Indexed OCR Text

Pages 41-60

((فيعطى)): على بناء المجهول؛ أي: المؤمن.
(كتابَ حسناته)): بالنصب مفعوله الثاني.
((وأما الكفار والمنافقون؛ فينادى بهم على رؤوس الخلائق: ﴿هَكُلَاءٍ
الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلَاَ لَغْنَةُ اللَّهِ عَلَى الَِّمِينَ﴾ [هود: ١٨])).
٤٣٠٤ - وقالَ رَ﴾: ((إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ دَفَعَ الله إلى كُلِّ مُسْلِمٍ يَهودياً أو
نَصْرانِياً فيقولُ: هذا فَكَاكُكَ مِنَ النَّارِ)).
((وقال *: إذا كان يوم القيامة)): (كان) هذه تامة.
((دفع الله إلى كلِّ مسلم))؛ أي: أعطاه ((يهودياً، أو نصرانياً، فيقول: هذا
فِكاكُكَ من النار)): (فِكاكُ الرهن) بكسر الفاء وفتحها: ما يفتك به؛ أي:
يخلِّص؛ يعني: كان لك منزل في النار، لو كنت استحققته، لدخلتَ فيه، فلما
استحقه هذا الكافر، صار كالفِكاك لك؛ لأنك نجوت منه، وتعین الکافر له،
فألقه في النار فداءك، لعل تخصيص اليهود والنصارى؛ لاشتهارهم بمضادة
المسلمين.
٤٣٠٥ - وقالَ: ((يُجَاءُ بنوْحِ يومَ القِيامَةِ فيُقالُ له: هلْ بلَّغْتَ؟ فيقولُ:
نعمْ، يا رَبِّ! فتُسأَلُ أَمَّتُهُ: هَلْ بِلَّغَكُمْ؟ فيقولون: ﴿مَا جَآءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾،
فيُقالُ: مَنْ شُهودُكَ؟ فيقول: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ))، فقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((فُجاءُ بِكُمْ
فَتَشْهَدونَ أنَّهُ قَدْ بَلَّغَ»، ثمَّ قَرأَ رسولُ اللهِوَهِ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًّا
لِكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ .
٤١

((وقال ◌َّهُ: يُجاء بنوح - عليه السلام - يومَ القيامة، فيقال: هل بلغتَ؟
فيقول: نعم يا رب! فيسأل أمته: هل بلَّغكم؟ فيقولون: ما جاءنا)): (ما) فيه
نافية .
((من نذير))؛ أي: منذر.
((فيقال: من شهودك؟)): (من) فيه استفهامية، طلب الله من نوح شاهداً
على تبليغه أمته، وهو أعلم به؛ إقامةً للحجة عليهم.
((فيقول محمد وأمته، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: فيجاء
بكم، فتشهدون أنه قد بلَّغ))؛ أي: نوحاً قد بلغ أمته ما أوحى الله إليه وأنذرهم.
(ثم قرأ رسول الله وَّ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ﴾))؛ أي: كما هديناكم،
فضَّلناكم بأن جعلناكم ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾؛ أي: خياراً، أو عدولاً، وإنما كانت هذه
الأمة وسطاً؛ لأنهم لم يغلوا غلوَّ النصارى، ولا قصَّروا تقصيرَ اليهود في تكذيب
أنبيائهم وقتلهم إياهم.
﴿لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]:
بأن يسأل عليه السلام عن حال أمته، فيزكيهم، ويشهد بصدقهم، وإنما شهد أمة
محمد * بذلك مع أنهم بعد نوح؛ لعلمهم بالفرقان أن الأنبياء كلهم قد بلَّغوا
أممهم ما أرسلوا به.
٤٣٠٦ - عن أنس ﴿ قالَ: كُنَّا عِنْدَ رسولِ اللهِوَ﴿ِ فِضَحِكَ، فقالَ: ((هلْ
تَدْرونَ مِمَّ أَضْحَكُ؟)) قال: قُلنا: الله ورسولُه أَعْلَمُ، قال: ((مِنْ مُخَاطَبَةِ العَبْدِ
رَبَّهُ، يقولُ: يا رَبِّ! أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلم؟))، قال: ((فيقولُ: بَلَى))، قالَ:
( فيقولُ: فإِنِّي لا أُجيزُ على نَفْسِي إلاَّ شاهِداً مِنِّي))، قال: ((فيقولُ: كَفَى بنفْسِكَ
٤٢

اليَوْمَ عليكَ شَهيداً، وبالكِرامِ الكاتِبينَ شُهوداً)، قال: ((فيُختَمُ على فيهِ، فيُقالُ
لأَرْكانِهِ: انْطِقِي))، قالَ: ((فتَنْطِقُ بأَعْمَالِهِ، ثُمَّ يُخَلَّى بينهُ وبينَ الكلام))، قال:
((فيقولُ: بُعْدَاً لَكُنَّ وسُحْقاً، فَعَنْكُنَّ كنتُ أُناضلُ».
وَّة، فضحك، فقال: هل تدرون مم
ـه قال: كنا عند النبي
«عن آنس
أضحك؟ قال: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: من مخاطبة العبد ربه، يقول:
يا رب! ألم تُجِرْني من الظلم؟))؛ أي: ألم تؤمِّني من أن تظلم علي؟
((قال: يقول))؛ أي: الله تعالى في جوابه العبد.
((بلى)) قد أجرتك من الظلم.
((قال: فيقول))؛ أي: العبد.
((فأني لا أجيز)) بالزاي المعجمة من الإجازة.
((على نفسي إلا شاهداً مني، قال: فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك
شهيداً): نصب على الحال، و(عليك) متعلق به، خبر بمعنى الأمر؛ أي: اكتفى
نفسُكَ في حال كونك شهيداً عليك.
((وبالكرام الكاتبين شهوداً، قال: فيُختَم على فيه))؛ أي: على فمه.
«فيقال لأركانه))؛ أي: لجوارحه.
((انطقي، فتنطق بأعماله)): فتقول اليد: بي أخذت مال فلان وبطشت
بفلان، والرجل: بي ذهبت إلى المعصية الفلانية، قال الله تعالى: ﴿ اَلْيَّوْمَ نَخْتِمُ
عَلَى أَفْوَهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَّآ أَيْدِيِهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ [يس: ٦٥].
(ثم يخلّى))؛ أي: العبد المختوم.
(بينه وبين الكلام))؛ أي: يرفع الختم عن فمه، فيقدر على التكلم.
((قال: فيقول)) لجوارحه: ((بعداً لَكُنَّ وسحقاً): كلاهما بمعنى، منصوبان
٤٣

على المصدرية، وجب حذف فعلهما؛ لكثرة الاستعمال.
((فعنكنَّ كنتُ أناضل)»: يقال: ناضلت عنك؛ أي: رميت عنك وحاججت
ودافعت وتكلمت بعذرك، وأصل المناضلة: المراماة بالسهام.
والمراد هنا: المحاجة بالكلام؛ يعني: كنت أجتهد وأخاصم مع الله في
خلاصكنَّ من النار، فأنتن تشهدن، وتلقين أنفسكنَّ في النار.
٤٣٠٧ - عن أبي هُرِيرَةَ ﴾ قال: يا رسولَ الله! هلْ نرَى ربنا يومَ القيامةِ؟
قال: ((هلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ في الظَّهِيرَةِ ليسَتْ في سَحابَةٍ؟» قالوا: لا،
قالَ: ((فهل تُضارُّونَ فِي رُؤْيَةِ القَمَرِ ليلةَ البَدْرِ ليسَ فِي سَحَابَةٍ؟» قالوا: لا،
قالَ: ((فوالذي نَفْسِي بيدِه، لا تُضَارُونَ فِي رُؤْيةِ ربكُمْ إلاَّ كما تُضارُّونَ فِي رُؤْيةِ
أَحَدِهما. قال: ((فَيَلقَى العَبْدَ فيقولُ: أَيْ فُلْ! أَلَمْ أُكْرِمْكَ وأُسَوِّدْكَ وَأُزَوِّجْكَ
وأُسْخِّرْ لكَ الخَيْلَ والإِبلَ وأذَرْكَ تَزْأَسُ وتَرْبَعُ؟ فيقولُ: بَلَى)). قالَ: ((فيقولُ:
أَفَظِنْتَ أنَّكَ مُلاقِيَّ؟ فيقولُ: لا، فيقولُ: فإنِّي قدْ أَنْسَاكَ كما نَسِيتَنِي، ثُمَّ يَلْقَى
الثَّانِيَ، فَذَكَرَ مِثْلَه، ثُمَّ يَلقَى الثّالثَ فيقولُ لهُ مثلَ ذلكَ، فيقولُ: يا رَبِّ! آمَنْتُ
بكَ وبكتابكَ وبرُسُلِكَ، وصَلَّيْتُ وصُمْتُ وتَصَدَّقْتُ، ويُثني بِخَيْرِ ما استَطاعَ،
فيقولُ: هاهُنا إذاً، ثُمَّ يُقالُ: الآنَ نَبَّعَثُ شاهِداً عَلَيكَ، ويتَفَكَّرُ في نفسِهِ: مَنْ ذا
الذي يَشْهَدُ عليَّ؟ فيُختَمُ على فيهِ، ويُقالُ لفَخِذِه: انْطِقِي، فتنطِقُ فخِذُهُ ولَحْمُهُ
وعِظامُهُ بعَمَلِهِ، وذلكَ ليُعذَرَ مِنْ نَفْسِهِ، وذلكَ المُنافِقُ وذلك الذي سَخِطَ الله
عَلَيهِ».
((عن أبي هريرة ظ أنه قال: قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم
القيامة؟ قال: هل تُضارون)): يروى بالتشديد والتخفيف من (الضر) و(الضير)،
٤٤

وهما متقاربا المعنى؛ أي: لا تخالفون، ولا تجادلون.
((في رؤية الشمس))؛ لوضوحه وظهوره.
٠
((في الظهيرة)»: نصف النهار.
(ليست في سحابة)): جملة حالية.
وقيل: لا تَضارون بفتح التاء؛ أي: لا تظلمون؛ أي: لا تسترون في الرؤية؛
يعني: لا يلحقكم ضرر الازدحام لرؤيته عند النظر إليه.
((قالوا: لا، قال: فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في
سحابة؟ قالوا: لا، قال: والذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما
تضارون في رؤية أحدهما)): وإنما قال الإ ذلك تحقيقاً لرؤيته، وهو تشبيه
الرؤية بالرؤية لا تشبيه المرئي بالمرئي.
«قال: فيلقَى))؛ أي: الرب.
((العبدَ، فيقول: أيْ فُل!)) بضم الفاء وسكون اللام، معناه: يا فلان!
قيل: هذا ليس ترخيماً له؛ إذ لو كان ترخيماً له لم تلحقه التاء في المؤنث نحو:
یا فلة، ولم يحذف منه الألف.
((ألم أكرمك وأسوِّدك)): من السيادة؛ أي: ألم أجعلك سيداً؟
((وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك))؛ أي: أتركك.
«ترأس))؛ أي: تکون رئيسهم.
((وتربع))؛ أي: تأخذ المرباع من أموالهم، وهو الربع من رأس مالٍ غنموه
عند غزو بعضهم بعضاً، كان الرئيس في الجاهلية يأخذه دون أصحابه، والمِزْباع
أيضاً: ناقة تحمل قبل الوقت.
((فيقول: بلى، قال: فيقول: أفظننتَ أنك مُلاقيّ؟ فيقول: لا، فيقول:
٤٥

فإني قد أنساكَ كما نسيتني، ثم يلقى الثاني، فذكر مثله، ثم يلقى الثالث،
فيقول له مثل ذلك، فيقول: يا رب! آمنت بك وبكتابك وبرسلك، وصليت
وصمت وتصدقت، ويثني))؛ أي: على الله.
((بخير ما استطاع، فيقول هاهنا»؛ أي: اثبت مكانك.
((إذاً»: حتى تعرف أعمالك.
((ثم يقال: الآن نبعث شاهداً عليك، ويتفكّر)»؛ أي: العبد.
((في نفسه من ذا الذي يشهد عليَّ، فيُختَم على فيه، ويقال لفخذه:
انطقي، فينطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله، وذلك))؛ أي: إنطاق أعضائه.
((ليُعذِرَ من نفسه)): على بناء الفاعل من (الإعذار)؛ أي: ليزيل عذره من
قبل نفسه بكثرة ذنوبه، وشهادة أعضائه عليه بحيث لم يبقَ له عذرٌ يتمسّك به.
((وذلك المنافقُ، وذلك الذي سخط الله عليه)).
مِنَ الحِسَان:
٤٣٠٨ - عن أبي أُمَامَةَ ﴾ قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِوَّهِ يقولُ: ((وَعَدَني
ربي أنْ يُدْخِلَ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعينَ ألفاً لا حِسابَ عَلَيْهمْ ولا عذابَ، معَ كُلِّ
ألفٍ سَبْعونَ أَلَّفاً، وثلاثُ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتٍ ربي)) .
((من الحسان)):
((عن أبي أمامة به قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﴾ يقول: وعدني ربي أن
يُدخِلَ الجنةَ من أمتي سبعين ألفاً): المراد منه الكثرة، لا العدد.
((لا حسابَ عليهم ولا عذابَ، مع كلِّ ألفٍ سبعون ألفاً، وثلاثَ)):
بالنصب عطفاً على (سبعين).
٤٦

((حثيات)): جمع حثية، وهي ملءُ الكف.
((من حثيات ربي)): وهذا على وجه التمثيل والمبالغة في الكثرة بحيث
يخفى على العادين تقديره وإحصاؤه؛ لأن حثيات الكريم لا تكون إلا كذلك،
كما أن المأخوذ من التراب بالكف لا يُحصى ولا يعلم عدده، وإلا فلا كفَّ ثمةً
ولا حثيَ.
٤٣٠٩ - عن أبي هُرِيرَةَ ﴾ قال: قالَ رسولُ اللهِلَّهِ: ((يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ
القِيامةِ ثَلاثَ عَرَضاتٍ، فَأَمَّا عَرْضَتانِ فجِدالٌ ومَعاذيرُ، وأمَّا العَرْضَةُ الثَّالثةُ فِعِنْدَ
ذلكَ تَطَايَرُ الصُّحُفُ فِي الأَيْدِي فَآَخِذٌ بِيَمِنِهِ وآخِذٌ بشِمالِهِ»، ضعيف.
((عن أبي هريرة قال: قال النبي ◌ٍَّ: يُعرَض الناس يوم القيامة ثلاثَ
عرضات؛ فأما العرضتان فجدالٌ)): وهو عبارة عن دفع الذنوب عن الأنفس،
لا سيما الكفار المنكرين لإبلاغ الرسل وتكذيبهم الأنبياء.
((ومعاذيرُ)): جمع معذرة، وهي عبارة عن اعترافِ العبد بالذنوب
والاعتذارِ عنها بالسهو والاضطرار ونحو ذلك.
((وأما العرضة الثالثة)): فلقطع الخصومات، وإظهارِ الحق، وتقويةٍ قول
الأنبياء، وتأكيدِ شهادة الحفظة على صدق العبد أو كذبه.
((فعند ذلك تطاير)»: أصله تتطاير؛ أي: تتفرق.
((الصحف)): جمع صحيفة، وهي المكتوب.
(في الأيدي، فآخذٌ بيمينه))؛ أي: بعضهم يأخذ كتابه بيمينه، وهم أهل
السعادة .
٤٧

((وآخذٌ بشماله))؛ أي: بعضهم يأخذ كتابه بشماله، وهم أهل الشقاوة.
(ضعيف)».
٤٣١٠ - وقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((إنَّ الله يَسْتَخْلِصُ رَجُلاً منْ أُمَّتي على
رُؤُوسِ الخَلَائِقِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَنْشُرُ عليهِ تِسْعَةً وتِسْعينَ سِجِلاً، كُلُّ سِجِلٌّ مِثلُ
مَدِّ البَصَرِ، ثُمَّ يقولُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هذا شَيْئاً؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتَي الحافِظونَ؟ فيقولُ:
لا، يا رَبِّ! فيقولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ؟ قالَ: لا، يا رَبِّ! فيقولُ: بَلَى، إنَّ لكَ عِنْدَنا
حَسَنةً، وإِنَّهُ لا ◌ُلْمَ عَلَيَكَ اليَوْمَ، فَتُخرَجُ بِطاقةٌ فيها: أَشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ الله وأنَّ
مُحَمَّداً عبدُهُ ورسولُهُ، فيقولُ: احضُرْ وَزْنَكَ، فيقولُ: يا رَبّ! ما هذهِ البطاقَةُ
معَ هذهِ السِّجِلاتُ؟ فيقولُ: إنَّكَ لا تُظْلَمُ، قال: فتُوضَعَ السِّجلاتُ فِي كَفَّةٍ
والبطاقَةُ في كَفَّةٍ، فطاشَتِ السِّجلاتُ وثَقُلتِ البطاقَةُ، فلا يَثْقُلُ معَ اسمِ الله
شَيْءٌ».
((وقال رسول الله وَل﴾: إن الله تعالى يستخلصُ))؛ أي: يختار.
((رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة
وتسعین سِچِلاً)): وهو الكتاب الكبير.
((كل ◌ِجِلٌّ مثل مدِّ البصر)): وهذا عبارة عما ينتهي إليه بصر الإنسان؛
يعني: كل كتاب منها طوله وعرضه مقدار ما يمتد إليه البصر.
(ثم يقول: أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول:
لا يا رب، فيقول: أفلك عُذر؟ قال: لا يا رب، فيقول: بلى، إن لك عندنا
حسنة، وإنه لا ظلمَ عليك اليوم، فتُخرَج بِطاقةٌ)) بكسر الباء الموحدة: رقعة
صغيرة - وهي كلمة كثيرة الاستعمال في البلاد المصرية والشامية - يكتب فيها أمر
٤٨

عظيم الخطب من أمور المملكة، وتُشدُّ بطاقةٍ من طاقات ريش الحمامة؛ لتذهب
بها إلى الحاكم ببلدة من تلك البلاد؛ ليعلم ذلك الأمر، ويسعى في تدبيره.
((فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، فيقول))؛ أي:
الله تعالی.
((حضر وزنك))؛ أي: الوزنَ الذي لك، أو وزنَ عملك.
((فيقول: يا رب! ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنك لا تظلم،
قال: فتوضع السجلات في كِفَّة)): بكسر الكاف وفتحها؛ أي: كفة الميزان.
((والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات))؛ أي: خفت، والطَّش: خفة
العقل.
((وثقلت البطاقة، فلا يثقلُ مع اسم الله تعالى شيءٌ))؛ أي: لا يقاومه شيء
من المعاصي، بل يترجَّح ذكر الله على سائر المعاصي.
فإن قيل: الأعمال أعراض لا يمكن وزنها إنما توزن الأجسام.
قلنا: إنما يوزن السجلُ الذي كُتِبَ فيه الأعمال.
أو أنه تعالى يخلق في كفة ميزان السعداء ثقلاً، وفي كفة ميزان الأشقياء
خفة، وهي علامة السعادة والشقاوة.
والجوابان على قول من يجري الوزن والميزان على الظاهر، وهو مذهب
أهل السنة، وأما من يحمله على المعنى؛ فيقول: إن الوزن في الأجسام علامةٌ
يُعرَف بها الربح والخسران، وفي الأعمال في الآخرة علامة تظهر بها السعادة
والشقاوة، نحو بياض الوجوه وسوادها عند المعتزلة والفلاسفة .
٤٣١١ - عن عائِشَةَ رضي الله عنها: أنَّها ذَكَرَت النَّارَ فَبَكَتْ، فقالَ
٤٩

رسولُ اللهِّهِ: ((ما يُبكيكِ؟)) قالت: ذَكَرْتُ النَّارَ فبكيتُ، فهلْ تذكُرُونَ أَهْلیكُمْ
يَوْمَ القِيامةِ؟ فقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((أمَّا في ثلاثةِ مَواطِنَ فلا يَذْكُرُ أَحَدٌ أحداً: عِنْدَ
الميزانِ حتَّى يَعْلَمَ أيَخِفُّ ميزانُهُ أم يثقُلُ، وعندَ الكتابِ حينَ يُقالُ ﴿هَؤُمُ أَقْرَءُواْ
كِتَبِيَةِ﴾ حتَّى يَعْلَمَ أينَ يقعُ كتابُه أفي يمينهِ أمْ في شِمالِهِ أو منْ وراءِ ظهرِه، وعند
الصِّراطِ إذا وُضِعَ بِينَ ظَهْرانَيْ جَهَنَّمَ).
((عن عائشة رضي الله عنها: أنها ذكرت النار، فبكت، فقال رسول الله صلاته:
ما يبكيك؟ قالت: ذكرتُ النارَ فبكيتُ فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟»: خطاب
مع النبي ◌َِّ، أو مع مَنْ حضرَ من الرجال.
((فقال رسول الله ◌َ﴿: أما في ثلاثة مواطنَ فلا يذكر أحدٌ أحداً: عند
الميزان حتى يعلم أيخفُّ ميزانه أم يثقل، وعند الكتاب حين يقال: ﴿هَاؤُمُ أَقْرَءُواْ
كِتَبِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩]))؛ أي: خذوه وانظروا ما فيه.
«حتى يعلم أين يقع كتابه؛ أفي يمينه، أم في شماله، أو من وراء ظهره))؛
لأن یده تكون مشددة إلی ظهره.
((وعند الصراط إذا وُضع))؛ أي: الصراطُ ((بين ظَهْراني جهنم)؛ أي: في
وسطها.
٤ - بل
الحَوْض والشّفاعَةِ
(باب الحوض والشفاعة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٣١٢ - قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: (بَيْنا أنا أَسيرُ في الجنَّةِ إذا أَنَا بنهْرِ حاقَّتَاهُ
٥٠

قِبابُ الدُّرِّ المُجَوَّفِ، قلتُ: ما هذا يا جِبْرِيلُ؟ قال: هذا الكَوثَرُ الذي أَعْطاكَ
رُّكَ، فإذا طِينُهُ مِسْكٌ أذفَرُ)).
((من الصحاح)):
((قال رسول الله وَلي: بينا أنا أسيرُ في الجنة إذا أنا)): (إذا) هذه للمفاجأة.
«بنهر حافتاه))؛ أي: طرفاه.
(قِبابُ الدُّر)) بكسر القاف: جمع قُبَّة.
((المجوف)): وهو الذي له جوفٌ.
((قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك»:
و(الكَوْثَر) على وزن فَوْعَل من (الكثرة).
قال ابن عباس : الكوثر: الخير الذي أعطاه الله تعالى إياه، وقيل:
القرآن والنبوة.
((فإذا طينه مسكٌ أَذْفَرُ))؛ أي: شديد الرائحة، قيل: الذَّافر بالتحريك: يقع
علی الطيب والکریه، ويُفرَّق بينهما بما یضاف إليه، أو يوصف به .
٤٣١٣ - وقالَ: ((حَوْضي مَسيرةُ شَهْرٍ، وزَواياهُ سَواءٌ، ماؤُهُ أبيضُ مِنَ
اللَّبن، ورِيْحُهُ أَطْيَبُ مِنَ المِسْكِ، وكِيزانُهُ كُنُجومِ السَّماءِ، مَنْ يَشْرَبْ منها فلا
يظمأُ أبداً).
((وقال رسول الله وَاجٍ: حوضي ميسرةُ شهرٍ، وزواياه)»: جمع زاوية، وهي
الناحية والجانب .
((سواء))؛ أي: يستوي طوله وعرضه، وقيل: عمقه أيضاً.
٥١

((ماؤه أبيضُ))؛ أي: أشد بياضاً ((من اللبن، وريحه أطيب من المسك،
وکیزانه)): جمع کوز.
((كنجوم السماء))؛ أي: كعدد نجومها في الكثرة.
((من شرب منها))؛ أي: من الكيزان.
((فلا يظمأ أبداً»؛ لأن الشرب منها علامةٌ للمغفرة، والمغفورُ لا يلحقه
ضررُ ظمأ ولا غيره.
٤٣١٤ - وقال: ((إنَّ حَوْضي أَبْعَدُ مِنْ أيِلَةَ مِنْ عَدَنَ، لهوَ أَشَدُّ بَيَاضاً مِنَ
الثَّلْجِ، وأَخْلَى مِنَ العَسَلِ باللَّبن، ولَّنيَتُهُ أَكْثَرُ منْ عَدَدِ النُّجومِ، وإنِّي لأَصُدُّ
النَّاسَ عنهُ كما يَصُدُّ الرَّجُلُ إِيلَ النَّاسِ عنْ حَوْضهِ»، قالوا: يا رسولَ الله!
أَتَعْرِفُنَاَ يومئذٍ؟ قال: ((نعمْ، لكُمْ سِيما ليستْ لأَحَدٍ مِنَ الأُمَمِ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُراً
مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الوُضُوءِ».
ويُروَى: ((تُرَى فِيهِ أَبَارِيقُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ كعَدَدِ نُجومِ السَّماءِ».
ويُروَى: ((يَغُتُّ فِيهِ ميزابانٍ يَمُدَّانِهِ مِنَ الجَنَّةِ، أَحَدُهُما مِنْ ذَهَبٍ، والآخَرُ
منْ وَرِقٍ».
((وقال: إن حوضي أبعد من أَثْلَةَ»؛ أي: من بعد أيلة بفتح الهمزة وسكون
الياء: بلد بالساحل من آخر بلاد الشام مما يلي بحر اليمن.
((من عدن)): آخر بلاد اليمن مما يلي بحر الهند.
وقد جاء في حديث ثوبان: ((ما بين عدن إلى عُمان))، وفي حديث حارثة:
(كما بين صنعاء والمدينة)) والتوفيق: أن إخباره عليه السلام عن ذلك على طريق
التقريب، لا على سبيل التحديد، والتفاوت من اختلاف أحوال السامعين في
٥٢

الإحاطة بها علماً.
(لهو أشد بياضاً من الثلج، وأحلى من العسل باللبن، ولآنيته أكثرُ من
عدد النجوم، وإني لأصدُّ الناسَ عنه))؛ أي: لأمنعهم عن حوضي، قيل: أراد
بها: الكفار، ويجوز أن تكون أمة غيره من الأمم.
((كما يصدُّ الرجل)»؛ أي: يمنع («إبلَ الناس عن حوضه، قالوا: يا رسول
الله! أتعرفنا يومئذ، قال: نعم، لكم سِيمًا))؛ أي: علامة.
(ليست لأحد من الأمم، تردون عليَّ غُراً): جمع الأغر، وهو الأبيض
الوجه .
((محجَّلين)): المحجَّل مفعول من (التحجيل)، وهو بياض الأيدي
والأرجل إلى المرافق، وهما منصوبان على الحال؛ يعني: علامة أمتي من بين
الأمم نورٌ يلوح في أعضاء وضوئهم
((من أثر الوضوء))، وبذلك يتميزون عن غيرهم.
((وفي رواية أنس ﴾: ترى فيه))؛ أي: في حوضي.
((أباريق الذهب والفضة كعدد نجوم السماء)).
((وفي رواية ثوبان: يغت فيه))؛ أي: يسيل متتابعاً.
((ميزابان يمدانه))؛ أي: الحوض.
((من الجنة؛ أحدُهما من ذهب، والآخرُ من وَرِقٍ))؛ أي: فضة.
٤٣١٥ - وقال: ((إنِّي فَرَطُكُمْ على الحَوْضِ، مَنْ مرَّ عليَّ شَرِبَ، ومَنْ
شرِبَ لمْ يَظْمَأْ أَبَداً، لَيَرِدَنَّ عليَّ أَقْوامٌ أعرِفُهُمْ ويَعْرِفُونَنَي ثمَّيُحَالُ بَيْنِي وَبَيْتَهُمْ،
فأَقُولُ: إِنَّهُمْ مِنِّي، فيُقالُ: إِنَّكَ لا تَدِرِي مَا أَحْدَثوا بَعْدَكَ، فأَقُولُ: سُحْقاً سُحْقاً
لمنْ غَيَّرَ بَعْدِي» .
٥٣

((وقال: إني فرطكم)؛ أي: متقدمكم وسابقكم.
((على الحوض، من مرَّ عليَّ شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، ليردنَّ
علي أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم، فأقول: إنهم مني،
فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً)؛ أي: بعداً ((لمن
غيَّر بعدي).
٤٣١٦ - عن أنس: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّهِ قال: ((يُخْبَسُ المُؤْمِنونَ يَوْمَ القِيامِ حتَّى
يهِمُّوا بذلكَ، فيقولونَ: لَوِ استَشْفعْنا إلى رَبَنا فيُريحُنا منْ مَكانِنا، فيأتون آدمَ
فيقولونَ: أنتَ آدمُ، أبو النَّاسِ، خَلقَكَ الله بيدِه، وأَسْكَنَكَ جتَتَهُ، وأَسْجَدَ لكَ
ملائكَتَهُ، وعلَّمَكَ أسماءَ كُلِّ شيءٍ، اشفَعْ لنا عِنْدَ ربكَ حتَّى يُريحَنا منْ مكانِنا
هذا، فيقولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، ويَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ التي أَصابَ، أكلَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ وقدْ
نُهُيَ عنها، ولكنِ اثْتُوا نُوحاً أوَّلَ نبيِّ بَعَثَهُ الله إلى أَهْلِ الأَرْضِ، فيأتونَ نُؤْحاً
فيقولُ: لَسْتُ هُناكُمْ، ويَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ التي أَصابَ، سُؤالَه ربَّهُ بغيرِ عِلْمٍ، ولكنِ
اثْتُوا إبراهيمَ خليلَ الرَّحمَن)). قال: ((فيأتونَ إِبراهيمَ فيقولُ: إنِّي لَسْتُ هُناكُمْ،
ويَذْكُرُ ثلاثَ كِذْباتٍ كَذَبَهُنَّ، ولكنِ اثْتُوا مُؤْسَى عَبْداً آتاهُ الله الثَّوراةَ وكَلَّمَهُ
وقَرَّبَهُ نَجِيّاً، قال: فيَأْتُونَ مُؤْسَى فيقولُ: إِنِّي لَسْتُ هُناكُمْ، ويَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ التي
أَصابَ، قَتْلَهُ النَّفْسَ، ولكنِ اثْتُوا عيسَى عبدَالله ورسولَهُ ورُوحَ الله وكِلِمَتَهُ،
قال: فيأتونَ عيسَى فيقول: لَسْتُ هُناكُمْ، ولكنِ اثْتُوا مُحَمَّداً عَبْداً غَفَرَ الله لهُ ما
تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبهِ وما تَأَخَّرَ)). قال: ((فِيَأْتُونَي، فَأَسْتَأْذِنُ على ربي في دارِهِ، فَيُؤْذَنُ
لِي عَلَيهِ، فإذا رأيتُهُ وَقَعْتُ ساجِداً، فيدَعُني ما شاءَ الله أنْ يَدَعَني، فيقولُ: ارفَعْ
مُحَمَّدُ! وقُلْ تُسْمَعْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، وسَلْ تُعْطَهُ»، قال: ((فَأَرْفَعُ رَأْسي، فأُثني
على ربي بثناءٍ وتَحْمِيدٍ يُعلِّمُنيهِ، ثمَّ أَشْفَعُ فِيَحُدُّ لي حَداً فَأَخْرُجُ، فَأُخْرِ جُهُمْ مِنَ
٥٤

النَّارِ فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَسْتَأْذِنُ على ربي في دارِهِ، فَيُؤْذَنُ لي عليهِ،
فإذا رأيتُهُ وَقَعْتُ ساجِداً، فيدَعُني ما شاءَ الله أنْ يدَعَني، ثُمَّ يقولُ: ارفَعْ مُحَمَّدُ!
وقُلْ تُسْمَعْ، واشفَعْ تُشِفَّعْ، وسَلْ تُعطَه، قال: فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأُثني على رَبي
بِثَاءٍ وتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنيه، ثمَّ أَشْفَعُ فِيَخُذُّ لي حَداً فَأَخْرُجُ، فَأُدخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ
أَعُودُ الثَّالِثَةَ، فَأَسْتأذِنُ على ربي في دارِهِ، فَيُؤْذَنُ لي عليهِ، فإذا رأيتُهُ وَقَعْتُ
ساجِداً، فيدَعُني ما شاءَ الله أن يدَعَني، ثُمَّ يقولُ: ارفَعْ مُحَمَّدُ! وقُلْ تُسْمَعْ،
واشفَعْ تُشْفَّعْ، وسَلْ تُعْطَهْ، قالَ: فَأَرْفَعُ رَأْسي، فأُثني على ربي بثناءٍ وتَحْميدٍ
يُعلِّمُنيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لي حَداً فَأَخْرُجُ، فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، حتَّى ما يبقى في
النَّارِ إلَّ مَنْ قد حَبَسَهُ القُرْآنُ))، أيْ: وَجَبَ عليهِ الخُلودُ، ثُمَّ تلا هذهِ الآية:
﴿َعَسَقَ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَحْمُودًا﴾ وقالَ: ((وهذا المَقَامُ المَحْمُودُ الذي وُعِدَهُ
نِيُّكُمْ وَ﴾.
((وعن أنس به قال: [قال] *: يحبس المؤمنون يوم القيامة حتى
يُهمُّوا)): على بناء المجهول؛ أي: يقلقوا ويحزنوا.
((بذلك)): الحبس.
((فيقولون: لو استشفعنا)): (لو) هذه للتمني؛ أي: لو سألنا أن يُشفَع لنا.
((إلى ربنا، فيريحَنا)): بالنصب جواب للتمني؛ أي: يزيلنا.
((من مكاننا، فيأتون آدم فيقولون: أنت آدم أبو الناس، خلقك الله بيده،
وأسكنك جنته، وأسجد لك ملائكته، وعلَّمك أسماء كل شيء، اشفع لنا عند
ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول))؛ أي: آدم.
((لست هُنَاكم))؛ أي: لست بالمكان الذي تظنونني فيه من الشفاعة،
و(هُنا) إذا ألحق به كاف الخطاب يكون للتبعيد عن المكان المشار إليه؛ يعني:
أنا بعيد من مقام الشفاعة .
٥٥

((ويذكر خطيئته التي أصاب)): والمفعول محذوف؛ أي: أصابها .
((أكلَهُ)): بالنصب بدل من (خطيئة)؛ أي: يذكر أكله.
((من الشجرة، وقد نهي عنها)): الواو للحال.
((ولكن ائتوا نوحاً أوَّلَ نبي بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض)): أراد بهم
الكفار.
((فيأتون نوحاً، فيقول: لست هُنَاكم، ويذكر خطيئته التي أصاب؛
سؤالَهُ)): بالنصب أيضاً.
(بَّه بغير علم)): وهو قوله: ﴿إِنَّ أَبْنِ مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ اُلْحَقُّ ﴾ [هود: ٤٥].
((ولكن ائتوا إبراهيمَ خليل الرحمن، قال: فيأتون إبراهيم، فيقول: إني
لست هُنَاكم، ويذكر ثلاث كذبات كذبهن)): إحداها: إني سقيم، والثانية: بل
فعله كبيرهم هذا، والثالثة: قوله لزوجته سارة: هي أختي، وسميت كذبات،
وإن كان الخليل عليه السلام أتى بها في صورة المعاريض؛ لكونها في صورة
الكذب، والكاملُ قد يؤاخَذُ بما هو عبادة في حقِّ غيره، فإن حسناتِ الأبرار
سيئاتُ المقربين.
((ولكن ائتوا موسى - عليه الصلاة والسلام - عبداً آتاه الله التوراة، وكلَّمه
وقرَّبه نجياً، قال: فيأتون موسى فيقول: إني لست هُنَاكم، ويذكر خطيئته التي
أصاب قتلَهُ النفسَ))؛ يعني: القبطي.
((ولكن ائتوا عيسى عبدَالله ورسولَهُ، وروحَ الله وكلمته، قال: فيأتون
عيسى فيقول: لست هُنَاكم)): إنما قال كذا مع أن خطيئته غير مذكورة، لعله كان
لاستحيائه من افتراء النصارى في حقه بأنه ابن الله .
((ولكن ائتوا محمداً صلى الله تعالى عليه وسلم عبداً غفر الله تعالى له
ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال: فيأتونني، فأستأذن على ربي في داره))؛ أي:
٥٦

تحت عرشه، وقيل: التي دورها لأنبيائه وأوليائه، وهي الجنة؛ لقوله تعالى:
﴿لَمْ دَارُ السَّلَمِ عِندَ رَبِهِمْ﴾، إضافةُ الدار إلى الله تعالى إضافةُ تشريف وتكريم.
والمراد من الاستئذان: طلب الإذن من الله تعالى أن يؤذن له رَّر في
الشفاعة، فيقوم ◌َ﴿ في مقام لا يقوم فيه سائلٌ إلا أجيب، ولا يقفُ فيه داع إلا
استجيب؛ إذ الشفيع لا بد له أن يقوم أولاً مقامَ الكرامة؛ لتقعَ الشفاعة موقعها.
((فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته)): بارتفاع الحجاب عني.
«وقعت ساجداً): خوفاً منه وإجلالاً له.
(فيدعني))؛ أي: يتركني في السجود.
((ما شاء الله تعالى أن يدعني، فيقول))؛ أي: الله تعالى.
«ارفع، محمد!))؛ أي: ارفع رأسك في السجود يا محمد.
(وقل))؛ أي: ما شئت.
((تُسمَعْ)): على صيغة المجهول بالجزم جواباً للأمر؛ أي: يسمع قولك.
((واشفعْ تشفَّعْ)): بتشديد الفاء على بناء المجهول؛ أي: تقبل شفاعتك.
((وسلْ تعطَه)): الضمير لما سأله؛ أي: تعطَ ما تَسأَلُ.
وإنما لم يُلهموا أولاً أن يستشفعوا محمداً عليه الصلاة والسلام؛ ليظهر
على جميع المخلوقين أن المقام خاصٌّ له.
((قال: فأرفع رأسي، فأُثني على ربي بثناء وتحميد يُعلِّمنيه، ثم أشفعْ،
فيحدُّ لي حداً)؛ أي: يعين لي حداً معلوماً لا أتجاوز عنه مثل أن يقول: شفعتك
فيمن أخلَّ بالصلاة، وكذا تقبل الشفاعة في كل طور في طائفة من العاصين،
کمن أخلَّ بالزكوات، وارتكب سائر المنهيات.
(فأخرج))؛ أي: من تلك الدار.
٥٧

((فأخرجهم من النار)): أراد بالنار: شدة الحرِّ من دنو الشمس، وبالإخراج
الخلاص منها .
((فأدخلهم الجنة، ثم أعود الثانية، فأستأذن على ربي في داره، فيؤذن لي
عليه، فإذا رأيته وقعت ساجداً، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقول: ارفعْ،
محمد!)) رأسَك، ((وقل تُسمَع، واشفع تشفع، وسل تعطه، قال: فأرفع
رأسي، فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحدُّ لي حداً،
فأخرج، فأدخلهم الجنة، ثم أعود الثالثة، فأستأذن على ربي في داره، فيؤذن
لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجداً، فيدعني ما شاء الله تعالى أن يدعني، ثم
يقول: ارفع، محمد! وقل تسمع، واشفع تشفع، وسل تعطه، قال: فأرفع
رأسي، فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه، ثم اشفع، فيحدُّ لي حداً،
فأخرج، فأدخلهم الجنة حتى ما يبقى في النار إلا من قد حبسَهُ القرآنُ))؛ أي:
٠
منعه حکمُ القرآن، وهم الكفار.
((أي: وجب عليه الخلودُ)): قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ
وَالْمُشْرِكِينَ فِ نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أبداً﴾ [البينة: ٦].
(ثم تلا هذه الآية: ﴿عَسَوَ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]،
وقال: وهذا المقام المحمود الذي وُعِده نبيُّكم)، ◌َّ .
٤٣١٧ - وعن أنس ﴿ه قالَ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ ماجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ في
بَعْضٍ، فيأْتُونَ آدَمَ، فيقولونَ: اِشْفَعْ لنا إلى ربكَ، فيقولُ: لَسْتُ لها، ولكنْ
عَلَيْكُمْ بإبراهيمَ فإنَّهُ خَليلُ الرَّحْمنِ، فيأتونَ إِبراهيمَ فيقولُ: لَسْتُ لها، ولكنْ
عَلَيْكُمْ بموسَى فإِنَُّ كَليمُ الله، فيأتونَ موسَى فيقولُ: لَسْتُ لها، ولكنْ عليكُمْ
بعيسَى فإنَّهُ رُوحُ الله وكَلِمَتُهُ، فيأتونَ عيسَى فيقولُ: لستُ لها، ولكنْ عليكُمْ
٥٨

بِمُحَمَّدٍ، فيأتونَنِي فأقولُ: أنا لها، فَأَسْتَأْذِنُ على ربي فَيُؤْذَنُ لي، ويُلْهِمُني
مَحامِدَ أَحْمَدُهُ بها لا تَحْضُرُّني الآنَ، فَأَحْمَدُهُ بتلكَ المَحامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لهُ ساجِداً
فيُقال: يا مُحَمَّدًا اِرفَعْ رأسَكَ، وقُلْ تُسْمَعْ، وسَلْ تُعطَهْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ،
فأقولُ: يا رَبِّ! أُمَّتِي، أُمَّتِي، فيُقالُ: إِنْطَلِقْ فَأَخْرِجْ منها مَنْ كانَ في قلبهِ مِثقالُ
شَعيرةٍ مِنْ إيمانٍ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ بِتِلكَ المَحامِدِ، ثُمَّ أَخِرُ لهُ
ساجِداً، فيُقال: يا مُحَمَّدُ! ارفَعْ رأسَكَ، وقُلْ تُسمَعْ، وسَلْ تُعطَةْ، واشْفَعْ
تُشَفَّعْ، فأقولُ: يا رَبِّ! أُمَّنِي، أُمَّنِي، فِيْقَالُ: إِنْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كانَ في قَلْبِهِ
مِثقالُ ذرَّةٍ أو خردَلَةٍ مِنْ إيمانٍ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ بتلكَ
المَحامِدِ، ثمَّ أَخِرُّ لهُ ساجِداً، فيُقالُ: يا مُحَمَّدًا إِرْفَعْ رَأْسَك، وقُلْ تُسْمَعْ،
وسَلْ تُعطَةْ، واشفَعْ تُشْفَّعْ، فَأَقُولُ: يا رَبِّ! أُمَّتِي، أُمَّتِي، فيُقالُ: اِنْطَلِقْ فَأَخْرِجْ
مَنْ كانَ في قَلْبهِ أَدْنَى أدنَى أدنَى مِثْقَالٍ حَبَّةٍ خَرْدَلَةٍ مِنْ إِيمانٍ فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ،
فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثمَّ أعودُ الرَّابعةَ فَأَحْمَدُهُ بتلكَ المَحامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لهُ ساجِداً،
فيقالُ: يا مُحَمَّدُ اِرْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وسَلْ تُعطَة، واشفَعْ تُشفَّعْ،
فأقولُ: يا رَبِّ! ائْذَنْ لي فيمَنْ قالَ: لا إله إلاَّ الله، قال: ليسَ ذلكَ لكَ، ولكنْ
وعِزَّتي وجَلالي وكِبريائي وعَظَمتي، لأُخْرِ جَنَّ منها مَنْ قال: لا إله إلاَّ الله)).
((عن أنس به قال: قال رسول الله ◌َّه: إذا كان يوم القيامة ماجَ الناسُ))؛
أي: اختلط.
«بعضُهم في بعض)): مقبلین مدبرین حیاری.
((فيأتون آدم عليه السلام، فيقولون: اشفع لنا إلى ربك، فيقول: لست
لها»؛ أي: للشفاعة.
((ولكن عليكم بإبراهيم))؛ أي: الزموه؛ فالباء زائدة، أو تشفعوا وتوسلوا
به؛ فالباء غير زائدة.
٥٩

(فإنه خليل الرحمن، فيأتون إبراهيم عليه السلام، فيقول: لست لها،
ولكن عليكم بموسى؛ فإنه كليم الله تعالى، فيأتون موسى عليه السلام،
فيقول: لست لها، ولكن عليكم بعيسى؛ فإنه روح الله تعالى وكلمته، فيأتون
عيسى، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بمحمد، فيأتونني، فأقول: أنا لها،
فأستأذنُ على ربي، فيؤذن لي، ويلهمني))؛ أي: يلقي في رُوْعي.
((محامدَ)): جمع (حَمْد) على غير قياس، كـ (محاسن) جمع حُسن، أو
جمع : مَحْمَدَة.
((أحمده بها))؛ أي: بتلك المحامد، والجملة صفة (المحامد).
((لا تحضرني الآن، فأحمده بتلك المحامد، وأَخِرُّ له))؛ أي: أسقط على
الأرض لربي
((ساجداً)؛ لشفاعة أمتي.
((فيقال: يا محمد! ارفعْ رأسك، وقل تُسمَع، وسل تعطه، واشفع
تشفع، فأقول: يا رب! أمتي أمتي))؛ أي: ارحمْ أمتي، وتفضل عليهم
بالكرامة، کژَّره للتأكید.
((فيقال: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة)»؛ أي: وزن
شعيرة .
((من إيمان)): والمثقال: ما يُوزَنُ به، قيل: هذا مثل في معرفة الله تعالى،
لا في الوزن؛ لأن الإيمان ليس بجسم يحصره وزن أو كيل، لكن المعقول قد
يُمثَّلُ بالمحسوس؛ لیعلم.
((فأنطلق فأفعل، ثم أعود، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخِرُّ له ساجداً،
فيقال: يا محمد! ارفع رأسك، وقل تُسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول:
٦٠