Indexed OCR Text

Pages 441-460

٦- يل
الرِّياءِ والسُّمْعَةِ
(باب الرِّياء والسُّمعة)) يقال: فعلَ ذلك سُمعةً؛ أي: ليراه الناسُ من غير
أن يكونَ قصدَ به التحقیقَ.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٠٩٧ - عن أبي هريرةَ ظ ◌ُه قال: قالَ رسولُ اللهِنَّهِ: ((إنَّ الله لا يَنْظُرُ إلى
صُوَرِكُمْ وأموالِكُمْ، ولكنْ يَنْظُرُ إلى قُلوبِكُمْ وأعمالِكُمْ)).
((من الصحاح)):
((عن أبي هريرة ظه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
إن الله لا ينظر))؛ أي: نظرَ العطف والرحمة والاختيار.
((إلى صوركم)) المجردة عن السِّيَر المرضية.
((وأموالكم)) العارية عن الخيرات.
((ولكن ينظر إلى قلوبكم)) التي هي موضع التقوى.
((وأعمالكم)) التي يُتَقرَّب بها إلى الله، جعل نظرَه إلى ما هو سِرٍّ ولُبُّ،
وهو القلب وخالص العمل؛ لأنه تعالى منزَّه عن شبه المخلوقين، فإن نظرَهم
وميلَهم إلى الصور المعجبة والأموال الفائقة.
٤٠٩٨ - وقال: ((قالَ الله تعالَى: أنا أغنى الشُّرَّكاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ
عَمَلاً أشركَ فيهِ معي غَيْرِي تركتُهُ وشِرْكَهُ».
وفي روايةٍ: ((فأنا منهُ بَرِيءٌ، هوَ للذي عملَهُ)).
٤٤١

((عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: قال الله تعالى: أنا أغنى
الشركاء عن الشِّرك، مَن عملَ عملاً أَشركَ فيه معي غيري تركتُه وشِركَه)»: وقد
مر هذا في (كتاب الإيمان).
(وفي رواية: فأنا منه))؛ أي: من ذلك العمل ((بريء، وهو للذي عملَه))؛
أي: ذلك العملُ لفاعله؛ يعني: تركتُ ذلك العملَ وفاعلَه، لا أَقبلُه ولا أُجازي
عليه؛ لأنه لم يعملْه لي.
٤٠٩٩ - وعن جُنْدَبٍ قال: قال النَّبيُّ ◌َّهِ: ((مَنْ سَمَعَ سَمَّعَ الله بهِ، ومَنْ
يُرائِي يُرائي الله بهِ)).
((وعن جُندب ◌َ﴿ه قال: قال رسول الله وَّهِ: مَن سَمَّعَ سَمَّعَ الله به))،
يقال: سَمَّعتُ به تسميعاً وسُمعةً: إذا شهرتُه، يريد: مَن عمل عملاً مِن الطاعات
لا على وجه الإخلاص، بل ليشتهرَ بين الناس بالصلاح جازاه الله بمثل فعله، بأن
◌ُشهِرَ عيوبه يومَ القيامة، ویفضحه على رؤوس الأشهاد.
((ومَن يُرائي يُرائي الله به))؛ يعني: مَن فعل فعلاً من الأفعال الصالحة ليراه
الناس ويعطوه شيئاً، أو يمدحوه على فعله، يجزيه الله جزاءَ المُرَائين، بأن يقول
له: اطلبْ جزاءَ فعلِك ممن فعلتَه لأجله.
٤١٠٠ - وعن أبي ذَرِّ قال: قِيلَ لِرَسولِ الله وَّهِ: أرأَيَتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ
العَمَلَ مِنَ الخيرِ ويَحْمَدُهُ النَّاسُ عليهِ؟ قال: ((تلكَ عاجِلُ بُشْرَى المُؤْمنِ)).
وفي روايةٍ: ((ويُحِبُّهُ النَّاسُ علیهِ)).
٤٤٢

((وعن أبي ذره قال: قيل لرسول الله وَل﴾: أرأيتَ الرجلَ))؛ أي:
أخبرني بحال الرجل.
((يعمل العملَ من الخير)) خالصاً لله.
(ويحمدُه الناسُ عليه)): هل يبطل ثوابُه بمدح الناس إياه أم لا؟
((قال: تلك عاجلُ بشرى المؤمن))؛ يعني: ثوابُهم العاجلُ في الدنيا بأن
يُوقِعَ المحبةَ في قلوب الناس، والذِّكر بالخير على ألسنتهم، وأما ثوابُهم في
الآخرة فالجنةُ واللقاءُ.
(وفي رواية: ويحبُّه الناس عليه))؛ أي على الخير.
مِنَ الحِسَان:
٤١٠١ - عن أبي سعيدٍ بن أبي فَضالَةَ﴾، عن رسولِ اللهِ ﴾ قال: ((إذا
جَمَعَ الله النَّاسَ يومَ القِيامَةِ ليومٍ لا رَيْبَ فيهِ نادَى مُنادٍ: مَنْ كانَ أَشْرَكَ فِي عَمَلٍ
عَمِلَهُ للهِ أَحَداً فَلْيَطْلُبْ ثَوابَهُ مِنْ عندٍ غيرِ الله، فإنَّ الله أَغْنَى الشُّرَكاءِ عَنِ
الشِّرْكِ».
((من الحسان)) :
((عن أبي سعيد بن أبي فَضَالة)): بفتح الفاء والضاد المعجمة.
((عن رسول الله وَ﴿﴿ قال: إذا جمعَ الله الناسَ يومَ القيامة ليومٍ لا ريبَ فيه
نادى منادٍ: مَن كان أَشركَ في عملٍ عملَه لله أحداً فليطلبْ ثوابَه من عند غير
الله؛ فإن الله أغنى الشركاء عن الشِّرك)).
٤٤٣

٤١٠٢ - عن عبدِ الله بن عَمْرِو: أنَّهَ سَمِعَ رسولَ الله ◌َّهِ يقولُ: ((مَنْ سَمَّعَ
النَّاسَ بِعَمَلِهِ سَمَّعَ الله بهِ أَسامِعَ خلقِهِ وحَقَّرَهُ وصَفَّرَهُ».
((عن عبدالله بن عمرو﴾: أنه سمع رسولَ الله وَّه يقول: مَن سَمَّعَ
الناسَ بعمله سَمَّعَ الله به أسامعَ خلقِه)): بالنصب على المفعولية، جمع: أَسْمُع؛
أي: يفضحه يومَ القيامة، ويروى بالرفع: صفة لله؛ أي: الذي هو أسامعُ خلقِه .
«وحقّره وصفَّره)).
٤١٠٣ - عن أنسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ قال: ((مَنْ كانتْ نِيَّتُهُ طَلَبَ الآخِرَةِ
جَعَلَ الله غِناهُ في قلبهِ، وجَمَعَ لهُ شَمْلَهُ، وأَتَنَّهُ الذُّنْيا وهي راغِمَةٌ، ومَنْ كانتْ
نِيُهُ طَلَبَ الدُّنْيَا جَعَلَ الله الفَقْرَ بِينَ عَيْنَّهِ، وشَئَّتَ عليهِ أَمْرَهُ، ولا يأتيهِ منها إلا
ما كُتِبَ لهُ)).
((عن أنس ه: أن النبي وَّ﴿ قال: مَن كانت نيتُه طلبَ الآخرة جعلَ الله
غناه في قلبه)): بأن جعله قانعاً بالكفاف، ولا يُتعب نفسَه في طلب الزيادة، فهذا
هو الغنى الحقيقي.
((وجمعَ له شملَه))؛ أي: متفرقاتِه؛ يعني: جعله الله مجموعَ الخاطر بتهيئة
أسبابه من حيث لا يدري .
((وأتته الدنيا وهي راغمةٌ)): الواو للحال؛ أي: ذليلةٌ حقيرةٌ، لا يحتاج في
طلبها إلى سعي کثیر.
((ومَن كانت نيتُه طلبَ الدنيا جعل الله الفقرَ بين عينيه، وشتَّت))؛ أي فرّق.
((عليه أمرَه، ولا يأتيه منها إلا ما كُتِبَ له)).
٤٤٤

٤١٠٤ - عن أبي هُريرةَ قال: قلتُ يا رسولَ الله! بَيْنا أنا في بيتي في مُصَلاَيَ،
إِذْ دَخَلَ عليَّ رَجُلٌ، فَأَعْجَبني الحالُ التي رآئي عليها، فقالَ رسولُ الله ◌َّاتٍ:
((رَحِمَكَ الله يا أبا هريرةَ! لكَ أجرانٍ: أَجْرُ السِّرِّ، وأَجْرُ العلانِيَةِ))، غريب.
((عن أبي هريرة ﴿ه أنه قال: قلت: يا رسولَ الله! بينا أنا في بيتي في
مُصلاًي إذ دخل عليَّ رجل، فأعجبتْني الحال التي رآني عليها))؛ أي: أنه أعجبه
ثناءُ الناس، لا أنه أعجبه ليعلمَ منه ذلك ويعظمَ عليه؛ لأنه حينئذٍ ریاءٌ، وقيل:
إنما أعجبه رجاءَ أن يعملَ مَن رآه بمثل عمله، فيكون له مثلُ أجره؛ لأن ((مَن سَنَّ
سُنةً حسنةً كان له أجرها وأجرُ مَن عملَ بها» .
((فقال رسول الله وَ﴿: رحمك الله يا أبا هريرة! لك أجرانِ: أجرُ السّرّ) من
جهة إخلاصك .
((وأجرُ العلانية)) من جهة اقتداء الناس بك.
(غریب)).
٤١٠٥ - عن أبي هُريرةَ قال: قال رسولُ الله ◌َّهُ: ((يَخْرُجُ في آخرِ الزَّمانِ
رِجالٌ يَخْتِلونَ الذُّنْيا بالدِّينِ، يَلْبَسونَ لِلنَّاسِ جُلودَ الضَّأْنِ مِنَ اللَّيْنِ، أَلْسِنَتُهُم
أَحْلَى مِنَ السُّكَّرِ، وَقُلوبُهُمْ قُلوبُ الذِّئابِ، يقولُ الله تعالى: أَبِي يَغترُّونَ؟ أمْ
عليَّ يَجْترِئُونَ؟ فبي حَلَفْتُ، لأَنْعَثَنَّ على أُولِئِكَ منهُمْ فِتنةً تَدَعُ الحَلِيمَ فِيهِمْ
حَیْرانَ».
((عن أبي هريرة ﴾ قال: قال رسول الله وَله: يخرج في آخر الزمان
رجالٌ يَختِلون الدنيا»؛ أي: يُرادون أهلَها بالخداع.
(الدين))؛ أي بعمل أهل الدِّين.
٤٤٥

(يَلبَسون للناس جلودَ الضأن))؛ أي: يَلبَسون الصوفَ؛ ليظنَّهم الناسُ
زهَّاداً عبَّاداً تاركين للدنيا.
((من اللِّين)) أراد به: التخلُّق والتواضع في وجوه الناس ليصيروا مُريدين
لهم.
((ألسنتُهم أحلى من السكّر، وقلوبُهم قلوبُ الذئاب))؛ أي: مسودّة من
شدة حب الدنيا والجاه وكثرة العداوة والبغض والصفات الذميمة الراسخة في
قلوبهم .
(يقول الله تعالى: أبي)) الهمزة: للاستفهام؛ أي: أباهمالي إياهم
(يغترُّون؟)) المراد بالاغترار هنا: عدم الخوف من الله، وترك التوبة من فعلهم
القبيح؛ أي: أفلا يخافون من سخطي وعقابي؟
((أم عليَّ يجترِئون)) بمكرهم الناسَ في إظهار الأعمال الصالحة والاجتراء
الانبساط والتشجع؟
(فبي)) الباء: للقَسَم؛ أي: بحقِّ عظمتي.
((حَلفتُ لأَبعثَنَّ على أولئك))؛ أي: على أولئك الرجال و(مِن) في
«مِنھم): للتبیین.
((فتنة))؛ أي: عذاباً، أو متعلقة بـ (فتنة)؛ أي: فتنةً ناشئةً منهم.
((تَدَعُ))؛ أي: تترك تلك الفتنةُ.
((الحليم))؛ أي: العالِمَ العاقلَ.
((فيهم حيرانَ))؛ أي: متحيراً لا يَقدِر على دفع ذلك العذاب عن نفسه؛
لشدته وصعوبته، وفي بعض النسخ: ((الحكيم)» بالكاف، معناه واحد.
٤٤٦

٤١٠٦ - عن ابن عُمَرَ، عن النَّبيِّ وَّه قال: ((إنَّ الله تباركَ وتعالى قال:
لقدْ خَلقْتُ خَلْقاً ألسِنْتُهُمْ أحَلَى مِنَ السُّكَّرِ، وقُلوبُهُمْ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، فبي حَلَفْتُ
لأُتِيحَنَّهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الحَليمَ فيهِمْ حَيْرانَ، فبي يغترُّونَ؟ أمْ عليَّ يَجْتَرِتُونَ؟»،
غريب .
((عن ابن عمر، عن النبي و لإ قال: إن الله تبارك وتعالى قال: لقد
خلقتُ خلقاً ألسنتُهم أحلى من السكّر، وقلوبُهم أمرُّ من الصَّبر)) بكسر الباء:
الدواء المُرُّ.
((فبي حلفت لأُتيحنَّهم))؛ أي: لأَقدرَنَّ لهم «فتنةً تَدَعُ الحليمَ فيهم
حيرانَ، فبي يغترُّون أم عليَّ يجترئون؟! غريب)).
٤١٠٧ - عن أبي هُريرةَ قال: قال النَّبِيُّ بِّهِ: ((إنَّ لَكُلِّ شَيءٍ شِرَّةً، ولِكُلِّ
شِرَّةٍ فَتْرَةً، فإنْ كانَ صاحبُها سَدَّدَ وقارَبَ فَارْجُوهُ، وإنْ أُشِيرَ إليهِ بالأصابعِ فلا
تعُدُّوهُ».
(عن أبي هريرة به قال: قال رسول الله وَّهُ: إن لكل شيء شِرَّةً): وهي
- بكسر الشين المعجمة وتشديد الراء المهملة المفتوحة - النشاط والرغبة والجِدَّة
في العبادة.
((ولكل شِرَّةٍ فترةً)؛ يعني: أن العابدَ يُبالغ فيها في أول أمره، وكلُّ مُبالغٍ
یفتُر وتسگُن جدته ومبالغته بعدَ حین.
((فإنْ صاحبُها)»؛ أي: صاحبُ الشِّرَّة.
((سدَّد))؛ أي قصدَ السدادَ؛ يعني: استقام في العمل من غير غلوٍّ ولا
تقصيرِ.
٤٤٧

((وقارَبَ))؛ أي: دَناً من المتوسط.
«فارجُوه»؛ أي: فكونوا على رجاء منه على الخير؛ فإن مَن سلك الطريقَ
المتوسطَ يَقدِر على المداومة والمواظبة، وأفضلُ الأعمال عند الله أدومُها وإن
قلَّ، وإِنْ بالَغَ في العمل وأَتَعبَ نفسَه عجزَ عن المداومة على ذلك وانقطعَ عنه،
بل ربما إذا بالَغَ وأقبلَ الناسُ عليه بوجوههم اغترَّ بنفسه، وتداخلَه أنه خيرٌ من
غيره، فيصير أحمقَ مُعجَباً بنفسه متكبراً بعمله، ولهذا قال ◌َّ: ((وإنْ أُشير إليه
بالأصابع))؛ أي: وإن صار مشهوراً معروفاً بالعبادة («فلا تَعدُّوه))؛ أي: لا تعدوه
شيئاً؛ يعني: فلا تعتقدوا فيه صلاحاً، ولا تتوقعوا فيه فلاحاً، ولا تعدُّوه من أهل
الخير، وهذا في حقِّ مَن بالَغَ في العبادة للشهرة، وأما مَن خلصتْ نيتُه وصدقتْ
طويتُه فبمعزلٍ عن هذا، ومِن هذا مَنِ اجتهدوا في العبادة كلَّ الاجتهاد، فرُّوا مِن
الناس وسكنوا المواضع الخالية؛ حذراً من الرياء واجتماع الناس إليهم، فلما تمَّ
لهم الأمرُ سَكنوا البلادَ ودَعَوُا العبادَ إلى الله، واقتصدوا في العبادة والرياضة،
ولم يغترُوا بإقبال الناس عليهم؛ لأن قلوبَهم صارتْ مطمئنةً بالحق، مزيَّنةً بنور
التجلِّي، فصارت كالبحر لا تكدِّره القاذورات؛ لصفاء خواطرهم.
٤١٠٨ - وعن أنسٍ، عن النَّبيِّ وَ﴿ قال: ((بِحِسْبِ امرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ
يُشارَ إليهِ بالأَصابع في دينٍ أو دُنْيًا، إلاَّ مَنْ عَصَمَهُ الله)).
((وعن أنس ﴿ه، عن النبي ﴿ قال: بحسْبٍ امرئ)): الباء زائدة؛ أي:
یکفیه .
(من الشرِّ أن يُشارَ إليه بالأصابع في دِينٍ أو دنيا))؛ لأن مَن اشتُهر في
خصلةٍ من الخصال الدينية أو الدنيوية قلَّما يَسلَم من الآفات الخفية، كالعُجب
والكِبْر والرِّياء والسُّمعة وغير ذلك؛ ((إلا مَن عصمه الله)).
٤٤٨

روي: أنه قيل للحسن البصري: إن الناس أشاروا إليك بالأصابع؟ فقال:
لا يعني النبيُّ ◌َّهِ ذلك؛ وإنما عَنَى به المُبتدِعَ في دِينه، الفاسقَ في دنياه.
*
٧- باب
البُكاءِ والخَوْفِ
(باب البكاء والخوف)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤١٠٩ - عن أبي هُرِيرَةَ﴿ه قال: قال أبو القاسمِ وَّ: ((والذي نَفْسي
بيدِه، لوْ تَعْلَمونَ ما أعلمُ لِبَكَيْتُمْ كثيراً، ولضحِكْتُمْ قَليلاً».
((من الصحاح)):
((عن أبي هريرة به قال: قال رسول الله *: والذي نفسي بيده! لو
تعلمون ما أعلم))؛ أي: من شدة العذاب وغضب الله وصفة النار.
(َبكيتُم كثيراً) من خشية الله.
((ولَضحكتم قليلاً)؛ فإن قيل: الخطاب إن كان للمؤمنين خاصة فليس ثمةً
ما يوجب تقليلَ الضحك وتكثيرَ البكاء؛ لأن المؤمنَ وإن دخل النارَ عاقبتُه الجنة
لا محالة مخلَّداً فيها، فكان مدةُ ما يوجب البكاءَ بالنسبة إلى ما يوجب الضحكَ
والسرورَ نسبةَ شيءٍ يسيرٍ إلى ما لا يتناهى، وذلك يوجب العكسَ، وإن كان عاماً
فليس للكافر ما يوجب ضحكاً أصلاً؟
قلنا: الخطاب للمؤمنين، وخرج في مقام ترجيح الخوف على الرجاء
إخافةً على الخاتمة.
٤٤٩

٤١١٠ - وقال: ((والله لا أَدْري وأنا رسولُ الله ما يُفْعَلُ بي ولا بِكُمْ)).
((عن أم العلاء الأنصارية - رضي الله تعالى عنها - قالت: قال رسول الله وخل فه:
والله لا أدري وأنا رسولُ الله)): الواو فيه للحال.
(ما يُفعَل بي ولا بكم))، (ما) هذه: للاستفهام، لا يجوز حملُ نفي الدراية
على تردده ◌َّهم في مآل أمره؛ لدلالة الكتاب والسُّنة على اجتبائه تعالى إياه، بل
يُحمل على نفي علم الغيب عن نفسه بالمقدور والمكنون من أمره وأمر غيره،
وكان هذا القولُ منه ◌َّهِ حِينَ قالت امرأةٌ في حقِّ عثمان بن مظعون لمَّا تُوفي:
هنيئاً لك الجنة؛ زجراً لها على سوء الأدب بالحكم على الغيب، وقيل: كان قبل
نزول: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْيِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢].
قال الحسن البصري: معناه: لا أدري أموتُ أم أُقتل؟ ولا أدري ما يُفعل
بكم مثلَ ما فُعل بالأمم المكذِّبة من رمي الحجارة من السماء والخَسف ومسخ
الصُّوَر أم لا؟
٤١١١ - وقال: ((عُرِضَتْ عليَّ النَّارُ، فَرَأَيتُ فيها امرَأةً منْ بني إسرائيلَ
تُعَذَّبُ في هِزَّةٍ لها، رَبَطَتْها فلم تُطْعِمْها، ولم تَدَعْها تأكُلُ مِنْ خَشاشِ الأَرْضِ
حتَى ماتتْ جُوْعاً، ورأيتُ عَمْرَو بن عامِرِ الخُزَاعِيَّ يجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، وكانَ
أوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوائِبَ)).
((وعن جابر وابن عمر # أنهما قالا: قال رسول الله صلاء: عُرضت عليَّ
النارُ، فرأيت فيها امرأةً من بني إسرائيل تعذَّب في هِرَّة لها، ربطتْها فلم
تطعمْها، ولم تَدَعْها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت جوعاً): تقدم بيانه في
فصل الصدقة .
٤٥٠

((ورأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجرُّ قُصْبَه)) بالضم ثم السكون؛ أي:
أمعاءَه .
((في النار، وكان))؛ أي: عمرو بن عامر ((أولَ مَن سيَّب السوائبَ))؛ أي
وضعَ تحريم السوائب، جمع: سائبة، وهي الناقة التي يُسيبها الرجل عند برئه
من المرض أو قدومه من السفر، فيقول: ناقتي سائبة، فلا تُمنع من المرعى
ولا تُردَّ عن حوضٍ ولا علفٍ، ولا يُحمل عليها، ولا تُركَب، ولا تُحلَب، فكان
ذلك تقُّباً منهم إلى أصنامهم، وقيل: هي الناقة التي ولدت عشرَ إناث على
التوالي، وكانوا يسيبون العبيد فيقولون للعبيد هي سائبة، فيَعِقٍ، ولا يكون
ولاؤه لمُعتِقِه، ويضع مالَه إذا لم يكن له وارثٌ حيث شاء.
٤١١٢ - عن زَيْنَبَ بنتِ جَحْشٍ: أنَّ رسولَ الله وَهِ دَخَلَ عليها يَوْماً فَزِعاً
يقولُ: ((لا إله إلا الله، وَيْلٌ للعَرَبِ مِنْ شَرِّ قِدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليومَ منْ رَدْمِ يَأْجوجَ
ومَأْجوجَ مِثْلُ هذِهِ»، وحَلَّقَ بإصبعَيْهِ، الإبهامِ والتي تَلِيها، قالتْ زَيْنبُ:
فقلتُ: يا رسولَ الله! أَفَتَهْلِكُ وفِينا الصَّالِحِونَ؟ قال: ((نَعَمْ، إذا كثُرَ الخَبَثُ)).
((وعن زينب بنت جحش - رضي الله تعالى عنها -: أن النبي وَلو دخل
عليها يوماً فَزِعاً، يقول: لا إله إلا الله، ويلٌ للعرب، من شرٍّ قد اقترب))؛ أي:
قد قَرُبَ خروج جيش يقاتل العربَ.
(فُتِحَ اليومَ من رَدْمِ))؛ أي: سدٍّ.
((يأجوج ومأجوج)) الذي بناه ذو القرنين، وهما طائفتان كافرتان من
التُّرك.
((مثلُ هذه، وحلَّق بإصبعيه الإبهام والتي تليها))؛ أي: جعلَهما حلقةً،
٤٥١

والمراد: أنه لم يكن في ذلك الردم ثقبةٌ إلى اليوم، وقد انفتحت فيه، وانفتاحها
من علامات يوم القيامة، فإذا اتسعت خرجوا، وذلك بعد خروج الدجال،
وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى .
((قالت زينب: فقلت: يا رسولَ الله! أفتَهلكُ وفينا الصالحون؟ قال:
نعم، إذا كَثُرَ الخَبَثُ)): مصدر: خَبُثَ يَخْبُثُ، والمراد به: الفسق والفجور.
٤١١٣ - وقال: ((لَيَكُونَنَّ فِي أُمَّتِي أَقْوامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ والحَرِيرَ والخَمْرَ
والمَعازِفَ، ولَنْزِلَنَّ أَقْوامٌ إلى جَنبٍ عَلَمٍ يَروحُ عليهِمْ بسارِحَةٍ لهُمْ، يأتيهمْ
رَجُلٌ لحاجةٍ فيقولون: ارجِعْ إلينا غداً، فيُبيتُهِمْ الله، ويَضَعُ العَلَمَ، ويَمسَخُ
آخرينَ قِرِدَةً وخنازيرَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» .
((عن أبي عامر الأشعري ظبه قال: قال رسول الله وَّهِ: لَيكونَنَّ في أمتي
أقوامٌ يستحلَّون الحِرَ»: قيل: وهو مخفف الحِرْحِ، وهو الفَرْج؛ أي: يستحلُّون
الفروج بالأنكحة الفاسدة أو بالزنا، زاعمين أن الرجلَ والمرأةَ إذا رضيًا حلَّ
بينهما جميعُ أنواع الاستمتاعات، ويقولون: المرأة مثل البستان، فكما أن
لصاحب البستان أن يبيحَ ثمرةَ بستانه لمن شاء؛ فكذلك يجوز للزوج أن يبيحَ
زوجتَه لمن شاء؛ وهذا مُعتقَد الملاحدة والجوالق والقَلَندرية.
ذكر صاحب ((خلاصة الفتاوى)): أن الشيخ الإمام عزَّ الدين الكندي أفتى
بسمرقند بقتل الملاحدة والإباحي، والخاقان إبراهيم بن محمد طَمْغَاج خان
قَبلَ فتواه وقتلَهم.
((والحريرَ والخَمرَ والمعازفَ)) : - بفتح الميم - جمع مِعْزَف، من:
العَزْف، اللعب بآلة اللهو بضرب، وقد عَزَفَ يَعزِف، كأنه أُخذ من عَزْف
السحاب، وهو صوتها.
٤٥٢

((وَلَينزلَنَّ أقوامٌ إلى جنب عَلَمٍ))؛ أي: جَبَلٍ.
(يروح عليهم): أضمر فاعله اعتماداً على فهم السامعين، يقال: راحَ القومُ
ويروحوا؛ أي: ساروا أيَّ وقتٍ كان؛ يعني: يأتيهم راعيهم كلَّ حین.
(بسارحةٍ))؛ أي بماشيةٍ ((لهم)): التي تَسرَح بالغداة من الغنم وغيرها
ينتفعون بألبانها وأوبارها.
(يأتيهم)) يوماً من الأيام ((رجلٌ لحاجةٍ): يلتمس منهم قُوتاً، فيمنعونه.
((فيقولون له: ارجعْ إلينا غداً) لنعطيَك.
((فيبيتهم الله))؛ أي: يرسلُ عليهم العذابَ أو الهلاكَ بَيَاتاً.
(ويضع العَلَم))؛ أي: الجبلَ على بعضهم حتى يهلكوا، فلم يُرَ منهم أثر.
((ويمسخ آخرين))؛ أي: يغير صُوَرَ بعضهم.
((قردةً وخنازيرَ إلى يوم القيامة))، ولم يبين في هذا الحديث مكانَهم ولا
دِينَهم وإنما أفادَ أنه يكون في آخر الزمان نزولُ الفتن ومسخ الصور في هذه
الأمة، كما كان في سائر الأمم.
٤١١٤ - وقال: ((إذا أَنْزَلَ الله بقَوْم عَذاباً؛ أصابَ العَذابُ مَنْ كانَ فيهِمْ،
ثُمَّ بُعِثُوا على أَعْمَالِهِمْ)).
((عن ابن عمر ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا
أَنَزلَ الله بقوم عذاباً أصاب العذابُ مَن كان فيهم)) من الصالح والظالم والطالح؛
يعني: يصيب الصالحَ ما أصاب الطالحَ بشؤمه.
((ثم بُعثوا)) يومَ القيامة ((على أعمالهم)): يُبعث الصالحُ على أعماله الصالحة
فيفوز، والفاجرُ على معصيته فيعذَّب.
٤٥٣

٤١١٥ - وقال: ((يُبعَثُ كُلُّ عَبْدٍ على ما ماتَ عليهِ)).
((وعن جابر ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: يُبعث
كلُّ عبدٍ))؛ أي: يُحشَر يومَ القيامة ((على ما مات عليه)) من العمل.
مِنَ الحِسَان:
٤١١٦ - عن أبي هُريرةَعَه قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((ما رَأَيْتُ مِثْلَ النَّارِ
نامَ هارِبُها، ولا مِثْلَ الجنَّةِ نامَ طالِبُهَا)).
((من الحسان)):
((عن أبي هريرة حظه قال: قال رسول الله وَله: ما رأيتُ مثلَ النار))؛ أي:
شدةً وهولاً .
(«نامَ هاربُها)»؛ أي: صار غافلاً عنها؛ يعني: ينبغي للهارب من عذاب النار
أن يفرَّ عن المعاصي والمناهي كلَّ الفرار؛ ليمكنَه الخلاصُ من أليم الجحيم.
((ولا مثلَ الجنة))؛ أي: بهجةً وسروراً.
((نام طالبُها»؛ يعني: ينبغي لطالبها أن يجدَّ كلَّ الجدِّ في الإتيان بالأوامر،
طالباً بذلك الامتثالَ لحضرة ذي الجلال؛ ليمكنَه الوصولُ إلى النعيم المقيم.
٤١١٧ - وقال رسولُ الله ◌َّهِ: ((لا يَلِجُ النَّارَ مَنْ بَكَى مِنْ خَشیةِ الله حتَّى
يَعودَ اللَّن في الضَّرْعِ».
((وعنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا يَلِجُ النارَ))؛
أي: لا يدخلُها.
٤٥٤

((مَن بَكَى من خشية الله تعالى)): هذا أرجى للعصاة التائبين الباكين من
خشية الله .
((حتى يعودَ اللَّين في الضرع)): وذلك من التعليقات المستحيلة.
٤١١٨ - وعن أبي ذَرُّ قال: قالَ رسولُ اللهِ لَّهِ: ((إنِّي أرَى ما لا تَرَوْنَ،
وأَسْمَعُ ما لا تَسْمَعونَ، أَطَّتِ السَّماءُ، وحُقَّ لها أن تَتِطَّ، والذي نَفْسي بيدِهِ،
ما فيها مَوْضعُ أَرْبَعِ أَصابعَ إلاَّ ومَلَكٌ واضحٌ جَبْهَتَهُ ساجِداً لله، والله لو
تَعلمونَ ما أعلمُ لضَحِكْتُمْ قليلاً ولَبِكَيْتُمْ كثيراً، وما تلكَّذْتُمْ بالنِّساءِ على
الفُرُشاتِ، ولَخَرَجْتُمْ إلى الصُّعُداتِ تَجْأرونَ إلى الله))، قالَ أبو ذَرُّ: يا لَيْتني
كنتُ شَجَرةً تُعْضَدُ.
((وعن أبي ذَرِّ رُه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إني
أرى ما لا تَرَون، وأسمع ما لا تسمعون؛ أَطَّتِ السماءُ»؛ أي: صاحتْ وأنَّتْ
من كثرة ما فيها من الملائكة، وفي ((الصحاح)): الأطيط: صوت الرجل والإبل
من ثقل أحمالها. وهذا مَثَلٌ وإيذانٌ بكثرتهم فيها، وتقريرُ عظمته تعالى وإن لم
يكن ثَمَّ أطيطٌ.
((وحُقَّ)) على بناء المجهول؛ أي: ينبغي.
(لها أن تتطَّ))؛ أي: تصیحَ وتئنَّ.
(والذي نفسي بيده! ما فيها موضعُ أربع أصابعَ إلا ومَلَكٌ واضحٌ جبهتَه
ساجداً لله تعالى))، قيل: إن لها أطيطاً وخريراً متناسباً، منه أُخذت الألحان
والتناسبات الموسيقية، وقيل: أطيطُها من خشية الله تعالى، فإذا كانت تخشى
من الله مع أنها جمادٌ وموضعُ عبادةِ الملائكة؛ فإن الإنسانَ أَولى بأن يخشى، مع
أنه ملَّوثٌ بالذنوب، وقيل: أطيطها من ازدحام الملائكة فيها في السجود.
٤٥٥

(والله لو تعلمون ما أعلم لَضحكتُم قليلاً ولَبكيتُم كثيراً، وما تلذَّذتُم
بالنساء على الفُرُشات)»: جمع فُرُش - بضمتين -، وهو جمع: فِراش.
((ولَخرجتم إلى الصُّعُدات)) بضمتين، وهو جمع: صعيد، كـ (طريق
وطُرُق وطُرُقات)، وقيل: جمع: صُعْدَة كـ (ظُلْمة وظُلُمات)، وهي فِناءُ الدار
وممرُّ الناس بين يديك؛ يعني: ولَخرجتُم من منازلكم إلى البراري والصحاري.
((تجأرون))؛ أي: تتضرَّعون ((إلى الله))، رافعين أصواتكم بالدعاء فعل
الوجل من نزول البلاء.
((قال أبو ذَرٍّ: يا ليتني كنتُ شجرةً تُعضَد))؛ أي: تُقُطَع؛ يعني يا ليتَني
كنتُ بريئاً من الذنوب لم أُحشَر يومَ القيامة، كالشجرة التي تُعضَد، ولم أعذَّب،
وهذا القولُ منه من غاية خشية الله تعالى، ظاهره يدل على أنه من كلام أبي ذَرٍّ،
وقيل: هو من كلامه القاهـ
٤١١٩ - عن أبي هُرِيرَةَ قال: قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، ومَنْ
أَدْلَجَ بَلَغَ المَنْزِلَ، ألا إنَّ سِلْعَةَ الله غاليةٌ، ألا إنَّ سِلْعَةَ الله الجنَّةُ).
((عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّه: مَن خافَ))؛ أي: مِن
عدوًّ.
(أَدْلَجَ)؛ أي: هربَ في أول الليل؛ لأن العدوَّ يُغِيرُ في آخره.
(ومَن أَدْلَجَ بَلَغَ المنزلَ)) يريد: مَن خاف الله فَلْيهربْ من المعاصي إلى
الطاعات.
((ألا): حرف تنبيه.
((إن سلعةَ الله))؛ أي: متاعه ((غاليةٌ))؛ أي: رفيعةُ القيمة، لا يَليق بثمنها
٤٥٦

إلا النفسُ والمالُ.
((ألا إن سلعة الله الجنةُ)).
*
٤١٢٠ - عن أنسٍ، عن النَّبيِّ نَّه قال: ((يقولُ الله جلَّ ذِكرهُ: أخرِجُوا
مِنَ النَّارِ مَنْ ذَكرني يَوْماً، أو خافَني في مَقامِ».
((عن أنس به أنه عليه السلام قال: يقول الله : أَخرِجوا مِن النار مَن
ذكرَني يوماً)): وهذا بشرط أن يكون مؤمناً بنبينا محمد وَله، أو نبي آخر من
الأنبياء قبل نسخ دِینه.
((أو خافَني في مقام))؛ أي: من ارتكاب معصية من المعاصي، كما قال الله
تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَى ) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:
٤٠ - ٤١] .
٤١٢١ - وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: سألتُ رَسولَ الله ◌ِّهِ عِنْ هذهِ
الآيةِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَقُلُوبُهُمْ وَسِلَّةُ﴾ أَهُمِ الذينَ يَشْرَبونَ الخَمْرَ ويَسرِقونَ؟
قال: ((لا يا ابنةَ الصِّدِّيقِ! ولكنَّهُم الذينَ يَصومونَ ويُصَلُّونَ ويَتَصَدَّقونَ، وهُمْ
يَخافونَ أنْ لا يُقْبَلَ منهُمْ، أولئِكَ الذينَ يُسارِ عونَ في الخَيْراتِ)).
((عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: سألتُ رسولَ اللهِ ◌ّر عن هذه
الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ﴾))؛ أي: يعملون ما عملوا.
﴿وَّقُلُوبُهُمْ وَرِلَةُ﴾ ؛ أي: خائفة.
((أهم الذين يشربون الخَمرَ ويسرقون؟ قال: لا يا ابنة الصدِّيق، ولكنهم
الذين يصومون ويصلّون ويتصدَّقون، وهم يخافون أن لا يُقبَلَ منهم، أولئك
٤٥٧

الذين ﴿أُوْلَئِكَ يَُرِعُونَ فِ اَلْخََّتِ﴾)): وهذا يدل أن مقامَ الخوف أفضلُ من مقام
الرجاء، وبه قال بعضهم.
٤١٢٢ - عن أُبَيِّ بن كَعْبٍ قال: كانَ النَّبِيُّ وَهَ إذا ذَهَبَ ثُلُثا اللَّيْلِ قامَ
فقالَ: ((يا أيُّها النَّاسُ! اذْكُرُوا الله، اذكروا الله، جاءتِ الرَّاحِفَةُ، تتبَعُها الرَّادِفَةُ،
جاءَ المَوْتُ بما فيه، جاءَ المَوْتُ بما فيه».
((عن أبي بن كعب ﴾ قال: كان رسولُ الله ◌َّ إذا ذهب ثلثا الليل قام
فقال: يا أيها الناسُ!)): أراد بها: المشركين.
((اذكروا الله، اذكروا الله، جاءتِ الراجفةُ))؛ أي الزلزلة، وهي النفخة
الأولى التي يموت منها الخَلقُ وتتزلزل الأرضُ عندها.
(تتبعها الرادفةُ)): وهي النفخة الثانية التي يحيا فيها الخَلقُ.
((جاء الموتُ بما فيه))؛ أي: مع ما فيه من أهوال القبر والقيامة.
«جاء الموت بما فیه».
٤١٢٣ - عن أبي سعيدٍ قال: خرج النَّبيُّ ◌َهْ لِصَلاةٍ فرأَى النَّاسَ كأنَّهُمْ
يَكْتَشِرُونَ، فقالَ: ((أمَا إِنَّكُمْ لوْ أَكْثِرتُمْ ذِكْرَ هاذِمِ اللَّذَّاتِ لَشغلَكُمْ عِمَّا أَرَى،
فأكْثِرُوا ذِكْرَ هادِمِ اللََّّاتِ المَوْتِ، فإِنَّهُ لمْ يأْتِ على القَبْرِ يَوْمٌ إلاَّ تكلَّمَ فيقولُ:
أنا بَيْتُ الغُربةِ، وأنا بيتُ الوَحْدةِ، وأنا بيتُ التُّرابِ، وأنا بيتُ الدُّودِ، وإذا دُفِنَ
العَبْدُ المُؤْمِنُ قالَ لهُ القَبْرُ: مَرْحباً وأهلاً، أمّا إنْ كنتَ لأَحَبَّ مَنْ يَمْشِي على
ظَهري إليَّ، فإذْ وُلِّيْتُكَ الْيَوْمَ وصِرْتَ إليَّ فَسَتْرَى صَنيعي بكَ))، قال: ((فيَسعُ لهُ
٤٥٨

مَذَّ بَصَرِهِ، ويُفتَحُ لهُ بابٌ إلى الجَنَّةِ، وإذا دُفِنَ العَبْدُ الفاجِرُ أو الكافِرُ قالَ لهُ
القَبْرُ: لا مَرحَباً ولا أهلاً، أمَا إنْ كنتَ لأَبَغَضُ مَنْ يَمشي على ظَهري إليَّ، فإذْ
وُلِيُكَ اليومَ وصِرْتَ إليَّ فَسَتْرَى صَنيعي بكَ، قال: فَلْتَئِمُ عليهِ حتَّى تَخْتَلِفَ
أَضْلاعُهُ))، قالَ: وقالَ رسولُ اللهِوَه بأصابعِهِ، فَأَدْخَلَ بعضَها في جَوْفٍ بعضٍ،
قال: ((ويُقبَّضُ لهُ سَبعونَ تِنَّيناً، لوْ أنَّ واحِداً منها نَفَخَ في الأَرْضِ ما أنبتَتْ شَيئاً
ما بقيتِ الدُّنْيَا، فِيَنْهَشْنَهُ ويَخْدِشْنَهُ حتى يُفْضَى بهِ إلى الحسابِ)).
قال: وقالَ رسولُ اللهِ وَله: ((إنَّما القبرُ رَوْضةٌ منْ رِياضِ الجنَّةِ، أوْ حُفْرَةٌ
مِنْ حُفَرِ النَّارِ».
((عن أبي سعيد ه قال: خرج النبي ◌َّه للصلاة، فرأى الناسَ كأنهم
يَكتَشِرُون)) من: الكَشْر، ظهور الأسنان للضحك.
((قال: أما إنكم لو أكثرتُم ذكرَ هاذم اللذات لَشغلكم عما أرى))؛ أي: من
التبسم والضحك.
(الموت)) مرفوع: فاعلاً لـ (شغل)، أو خبر مبتدأ محذوف، ويجوز
النصب بإضمار (أعني)، والجر صفةً لـ (هاذم اللذات).
((فأكثِرُوا ذكرَ هاذمِ اللذات الموتِ))؛ يعني: اهدموا اللذاتِ بذكر الموت.
((فإنه لم يأتِ على القبر يومٌ إلا تكلّم، فيقول: أنا بيتُ الغربة، وأنا بيتُ
الوحدة، وأنا بيتُ التراب، وأنا بيتُ الدُّود، وإذا دُفن العبد المؤمن قال له
القبر: مرحباً وأهلاً، أما))؛ أي: اعلمْ ((إنْ كنتَ)): إن هذه مخفَّفة من المثقّلة.
(لأَحبَّ)»: أفعل تفضيل بني للمفعول.
((مَن يمشي على ظهري إليَّ)): متعلق بـ (أحب).
((فإذا وُلِِّتُك اليومَ))؛ أي: صرتُ حاكماً قادراً عليك.
٤٥٩

((وصرت إلي))؛ أي: مقهوراً تحتَ فعلي بك.
«فستری صنیعي بك)»؛ أي: فعلي بك.
((قال: فيتسع له)): أي: القبرُ.
((مَدَّ بصرِهِ، ويُفتَح له بابٌ إلى الجنة، وإذا دُفن العبدُ الفاجرُ أو الكافر
قال له القبر: لا مرحباً ولا أهلاً، أما إن كنتَ لأبغضَ مَن يمشي على ظهري
إليَّ، فإذا وُلِيتُيك اليومَ وصرتَ إليَّ فسترى صنيعي بك، قال: فَيَلْتَئِمُ»؛ أي:
ينضمُّ القبر علیه من كل جانب ويعصُره.
«حتی تختلف أضلاعُه»؛ أي: يدخلَ بعضُها في بعض.
((قال))؛ أي الراوي: ((وقال رسول الله ◌َلا﴿ بأصابعه))؛ أي: أشارَ بها.
((فأدخل بعضَها في جوف بعض)»: تصويراً لاختلاف الأضلاع، وفيه:
إشارة إلى شدة اختلافها .
((قال))؛ أي: رسول الله ێُ: ((ویُقتَّض له))؛ أي يُوگَّل عليه
((سبعون تنِيناً، لو أن واحداً منها نفخَ في الأرض ما أَنَبتتْ شيئاً)، (ما)
هذه: نافية .
((ما بقيت الدنيا))، (ما) هذه: مصدرية.
((فِيَهَشْنَهَ ويَخدِشْنَهَ))؛ أي: يَلدَغْنَه.
((حتى يُفضَى به))؛ أي: يُوصَل ((إلى الحساب، وقال: قال رسول الله وَّه:
إنما القبرُ روضةٌ من رياض الجنة، أو حفرةٌ من حفر النيران».
٤١٢٤ - عن أبي جُحَيْفَةَ قال: قالوا: يا رسولَ الله! قدْ شِبْتَ، قال:
(شَيََّتْنِي هُوْدٌ وأخَوَاتُها)).
٤٦٠