيادة من ((ت)). (٢) * مصادر الترجمة : (الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (٨/ ١٨٢)، ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم (ص: ٧٨)، ((تاريخ بغداد)) للخطيب (١٣/ ١٠٠)، ((الإرشاد في معرفة علماء الحديث)) للخليلي (٣/ ٨٢٥)، («تاريخ دمشق)) لابن عساكر (٥٨/ ٨٥)، ((التقييد)) لابن نقطة (ص: ٤٤٦)، ((صيانة صحيح مسلم)) لابن الصلاح (ص: ٥٥)، ((تهذيب الأسماء واللغات)) للنووي (٢ / ٣٩٥)، ((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (٥/ ١٩٤)، ((تهذيب الكمال)) للمزي (٢٧ / ٤٩٩)، ((سير أعلام النبلاء)) (١٢/ ٥٥٧)، ((تذكرة الحفاظ)) (٢ / ٥٨٨)، ((الكاشف)) ثلاثتها للذهبي (٢/ ٢٥٨)، ((تهذيب التهذيب)) (١٠/ ١١٣)، ((تقريب التهذيب)) كلاهما لابن حجر (تر: ٦٦٢٣)، ((طبقات الحفاظ)) للسيوطي (ص: ٢٦٤)، (المقصد الأرشد)) لابن مفلح (٣/ ٣١)، وغيرها. (٣) سقط من ((ت)). (٤) سقط من ((ت)). (٥) وهو قوله ول﴾: ((نحن الآخرون السابقون)). ١٦٩ وبإسناده قال: ((لا يَبولَنَّ أحدُكم في الماءِ [الدائمِ](١)، ثمَّ يَغتسِلُ فيه (٢)))(٣) . وأخرجه مسلم من حديث جرير، عن هشام، عن محمد - هو ابن سيرين -، عن أبي هريرة، ولفظه: «لا يَبولَنَّ أحدُكم في الماءِ الدائمِ، ثمَّ يَغْتَسِلُ منه (٤)(٥). وأخرجه النسائيُّ من حديث يحيى بن عَتَيق(٦)، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، ولفظه كذلك: ((لاَ يَبولَنَّ أحدُكم في الماءِ الدائمِ، ثُمَّ يَغْتسِلُ منه))(٧). ورواه النسائيُّ عن يعقوب بن إبراهيم، عن إسماعيل بن يحيى [و](٨) قال: كان (٩) يعقوبُ لا يحدِّث بهذا الحديث إلا بدينار(١٠). ورواه أيضاً من حديث عوف، عن محمد، عن أبي هريرة، (١) سقط من ((ت)). (٢) ((ت)): ((منه)) . (٣) تقدم تخريجه قريباً. (٤) ((ت)): (فيه)). (٥) تقدم تخريجه قريباً. (٦) يحيى بن عَتيق: بفتح العين المهملة، وكسر التاء باثنين من فوقها، وآخره قاف. كذا ضبطه المؤلف في ((الإمام)) (١ / ١٩٨). (٧) تقدم تخريجه قريباً. (٨) سقط من ((ت)). (٩) ((ت)): ((وكان)). (١٠) كما تقدم تخريجه قريباً. ١٧٠ ولفظه: ((لاَ يَبْوَلَنَّ أحدُكم في الماءِ الدائمِ ثمَّ يتوضأُ منه». قال عوفٌ: وقال خِلاسٌ، عن أبي هريرة، عن النبيِ وَّهِ مثلَه(١). * الوجه الثالث: في الاختيار: تُقُدِّم عليه مقدمةً وهي: أنَّ أهل الحديث إذا قالوا في حديث: أخرجه فلان وفلان مثلاً، أو رووه من غير جهة الكتب المشهورة وقالوا: أخرجه فلان، فإنما يعنون بذلك تخريج أصل الحديث دون آحادِ الألفاظ والحروف. وينبغي للفقيه المُستِدلِّ بلفظة من الحديث إذا نَسبَ الحديثَ إلى كتاب أن تكونَ تلك اللفظةُ التي تَدُلُّ على ذلك الحكم الذي اختاره موجودةً في ذلك الكتابِ بعينها، ولا يُعذَرُ في هذا كما يُعذر المحدثُ؛ لأنَّ صناعتَهُ تقتضي النظرَ إلى مدلول الألفاظ، وأكثرُ نظر المحدِّث فيما يتعلَّق بالأسانيد ومخارج الحديث، والنظرُ في مدلول اللفظة المعينة خارجٌ عن غرضه (٢)، وهو مُتعلَّقُ غرضِ الفقيهِ عيناً، وعن هذا ينبغي أنْ تتفقَّدَ التراجمَ التي يذكرونها(٣) في المصنفات، فإن دلَّت الترجمةُ على الحكم الذي يريد إثباتَه باللفظة المعينة، ثم قال: (١) تقدم تخريجه قريباً. (٢) ((ت)): ((الغرض به)). (٣) ((ت)): ((تذکر فیها)). ١٧١ أخرجه فلان، ولم تكنْ تلك اللفظة التي هي عمدة دليله موجودةً في تلك الكتب، كان متسامحاً أو مخطئاً. إذا ثبت هذا فنقول: لما كان هذا الكتاب الذي نحن في شرحه كتاباً مقصودُه الاستدلالُ على الأحكام الفقهية، وكان مُتعلَّقُ نظر الفقهاء هو مدلولاتُ الألفاظ، وفيها تتفاوتُ رتبُهم ومفهوماتَهم، وجبَ أن نراعيَ اللفظَ الذي يُنسَبُ إلى الكتاب، وإنْ ذُكِر أنَّ غيرَه أخرجه معه، فالاعتمادُ على مَنْ نُسِبَ [إليه](١) أولاً، أو (٢) أضيفت النسبةُ إليه لفظاً. وقد اختلفتْ ألفاظُ هذا الحديث في الكتب المشهورة، ففي بعضها: (ثمَّ يغتسلُ منه))، وفي بعضها: ((ثم يغتسل فيه))، وفي بعضها: ((ثم يتوضأ منه))، ولم يمكن أن ننسبها نسبةً مطلقة إلى جميع الكتب التي خُرِّجت فيها؛ لاختلاف الألفاظ واختلاف مدلولاتها - وإن كانت متقاربةً [في](٣) المعنى -؛ لما ذكرناه، فذَكَرْتُ روايةَ مسلم - رحمه الله تعالى - واقتصرتُ على لفظها، ونبّهتُ بقولي: ((لفظ مسلم)) على اختلافٍ في لفظٍ غيرِهِ. (١) سقط من ((ت)). (٢) ((ت): ((و)). (٣) سقط من ((ت)). ١٧٢ * الوجه الرابع: في شيء من مفرداته، وفيه مسائل: الأولى: الماء الدائم: هو الماء الراكد الذي لا يجري، وقد جاء في بعض الأحاديث: ((الَّذِي لا يَجْرِي))(١)، وهو تفسيرٌ للدائم وإيضاحٌ لمعناه، وقال بعضُهم(٢): يَحتمِلُ أن يكونَ احترَزَ عن راكدٍ يجري بعضُهُ کالبِرَكِ ونحوها. الثانية: إذا ثبت أنَّ الراكدَ هو الساكنُ غيرُ المتحرِّك، فمُقَابِلَهُ وهو الجاري، يكون هو المتحرك، والشافعيةُ - رحمهم الله تعالى - استنبطوا من الحكم المتعلّق بالراكد معنى اقتضى أن يُحكَمَ في بعض ما هو متحرِّكُ حسّاً أنه في حكم الراكد، وذلك أنهم جعلوا العلّةَ في اتحاد حكم الراكد ترادَّهُ، بخلاف الجاري، ونشأً عن(٣) هذا: أنَّه لو كانُ الماءُ يستديرُ في بعض أطراف الحوض، ثم يشتدُّ في المنفذ، أنَّ له حكمَ [الماء](٤) الراكد، فإن الاستدارة في معنى التدافع، والترادُّ يزيد على الركود. هذا هو المحكيُّ عن إمام الحرمين(٥)، وسيأتي ما هو شبيهٌ بهذا. الثالثة: قولُه عليه الصلاة والسلام: ((لاَ يَبولَنَّ أحدُكم في الماءِ الدائم، ثمَّ يَغتسِلُ منه)). (١) كما تقدم تخريجه عند البخاري برقم (٢٣٦)، ومسلم برقم (٢٨٢ / ٩٦). (٢) هو الإمام النووي كما في ((شرح مسلم)) له (٣ / ١٨٧). (٣) ((ت)): ((من)). (٤) سقط من ((ت)). (٥) انظر: ((الوسيط)) للغزالي (١ / ١٨٧)، و((المجموع في شرح المهذب)) للنووي (٢٠٣/١). ١٧٣ [فيه](١) نهيٌ عن شيئين، والنهيُّ عن الشيئين تارةً يكون على الجمع، وتارةً یکون عن الجمع : أما النهيُ على الجمع فيقتضي المنعَ من كلِّ واحد منهما. وأما النهي عن الجمع فمعناه: المنعُ من فعلهما معاً بقيد الجَمْعِيَّةِ، ولا يَلزَمُ [منه] (٢) المنعُ من أحدهما، إلا (٣) مع الجَمْعِيَّة، فيمكنُ أن يُفْعَلَ أحدُهما من غير أن يُفْعَلَ الآخرُ. والنهيُ عن الجمع مشروطً بإمكان الانفكاك بين الشيئين، والنهي على الجمع مشروط بإمكان الخلو عن الشيئين، والنهي على الجمع منشؤه أن يكونَ في كل واحد منهما مفسدةٌ تستقل بالمنع، والنهي عن الجمع حين تكون المفسدةُ ناشئةً عن اجتماعهما. [و](٤) إذا ثبت هذا، فهذا الحديث الذي نحن فيه من باب النهي عن الجمع؛ أي: لا يُجمع بين البولِ في الماء الراكد والاغتسالِ منه. والروايةُ التي يأتي ذكرها من حديث محمد بن عجلان: ((لاَ يَولَنَّ أحدُكم في الماءِ الدائمِ، ولا يَغْتسِلُ فيه)) نهيٌّ على الجمع(٥)(٦). (١) سقط من ((ت)). (٢) سقط من ((ت)). (٣) في الأصل: ((لا))، والتصويب من ((ت)). (٤) سقط من ((ت)). (٥) ((ت)): ((عن الجمع))، وجاء في هامشها: ((لعله: على الجميع)). (٦) نقل هذه القاعدة عن الإمام ابن دقيق: الفاكهاني في ((رياض الأفهام)) (ق٩) عند شرح الحديث الخامس، والزركشي في ((البحر المحيط)» (٣/ ٣٧٩). ١٧٤ * الوجه الخامس: في شيء من العربية: قال الشيخ أبو العباس أحمدُ بن عمرَ بن إبراهيم القرطبي في كتاب ((المُفْهِم)»: الرواية الصحيحة ((يغتسلُ)) برفع اللام، ولا يجوز نصبها، إذ لا يُنتصَب(١) بإضمار (أن) بعد (ثم)، وبعض الناس قيَّده(٢) ((ثم يغتسل)) مجزومَ اللام على العطف على ((يبولن))، وهذا ليس بشيء، إذ لو أراد ذلك لقال: ((ثم لا يغتسلَنَّ)؛ لأنه إذ ذاك يكون عطفَ فعلٍ على فعل، لا عطفَ جملةٍ على جملة، وحينئذٍ يكون الأصلُ مساواةَ الفعلين في النهي عنهما، وتأكيدهِما بالنون الشديدة، فإنَّ المحلَّ الذي تواردا (٣) عليه هو شيء واحد، وهو الماء، فعدُولُه عن ((ثُمَّ لا يغتسلنَّ)) إلى ((ثم(٤) يغتسل)» دليلٌ على أنه لم يُرِد العطف، وإنما جاء ((ثم يغتسل)) على التنبيه على مآل الحال، ومعناه: أنه إذا بال فیه قد يحتاج إليه، فيمتنع عليه استعماله لما أوقع فيه من البول. قال: وهذا مثلُ قولهِ نَّه: ((لا يضربْ أحدُكم امرأتَهَ ضربَ الأمة، ثمَّ يضاجِعُها))(٥) برفع (يضاجعُها)، ولم يروه أحدٌ بالجزم، (١) ((ت)): ((ينصب)). (٢) ((ت)): ((وقيده بعض الناس)). في الأصل، وكذا المطبوع من ((المفهم)): ((توارد)»، والتصويب من ((ت)). (٣) (٤) ((ت)): (ولا)). رواه البخاري (٤٦٥٨)، كتاب: التفسير، باب: تفسير سورة ﴿وَالشَّمْسِ (٥) وَضُحَنَهَا﴾ [الشمس: ١]، ومسلم (٢٨٥٥)، كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء، والإمام أحمد في ((المسند)) = ١٧٥ ولا يتخيّلُه فيه؛ لأن المفهوم منه(١): [أنه](٢) إنما نهاه عن ضربها؛ لأنه يحتاج إلى مُضَاجعتها في ثاني حال، فيمتنع عليه ما شاءه بما أساء من معاشرتها، ويتعذرُ عليه المقصودُ لأجل(٣) الضرب، وتقدير اللفظ: (ثم هو يضاجعها)، و(ثم هو يغتسل)، انتهى ما ذكره(٤). وفي بعض إطلاقاته هذه نظر(٥)، وهذا المعنى الذي ذكره يقتضي أنه كالتعليل للنهي عن البول في الماء الراكد، لا عن الغسل منه، ويكون النهيُ عن الغسل [منه](٦) ليس من مدلول اللفظِ مباشرةً، بل من مدلولاته التزاماً، من حيثُ إنه لو لم يكن البول فيه مانعاً من الغسل أو الوضوء منه، لما صحَّ تعليلُ النهي عن البول فيه بأنه سيقعُ منه الغسلُ فيه، لكنَّ التعليلَ صحيحٌ على حَسَبِ ما اقتضاه الكلامُ عنده، فوقع النهي عن الغسل منه بعد البول بطريق الالتزام؛ لأنه لازم لصحة = (٤ / ١٧)، من حديث عبد الله بن زمعة ه بلفظ: ((علامَ يضرب أحدكم امرأته ضرب العبد؟ ثم يضاجعها من آخر الليل))، واللفظ لأحمد. (١) ((ت): ((فيه). (٢) سقط من ((ت)). (٣) ((ت)): ((من أجل)). انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٥٤١ - ٥٤٢). (٤) (٥) انظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (١ / ٣٤٧) وما أورده من تعقب على كلام القرطبي . وقد نقل السفاريني في ((كشف اللثام)) (١ / ٧٣) عن ابن رجب في بعض تعاليقه نحواً مما قاله القرطبي، رحمهم الله أجمعين. (٦) سقط من ((ت)). ١٧٦ التعليل، وفي تعيين هذا المعنى - الذي ذكره لأنْ يُحَملَ عليه اللفظُ - نظرٌ. وذكر الشيخ أبو زكريا النووي رحمه الله تعالى: أن الرواية ((يغتسلُ)) مرفوعٌ؛ أي: لا تبل ثم أنتَ تغتسل منه(١)، في كلامه [على] هذا الحديث الذي لفظه: ((لاَ تَبِّلْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لاَ يَجْرِيٍ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ مِنْهُ))(٢). قال: وذكر شيخُنا أبو عبد الله بن مالك: أنه يجوز أيضاً جزمُهُ عطفاً على ((يبولن))، ونصبُه بإضمار (أن) بإعطاء (ثم) حكمَ واو الجمع(٣). قال النواوي: فأما الجزم فظاهر، وأما النصب فلا يجوز؛ لأنه يقتضي أن المنهيَّ عنه الجمع بينهما، دونَ إفرادِ أحدِهما، وهذا لم يقله(٤) أحد، بل(٥) البول منھيُّ عنه؛ سواءٌ أراد الاغتسال فيه، أو منه، أو لا، والله أعلم(٦) . (١) (ت)): «ثم تغتسل أنت فيه)). هو رواية مسلم المتقدم تخريجها برقم (٢٨٢ / ٩٦). (٢) انظر: ((شواهد التوضيح)) لابن مالك (ص: ٢٢٠). (٣) (٤) ((ت)): ((يقل به)). (٥) ((ت)): ((لأن)). (٦) انظر: ((شرح مسلم) للنووي (٣ / ١٨٧). قال الفاكهاني: في ((رياض الأفهام)) (ق ٩ / أ) فقد رأيت موافقته - أي: النووي - في جواز الجزم لابن مالك، وهو ضعيف، كما قاله القرطبي آنفاً. ١٧٧ وهذا التعليل الذي علّلَ به امتناعَ النصب ضعيفٌ؛ لأنه ليس فيه أكثرُ من كون هذا الحديث لا يتناولُ النهيَ عن البول في الماء الراكد بمفرده، وليس يلزم أنْ يُدَلَّ على الأحكام المتعددة بلفظ واحد، فيؤخذ النهي عن الجمع من هذا الحديث، ويؤخذ النهي عن الإفراد من حديث آخر(١)، والله أعلم. * الوجه السادس: في ذكر القواعد والمقدمات المحتاج إليها(٢) في الكلام على الحدیث واستنباط فوائده: أولها: أنَّ القياسَ في معنى الأصل حجةٌ شرعية. وثانيها: أنَّ المفهومَ هل هو حجةٌ أو لا؟ وثالثها: أنَّ المفهومَ هل يُخصِّصُ العمومَ أو لا؟ ورابعها: حکمُ العمومین إذا عارض کلُّ واحد منهما صاحبهُ من وجه . وخامسها: أنَّ اللفظ العامَّ هل يُستنبَطُ منه معنى يعود عليه بالتخصيص . (١) وهو ما رواه مسلم (٢٨١)، كتاب: الطهارة، باب: النهي عن البول في الماء الراكد، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن رسول الله وَلافى: أنه نهى أن یبال في الماء الراكد. وانظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (١ / ٣٤٧). (٢) ((ت): ((الذي يحتاج)) بدل قوله: ((المحتاج إليها)). ١٧٨ وسادسها: استعمالُ اللفظ الواحد في معنيين مختلفين. وسابعها: ذكر حديث القلتين والكلام في تصحيحه(١)، وطريق(٢) الاستدلال به. وسيأتي وجهُ الحاجة إلى هذه القواعد في المباحث إن شاء الله تعالى، وإنما أدخلنا حديثَ القُلَّتين في ذلك؛ لأن بعض العلماء قد خصَّصَ عمومَ هذا الحديثِ به، فلابدَّ في تمام البحث من ذكره. فأما حديث القلتين: فقد بسطنا القول فيه (٣) في كتاب ((الإمام في معرفة أحاديث الأحكام)) (٤)، والذي نلخصه هاهنا أنه يُعترَضُ على التمسك به من [حيثُ](٥) جهة الإسناد والمتن جميعاً، والمشهور من طرقه ثلاثة : أحدها: رواية الوليد بن كثير، ثم رواية أبي أسامة عنه، وقد اختلف فيه، ولفظه من جهة محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله ابن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: سئل النبيُّ وَلّ عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع فقال ◌َّهِ: ((إذا كانَ الماءُ قُلَّتين لمْ يَحملِ الخَبَثَ»، وهذا عند أبي داود(٦). (١) ((ت): ((تخصيصه)). (٢) ((ت)): ((صحة)). (٣) ((ت)): ((فيه القول)). (٤) انظر: ((الإمام فى معرفة أحاديث الأحكام)) للمؤلف (١ / ١٩٩). (٥) سقط من ((ت)). (٦) رواه أبو داود (٦٣)، كتاب: الطهارة، باب: ما ينجس الماء، والنسائي (٥٢)، = ١٧٩ وثانيها: رواية حماد بن سلمة، عن عاصم بن المنذر(١)، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر قال: حدثني أبي: أن رسول الله وَّهِ قال: (إذا كانَ الماءُ قُلَّتين، فإنَّهَ لا يَنْجُسُ))(٢). وثالثها: رواية ابن إسحاق، وهو مروي عنه من طرقٍ منها: روايته عن محمد بن جعفر بن الزبير(٣). ومنها: روايته عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة، وفيه: ((مَا(٤) بَلَغَ الْمَاءُ قُلََّيْنِ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ، لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ)) (٥). = كتاب: الطهارة، باب: التوقيت في الماء، وغيرهما من طريق أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، به. (١) في الأصل: ((منذر))، والمثبت من ((ت)). (٢) رواه أبو داود (٦٥)، كتاب: الطهارة، باب: ما ينجس الماء، وابن ماجه (٥١٨)، كتاب: الطهارة، باب: مقدار الماء الذي لا ينجس، وغيرهما من طریق حماد بن سلمة، به. (٣) رواه أبو داود (٦٤)، كتاب: الطهارة، باب: ما ينجس الماء، من طريق حماد بن سلمة ويزيد بن زريع، والترمذي (٦٧)، كتاب: الطهارة، باب: منه آخر، من طريق هناد، عن عبدة، وابن ماجه (٥١٧)، كتاب: الطهارة، باب: مقدار الماء الذي لا ينجس، من حديث يزيد بن هارون وابن المبارك، كلهم من طريق ابن إسحاق، به. (٤) ((ت)): ((إذا)). (٥) رواه الدارقطني في «سننه» (١/ ٢١)، من طريق محمد بن وهب السلمي، عن ابن عياش، عن ابن إسحاق، عن الزهري، به. قال الدار قطني: والمحفوظ : = ١٨٠