Indexed OCR Text
Pages 181-200
((من بعضها لاحترقْتُ)): وسؤاله وَله عن رؤية الله تعالى يدل على حقِّية إمكانها في الآخرة، وإلا لما سأل عنها. ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ الله خَلَقَ ٤٤٥٨ - عَنِ ابن عبّاسٍ إِسْرافيلَ مُنْذُ يَومَ خَلَقَهُ صَافّاً قَدمَيْهِ لا يَرْفَعُ بَصَرَه، بَيْنَهُ وبَيْنَ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعالَى سَبْعُونَ نُوراً، مَا مِنْها مِنْ نُورٍ يَدْنُو مِنْهُ إِلاَّ احْتَرِقَ))، صَحَّ. ((عن ابن عباس ﴾ قال: قال رسول الله ◌َله: إن الله خلق إسرافيل منذ يوم خلقه صَافَّا)): نصب على الحال من الضمير المنصوب في (خلقه). ((قدمَيْه)): مفعول له؛ أي: واقفاً على قدميه. ((لا يرفع بصره بينه وبين الربِّ تبارك وتعالى سبعون نوراً، ما منها من نور بدنو منه إلا احترق))، ((صحیح)). ٤٤٥٩ - عَنْ جَابرٍ ﴿هِ: أنَّ النَّبيَّ نَّهِ قَالَ: ((لَمَّا خَلَقَ الله تعالى أَدَمَ وذُرََّتَهُ قَالَتِ المَلائِكَةُ: يَا رَبِّ! خَلَقَتَهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ ويَنْكِحُونَ وَيَرْكَبُونَ، فَأَجْعَلْ لَهِمُ الدُّنيا ولَنَا الآخرة، قَالَ الله تَعَالَى: لاَ أَجْعَلُ مَنْ خَلقْتُهُ بِيَدِيَّ، ونَفَخْتُ فيهِ مِنْ رُوحِي، كَمَنْ قُلْتُ لَهُ: كُنْ، فَكَانَ». (عن جابرظه أنَّ النبي ◌َّي قال: لما خلق الله آدم وذريته قالت الملائكة: يا ربِّ خلقتَهُمْ يأكلون ويشربون وينكِحُون ويركبون، فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة، قال الله تعالى: لا أجعل مَنْ خلقْتُهُ)): الضمير يعود إلى (من)؛ أي: لا أجعل کرامة من خلقته. ١٨١ (بيديّ، ونفخْتُ فيه مِنْ روحي)): وهو آدم وذريته، إضافة الروح إلى نفسه للتشريف والتخصيص. (كمن قُلْتُ له: كُنْ فكان))؛ أي: كَمَنْ خلقته بمجرد الأمر، وهو المَلَك، يعني: لا يستوي البشر والمَلَك في الكرامة والقربة، بل كرامة البشر أكبر ومنزلته أعلى وأَجَل، وهذا من جملة ما استدل به أهل السنة في تفضيل البشر على المَلَك. ١- باب فَضَائِلِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ صَلَوَاتُ اللَّه عَلَيْهِ (باب فضائل سيد المرسلين))، جمع الفضيلة، وهي ضدُّ النقيصة. مِنَ الْصِحَاحِ: ٤٤٦٠ - قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((بُعثتُ مِنْ خَيْرِ قُرُونِ بني آدمَ قَرْناً فقَرْناً، حتَى كُنتُ مِنْ القَرْنِ الذِي كُنتُ مِنْهُ». (من الصحاح)): ((قال رسول الله وَله: بُعِثْت من خير قرون بني آدم))، (القرن): ثمانون سنة، وقيل: أهل زمان واحد. ((قَرْناً فَقَرْناً»: الفاء فيه للترتيب في الفضل على سبيل التَّرقي. ((حتى كنْتُ من القَرْنِ الذي كنْتُ منه)»: والمراد (بالبعث) هنا: تقلبه في أصلاب الآباء أباً فأباً، قرناً فقرناً؛ يعني: انتقل النبي وّ ر أولاً من صلب ولد إسماعيل، ثم من كنانة، ثم من بني هاشم. ١٨٢ ٤٤٦١ - وقَالَ: ((إِنَّ الله اصْطَفَى كِنانةَ مِنْ ولَدِ إِسْمَاعِيلَ، واصْطَفَى قُرِيْشاً مِنْ كِنَانَةَ، واصْطَفَى مِنْ قُرِيْشٍ بني هَاشِمٍ، واصْطَفَانِي مِنْ بني هَاشِمٍ). ويُرْوَى: ((إنَّ الله اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلَ، واصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِسْماعيلَ بني كِنَانَةً». ((وقال: إن الله اصطفى))؛ أي: اختار. ((كِنَانة))، وهي - بكسر الكاف ـ: عدة قبائل، أبوهم كنانة بن خزيمة، وهو ((من ولد إسماعيل، واصطفى قُريشاً من كنانة))؛ لأن أبا قريش: مضر بن كنانة، هذا ((واصطفى من قريش بني هاشم)»: وهاشم هو ابن عبد مناف، وهو من أولاد مضر هذا. ((واصطفاني من بني هاشم)): لأن محمداً وَّر ابن عبدالله بن عبد المطلب ابن هاشم، هذا ومعنى الخيرية والاصطفاء في هذه القبائل باعتبار الخِصَال الحميدة . ((ويروى: إنَّ الله اصطفى مِنْ وَلَدِ إبراهيم إسماعيل، واصطفى مِنْ وَلَدِ إسماعيل بني كنانة)). ٤٤٦٢ - وقَالَ: «أَنَ سَيِّدُ وَلَدِ آدمَ يَومَ القِيامَةِ، وأوَّلُ مَنْ يَتشَقُّ عَنهُ القَبرُ، وَأَّلُ شَافِعٍ، وأَوَّلُ مُنَفَّعٍ». ((وقال: أنا سيِّد وَلَدِ آدم يوم القيامة)): قَيَّد به مع أنه سيدهم في الدنيا؛ لأن سؤدده تظهر فيه لكل أحدٍ بلا معاند. قيل: لم يقل ◌َ ﴿ هذا الحديث فَخْرَاً، بل لامتثال قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]، أو لأنه مما يجب تبليغه إلى أمته كي يعتقدوه ويتبعوه. ١٨٣ ((وأول مَنْ ينشقُّ عنه القبر))؛ يعني: أنا أول مَنْ يعاد فيه الروح يوم القيامة. ((وأول شَافع وأول مُشفَّع)) بتشديد الفاء؛ أي: مقبول الشفاعة، والحديث يدل على أنه يقلل أفضل من جميع بني آدم وجميع الأنبياء والمرسلين، وعلى ثبوت الشفاعة لغيره من الأنبياء والملائكة والمؤمنين. ٤٤٦٣ - وقَالَ: ((أَنَا أَكْثَرُّ الأَنبيَاءِ تَبَعاً يَومَ القِيامَةِ، وأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الجَنَّةِ». ((وقال: أنا أكثر الأنبياء تَبَّعاً): نصب على التمييز؛ أي: تَبَعِي أكثر من أتباع الأنبياء. (يوم القيامة، وأنا أولُ مَنْ يَقْرَعُ»؛ أي: يدقُّ («بابَ الجنة)). ٤٤٦٤ - وقَالَ: ((آتِي بَابَ الجَنَّةِ يَومَ القِيامَةِ فَأَسْتَفْتِحُ فَيَقُولُ الخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لاَ أَفْتَحُ لِأِحَدٍ قَبَلَك)). ((وقال: آتي باب الجنة يوم القيامة، فَأَسْتَفْتِح))؛ أي: أطلب الفتح. ((فيقول الخازن: مَنْ أنت؟)): الاستفهام بمعنى السؤال. ((فأقول: محمد، فيقول: بِكَ أُمِرْتُ))؛ يعني: أُمِرْتُ بأن أفتح لك باب الجنة أولاً . «لا أفتح لأحد قبلك». * ١٨٤ ٤٤٦٥ - وقَالَ: ((نَحْنُ الآخِرونَ الأوَّلُونَ يَومَ القِيامَةِ، ونَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدخُلُ الجَنَّةَ». ((وقال: نحن الآخرون))؛ أي: في الدنيا. (الأوَّلون يوم القيامة))؛ أي: في البعث. وقال: ((نحن أوَّلُ مَنْ يدخل الجنة)). ٤٤٦٦ - وقال: ((نَحْنُ الآخِرِونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيا، والأوَّلونَ يومَ القِيامَةِ، المَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الخَلائقِ» . ((وقال: نحن الآخرون مِنْ أهل الدنيا، والأوَّلون يوم القيامة، المَقْضِيُّ لهم»: للأمة. ((قبل الخلائق))؛ يعني: تُقْضَى حوائج أمتي من الحساب، والجواز على الصراط، ودخول الجنة قبل قضاء حوائج الخلائق. ٤٤٦٧ - وقَالَ: ((أَنَا أَوَّلُ شَفِيع في الجَنَّةِ، لمْ يُصَدَّقْ نبيٌّ مِنَ الأَنْبِياءِ مَا صُدِّقْتُ، وإِنَّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيّاً مَا صَدَّقَهُ مِنْ أُمَتِهِ إِلَّ رَجُلٌ واحِدٌ)). ((وقال: أنا أول شافع))؛ أي: للعصاة من أمتي. (في الجنة))؛ أي: في دخولها. (لم يُصَدِّقْ نبيٌّ من الأنبياء ما صُدِّقْتُ)): على صيغة المجهول و(ما) مصدرية؛ أي: لم يُصدَّق نبي من الأنبياء تصديقاً مثل تصديق أمتي إيَّايَ. ١٨٥ ((وإن من الأنبياء نبيّاً ما صدَّقه من أُمَّته إلا رجل واحد)). ٤٤٦٨ _ وقَالَ: ((مَثَلَي ومَثَلُ الأَنْبياءِ كمثَلٍ قَصْرٍ أُحسِنَ بنيانُهُ، وَتُرِكَ مِنْهُ مَوْضِعُ لَبنةٍ، فَطَافَ بِهِ الُّظَّارُ يَتَعَجَّبونَ مِنْ حُسْنٍ بنيانِهِ إِلَّ مَوْضعَ تِلكَ اللَّبنِةِ، فَكُنْتُ أَنَا سَدَدْتُ مَوْضعَ تِلْك اللبنةِ، فَتَمَّ بِيَ البنيانُ، وخُتِمَ بِيَ الرُّسُلُ)). وفي رِوَايَةٍ: ((فَأَنَاَ اللَّنَةُ، وأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِينَ)). ((وقال: مثلي ومَثَلُ الأنبياء))؛ أي: مَثَلِي في تبليغ الرسالة إلى الكافة ومَثَلُ الأنبياء في تبليغ رسالتهم إلى أممهم. (كمثل قصرٍ أُحْسِنَ بنيانه)): جمع بناء. «وتُرِكَ منه مَوْضِعُ لبنةٍ فطافَ به))؛ أي: دار حوله. ((الُّظَّار)) بضم النون وتشديد الظاء المعجمة: جمع ناظر. (يتعجَّبون من حُسْنٍ بنيانه إلا مَوْضِعَ تلك اللَّبنة، فكنْتُ أنا سَدَدْتُ))؛ أي: أصلَحْتُ. ((وضِعَ اللَّبنة) حتى ((خُتِمَ بي البنيان، وخُتِمَ بي الرُّسل)) ((وفي رواية: فأنا اللَّبنة، وأنا خاتم النبيين)). ٤٤٦٩ - وقَالَ: ((مَا مِنَ الأنبياءِ مِنْ نبيِّ إِلَّ قدْ أُعطِيَ مِنَ الأَياتِ مَا مِثْلُهُ آمنَ عَلَيْهِ البَشَرُ، وإنَّما كَانَ الَّذِي أُوتِيْتُ وَحْياً أَوْحَى الله إليَّ، فأرجُو أنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابعاً يَوْمَ القِيامةِ». ((وقال: ما مِنَ الأنبياء مِنْ نبيٍّ))، (ما) هذه بمعنى (ليس). ١٨٦ (إلاَّ قد أُعْطِي من الآيات))؛ أي: المعجزات، و(من) بيانية لـ(ما) الموصولة في قوله : ((ما مِثْلُهُ))؛ أي: صفته، وهو مبتدأ وخبره الجملة التي بعده. ((آمنَ عليه البشر)»: الجار والمجرور متعلق بـ (آمن) لتضمنه معنى الاطلاع، أو بحال محذوفة تقديره: آمن به البشر واقفاً عليه، ويجوز أن تكون (ما) موصوفة بمعنى: شيء، والجملة الاسمية صفة (ما)؛ يعني: ما من نبي إلا أعطاه الله من المعجزات وأيّدهم بها ما إذا شُوهد واطلع عليه دعا الشاهد إلى تصديقه، فإذا انقطع زمانه انقطعت تلك المعجزة. (وإنما كان الذي أُوْتِيْتُ))؛ أي: معظم ما أُوْتِيْتُ من المعجزات. ((وحياً أوحى الله إليَّ)؛ يعني: قرآناً بالغاً أقصى غاية الإعجاز نظماً ومعنى، وهو أكثر فائدة وأعم عائدة من سائر معجزاته - عليه الصلاة والسلام -؛ لاشتماله على الدعوة والحجة، ينتفع به الحاضرون عند الوحي والغائبون عنه إلى يوم القيامة، ولذا رَتَّبَ النبي ◌َّه قوله: ((فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة)) . ٤٤٧٠ - وقَالَ: ((أُعْطِيتُ خَمْساً لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بالُّعبِ مَسيرَةَ شَهرٍ، وجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِداً وطَهُوراً، فَأَّما رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أدرَكَتْهُ الصَّلاةُ فلْيُصَلِّ، وأُحِلَّتْ لِيَ المَغَانِمُ ولمْ تَحِلَّ لأحَدٍ قَبْلي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلى قَوْمِهِ خَاصَّةً ويُعِثْتُ إِلى النَّاسِ عَامَّة)). ويُروَى: ((فُضلْتُ على الأَنْبياءِ بسِتُ: أُعْطِيتُ جَوامِعَ الكَلِمِ - وذكرَ هذهِ الأَشْيَاءَ إلاَّ الشَّفاعةَ وَزَاد : - وخُتِمَ بيَ النَّيُّونَ». ١٨٧ ((وقال: أُعْطِيْتُ خمساً)؛ أي: خمس خِصَال. ((لم يُعْطَهُنَّ أحدٌ قبلي: نُصِرْتُ بالرُّعْبِ))؛ أي: الخوف. ((مَسِيرَةَ شهر))؛ يعني: نصرني الله بإلقاء الخوف في قلوب أعدائي من مسيرة شهر بيني وبينهم. ((وجُعِلَتْ لي الأرض مسجداً وطهوراً)؛ يعني: أباح الله تعالى لأمتي الصلاة حيث كانوا؛ تخفيفاً لهم، وأباح التيمم بالتراب عند فقد الماء، ولم يُبحِ الصلاة للأمم الماضية إلا في كنائسهم، ولم يجز التَّظهر لهم إلا بالماء. ((فأيما رجل من أمتي أدركتْهُ الصلاة فليصلِّ»: وهذا تفريع لما قبله. ((وأُحِلَّتْ لي الغنائم(١) ولم تحلَّ لأحد قبلي)): أراد أن المتقدمة منهم مَنْ لم تحل لهم الغنائم، بل كانت توضع فتأتي نار فتحرقها وأباحها الله لهذه الأمة. ((وأُعْطِيْتُ الشفاعة)): اللام فيها للعهد، وهي الشفاعة العامة للإزالة من المحشر. ((وكان النبي ◌َّهِ يُبْعَثُ إلى قومه خاصَّة وبعثْتُ إلى الناس عامة)). ((ويروى: فُضِّلْتُ على الأنبياء بستٌ أُعْطِيْتُ جوامع الكلم)): يريد به القرآن، جمع الله فيه المعاني الكثيرة واللطائف الغزيرة في ألفاظ يسيرة. ((وذكر هذه الأشياء، إلا الشفاعة وزاد)» على الخمس: ((وخُتِمَ بي النبيون)) . ٤٤٧١ - وَقَالَ: ((بُعِثْتُ بجَوامِعِ الكَلِمِ، ونُصِرْتُ بالرُّعْبِ، وبَيْنا أَنَاَ نائِمٌ (١) في هامش ((غ)): ((في نسخة: المغانم)). ١٨٨ رأَتْيُّني أُتْبِتُ بِمَفاتِيحٍ خَزائِنِ الأَرْضِ فوُضعَتْ في يَدِي)). ((وقال: بُعِثْتُ بجوامع الكَلِمِ ونُصِرْتُ بالرُّعْبِ، وبينا أنا نائم رَأَيْتُني أُوْتِيْتُ بمفاتيح خَزَائِنِ الأرض)»: جمع مفتاح، وهو ما يُفْتَحُ به الأبواب، والخزائن: جمع خزانة، وهي ما يحفظ فيها الأشياء. ((فَوُضِعَتْ على يدي))؛ أراد ◌َ له بذلك: ما سهَّله الله له أو لأمته في فتح البلاد واستخراج الكنوز، أو المراد منه: معادن الأرض التي فيها الذهب والفضة . ٤٤٧٢ - وقَالَ: ((إِنَّ الله زَوَى لِيَ الأَرْضَ فرَّأَيتُ مَشَارِقَها ومَغَارِبَها، وإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِىَ لِي مِنْها، وأُعْطِيتُ الكَنْزَيْنِ الأَحْمِرَ والأَبِيضَ، وإِنِّي سَألِتُ رَبِي لِأُمَّتِي أَنْ لا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وأَنْ لا يُسلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوّاً مِنْ سِوَى أنفُسِهِمْ فَيَستَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وإِنَّ رَبَي قَالَ: يا محمّدًا إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فإنَّهُ لا يُرَدُ، وإِنِّي أَعْطَيْتُك لأُمَّتِكَ أنْ لا أُهِلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وأنْ لا أُسلِّطَ عَلَيهِمْ عَدُوّاً مِنْ سِوَى أَنفُسِهِمْ فِيَستَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، ولو اجتمعَ عَلَيْهِم مَنْ بَأَقْطَارِهَا، حتَّى يكُونَ بعضُهُمْ يُهلِكُ بعضاً ويَسبي بعضُهُمْ بَعضاً». ((وقال: إن الله تعالى زَوَى لي الأرضَ))؛ أي: قَبَضَهَا وجَمَعَهَا، واللام فيه للعهد الخارجي. ((فرأيتُ مشارٍقَهَا وَمَغَارِبَهَا)): جمعهما باعتبار اختلاف طلوع الشَّمس في الشتاء والصَّيف، أو باعتبار الكواكب، وإراءتها للنبي على سبيل التَّخيل والتَّمثيل کان لتبشیره بكثرة أمته. (وإن أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُها ما زُوِيَ لي منها)): (من) هذه للتبيين. ١٨٩ (وَأُعْطِيْتُ الكَنْزَيْنِ الأحمرَ والأبيضَ))، قيل: أراد بهما: كنوز كسرى وقيصر؛ لأن الغالب على نقود ممالك كسرى: الدنانير، وعلى نقود ممالك قيصر: الدراهم. قال أبو موسى: الأحمر ملك الشام؛ لأن الغالب على أموالهم الذهب، وعلى ألوانهم الحمرة، والأبيض ملك فارس؛ لأن الغالب على نقودهم الفضة، وعلى ألوانهم البياض. ((وإني سألْتُ ربي لأمتي أن لا يهلكها بسَنَةٍ»؛ أي: بقحط. ((عامة))؛ أي: شاملة للمسلمين. (وأن لا يُسَلِّطَ عليهم عدواً من سِوَى أَنفُسِهِمْ))؛ أراد به: الكفار. ((فَيَسْتَبِيْحُ بَيْضَتَهُمْ))؛ أي: يسبيها وينهبها ويجعلها مباحة. بيضة الدار: وسطها ومُعْظَمها. وقال أبو موسى: (بيضتهم): مجتمعهم، وموضع سلطانهم، ومستقر دعوتهم، وبيضة كل شيء: مجتمعه، أراد: أنه يستأصلهم ويهلكهم جميعاً. ((وإن ربي قال: يا محمد، إني إذا قضيْتُ قضاءً فإنه لا يُرَدُّه؛ يعني: إذا حكمْتُ بوقوع شيء فإنه غير مردود لا محالة. ((وإني أعطيتك))؛ أي عهدي وميثاقي. «لأمتك))؛ أي: لأجلها. ((أن لا أهلكهم بسَنَةٍ عامة، وأن لا أسلِّطَ عليهم عدواً من سِوَى أنفسهم فيستبيحُ بَيْضَتَهُمْ، ولو اجتمع عليهم مَنْ بأقطارها)): جمع قطر، وهو الجانب والناحية . ((حتى يكون بعضُهُمْ يُهْلِكُ بعضاً ويَسْبِي بعضُهُمْ بَعْضَاً). ١٩٠ ٤٤٧٣ - عَنْ سَعْدٍ ﴿ه: أنَّ رَسُولَ اللهِوَّهِ مرَّ بِمَسجِدٍ بني مُعَاوِيةَ، دَخَلَ فرَكَعَ فيهِ رَكعتَيْنٍ، وصَلَّيْنا مَعَهُ، ودَعا ربَّهُ طَوِيْلاً، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَال ◌َّ: سَأَلْتُ ربي، ثَلاَئاً فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ، ومَنعَنِي وَاحِدةً: سَأَلْتُ ربي أنْ لا يُهلِكَ أُقَّتِي بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيها، وسَألتُهُ أنْ لا يُهلِكَ أُمَّتِي بالغَرَقِ فأعْطَانِيها، وسَألتُهُ أنْ لا يَجْعَلَ بأسَهُمْ بَيْنَهُمْ فمَنعَنِيِها». ((عن سعد: مرَّ النبي ◌ِّر بمسجد بني معاوية)): قيل: هو بالمدينة، وبنو معاوية بطن من الأنصار. ((دخل فرکع))؛ أي: صلَّى فيه. (ركعتين، وصلينا معه، ودعا ربَّه طويلاً))؛ أي: دعاءً طويلاً. «ثم انصرفَ))؛ أي: رجع. ((فقال: سألْتُ ربي ثلاثاً، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة؛ سألْتُ ربي أن لا يُهْلِكَ أمتي بالسَنَة فأعطانيها»؛ أي: أعطاني الله تلك المسألة وأجاب دعائي. ((وسألته أن لا يُهْلِكَ أمتي بالغَرَق)) بفتحتين؛ أراد به: الغَرَق العام الشامل لجمیع الأمة، كما فعل بقوم نوح - عليه السلام - وقوم فرعون. ((فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسَهُمْ)): أراد به: الشِّدة في الحرب. «بينهم، فمَنَعَنِيْها»؛ أي: لم يجب دعائي فيها. ٤٤٧٤ - عَنِ عَطَاءِ بنِ يَسَارِ ﴿هَ قَالَ: لَقِيْتُ عَبْدَالله بن عَمرِو بن العَاصِ ﴿ قُلْتُ: أخبرْني عَنْ صِفةِ رَسُولِ اللهَِهُ فِي التَّوْراةِ، قَالَ: أجَلْ، والله إِنَّهُ لمَوصُوفٌ فِي التَّوْراةِ ببعْضٍ صِفِتِهِ في القُرآنِ: ﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَ شَهِدًا وَمُبَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾، وحِرْزاً للأُمييْنَ، أَنْتَ عَبْدِي ورَسُولِي، سَمَّيْتُكَ ١٩١ المُتوكِّلَ، لَيْسَ بِفَظُّ ولا غَلَيْظِ ولا سَخَّابٍ في الأَسْواقِ، ولا يَدْفَعُ بِالسَّيَّةِ السَّيِّئَةَ ولكنْ يَعِفُو ويَغْفِرُ، ولنْ يَقبضَهُ حتَّى يُقِيمَ بهِ المِلَّةَ العَوْجاءَ بِأَنْ يَقُولُوا: لا إِلهَ إلاَّ الله، وتُفْتَحُ بِهَا أَعْيُنٌ عُميٌّ، وآذانٌ صُمٌّ، وقُلوبٌ غُلفٌ، ورَوَاهُ عَطَاءٌ عَنِ ابن سَلَام. (عن عطاء بن يسار ظ قال: لقيْتُ عبدالله بن عمرو بن العاص قلْتُ: أخبرني عن صِفَةِ رسول الله وَّهِ فِي التَّوراة، قال: أجَل)): وهو في التَّصديق مثل (نعم) في الاستفهام. ((والله إنه)): بكسر الهمزة؛ أي: إنَّ الرسول وَّل. («الموصوفٌ في التوراة ببعض صفته في القرآن ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ وحِرْزَاً)، وهو - بكسر الحاء وسكون الراء المهملتين -: الموضع الحصين. ((للأميّين))؛ أي: للعرب؛ يعني: بعثناك مَوْئِلاً لأمَّتك الأميَّة، يتحصنون بك من آفات النفس وغوائل الشيطان، ويجوز أن يكون المراد بالحرز: حفظ قومه من عذاب الاستئصال، أو الحفظ لهم من العذاب ما دام فيهم لقوله تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]. ((أنت عبدي ورسولي، سمَّيْتُكَ المتوكِّل ليس بفَظُّ))؛ أي: غليظ القلب. (ولا غليظ»: وهو الضَّخم الكريه الخلق، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِظَ الْقَلْبِ لَأَ نْفَضُواْ مِنْ حَوْلِكٌ ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. ((ولا سخَّاب)) بفتح السين المهملة وتشديد الخاء المعجمة؛ أي: مرتفع الصوت ويروى أيضاً: بالصاد المهملة؛ أي: مكثر الصِّياح، شديد الصَّوت عند الخصام من السخب والصخب، وهما شِدَّة اختلاط الأصوات. ١٩٢ (في الأسواق، ولا يدفع بالسَّيئة السَّيئة))؛ يعني: لا يسيء إلى مَنْ أساء إليه. ((ولكن يَعْفُو)): عن المسيء ويحسِنُ إليه. (ویغْفِرُ))؛ أي: يدعو له بالغفران. ((ولن يقبضَهُ حتَّى يُقيْمَ به))؛ أي: يُجْعَل مستقيماً برسول الله وَّر . ((المِلَّة العوجاء)): يريد بها الكفر؛ لأنها مِلَّةٌ معوجَّةٌ باطلة، لا استقامة لها، وقيل: يريد ملَّة إبراهيم عليه السلام غيَّرتها العرب عن استقامتها وتَدَيْنَتْ بها . (بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح بها))؛ أي: بكلمة التوحيد، وهو قول: لا إله إلا الله. (أعينٌ عُمي)) بضم العين: جمع أعمى. ((آذانٌ صُمِ)): جمع أصم. (وقلوبٌ غُلْفٌ)): جمع أَغْلَف، وهو الذي لا يفهم كأنَّ قلبه في غلاف، وهذا إشارة إلى المذكور في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَهُمْءَاذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩] يعني: أنه عليه السلام يدعوهم إلى الإيمان والطاعة ويحملهم عليه . ((ورواه عطاء)): وهو عطاء بن يسار. ((عن ابن سلام))؛ يعني: عبدالله بن سلام. مِنَ الحِسَان: ٤٤٧٥ - عَنْ خَبَّابِ بنِ الأَرَتِّ ◌َلُهُ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلاَةً ١٩٣ فَأَطَالَها، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! صَلَّيْتَ صَلاَةً لمْ تكُنْ تُصلِّيْها! قال: ((أجَلْ، إنَّها صَلَاةُ رَغْبَةٍ ورَهْبَةٍ، إِنِّي سَألتُ الله فِيها ثلاثاً فَأَعْطانِي اثنتَيْنِ ومَنعِنِي واحِدَةً: سَأَلْتُهُ أَنْ لا يُهلِكَ أُمَتِي بِسَنَةٍ فَأَعْطَانِيها، وسَألْتُهُ أنْ لا يُسلِّطَ عَلَيهِمْ عَدُوّاً مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَعْطانِها، وسَألْتُهُ أنْ لا يُذِيقَ بَعْضَهُمْ بِأُسَ بعْضٍ فمنعَنِها» . ((من الحسان)): (عن خَبَّاب بن الأَرَت ◌َ﴿ه قال: صلَّى بنا رسول اللهِوَّهِ صلاةً فأطالها، قالوا: يا رسول الله! صلَّْتَ صلاةً لم تكن تُصلِّيها قال: أجَل))؛ أي: نعم. ((إنها))؛ أي: تلك الصلاة. ((صلاة رَغْبَةٍ))؛ أي: إلى الله. ((ورَهْبَةٍ))؛ أي: خوف منه تعالى، وفيه تعليمٌ للأمة إذا ظهر لهم أمر عظيم، وخوف شديد، أو رجاء إلى الله تعالى يلتجئون إلى صلاة رغبة ورهبة؛ ليزول عنهم ذلك بفضله ورحمته ويحصل مطلوبهم. (إني سألْتُ الله فيها ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة؛ سألْتُ الله أن لا يُهْلِكَ أمتي بسَنَةٍ فأعطانيها، وسألته أن لا يسلِّط عليهم عدواً من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يذيْقَ بعضَهُمْ بأسَ بعضٍ فمَنَعَنِيها)). ٤٤٧٦ - عَنْ أَبِي مَالِكِ الأَشْعَرِيِّ ◌َ﴿ُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((إنَّ الله ◌َ أَجَارَكُمْ مِنْ ثَلاثِ خِلالٍ: أنْ لا يَدعُوَ عَلَيْكُمْ نِبِيُّكُمْ فَتَهلِكُوا جَمِيْعاً، وأنْ لا يَظهِرَ أَهْلُ البَاطِلِ على أَهْلِ الحَقِّ، وأنْ لا تَجتمِعُوا على ضَلاَلٍ». ((عن أبي مالك الأشعري ظه قال: قال رسول الله وَله: إن الله أجارَكُمْ))؛ أي: أنقذَكُمْ. ١٩٤ (مِنْ ثلاثٍ خِلال))؛ أي: خِصَال؛ تعظيماً لنبيكم وتكريماً لكم. ((أن لا بدعو علیکم نبُكم)) بسبب كفر بعضكم. ((فتهلِكُوا جميعاً): كما دعا نوح على قومه فقال: ﴿رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ اَلْكَفِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] فهلكوا جميعاً، ودعا موسى على قوم فرعون فقال: ﴿رَبَّنَا أَطْمِسْ عَلَى أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨]. (وأن لا يظهَرَ))؛ أي: لا يغلبَ. ((أهلُ الباطل))؛ يعني: أهل الشِّرْك، وإن كثرَتْ أنصاره وأعوانه. ((على أهل الحق))؛ يعني: على أهل الإسلام بحيث يمحقه ويطفئ نوره. ((وأن لا يجتمعوا على ضلال))؛ أي: لا يتفقوا على شيء باطل، وهذا يدل على أن إجماع الأمة حُجَّة . ٤٤٧٧ - وعَنْ عَوْفٍ بن مالِكِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((لَنْ يَجْمَعَ الله تعالى على هذِهِ الأُمَّةِ سَيفَيْنِ: سَيفاً مِنْها وسَيفاً مِنْ عدُوِّها)). ((وعن عوف بن مالك ه قال: قال رسول الله وَله: لن يَجْمَعَ الله على هذه الأمة))؛ أي: المسلمة المؤمنة. (سَيْفَيْنِ: سيفاً منها، وسيفاً مِنْ عدوُّها))؛ يريد: أنَّ السيفين لا يجتمعان فيقع الاستئصال، ولكن إذا جعلوا بأسهم بينهم سَلَّط الله عليهم العدو فيشغلهم به عن أنفسهم ویکفَّ عنهم بأسهم. ٠٠٠ ٤٤٧٨ - عَنِ العَبَّاسِ ﴾: أَنَّهَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ﴿ فكأنَّهُ سمِعَ شَيْئاً، فَقَامَ ١٩٥ النَّبِيُّ ◌َهُ عَلى المِنْبَرِ فَقَالَ: ((مَنْ أَنَا؟))، فَقَالُوا: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: ((أَنَ مُحمَّدُ بن عبدِ الله بن عبدِ المُطَّلِّب، إِنَّ الله خَلَقَ الخَلْقَ فجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ، ثُمَّ جَعَلَهُمْ فِرِقَتَيْنٍ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ فِرِقةً، ثُمَّ جَعَلَهُمْ قَبَائِلَ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ قَبِيلَةً، ثُمَّ جَعَلَهُمْ بُيُوْتاً فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ بَيْئاً، فَأَنَا خَيْرُهُمْ نَفْساً وأَنَا خَيْرُهُمْ بيتاً» . ((عن العباس ظه: أنه جاء إلى النبي ◌ّ﴿ فكأنه))؛ أي: كأنَّ العباس. (سمع شيئاً)؛ أي شيئاً يكرهه في حقِّ النبي ◌َّ. ((فقام النبي ◌َ﴿ على المنبر)»: لوعظ أُمَّتِهِ. ((فقال: من أنا؟)): استفهام سؤال تقرير، و(أنا) عائد إلى حقيقته وكمالِهِ النبوي . ((فقالوا: أنت رسول الله وَ﴾، قال: أنا محمد بن عبدالله بن عبد المطلب، إنَّ الله خلق الخلْقَ فجعلني في خيرهم))، المراد: مِنْ خَيْرِ الخَلْقِ؛ الإنسان . (ثم جعلهم))؛ أي: صيَّر خيرهم. ((فرقتين))؛ يعني: العرب والعجم. (فجعلني في خيرهم فرقة)): نصب على التمييز؛ أي: في العرب. (ثم جعلهم))؛ أي العرب قبائل. ((فجعلني في خيرهم قبيلة))؛ أي: في قريش. ((ثم جعلهم))؛ أي تلك القبيلة . (بيوتاً)؛ أي بطوناً، والبطن: دون القبيلة. ((فجعلني في خيرهم بيتاً»؛ أي: بطناً، وهو قبيلة بني هاشم. ١٩٦ ((فأنا خيرهم نَفْسَاً، وخيرهم بيتاً)، بَيَّنَ وَلقر بعض كمالاته وفضائله تواضعاً منه ﴿﴿ وتلقيناً لأمته بالتواضع. ٤٤٧٩ - عَنْ أَبي هُرِيرَةَ ﴾ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! متَى وَجَبَتْ لكَ النُّبُوَّةُ؟ قال: ((وآدمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسدِ)) . ((وعن أبي هريرة ﴾ قال: قالوا: يا رسول الله وَّهِ متى وَجَبَتْ))؛ أي: ثَبَتَتَ لك. ((النبوة؟ قال: وآدم)): الواو للحال؛ يعني: ثَبَّتَتْ نبوتي في حال أنَّ آدمَ (بين الروح والجسد))؛ أي: مطروح على الأرض صورة بلا روح؛ أي: قبل تعلق روحه بجسده . ٤٤٨٠ - وعَنِ العِرْبَاضِ بن سَارِيَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ أَنَّهَ قَالَ: ((إِنِّي عِنْدَ الله مَكتوْبٌ: خَاتَمُ النَّبِيِينَ، وإِنَّ أَدمَ لمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتَهِ، وسَأُخبرُكُمْ بِأَوَّلِ أَمْرِي: دَعْوةُ إِبراهِيْمَ، وبشَارَةُ عيسَى، ورُؤْيا أُتّي الَّتِي رَأَتْ حِينَ وضَعَتْني وقدْ خَرجَ لها نُورٌ أَضَاءَتْ لَها منهُ قُصُورُ الشَّامِ». ((عن عرباض بن سارية ه، عن رسول الله وَيفي أنه قال: إني عند الله مكتوب: خاتم النبيين)): برفع (خاتم) نائب مناب فاعل (مكتوب)، وفي بعض النسخ بالنصب؛ تمييزاً أي: مكتوب من هذه الحيثية. ((وإن آدم لمُنْجَدِلٌ))؛ أي: لملقى على وجه الأرض. ((في طِيْنَتِهِ»؛ أي: في خلقته، من قولهم: طَائَةُ الله؛ أي: خلقه، والجار ١٩٧ والمجرور خبر ثان لـ (إن)، والجملة حال من (المكتوب)، والمعنى كتبْتُ خاتم الأنبياء في الحال التي آدم مطروح على وجه الأرض صورة من طين لم يُنفخ فيه الروح بعدُ. ((وسأخبرُكُمْ بأوّل أمري، دعوة إبراهيم)): وهي قوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ﴾ [البقرة: ١٢٩] قيل: يريد بالآيات: خبر من مضى، وخبر من بقي إلى يوم القيامة، والضمير في (فيهم) و(منهم) يعود إلى الذرية. ((وبشارة عيسى عليه السلام)): وهي قوله: ﴿يَبَنِىّ إِسْرَّهِ يلَ إِِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُرْ مُصَدِّقًالِمَا بَيْنَ يَدَنَّ مِنَ النَّوْرَنَةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِ مِنْ بَعْدِى أَسْمُهُوَأَعْمٌَ﴾ [الصف: ٦]. ((ورُؤْيا أمِّي التي رأَتْ حين وضَعَتْني، وقد خَرَجَ لها))؛ أي: لأمي، واللام للعلة . «نوراً أضاءَتْ لها منه))؛ أي: من النور. ((قصور الشام)): جمع قصر. ٤٤٨١ - عَنْ أَبِي سَعِيْدٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((أَنَا سيدُ ولَدِ آدمَ يَومَ القِيامَةِ ولا فَخْرَجَ، وبيَدِيْ لِواءُ الحمْدِ ولا فخرَ، ومَا مِنْ نَبَيِّ يومَئذٍ آدمُ فمن سِواهُ إلَّ تَحْتَ لِوائِي، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنَشقُّ عنهُ الأَرْضُ ولا فَخْرَ)). ((وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله ◌َله: أنا سيد وَلَدِ آدم يوم القيامة ولا فَخْرَ))؛ أي: لا أقوله مفاخرة، بل إظهاراً لنعمة الله تعالى عليَّ، وقيل: أي: لا أفتخر بذلك، بل فخري بربي الذي أعطاني هذه المرتبة. ((وبيدي لِوَاء الحمد)): بكسر اللام وبالمد؛ أي: رايته، يريد به: انفراده بالحمد وشهرته على رؤوس الخلائق، والعرب تضع اللواء موضع الشهرة، ١٩٨ ولا مقام أعلى وأرفع من مقام الحمد، ودونه تنتهي سائر مقامات العباد، ولما كان نبينا - عليه الصلاة والسلام - أحمد الخلائق في الدنيا والآخرة أُعطي لواء الحمد؛ ليأوي إلى لوائه الأولون والآخرون، ويفتح عليه في ذلك اليوم من المحامد ما لم يفتح على أحدٍ. ((ولا فَخْرَ، وما مِنْ نبي يومئذ))؛ أي: يوم إذْ تقوم الساعة . ((آدم)): عطف بيان لقوله: (نبي) أو بدل. ((فمَنْ سِواه)): (من) موصولة، (سواه) صلته، نصب على الظرف، والفاء للعطف على (آدم)؛ أي: وغيره من الأنبياء والمرسلين. (إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشقُّ عنه الأرض، ولا فَخْرَ)). ﴿ قَالَ: جَلسَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِِّ، ٤٤٨٢ - عنْ ابن عَبَّاسِ فَخَرجَ، فسمِعَهُمْ يَتذاكَرونَ، قَالَ بعضُهُمْ: إِنَّ الله انَّخذَ إِبْراهِيمَ خَليلاً، وقَالَ آخرُ: مُوسَى كلَّمَهُ الله تَكْلِيْماً، وقالَ آخرُ: فعيسَى كَلِمةُ الله ورُوحُهُ، وقَالَ آخرُ: أَدْمُ اصْطَفَاهُ الله، فخَرجَ عَلَيهِم فسَلَّمَ وقَالَ: ((قَدْ سَمِعْتُ كَلامَكُمْ وعَجَبَكُمْ أنَّ إِبْراهِيمَ خَلِيْلُ الله وهوَ كَذلِكَ، ومُوسَى نَجِيُّ الله وهوَ كَذَلكَ، وعِيْسَى رُوْحُهُ وكَلِمتُهُ وهُوَ كَذلكَ، وآدمُ اصْطَفَاهُ الله وهُوَ كذلكَ، أَلاَ وَنَا حَبيبُ الله ولا فَخْرَ، وأَنَا حَامِلُ لِواءِ الحَمْدِ يَومَ القِيامةِ ولاَ فَخْرَ، تحتَهُ أَدَمُ فمنْ دُونَهُ ولا فخرَ، وأنا أوَّلُ شَافِعٍ وأوَّلُ مُشفَّع يومَ القيامةِ ولا فَخْرَ، وأَنَا أوَّلُ مَنْ يُحرِّكُ حِلَقَ الجنَّةِ فِيَقْتَحُ الله لِيَ فِيُدْخِلُنِيْها ومَعِي فُقَراءُ المُؤمِنِينَ ولا فَخْرَ، وأَنَا أُكْرَمُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ على الله ولا فَخْرَ)). ((عن ابن عباس ﴿﴾ قال: جَلَسَ ناسٌ مِنْ أصحاب النبي صلى الله تعالى ١٩٩ عليه وسلم فخرج فسمعهم)): نصب على الحال من الضمير في (خرج) العائد إلى النبي ◌َل﴾، و(قد) مقدرة. (تذاكرون)): نصب على الحال من الضمير المنصوب في (سمعهم)، يعني: خرج النبي ◌َّ وقد سمعهم متذاكرين في فضائل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ((قال بعضهم: إن الله تعالى اتَّخذ إبراهيم خليلاً، وقال آخر: موسى كلَّمه الله تعالى تكليماً، وقال آخر: فعيسى كلمة الله وروحه، وقال آخر: آدم اصطفاه الله تعالى، فخرج النبي عليهم وسلَّم وقال: قد سمعت كلامَكُم، وعَجَبَكُم أنَّ إبراهيم خليل الله، وهو كذلك)): هذا تصديقٌ لكلامهم. ((وموسى نَجيُّ الله، وهو كذلك، وعيسى روحه وكلمته، وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله، وهو كذلك، ألا)): كلمة تنبيه؛ أي: تنبَّهوا. ((وأنا حبيب الله، ولا فَخْرَ)): والفرق بين الخليل والحبيب: أن الخليل اشتقاقه من الخلَّة وهي الحاجة، فإبراهيم عليه السلام كان كلُّ افتقاره إلى الله تعالى، فمن هذا الوجه اتَّخذه خليلاً، والحبيب اشتقاقه من المحبة، فعيل بمعنى الفاعل والمفعول، فكأنه عليه السلام محبوب ومُحِب، والخليل محبٌّ لحاجته إلى مَنْ یحبه، والحبيب محبٌّ لا لغرض. وقيل: الخليل يكون فعله برضاء الله تعالى، والحبيب يكون فعل الله تعالى برضاه. ألا ترى أن النبي ◌َ﴿ أراد تحويل القبلة فقال الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبُ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَنُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَهَا﴾ [البقرة: ١٤٤] وقال له: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ﴾ [الضحى: ٥]. وقيل: الخليل لا يحب الاستعجال إلى لقاء خليله، كما قيل: إن ملك ٢٠٠