Indexed OCR Text
Pages 281-300
«ثم أُتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل، فأخذت اللبن، فقال: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك)) وهي الاستعداد لقبول السعادات الأبدية: أولُها الانقياد للشرع، وآخِرها الوصولُ إلى الله تعالى. (ثم فرضت علي الصلاة خمسين صلاة كل يوم)) قيل: كانت كلُّ صلاة منها ركعتين. ((فرجعت فمررت على موسى فقال: بم أمرت؟ قلت: أُمرت بخمسين صلاة كل يوم، قال))؛ أي: موسى: ((إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كلَّ يوم وإني والله قد جرَّبت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة))؛ أي: مارستُهم ولقيت الشدة فيما أردت منهم من الطاعة . ((فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك، فرجعت فوضع عني عشراً) قيل: إنما جاز مراجعته وَّة؛ لأن الخمسين لم تكن واجباً قطعاً، وإلا لما جاز المراجعة، وقيل: فرضت ثم نسخت بخمس، وفيه دليلٌ على أنه يجوز النسخ قبل وقوعه. ((فرجعت إلى موسى فقال مثله))؛ أي: مثل ما قال أولاً، وهو: (عالجت بني إسرائيل فارجع إلى ربك فسله التخفيف). ((فرجعت فوضع عني عشراً، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشراً، فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فأمرت بعشر صلوات كلَّ يوم وليلة، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فأُمرت بخمس صلوات كل يوم وليلة، فرجعت إلى موسى فقال: بم أُمرت؟ قلت: أمرت بخمس صلوات كلَّ يوم وليلة، قال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم وإني جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك، قال: سألت ربي حتى استحييت)) فلا أرجع، فإن رجعت ٢٨١ كنتُ غير راضٍ ولا مسلُّمٍ. ((ولكني أرضى)) بما قضى الله. ((وأسلِّم)) أمري وأمرَهم إلى الله . ((قال: فلما جاوزت نادى منادٍ: أمضيتُ))؛ أي: أنفذت ((فريضتي وخففت عن عبادي)) فهي خمس فرائض في التخفيف وخمسون فريضة في التضعيف؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ، عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]. ٠ ٤٥٧٨ - ورَوَى ثَابتٌ عَنْ أنْسِ ◌َ﴿ه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: ((أُتَيثُ بالبُراقِ، وهوَ دائَةٌ أبيضُ طويلٌ فَوقَ الحِمارِ ودُونَ البَغْلِ، يَقَعُ حافِرُهُ عندَ مُنْتُهِىَ طَرْفِهِ، فركِبْتُهُ حتَّى أتيتُ بَيْتَ المَقْدِسِ، فربَطْتُهُ بِالحَلْقَةِ التي يَربطُ بها الأَنْبِيَاءُ»، قَالَ: (ثُمَّ دخلتُ المَسجِدَ فصلَّيْتُ فيهِ رَكعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجْتُ، فَجَاءَتِي جِبريلُ بإناءٍ مِنْ خَمْرٍ وإِناءٍ منْ لَبن، فاخْتَرَتُ اللَّبن، فَقَالَ جِبريْلُ: اختَرْتَ الفِطْرَةَ، ثُمَّ عَرَجَ بنا إلى السَّماءِ). وقَالَ في السَّماءِ الثَّالِثَةَ: ((فإذا أَنَا بِيُوسُفَ، إذا هِوَ قَدْ أُعطِيَ شَطْرَ الحُسْنِ، فَرَخَّبَ بِي ودَعا لي بِخَيْرٍ). وقالَ في السَّماءِ السَّابعة: ((فإذا أنا بإِبْراهيمَ مُسْنِداً ظَهْرَهُ إلى البَيْتِ المَعْمُورِ، وإذا هوَ يَدخُلُهُ كُلَّ يَوْمِ سَبعونَ أَلْفَ مَلَكٍ لا يَعودونَ إليهِ، ثمَّ ذَهبَ بي إلى سِدْرَةِ المُنْهَى، وإِذَا وَرَقُها كآذانِ الفِيَلَةِ، وإذا ثَمَرُها كالقِلالِ، فلمَّا غَشِيَها منْ أمْرِ الله ما غَشِيَ تَغيَّرَتْ، فَمَا أَحَدٌ منْ خَلْقِ الله يَستطيعُ أنْ يَنْعَتَها منْ حُسْنِها، وَأَوْحِى إِلَيَّ مَا أوْحَى، ففَرضَ عَلَيَّ خَمسينَ صَلاةً في كُلِّ يَوْمٍ ولَيلةٍ، فنزَلْتُ إلى مُوسَى)). وقال: ((فلمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ ربي وبَيْنَ مُوسَى حَتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إنَّهُنَّ خَمسُ صَلواتٍ كُلَّ يَوْمٍ وليلةٍ، لَكُلِّ صَلاةٍ عَشْرٌ، فَذلِكَ خَمْسُونَ صَلاةً، ومَنْ هَمَّ بحَسنةٍ فلمْ يَعْمَلْها كُتِبَتْ لهُ حَسنةً، فإنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْراً، ومَنْ هَمَّ بسَيئةٍ ٢٨٢ فلمْ يَعْمَلْها لمْ تُكْتَبْ شَيئاً، فإنْ عَمِلَها كُتِبَتْ سَيئةً واحِدةً» . ((وروى ثابت عن أنس : أن رسول الله وَلّم قال: أتيت بالبراق وهي دابة طويل أبيض فوق الحمار دون البغل يقع حافره عند منتهى طرفه، فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي كانت تَربط بها الأنبياء)»؛ أي: تَربط الأنبياءُ بالحلقة الدابةَ. ((قال: ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت، فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة، ثم عرج بنا إلى السماء وقال))؛ أي: النبي ◌َّ ((في السماء الثالثة: فإذا أنا بيوسف إذ هو قد أُعطي شطر الحسن))؛ أي: نصفه، والمراد هنا البعض مطلقاً؛ لأنه ێے کان أملح منه. ((فرحب بي))؛ أي: قال: مرحباً. ((ودعا لي بخير، وقال في السماء السابعة: فإذا أنا بإبراهيم مسنداً ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو))؛ أي: البيت المعمور ((يدخله كلَّ يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى وإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال)) اختص النبي ◌َر عند ذلك بالقربات العميمة والكرامات الجسيمة فغشي السدرة من أنواع الألطاف ما لا يقدر على وصفه تشريفاً لحبيبه . ((فلما غشيها))؛ أي: جاء السدرة ((من أمر الله ما غشي تغيرت))؛ أي: السدرة . ((فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها))؛ أي: يصفها ((من حسنها، وأوحى إلي ما أوحى، ففَرض عليَّ خمسين صلاة في كلِّ يوم وليلة، فنزلت إلى موسى. وقال: فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى حتى قال: يا محمد ٢٨٣ إنهن خمس صلوات كلَّ يوم وليلة، لكلِّ صلاة عشرٌ فذلك خمسون صلاة))؛ أي: من حيث الثوابُ والأجر. ((من هَمَّ بحسنة))؛ يعني: من أراد أن يعمل حسنة. ((فلم يعملها، كُتِبت له حسنة، فإن عملها، كُتِبت له عشر))؛ أي: عشر حسنات . ((ومن هم بسيئة))؛ أي: أراد أن يعمل سيئة. («فلم يعملها، لم يكتب عليه شيء، فإن عملها، كتبت عليه سيئة واحدة)): وهذا من جملة إنعامه الكامل على عباده، ونتائج سبقِ رحمتِهِ على غضبه . ٤٥٧٩ - عنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ ﴿ قَالَ: كَانَ أَبو ذَرٍّ يُحدِّث: أنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((فُرِجَ عَنِّي سَقْفُ بَيْتِي وأَنَا بمكَّةَ، فنزلَ جِبِرْلُ ففَرَجَ صَدرِي، ثُمَّ غَسلَهُ بماءٍ زَمْزَمَ، ثُمَّ جاءَ بِطَسْتٍ منْ ذَهَبٍ مُمتِلِئٍ حِكمةً وإِنْمَاناً فأفرَغَهُ في صَدرِي، ثُمَّ أطبَقَهُ، ثُمَّ أخذَ بيدِي فَعَرَجَ بي إلى السَّماءِ، فلمَّا جِئتُ إِلى السَّماءِ الذُّنْيَا قَالَ جِبريلُ لخازِنِ السَّماءِ: اقْتَحْ، فلمَّا فَتَحَ عَلَوْنا السَّماءَ الدُّنْيَا، فَإِذَا رَجُلٌ قاعدٌ، على يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ، وعلى يَسارِهِ أسْوِدَةٌ، إذا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وإذا نظرَ قِبَلَ شِمالِهِ بَكَى، فَقَالَ: مَرْحَباً بالنَبِيِّ الصَّالِحِ والابن الصَّالِحِ، قُلْتُ لِجبريلَ: مَنْ هذا؟ قَالَ: هذا آدمُ، وهذِهِ الأَسْوِدَةُ عنْ يَمِينِهِ وعنْ شِمالِهِ نَسَمُ بنيهِ، فأهْلُ الْيَمينِ منْهُمْ أهْلُ الجَنَّةِ، والأسْوِدَةُ التي عنْ شِمالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فإذا نَظَرَ عنْ يَمِنِهِ ضَحِكَ، وإذا نظرَ قِبَلَ شِمالِهِ بَگی)». وقال ابن شِهابٍ ◌َُهُ: فأخبرَني ابن حَزْمِ: أنَّ ابن عبَّاسِ ظُ﴾ وأبا حَيَّةَ ٢٨٤ الأنصارِيَّ كانا يَقُولان: قالَ النَّبِيُّ لَّهِ: ((ثُمَّ عُرِجَ بي حتَّى ظَهِرْتُ بِمُسْتَوَّى أَسْمعُ فيهِ صَرِيفَ الأقلامِ» . وقالَ ابن حَزْمٍ وأنسٌ: قَالَ النَّبِيُّ نَّهِ: ((فَفَرَضَ الله على أُمَّتِي خَمسينَ صَلاةَ، فرجَعْتُ حتَّى مَرَرْتُ على مُوسَى عليه السَّلامُ، فَرَاجَعَنِي، فَوَضَعَ شَطْرَها))، وقَالَ في الآخرِ: ((فراجَعْتُهُ، فَقَالَ: هِيَ خَمسٌ، وهي خَمْسُونَ، ما يَُذَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ، فرجَعْتُ إلى مُوسَى فَقَال: رَاجِعْ ربَّكَ، فَقُلْتُ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْ ربي، ثُمَّ انطلَقَ بي حتَّى انتهىَ بي إِلى سِدْرَةِ المُنْتَهَى، وغَشِيَها ألْوانٌ لا أدْرِي ما هِيَ، ثمَّ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ، فإذا فيها جَنَابِذُ الُّلُؤْلؤٍ، وإذا تُرابُها المِسْكُ)). ((عن ابن شهاب، عن أنس ﴿﴾ قال: كان أبو ذر ه يحدث: أن رسول الله ◌َ﴿ قال: فُرِّج)): على بناء المجهول؛ أي: شق وكشف. ((عني سقف بيتي وأنا بمكة)): قيل: التوفيق بين هذه الرواية، وبين رواية أنس: أنه كان في الحطيم: ما ذكر أصحاب الحديث أنه كان للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم معراجان؛ فرواية أنس في معراجه حالة اليقظة، ورواية أبي ذر في معراجه حالة النوم. ((فنزل جبريل، ففرَّج صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمةً وإيماناً، فأفرغه))؛ أي: صبَّ ما في الطست. (في صدري، ثم أطبقه))؛ أي: غطاه. (ثم أخذ بيدي، فعرج بي إلى السماء، فلما جئت إلى السماء الدنيا، قال جبريل لخازن السماء: افتح، فلما فتح علونا السماء الدنيا، إذا رجلٌ قاعدٌ على يمينه أسودة)»: جمع سواد، وهو شخص الإنسان. ((وعلى يساره أسودة، إذا نظر قِبَلَ يمينه ضحك، وإذا نظر قِبَلَ شماله ٢٨٥ بكى، فقال: مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح، فقلت لجبريل: من هذا؟ قال: آدمُ، وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نَسَمُ بنيه))؛ أي: أرواح أولاده، وقيل: هي الأجسام المصورة في صورة الإنسان. ((فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر قِبَلَ شماله بكى . وقال ابن شهاب: فأخبرني ابن حزم: أن ابن عباس وأبا حيَّةَ الأنصاري كانا يقولان: قال النبي ◌َّ: ثم عرج بي حتى ظهرت))؛ أي: صعدت وعلوت. ((لمستوَى)): بفتح الواو؛ أي: إلى مكان عالٍ، فاللام بمعنى: إلى، كقوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥]، وقيل: المستوى: المستقرُ، وموضع الاستعلاء، واللام للعلة؛ أي: علوت الاستعلاء مستقر. ((أسمع فيه صريفَ الأقلام))؛ أي: صوتها عند الكتابة في جريانها على اللوح، وقيل: المعنى: بلغت في الارتقاء إلى رتبة من العلياء حتى اطلعتُ على تصاريفِ الأحوال وجري المقادير من غير توسط جبريل وغيره من الملائكة عليهم السلام. ((وقال ابن حزم وأنس ﴾: قال النبي ◌َّ: ففرض الله على أمتي خمسين صلاة، فرجعت حتى مررتُ على موسى، فراجعني، فوضع شطرها))؛ أي: ترك نصفها . ((وقال))؛ أي: النبي ◌ِّل. ((في الآخر))؛ أي: في العَودِ الأخير. ((فراجعته، فقال)»؛ أي: الله تعالى. ((هي خمس))؛ أي: بحسب العدد. ((وهي خمسون))؛ أي: بحسب الثواب. ٢٨٦ (ما يُبدَّل))؛ أي: ما يُغيّر. ((القولُ لديَّ، فرجعت إلى موسى فقال: راجعْ ربك، فقلت: استحييت من ربي، ثم انْطَلِقَ بي حتى انْتُهيَ بي)): كلاهما على صيغتي المجهول. ((إلى سدرة المنتهى، وغشيها ألوان لا أدري ما هي، ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جَنابذ اللؤلؤ)): بفتح الجيم: جمع (جُنبذة) بالضم، وهي: القبة. ((وإذا ترابها المسك)). ٤٥٨٠ - عن عبدِ الله ﴾ قَالَ: لمَّا أُسرِيَ بِرَسُولِ اللهِوَّهِ انْتُهِيَ بِهِ إِلى سِذْرَةِ المُنْتُهَى، وهيَ في السَّماءِ السَّادِسَة، إِليها يَنتِهِي ما يُعْرَجُ بهِ مِنَ الأَرضِ فيُقْبَضُ مِنْها، وإِليها يَنتهي ما يُهْبَطُ بهِ مِنْ فَوقِها فيُقْبَضُ مِنْهَا، قَالَ: ﴿إِذْ يَغْتَى اُلْسِدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾؛ قَالَ: فَرَاشْ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: فَأُعطِيَ رَسُولُ اللهِّهِ ثَلاثاً: أُعطِيَ الصَّلواتِ الخَمسَ، وأُعطِيَ خَواتِيمَ سُورَةِ البقَرَةِ، وغُفِرَ لمنْ لا يُشرِكُ بالله مِنْ أُمَّتِهِ شَيئاً المُفْحِمَاتُ. (عن عبدالله ﴿له أنه قال: لما أُسرِي برسول الله وَ﴿ِ انْتُهِي به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة)): قيل: المشهور المروي عن الجمهور: أنها في السابعة، فلعل السادسة وقع غلطاً من بعض الرواة. ((إليها ينتهي ما يُعرَج به من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يُهبَط به»؛ أي: ينزل. ((من فوقها فيقبض منها، قال: ﴿إِذْيَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: ١٦])): قيل: يغشاها جمٌّ غفير من الملائكة، روي: أنه بَّه قال: ((رأيت على كل ورقة ملكاً قائماً يسبح))، وقيل: رفرفٌ من الطير الخضر، وهي أرواح الأنبياء. ٢٨٧ ((قال))؛ أي: ابن مسعود. ((فَراش من ذهب)): وهي - بفتح الفاء -: طير معروف يتهافت في النار، وهذا لا ينافي ذلك؛ لجواز كون هذا أيضاً مما غشيها، وجعلها من الذهب لصفائها وإضاءتها . ووجه الجمع بين هذا وبين قوله: ((وغشيها ألوان لا أدري ما هي)): أن الثاني إشارة إلى أنها لا تشبه الأعيان المشهورة المستحضرة في النفوس، فتُنْعَتْ لکم بذکر نظائرها . ((قال: فأعطي رسول الله وَّر ثلاثاً؛ أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة)): قيل: معناه: استجيب له - عليه السلام - مضمون الآيتين الأخيرتين من قوله: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥] إلى آخر السورة. وعن الحسن وابن سيرين ومجاهد له: أن الله تعالى تولى إيحاءهما إليه بلا واسطة جبريلَ ليلة المعراج، فهما مكيتان عندهم. ((وغُفِر)): على صيغة المجهول. ((لمن لا يشرك بالله من أمته شيئاً المقحمات(١)): وهي الذنوب العظام التي تُقُحِم أصحابها في النار؛ أي: تلقيهم فيها، وهي الكبائر. ٤٥٨١ - وعن أَبِي هُرِيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ النَّبِيّ ◌َِّ: ((لقدْ رَأَيْتُنِي فِي الحِجْرِ وقريشٌ تَسْألُنِي عِنْ مَسْرايَ، فَسَأَلَنِي عِنْ أَشْيَاءَ مِنْ بيتِ المَقْدِسِ لمْ أَثْبتْها، فكُرِبْتُ كَرْباً ما كُرِبْتُ مِثْلَهُ، فرفَعَهُ الله لِي أَنَظُرُ إليهِ، مَا يَسْألونِي عَنْ شَيءٍ إِلَّ أنبأْتُهُمْ، وَلقد رأيتُنِي في جماعةٍ مِنَ الأنبياءِ، فإذا مُوسَى قَائِمٌ يُصلِّي، فإذا رَجُلٌ (١) في ((ت)) و(غ)): ((من المقحمات))، والتصويب من ((صحيح مسلم)) (١٧٣). ٢٨٨ ضَرْبٌ جَعْدٌ كأنهُ منْ رِجالٍ شَئُوءَةَ، وإذا عيسَى قائِمٌ يُصلِّي، أَقْرِبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهاً عُرْوَةُ بن مسعودٍ الثَّقَفَيُّ، وإذا إِبْرَاهِيمُ قَائِمٌ يُصلِّي، أشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ - يَعني: نَفْسَهُ - فَحَانَتْ الصَّلاةُ فَأَمَمْتُهُمْ، فلمَّا فَرَغْتُ مِنَ الصَّلاةِ قَالَ لِيْ قَائِلٌ: يَا مُحَمَّدُ! هذا مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ فِسَلِّمْ عليهِ، فالتَفَتُّ إِليهِ، فَبَدَأَنِي بِالسَّلامِ». ((عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّ ى: لقد رأيتني)): اللام جواب قسم مقدر. ((في الحجر)»؛ أي: حجر الكعبة. ((وقريشٌ تسألني عن مَسْراي» بفتح الميم، مصدر ميمي؛ أي: عن سيري إلى بيت المقدس . ((فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها))؛ أي: لم أشاهدها على التعيين. (فكُرِبت))؛ أي: أصابني کربٌ، وهو الغمُّ. ((كرباً ما كربت مثله، فرفعه الله))؛ أي: رفع الله بيت المقدس. ((لي أنظر إليه))؛ يعني: رفع الحجاب بيني وبينه حتى شاهدته. ((ما يسألونني عن شيء إلا أنبأتهم))؛ أي: أخبرتهم. ((وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فإذا موسى قائمٌ يصلي، فإذا رجلٌ ضربٌ))؛ أي: خفيف اللحم. ((جعدٌ، كأنه من رجال شنوءة)): قبيلة من اليمن. (وإذا عيسى قائم يصلي، أقربُ الناس به شبهاً عروةُ بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم؛ يعني: نفسه))؛ أي: نفس النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، هذا التفسير من الراوي. ٢٨٩ ((فحانت الصلاة))؛ أي: جاء وقتها . ((فأممتهم، فلما فرغت من الصلاة قال قائل: يا محمد! هذا مالك خازن النار، فسلِّم عليه، فالتفت إليه، فبدأني بالسلام))؛ ليزيل ما استشعر من الخوف؛ لكونه خازن النار. فصل في المُعْجِزَاتِ (فصل في المعجزات) جمع: معجزة، وهي: أمر بخلاف العادة، يظهر على يدٍ من يدَّعي النبوةَ دالاً على صدقة. ٤٥٨٢ - عَنْ أَنَسٍ ﴿: أنَّ أَبَا بَكْرِ الصِّدِّيقَ ﴿﴾ قَالَ: نَظرتُ إلى أَقْدَامِ المُشْرِكِينَ على رُؤُوسِنَا ونَحْنُ في الغَارِ، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ الله! لوْ أنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدمِهِ أَبْصَرَنا، فَقَالَ: ((يَا أَبَا بَكْرٍ! ما ظنُّكَ باثْتَينِ الله ثالِثُهُمَا؟)). ((عن أنس بن مالك: أن أبا بكر الصديق ﴾ قال: نظرت إلى أقدام المشركين على رؤوسنا ونحن في الغار»: وهو الكهف في الجبل. ((فقلت: يا رسول الله! لو أن أحدهم نظرَ إلى قدمه أبصرنا، فقال: يا أبا بکرا ما ظنك باثنین))؛ يعني: نفسه وأبا بكر. ((الله ثالثهما؟))؛ أي: في المعاونة، واتحاد الضمير في (اثنين) و(ثالثهما) دليلٌ على كرامة أبي بكر وفضيلته. ٢٩٠ ٤٥٨٣ - وقَالَ البَراءُ بن عَازِبٍ لِأَبِي بَكْرٍ: يَا أَبَا بَكْرٍ! حَدِّثْنِي كَيْفَ صَنَعْتُما حِينَ سَرَيْتَ معَ رَسُولِ اللهَِّهَ، قال: أَسْرَيْنا لَيْلَتَنا ومِنْ الغَدِ حتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ وخَلا الطَّريقُ لا يَمُزُّ فيهِ أَحَدٌ، فرُفِعَتْ لنا صَخْرَةٌ طَوِلةٌ لَهَا ظِلٌّ لمْ تأتٍ عليهِ الشَّمسُ، فنزَلْنا عِندَهُ، وسَوَّيْتُ لِلنَّبِيِّ ◌َِّهِ مَكَاناً بيدِي يَنَامُ عليهِ، وبَسَطْتُ عليهِ فَرْوَةً، وقُلْتُ: نَمْ يَا رَسُولَ الله! وأَنَا أَنفُضُ ما حَوْلَكَ، فنامَ، وخَرَجْتُ أنفُضُ ما حَوْلَهُ، فَإِذَا أَنَا براعٍ مُقبلٍ، قُلْتُ: أفي غَنَمِكَ لَبْن؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أفتحلِبُ لي؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَخَذَ شَاءً فَحَلَبَ في قَعْبٍ كُثْبَةً مِنْ لَبن، ومَعِي إِدَاوَةٌ حَمَلتُها لِلنَّبِيِّ وَهِ يَرْتَوِي فِيْهَا، يَشْرَبُ ويَتَوضَّأُ، فَأَتيْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ، فكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُ فوافَقْتُهُ حتَّى اسْتَيْقَظَ، فصَبَيْتُ مِنَ المَاءِ على اللَّبن حتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ، فقُلْتُ: اشرَبْ يَا رَسُولَ الله! فشَرِبَ حتَّى رَضيْتُ، ثُمَّ قَالَ: ((أَلَمْ يَأْنِ الرَّحِيلِ؟))، قُلتُ: بَلَى، قال: فارْتحَلْنَا بَعْدَ مَا مالَتِ الشَّمْسُ، وانَّبَعَنا سُراقَةُ بن مَالِكِ، فَقُلْتُ: أُتِينا يَا رَسُولَ الله! فَقَالَ: ((لا تَحْزَنْ، إنَّ الله مَعنا»، فدَعَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ ◌َ﴿ فارتَطَمَتْ بِهِ فَرَسُهُ إلى بَطنِها في جَلَدٍ مِنَ الأرْضِ، فَقَال: إِنِّي أَرَاكُمَا دَعُوتُما عَلَيَّ فادعُوَا لي، فالله لكُمَا أنْ أرُذَ عنكُما الطَلَبَ، فدعا لهُ النَّبِيُّ ◌َ﴾ فَنَجَا، فَجَعَلَ لا يَلقَى أَحَداً إلاَّ قَالَ: كُفيتُمْ مَا هُنَا، فلا يَلقَى أحداً، إلاَّ ردَّهُ. ((وقال البراء بن عازب لأبي بكر: يا أبا بكر! حدثني كيف صنعتما حين سَرَيت مع رسول الله ﴿): سَرَى وأَسْرَى بمعنى، وهو: السير بالليل. ((قال: أسرينا ليلتنا ومن الغد حتى قام قائمُ الظهيرة)): وهي نصف النهار. ((وخلا الطريقُ لا يمرُّ فيه أحدٌ، فرفعت لنا»؛ أي: ظهرت. ((صخرة طويلة لها ظلٌّ، لم تأتِ عليها الشمس، فنزلنا عنده، وسوَّيتُ للنبي ﴿ مكاناً بيدي، ينام عليه))؛ أي: على ذلك المكان. ((وبسطتُ عليه فروة))؛ أي: ما يلبس من جلد الضأن وغيره. ٢٩١ ((وقلت: نمْ يا رسول الله! وأنا أنفضُ ما حولك))؛ أي: أحفظ ما حولك، وأحرسك من الأعداء، وأتجسَّس الأخبار من كل وجه. ((فنام وخرجت أنفض ما حوله، فإذا أنا براعٍ مقبل، قلت: أفي غنمك لبن؟ قال: نعم، قلت: أفتحلب؟ قال: نعم، فأخذ شاة فحلب في قَعْبٍ)) بفتح القاف وسكون العين المهملة: قدح من خشب مقعر، وقيل: قدح صغير. (كُتْبة)) بضم الكاف وسكون الثاء المثلثة؛ أي: قدر حلبة، وقيل: ملء القدح . ((من لبن، ومعي إداوة)): وهي - بكسر الهمزة وفتح الدال المهملة -: المطهرة . ((حملتها للنبي 988 يرتوي فيها))؛ أي: يكسر عطشه من مائها . (يشرب ويتوضأ، فأتيت النبي ◌َّهر، فكرهت أن أوقظه، فوافقته)): بتقديم الفاء على القاف؛ أي: فوافقته فيما هو عليه من النوم، ويروى بتقديم القاف من الوقوف؛ أي: صبرتُ، وتوقفت في المجيء إليه. ((حتى استيقظ، وصببت من الماء على اللبن حتى برد أسفله، فقلت: اشرب يا رسول الله! فشرب حتى رضيت به، ثم قال))؛ أي: النبي : ((ألم يأنِ للرحيل؟))؛ أي: ألم يدخل وقت الارتحال؟ ((قلت: بلى، قال: فارتحلنا بعدما مالت الشمس، واتَّبَعَنَا سُراقةُ بن مالك)): کافر من كفار قريش. ((فقلت: أُتينا يا رسول الله))؛ أي: جاءنا من يطلبنا. ((فقال: لا تحزن إن الله معنا، فدعا وَّر، فارتطمت به فرسه))؛ أي: ساخت قوائمها . ٢٩٢ ((إلى بطنها)): كما تسوخُ في الوحل. ((فِي جَلَد)): وهو - بفتحتين -: القطعة الغليظة الصلبة. ((من الأرض، فقال: إني أراكما))؛ أي: أظنكما. ((دعوتما عليَّ، فادعوا لي، فالله لكما))؛ أي: فالله شاهدٌ على أن لا أغْدِرَكُما في الردِّ عنكما، فـ (الله) مبتدأ، والخبر محذوف، وإن نصب فالتقدير: أُشهِد الله. ((أن أرد)): بحذف الجار؛ أي: بأن أرد. «عنكما الطلب))؛ أي: طلب الكفار. («فدعا له النبي عليه الصلاة والسلام، فنجا، فجعل لا يلقى أحداً)؛ أي: ما وصل سراقة أحداً من الكفار؛ لطلب النبي بَيّ . ((إلا قال: كفيتم))؛ أي: استغنيتم عن الطلب. ((ما هاهنا)): قيل: (ما) للنفي؛ أي: ليس هاهنا أحد، وقيل: بمعنى: (الذي)؛ أي: كفيتم الذي هاهنا؛ يعني: كفيتم الطلب في هذا الجانب. («فلا يلقى أحداً إلا رده)»؛ وفاءً بما وعد، ومراعاةً لما عهد. ٤٥٨٤ - وقَالَ أَنَسٌ﴾: سَمِعَ عبدُالله بن سَلامٍ بِمَقْدَمِ رَسُولِ اللهِّ وهوَ في أَرْضٍ يَخْتِرِفُ، فَأَنَى النَّبِيَّ ◌َ﴿ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَّ عنْ ثلاثٍ لا يعلَمُهُنَّ إلاَّ نبيٌّ: فما أَوَلُ أَشْراطِ السَّاعِةِ؟ وما أَوَّلُ طَعَامِ أَهْلِ الجَنَّةِ؟ وما يَنْزِعُ الوَلدَ إلى أبيهِ أوْ إلى أُمَّهِ؟ قَالَ: ((أخبَرنِي بِهِنَّ جِبريلُ آنِفاً، أمَّا أَوَّلُ أَشْراطِ السَّاعةِ فنارٌ تحشُرُ النَّاسَ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، وأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الجَنَّةِ فِيَادَةُ ٢٩٣ كَبدٍ حُوتٍ، وإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ المَرْأَةِ نَزَعَ الولدَ، وإِذَا سَبَقَ مَاءُ المَرأةِ نَزَعَتْ))، قَالَ: أَشْهِدُ أنْ لا إِلَهَ إِلَّ الله وأنَّكَ رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ الله! إِنَّ الْيَهُودَ قومٌ بُهْتٌ، وإنَهُمْ إِنْ يَعلَمُوا بإِسْلامِي قبلَ أَنْ تَسْأَلَهُمْ يَيْهتوني، فَجَاءَتِ الْيَهُودُ، فقال: ((أيُّ رَجُلٍ عبدُالله فيكُمْ؟))، قالوا: خَيْرُنا، وابن خَيْرِنا، وسَيدُنا وابن سَيدِنا، قال: ((أرأَيْتُمْ إِنْ أسلَمَ عبدُالله بن سَلام؟»، قالوا: أَعَاذَهُ الله مِنْ ذلكَ، فخرجَ عبدُالله فَقَالَ: أَشْهِدُ أنْ لا إِلهَ إلاَّ الله وأنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله، فَقَالوا: شَرُّنا وابن شَرِّنا، فانتقَصُوهُ، قال: هَذَا الَّذِي كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ الله ! . ((وقال أنس : سمع عبدالله بن سلام بمقدَم رسول الله وَ ﴿))؛ أي: بقدومە ﴾. ((وهو))؛ أي: عبدالله بن سلام. ((في أرض يخترِفُ))؛ أي: يجني الثمرة من الشجر. ((فأتى النبيَّ وَِّ، فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي، فما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وما ينزع الولد))؛ أي: ما يشبهه ((إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: أخبرني بهن جبريل آنفاً؛ أما أول أشراط الساعة؛ فنارٌ تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة؛ فزيادةُ كبد الحوت))؛ أي: طرف كبده، وهي أطيب ما يكون من كبده. ((وإذا سبق))؛ أي: علا وغلب. ((ماءُ الرجل ماءَ المرأة نزع))؛ أي: جذب ذلك السبق ((الولدَ)) إلى مشابهة الرجل، أو جذب الرجل الولد إلى مشابهته بسبب سبق مائه على مائها . ((وإذا سبق ماء المرأة نزعت))؛ أي: جذبت المرأة الولد إلى مشابهتها بسبب غلبة مائها على مائه. ٢٩٤ ((قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، يا رسول الله! إن اليهود قومٌ بُهْتٌ)) بضم الباء ثم السكون: جمع بَهُوت، من بناء المبالغة؛ أي: كثيرُ البهتان؛ يعني: أنهم قوم لا يبالون بالكذبِ والافتراءِ على الناس. ((وإنهم إن يعلموا بإسلامي من قبل أن تسألهم عني))؛ أي: قبل سؤالك منهم عن حالي. (يبهتوني))؛ أي: يقولون عليَّ ما لم أفعله. ((فجاءت اليهود، فقال: أيُّ رجل عبد الله فيكم؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، قال: أرأيتم))؛ أي: أخبروني ((إن أسلم عبدالله بن سَلامٍ؟ قالوا: أعاده الله من ذلك، فخرج عبدالله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فقالوا: شرنا وابن شرنا، فانتقصوه))؛ أي: عابوه وحقروه. ((قال))؛ أي: عبدالله بن سلام: ((هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله)). ٤٥٨٥ - وقَالَ أَنَسٌ ﴾: إِنَّ رَسُولَ اللهِوَّهِ شَاوَرَنَا حِيْنَ بَلَغَنا إِقْبَالُ أبي سُفْيَانَ، فَقَامَ سَعدُ بن عُبَادَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! والّذِي نَفْسِي بيدِهِ، لوْ أمَرْتَنَاَ أنْ نُخِيضَها البحرَ لأخَضْنَاها، ولوْ أمَرْتَنَا أنْ نَضْرِبَ أكبَادَها إلى بَرْكِ الغِمادِ لفعَلْنا، قال: فندَبَ رَسُولُ اللهِ﴿ النَّاسَ، فانطَلَقُوا حَتَى نزَلُوا بَدْراً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وٍَّ: ((هذا مَصْرَعُ فُلانٍ))، ويَضعُ يَدهُ على الأَرْضِ هَاهُنَا وَهَاهُنَا، قَالَ: فَمَا مَاطَ أحدُهُمْ عن مَوْضعٍ يَدِ رَسُولِ الله ◌ِصَ﴾ . ((وقال أنس ﴿ه: إن النبيِ وَ﴿ شاورَ حين بلغنا إقبالُ أبي سفيان))؛ أي: حين سمعنا أن أبا سفيان أقبل من مكة مع الجيش للمحاربة . ٢٩٥ مشاورته * أهل المدينة كان امتحاناً على وثوق عهدهم. ((فقام سعد بن عبادة، فقال: يا رسول الله! والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نُخِيضَها))؛ أي: ندخل الخيل والإبل؛ لدلالة الحال عليهما. ((البحر لأخضناها))؛ أي: لأدخلناها البحر. ((ولو أمرتنا أن نضربَ أكبادها)»: ضرب أكباد الخيل والإبل كنايةٌ عن تكليفها السير الكثير. ((إلى بَرْكِ الغِماد)»: بكسر الباء الموحدة وفتحها، والفتح أشهر، قال التوربشتي: كسر الباء أصح الروايتين، وبضم الغين المعجمة وكسرها أيضاً: اسم موضع بأقصى اليمن، وقيل: وراء مكة بخمس ليالٍ بناحية الساحل مما يلي اليمن؛ يعني: لو أمرتنا أن نفعلَ خلاف العادة بالسير والقتال إلى موضع ذلك، ((لفعلنا))، فكيف لا نسير ونقاتل ببدر مع قربها؟! «قال: فندب»؛ أي: دعا. ((رسولُ الله ◌َيِ الناسَ، فانطلقوا))؛ أي: فذهبوا. ((حتى نزلوا بدراً، فقال رسول الله وَله: هذا مصرعُ فلان)»؛ أي: مقتله. ((ويضع يده على الأرض هاهنا وهاهنا، قال: فما ماطَ))؛ أي: ما بعد، وما تجاوز ((أحدُهم عن موضع يد رسول الله وَ﴾)؛ أي: عن الموضع الذي عيَّنِهِ وَالـ بیده لمصرع کفار قریش في بدر . ٤٥٨٦ _ وعَنِ ابن عبّاسِ ﴾: أنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ قَالَ وهوَ في قُبَّةٍ يَوْمَ بَدْرٍ: ((اللهمَّ! أَنَشُدُكَ عَهْدَكَ ووعْدَكَ، اللهمَّ! إِنْ تَشَأْ لا تُعبَدُ بعدَ اليوم))، فَأَخَذَ أبو بَكْرٍ بِيَدِهِ فَقَالَ: حَسْبُكَ يَا رَسُولَ الله! ألْحَحْتَ على ربك، فخَرجَ وهوَ يَئِبُ في ٢٩٦ الدِّرْعِ وهوَ يقول: ((﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُونَ الدُّبْرَ﴾)). ((عن ابن عباس : أن النبي وَل﴿ قال وهو في قبة))؛ أي: خيمة. (يوم بدر: اللهم أنشدك عهدك ووعدك))؛ أي: أسألك إيفاء عهدك، وإنجاز وعدك، المشار إليه بقوله: ﴿لُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣]، وفي سورتي (الفتح) و(النصر). ((اللهم إن تشأ))؛ أي: عدمَ الإسلام، مفعوله محذوف؛ لدلالة السياق عليه؛ أي: إن تشأ أن لا تُعبَدَ، ((لا تُعبَدُ بعد اليوم))؛ لأنه حينئذ لا يبقى على وجه الأرض مسلم. ((فأخذ أبو بكر ظُه بيده فقال: حسبك يا رسول الله! ألححتَ على ربك))؛ أي: بالغت في الدعاء كلَّ المبالغة. إلحاحُهُ وَّ﴿ في دعائه تشجيعٌ للمسلمين، وتثبيتٌ لأقدامهم؛ لأنهم كانوا عالمين بأن دعاءه مستجاب البتة، لاسيما إذا بالغ فيه . وقول أبي بكر هذا يدل على أنه أقوى قلباً من الصحابة، وأوثقهم بإنجاز وعده تعالى. ((فخرج))؛ أي: الرسول الله ((وهو يثب في الدرع))؛ أي: حال كونه مسرعاً فيها، ((وهو يقول: سَيُّهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الذُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]»؛ أي: يدبرون. ٤٥٨٧ - وعنِ ابن عبَّاسِ ﴾: أنَّ النَّبِيَّ وَّهِ قالَ يومَ بَدْرٍ: «هذا جِبريلُ آَخِذٌ بِرَأْسٍ فرَسهِ، عَليهِ أداةُ الحَرْبِ». ٢٩٧ ((وعنه: أنَّ النبي ◌َ ◌ّهُ قال يوم بدر: هذا جبريلُ آخذٌ برأس فرسه عليه أداةٌ الحرب))؛ أي: آلته. ٤٥٨٨ _ وقَالَ ابن عبّاسِ ﴾: بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِيْنَ يومئذٍ يَشتَدُّ في أثَرِ رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ أَمَامَهُ، إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بالسَّوْطِ فَوقَهُ، وصَوْتَ الفَارِسِ يَقُولُ: أَقْدِمْ حَيْزِومُ! إِذْ نظرَ إلى المُشركِ أَمَامَهُ خَرَّ مُسْتَلْقِياً، فنظرَ إليهِ، فإذا هوَ قَدْ خُطِمَ أنفُهُ وشُقَّ وجهُهُ كِضَرْبةِ السَّوْطِ، فاخْضَرَّ ذلكَ أجْمَعُ، فجاءَ الأَنْصَارِيُّ فَحَدَّثَ رَسُولَ اللهِوَه، فقال: ((صَدَقْتَ، ذلكَ منْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثالثةِ). ((وقال ابن عباس ﴾: بينما رجل من المسلمين يومئذٍ))؛ أي: يوم إذ قامت الحرب. «یشتُّ»؛ أي: يعدو. ((في إثر رجل من المشركين أمامَهُ»؛ أي: قُدَّامه. ((إذا سمع))؛ أي: الرجل، (إذ) هنا للمفاجأة. (ضربةً بالسوط فوقه، وصوتَ الفارس)): معطوف على (ضربة). ((يقول: أَقْدِم)) بفتح الهمزة: أمرٌ بالإقدام. ((حيزوم)) بفتح الحاء المهملة وضم الزاء المعجمة: اسم فرس جبريل، وحرف النداء منه محذوف، وقيل: اسم فرسٍ من خيول الملائكة. ((إذ نظر)): بدل من (إذ سمع). ((إلى المشرك أمامه خَرَّ))؛ أي: سقط. ((مستلقياً، فنظر إليه))؛ أي: إلى المشرك. ٢٩٨ ((فإذا هو قد خُطِم أنفه))؛ أي: ظهر على أنفه أثر ضربة، و(الخطم) بالخاء المعجمة: الأثر على الأنف. ((وشُقَّ وجهُهُ كضربة السوط، فأخْضرَّ ذلك أجمعُ))؛ أي: صار موضع الضربة كله أسود. ((فجاء الأنصاريُّ، فحدث رسول الله ﴿ ﴿ فقال: صدقت، ذلك من مددٍ السماء الثالثة))؛ أي: مدد ملائكتها. خُصَّ المدد بأهل السماء الثالثة؛ تنبيهاً على أن المدد كان من كثير من السماوات، أو على أن لأهلها هذا التأثير المخصوص. ٤٥٨٩ - وقَالَ سَعْدُ بن أبي وَقَّاصٍ ﴾: رأيتُ عنْ يَمينِ رَسُولِ اللهِوَُّ وعَنْ شِمالِه يَومَ أُحُدٍ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِما ثِابٌ بِيضُ، يُقاتِلانِ كأشَدِّ القِتَالِ، مَا رَأَيْتُهُما قَبْلُ ولا بَعْدُ، يَعني: جِبريلَ ومِيكائِيلَ عليهما السَّلام. ((وقال سعد بن أبي وقاص: رأيت عن يمين رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وعن شماله يومَ أُحدٍ رجلين عليهما ثياب بيض، يقاتلان كأشد القتال، ما رأيتهما قبلُ ولا بعدُ؛ يعني: جبريل وميكائيل)): تفسير للرجلين. ٤٥٩٠ - وعَنِ البَراءِ ﴾ قال: بَعثَ النَّبِيُّ ◌َهِ رَهْطاً إِلى أَبي رافِعٍ، فَدَخَلَ عليهِ عبدُالله بن عَتِيكٍ بيْتَهُ لَيْلاً وهوَ نائِمٌ فقتَلَهُ، فَقَالَ عَبدُالله بن عَتِيكٍ: فوضَعْتُ السَّيفَ في بطنِهِ حتَّى أَخَذَ في ظهرِهِ فعرَفْتُ أَنِّي قَتَلُهُ، فَجَعَلْتُ أفتحُ الأبوابَ حتَّى انتهَيْتُ إِلى دَرَجةٍ، فوضَعْتُ رِجْلِي، فوقعْتُ فِي لَيلةٍ مُقْمِرَةٍ، فانكسَرَتْ سَاقِي، ٢٩٩ فعصَبْتُها بِعِمَامَةٍ، فانطلَقْتُ إلى أَصْحَابِي فانتَهَيْتُ إلى النَّبِيِّ نَّهِ فِحَدَّثَتُهُ فَقَال: (بْسُطْ رِجْلَكَ))، فيسَطْتُ رِجْلِي فمسَحَها، فَكَأنَّها لمْ أشتَكِها قطُّ . ((عن البراء ظه قال: بعث النبي ◌َُّ رهطاً)): من الخزرج، والرهط: ما دون العشرة من الرجال لا يكون فيهم امرأة . ((إلى أبي رافع)): وهو ابن الحقيق اليهودي، وكان أعدى عدوّ للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، كان يسعى في أذيته، ويهجوه بعدما نقض عهده، وكان له قلعة، فهو ملکھا یتحصّنُ بها . ((فدخل عبدالله بن عَتيكٍ)): بفتح العين المهملة وكسر التاء، وهو أمير الرهط . (بيته ليلاً وهو نائم، فقتله، فقال عبدالله بن عتيك: فوضعت السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره، فعرفت أني قتلته، فجعلت))؛ أي: طفقت ((أفتح الباب، حتى انتهيت إلى درجة، فوضعت رجلي، فوقعت))؛ أي: من تلك الدرجة. ((في ليلة مقمرة))؛ أي: مضيئة من نور القمر، يقال: أقمرت الليلة: إذا أضاءت . ((فانكسرت ساقي، فعصبتها بعمامة))؛ أي: شددتها بها . ((فانطلقتُ إلى أصحابي، فانتهيتُ إلى النبي ◌َّهِ فحدثته، فقال: ابسطْ رِجلَكَ، فبسطتُ رجلي، فمسحها))؛ أي: مسح رجلي بيده، فصارت صحيحة. ((فكأنما لم أشتكها قط)): وفيه دليل على أن الذمي إذا نقض عهده يُقتَلُ. ٤٥٩١ - وقَالَ جَابرٌ: إنََّ يومَ الخَنْدَقِ نَحْفِرُ، فَعَرَضَتْ كُدْيَةٌ شَدِيْدَةٌ، فجَاءُوا النَّبِيَّ وَّهِ فَقَالُوا: هَذِهِ كُدْيَّةٌ عَرَضَتْ في الخَنْدَقِ، فَقَالَ: ((أَنَاَ نازِلٌ))، ثُمَّ ٣٠٠