Indexed OCR Text
Pages 341-360
((عن ابن مسعود قال: قال رسول الله وَله: إن مما أَدركَ الناسُ من كلام النبوة الأولى))؛ أي: مما بقي بين الناس، فأدركوه من كلام الأنبياء، وفي إضافة الكلام إلى النبوة إشعارٌ بأن هذا الكلامَ من نتائج الوحي، وفي التقييد بـ (الأولى) إشارةٌ بأن الحياءَ كان مندوباً إليه في الأولِين، لم يجرِ عليه النسخُ من شرائعهم. ((إذا لم تستحي فاصنع ما شئتَ))، قيل: هذا أمرُ تهديدٍ؛ أي: افعلْ ما شئتَ فستُجازَى به، كقوله تعالى: ﴿أَعْمَلُواْ مَاشِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، وفيه إشعارٌ بأن الكافَّ للإنسان عن مواقعة السوء هو الحياءُ، فإذا رفضَه فهو كالمأمور بارتكابِ كلِّ ضلالةٍ وتعاطي كلِّ سيئةٍ، وقيل: لفظُه أمرٌ ومعناه خبرٌ؛ يعني: صنعتَ ما شئتَ، وفيه توبيخٌ له، وقيل: معناه: إذا كنتَ في فعلِك آمناً أن تستحيَ منه لجريك فيه على سَنَنِ الصواب فاصنعْ ما شئتَ. ٣٩٤٧ - عن النَّواسِ بن سَمْعانَ قال: سألتُ رسولَ اللهِوَّ عن البرِّ والإِثمِ، فقال: ((البرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، والإِثمُ ما حاكَ في صَدْرِكَ وكَرِهتَ أنْ یطَلِعَ علیهِ الناسُ)). ((عن النَّوَّاس)) - بفتح النون وتشديد الواو - ((ابن سِمْعَان)): بكسر السين المهملة وسكون الميم: ((أنه قال: سألتُ رسولَ اللهِوَ ﴿ عن البرِّ والإثم؟ فقال: البرُّ حسنُ الخُلق))، ومن ذلك: العفو عن الذنوب، ومدارة الناس، وتحمُّل أذاهم. ((والإثم ما حاك في صدرك))؛ أي: أثَّر قبحُه في قلبك، أو تردّد فيه ولم تُرِدْ إظهارَه. ((وكرهتَ أن يطَّلعَ عليه الناس))؛ لقبحه. ٣٤١ ٣٩٤٨ - وقال: ((إنَّ مِن أحبكم إليَّ أَحْسنَكُمْ أَخْلاقاً). ((وقال: إن مِن أحبكم إليَّ أحسنكم أخلاقاً». ٣٩٤٩ - وقال: ((إنَّ مِن خِيارِكم أَحْسَنَكُم أَخْلاَقاً). ((وعن عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله وَ﴾: إن من خيارِكم أحسنكم أخلاقاً»، الخيار: المختار من كل شيء. مِنَ الحِسَان: ٣٩٥٠ - عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((مَن أُعطِيَ حَظَّهُ مِن الرِّفقِ أُعطيَ حَظَّهُ من خيرِ الدُّنيا والآخرةِ، ومَن حُرِمَ حَظّهُ مِن الرِّفْقِ حُرِمَ حظّهُ مِن خيرِ الدُّنيا والآخِرَةِ». ((من الحسان)): ((عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال النبي ◌َّهِ: مَن أُعطِيَ حظّه من الرفق أُعطِيَ حظّه من خير الدنيا والآخرة، ومَن حُرِمَ حظّه من الرفق حُرِمَ حظّه من خير الدنيا والآخرة)». ٣٩٥١ - عن أبي هُرِيرَةَ قال: قالَ رَسولُ اللهِّهِ: ((الحياءُ مِن الإِيمانِ، والإيمانُ في الجَنَّةِ، والبَذَاءُ مِن الجَفاءِ، والجَفاءُ في النَّارِ)). ((وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله رَ﴾: الحياءُ من الإيمان، والإيمانُ))؛ أي: أهلُ الإيمان ((في الجنة، والبَذَاء)) بفتح الباء: ضد الحياء. ٣٤٢ ((من الجَفَاء)): وهو خلاف البر. ((والجفاءُ»؛ أي: أهلُ الجفاء «في النار)). ٣٩٥٢ - وعن أُسَامَةَ بنِ شَريكٍ قال: قالوا: يا رسولَ الله! ما خيرُ ما أُعْطِيَ الإنسانُ؟ قال: ((الخُلُقُ الحَسَنُ)). ((عن أسامة بن شَرِيك)): قيل: هو المدفون بتلٌّ من تلال سَهَنْد جبل على ستة فراسخ من تبریز. ((قال: قالوا: يا رسولَ الله! ما خيرُ ما أُعطِيَ الناسُ؟ قال: الخُلقُ الحَسنُ)). ٣٩٥٣ - عن حارِثَةَ بن وَهْبٍ، قالَ رسولُ اللهِلَّهِ: ((لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ الجَوَّاظُ ولا الجَعْظَرِيُّ))، قال: الجَوَّاظُ: الذي جَمَعَ ومَنَعَ، والجَعْظَرِيُّ: الغَلِيظُ الفَظُّ . ((عن حارثة بن وهب قال: قال ◌َ﴾: لا يدخلُ الجنةَ الجَوَّاظُ)) بفتح الجيم والواو المشددة: الجَمُوعِ المَنُوعِ، وقيل: الكثير اللحم، المختال في مشيه. (لا الجَعْظَرِي)) بفتح الجيم وسكون العين وكسر الراء المهملتين وفتح الظاء المعجمة: المتكثِّر بما ليس عنده، وقيل: سيىء الخُلق، وقيل: الدفّاع المنَاعِ. ((قيل: الجَوَّاظ: الغليظُ الفَظُ))؛ أي: المتكبر. ٣٤٣ ٣٩٥٤ - عن أبي الدَّرْداءِ، عن النَّبيِّ نَّهِ قال: ((إنَّ أثقلَ شَيءٍ يُوضَعُ في ميزانِ المُؤْمنِ يومَ القيامةِ خُلُقٌ حَسَنٌ، وإِنَّ الله يُغِضُ الفاحِشَ البَذْيءَ)، صحيح. ((وعن أبي الدرداء ﴿ه، عن النبي ◌َّه قال: إن أثقلَ شيءٍ يُوضَعُ في ميزان المؤمن يومَ القيامة خُلقٌ حسنٌ، وإن الله يُبغض الفاحشَ البذيءَ. صحیح)). ٣٩٥٥ - وعن عائِشَةَ، عن رَسولِ الله ◌ِّهِ قال: ((إنَّ المُؤْمِنَ لَيُدرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ درجَةَ قائمِ اللَّيلِ وصائِ النَّهارِ». ((عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله صل *: إن المؤمنَ لَيدركُ بحسن خلقه درجةَ قائم الليل وصائم النهار)». ٣٩٥٦ - وعن أبي ذرٍّ قال: قال لي رَسولُ الله ◌َّهِ: ((اتَّقِ الله حَيْثُما كنتَ، وأَتْبع السَّيئةَ الحَسَنةَ تَمْحُهَا، وخالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ)). ((عن أبي ذَرَُِّ قال: قال لي رسولُ اللهِ وَّهِ: اتَّقِ الله حيث ما كنتَ وأَتبع السيئةَ الحسنةَ تَمْحُها))، فعُلِمَ منه أن العبدَ لا يستغني في حالٍ من الأحوال عن محوِ آثار السيئات عن قلبه، بمباشرة حسناتٍ تضادُّ آثارُها آثارَ تلك السيئات؛ فسماعُ الملاهي يكفّر بسماع القرآن ومجالس الذِّكر، وشربُ الخَمر يكفّر بالتصدُّق بكل شراب حلال، فقِسْ على هذا؛ لأن المرضَ يُعالَج بضدِه. ((خالِقِ الناسَ بخُلقٍ حسنٍ))؛ أي: استَعمِلِ الخُلقَ الحسنَ معهم. ٣٤٤ ٣٩٥٧ - عن عبدِ الله بن مَسْعودٍ قال: قالَ رسولُ اللهِ وَلِ: ((ألا أُخْبرُكم بِمَن يَحرُمُ على النَّارِ وبمَن تَحْرُمُ النَّارُ عليهِ؟ على كلِّ هَينٍ لَيْنٍ قريبٍ سَهْلٍ))، غريب . (عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله وَ﴾: ألا أخبركم بمن يَحرُم على النار))؛ أي: لا يُطرَح فيها ولا يَدخلها. ((وبمن تَحرُم النارُ عليه؟))؛ أي: لا تَصِلُ إليه. ((على كل هين)) من: الهون، وهو السهولة. ((لين))؛ أي: حليم، ضد الخشونة، قيل: هما يُطلَقان على الإنسان بالتثقيل والتخفيف، وعلى غيره بالتشديد على الأصل. وعن ابن الأعرابي: بالتخفيف للمدح، وبالتشديد للذم. ((قريب)) من الناس بمجالستهم وملاطفتهم. (سهل))؛ أي: في قضاء حوائجهم وتمشية أمورهم وإعانتهم. ((غریب)). ٣٩٥٨ - عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ ◌َ﴿ِ قالَ: ((المُؤْمِنُ غِرٌّ كريمٌ، والفاجِرُ خِبُّ لئيمٌ)). ((عن أبي هريرةع﴿ه، عن النبي ﴿ قال: المؤمنُ غِرُّ)) بكسر الغين المعجمة: الذي لم يجرِّب الأمور. ((كريم، والفاجر خَبٌّ)) بفتح الخاء المعجمة: ضد (الغِرِّ)، وهو الخدَّاع، وقد يُكسر. (لئيم)، والمعنى: أن المؤمنَ المحمودَ: مَن في طبعه غرارةٌ وقلةُ شرِّ ٣٤٥ وتركُ بحثٍ عنه، وليس ذلك منه جهلاً، بل كرماً وحسنَ خلقٍ، والفاجرُ: مَن كانت عادتُه الدهاءَ والبحثَ عن الشرِّ؛ لا على أنه عقلٌ منه، بل خبثٌ ولؤمٌ. ٣٩٥٩ - وقال: ((المُؤمنونَ هَينونَ لَينونَ، كالجَمَلِ الأَنِفِ، إِنْ قِيدَ انقادَ، وإنْ أُنْبِخَ على صَخْرةٍ استناخَ)»، مُرسَلٌ. ((وعن ابن عمر ﴾ قال: قال رسول الله إليه: المؤمنون هينون لينون)): هما جمعا (هين) و(لين). (كالجمل الأَنِف)) بفتح الهمزة وكسر النون، وبالقصر في الصحيح: هو البعير الذي أثرت البُرَةُ في أنفه، فصار أنفُه مجروحاً، ويكون إذ ذاك أشدَّ انقياداً. يقال: أنِفَ البعيرُ يَأْنَفَ - بالكسر - أنِفاً، فهو آنف: إذا اشتكى أنفُه من الخشاش المدخول في عظم أنفه، وهو من خشب، والبُرَة من صُفْرٍ، والكاف مرفوعة محلاً خبراً ثانياً؛ أي: كلُّ واحدٍ منهم كالجمل الأَنِفٍ، أو منصوبة المحل صفة مصدر محذوف؛ أي: ليناً مثلَ لِين الجمل الأَنِف. (إنْ قِيدَ انقادَ، وإن أُنِيخَ إلى صخرة استَناخَ))، والمعنى: أن المؤمنَ شديدُ الانقياد للشارع في أوامره ونواهيه، وذكر الصخرةَ في جانب الإناخة؛ لأنها عليها شاقةٌ؛ أي: هو كثيرُ تحمُّل المشاقِّ. ((مرسل)). ٣٩٦٠ - وعن ابن عمرَ، عن النَّبيِّ وَلِمِ قال: ((المُسْلِمُ الذي يُخالِطُ النَّاسَ ويَصبرُ على أذاهُمْ، أَفْضَلُ مِن الذي لا يُخالِطُهم ولا يَصْبرُ على أذاهُمْ)). ٣٤٦ ((عن ابن عمر قال: المسلم الذي يخالط الناسَ ويصبر على أذاهم أفضلُ من الذي لا يخالطهم، ولا يصبرهم على أذاهم)). ٣٩٦١ - وعن سهلٍ بن مُعاذٍ، عن أبيه: أنَّ النَّبيَّ نَّه قال: ((مَن كَظَمَ غَيْظاً وهو يقدِرُ على أنْ يُنْفِذَهُ دعاهُ الله على رُؤوسِ الخَلائقِ يومَ القيامةِ، حتى يُخَيرَهُ في أيِّ الحُورِ شاءَ))، غريب. وفي روايةٍ: ((مَلأَ الله قلبَه أَمْناً وإيماناً). وزادَ بعضُهم: ((مَن تركَ لُبْسَ ثَوْبٍ جَمالٍ وهو يقدِرُ عليهِ - أَحْسِبُه قال : - تواضُعاً كساهُ الله حُلَّةَ الكَرامةِ، ومَن تَزَوَّجَ للهِ توَّجَهُ الله تاجَ المُلكِ)). ((عن سهل بن معاذ، عن أبيه: أن النبي ◌َِّ قال: مَن كظمَ غيظاً)؛ أي: اجتَرعَ غضباً كامناً. (وهو يَقدِر على أن يُنفِذَه))؛ أي: يُمضيه، من: الإنفاذ، الإمضاء. (دعاه الله على رؤوس الخلائق يومَ القيامة حتى يخيرَه في أيِّ الحُورِ شاء. غريب)). ((وفي رواية: ملأ قلبه أمناً وإيماناً، وزاد بعضهم))؛ أي: بعضُ الرواة على الحديث المذكور روايةً عنه وََّ: ((مَن تركَ لبسَ ثوبٍ جمالٍ، وهو يقدِر علیه، أَحسِبه))؛ أي: قال الراوي: أظنُّ النبيَّ ◌َ ◌ّ ((قال: تواضعاً) - مفعول له لقوله: (ترك) - ((كَسَاه الله حُلَّةَ الكرامة))؛ أي: زينتها. ((ومَن تزوَّج لله توَّجه الله))؛ أي: أَلبسَه ((تاج الملك)). ٣٤٧ ٢٠- باب الغضب والكبر (باب الغضب والکِبْر) مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٩٦٢ - عن أبي هريرةَ ﴿ه: أنَّ رَجُلاً قال للنَّبِيِّ ◌َّهِ: أَوْصِني، قال: ((لا تَغْضَبْ))، فرَدَّدَ مِراراً، قال: ((لا تَغْضَبْ». ((من الصحاح)): ((عن أبي هريرة : أن رجلاً قال للنبي وَلّ: أوصِني، قال: لا تَغضبْ، فردَد))؛ أي: فردّد الرجلُ السؤالَ ((مراراً، قال: لا تغضبْ)): يحتمل أن يكون الرجلُ المُستوصِي مبتلَى بالقوة الغضبية، وعَرَفَ رَّ ذلك منه بالكشف لأحوال الناس؛ إما بالاطلاع الإلهي، أو بالفِراسة الصادقة، فأجابه بكل مرة بكسر تلك القوة . ٣٩٦٣ - وقال: ((ليسَ الشَّديدُ بالصُّرَعَةِ، إنَّما الشَّديدُ الذي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عندَ الغَضَبِ». ((عن أبي هريرة به قال: قال رسول الله وَله: ليس الشديدُ))؛ أي: القويُّ. (بالصُّرَعة)): وهي بضم الصاد وفتح الراء المهملتين للمبالغة؛ أي: يُكثِرِ الصَّرْعَ، وهو الإسقاط؛ يعني: ليس القويُّ مَن يكون قادراً على إسقاط خصومه . (إنما الشديدُ الذي يَملِك نفسَه عند الغضب))؛ يعني: إنما القويُّ مَن يَقدِر ٣٤٨ على أن يَقهرَ أقوى أعدائه، وهو النَّفْسُ، عند الغضب، حوَّل ◌َّهُ معنى هذا الاسم من أمر الدنيا إلى أمر الدين. ٣٩٦٤ - وقال: ((ألا أُخبرُكم بأَهْلِ الجَنَّةِ؟ كلُّ ضَعيفٍ مُتَضَعِّفٍ، لو أَقْسَمَ على الله لأبَرَّهُ، ألا أُخبرُكُم بِأهْلِ النَّارِ؟ كلُّ عُتُلِّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبٍ)). ويُروَى: ((كلُّ جَوَّاظٍ زَنيمٍ مُتكبٍ)). ((عن حارثة بن وهب قال: قال رسول الله وَله: ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كلَّ ضعيفٍ متضعَّف)) بفتح العين؛ أي: مَن يستضعفه الناسُ ويحتقرونه. ورُوي بكسر العين؛ أي: متواضع، قيل: المراد به: الخاضع لله تعالى. (لو أَقْسَمَ على الله))، بأن يقول: بحقِّك يا ربِّ! افعلْ كذا. «الأَبْرَّه))؛ أي: لأَمضاه على الصدق، والضمير المفعول للقَسَم الدال عليه (أقسم). ((ألا أخبركم بأهل النار؟ كلُّ عُثُلٌّ): وهو بضم العين والتاء وتشديد اللام - الشديد الخصومة بالباطل، وقيل: الفَظُّ الغليظ الذي لا ينقاد ويتجبّ . ((جَوَّاظ(١)) بفتح الجيم وتشديد الواو وبالظاء المعجمة، وهو الذي يجمع ويمنع، وقيل: السَّمين الثقيل من المعاشرة والتنقُم. (مُستكبر، ويروى: كلُّ جَوَّاظٍ زَنِيمٍ)): وهو المُلحَق في النَّسَب بقومٍ ليس منهم، شُبه بالزَّنَمَة، وهي شيءٌ يُقطَع من أذن الشاة ويُترك معلقاً بها، وقيل: الفاخر، وقيل: اللئيم. ((متكبر)) . (١) في هامش ((غ)): ((جامع المال ومانع الزكاة)). ٣٤٩ والمراد بالحديث: أن أغلبَ أهل الجنة والنار هذان الفريقان. ٣٩٦٥ - وقال: ((لا يدخُلُ النَّارَ أَحَدٌ في قلبهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ من خَرْدلٍ مِن إيمانٍ، ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ أَحَدٌ في قلبهِ مِثْقالُ حبٍ من خردلٍ مِن کِبْریاءَ» . ((وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله وَّهِ: لا يدخل النارَ أحدٌ في قلبه مثقالُ حبٍ من خَردلٍ من إيمانٍ، ولا يدخل الجنةَ أحدٌ في قلبه مثقالُ حبةٍ من خردلٍ من كبرياء»، يريد به: كِبْر الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْثِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْ خُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، وبدليل مقابلته بالإيمان، وأراد بالدخول: دخولَ تأبيد، أو أراد: أنه لا يدخل المؤمنُ المتكبر الجنةَ حتى يعذَّب بقَدْر تكبِّره وتجبُّه، أو يُعفَى عنه، أو إذا دخل الجنةَ نُزِعَ ما في قلبه من کِبْرٍ؛ ليدخلَها بلا كِبْر، كما قال الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم مِّنْ عِلٍ﴾ [الأعراف: ٤٣]. ٣٩٦٦ - وقال: ((لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ أحدٌ في قلبهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرِ))، فقالَ رجلٌ: إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أنْ يكونَ ثوبُه حَسَناً، ونَعْلُهُ حسناً؟ قالَ: إِنَّ الله جَميلٌ يُحبُّ الجَمالَ، الكِبْرُ: بَطَرُ الحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ)). ((وعنه قال: قال رسول الله وَله: لا يدخل الجنةَ أحدٌ في قلبه مثقالُ ذَرَّةٍ من كِبْرٍ))، و(المِثقال) في الأصل: مقدار من الوزن أي شيء كان، من قليل أو كثير، فمعنى (مثقال ذَرَّة): وزنها، والذَّرَّة: واحدة الذَّرِّ، وهو النمل الأحمر الصغير، وقيل: يُراد بها ما يُرى في شعاع الشمس الداخل في الكُوة. ((فقال رجل))، قيل: هو معاذ بن جبل، وقيل: عبدالله بن عمرو بن العاص، وقيل: ربيعة بن عامر. ٣٥٠ ((إن الرجلَ يحبُّ أن يكونَ ثوبُه حسناً ونعلُه حسناً؟ فقال: إن الله جميلٌ))؛ أي: حسنُ الأفعالِ كاملُ الأوصافِ . ((يحبُّ الجمالَ. الكِبْرُ بَطَرُ الحق))، و(البَطَر): هو الطغيان عند النعمة وطول الغنى: والمراد هنا: أن يجعل ما جعله الله حقّاً من توحيده وعبادته باطلاً . قال الكِسائي: هو أن يتكبَّر عن الحق من أوامر الله ونواهيه. ((وغَمْطُ الناسِ))؛ أي: احتقارُهم وازدراؤهم. ٣٩٦٧ - وقال: ((ثلاثةٌ لا يُكلِّمُهم الله يومَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّھم - ويُرْوَى: ولا يَنظُرُ إليهم - ولهم عذابٌ أليمٌ: شيخٌ زانٍ، ومَلِكٌ كذَّابٌ، وعائِلٌ مُسْتکبرٌ)). ((وعن أبي هريرة ظه قال: قال رسول الله وَّهِ: ثلاثةٌ لا يكلِّمهم الله يومَ القيامة»؛ أي: كلام الرضا. ((ولا يزكِّيهم))؛ أي: لا يطهِّرهم من دَنَس ذنوبهم. ((ويروى: ولا ينظر إليهم))؛ أي: لا يَلطُف بهم. ((ولهم عذابٌ أليمٌ: شيخٌ زاٍ))؛ لأن الزنا إذا كان قبيحاً من الشاب - مع كونه معذوراً طبعاً - فمِنَ الشيخ المنطفئ شهوتُه يكون أقبحَ. ((مَلِكٌ كذَّاب))؛ لأن الكذبَ مع كونه محظوراً يكون غالباً لغرضٍ، کجلبٍ نفع ودفع ضرِّ، فمِنَ الملكِ القادرِ علیه بدونه یکون أقبحَ. «وعائل مستكبر)؛ أي: فقير متکبر؛ لأن کِبْرَه ـ مع انعدام سبب فيه من المال أو الجاه - يدل على كون طبعه لئيماً، وقيل: العائل: ذو العيال، فتكبُّرُه ٣٥١ . عن سؤال الصدقة والزكاة، وعدم قَبوله ما يسدُّ خَلَّتَه وخَلَّةَ عياله، لم يكن إلا لاستيلاء هذه الرذيلة عليه، بحيث يلحقه وعيالَه الضررُ من تكبُّره. ٣٩٦٨ - وقال: ((قالَ الله تعالى: الكِبْرِياءُ رِدائي، والعَظَمةُ إزاري، فمَن نازَعَني واحِداً منهما قَذَفْتُهُ في النَّارِ)». ((وعن أبي سعيد وأبي هريرة عُ﴾ قالا: قال رسول الله وَّه: قال الله تعالى: الكِبرياء ردائي، والعَظَمةُ إزاري؛ فمَن نازَعَني واحداً منها قذفتُه في النار)): تقدم بيانه في الباب الأول من الكتاب. مِنَ الحِسَان: قال: قال رسولُ اللهِ مَّ: ((لا يزالُ ٣٩٦٩ - عن سَلَمَةَ بن الأَكْوَعِ الرَّجُلُ يذهَبُ بنفْسِه حتى يُكتَبَ في الجبَّارِينَ، فَيُصِيبُهُ ما أصابَهم)) . ((من الحسان)): ((عن سَلَمة بن الأكوع قال: قال رسول الله ◌َّه: لا يزال الرجلُ يَذْهب بنفسه)). الباء فيه: للتعدية؛ أي: يُعلِي نفسَه ويُبعدها عن الناس في المرتبة ويعتقدها عظيمةَ القَدْر، ويحتمل أن يكون للمصاحبة، فمعناه: يرافق نفسَه في ذهابها إلى الکِبْر ويعزِّزھا ویکرِّمها. ((حتى يُكتبَ في الجبَّارين، فيصيبه))؛ أي: الرجلَ ((ما أصابهم)) من بلاء الدنيا وعذاب الآخرة. ٣٥٢ ٣٩٧٠ - عن عَمْرٍو بن شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، عن رسولِ الله ◌ِوَّ قال: ((يُحشَرُ المُتكبرونَ أمثالَ الذَّرِّ يومَ القيامةِ في صُورة الرِّجالِ، يَغشاهُم الذُّلُ مِن كلِّ مَكانٍ، يُساقونَ إلى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمِ يُسَمَّى: بُولَسَ، تَعْلُوهم نارُ الأَنْيارِ، يُسْقَوْنَ مِن عُصارةِ أهلِ النَّارِ طِينةَ الخَبَالِ». ((وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ◌َّإ قال: يُحشَر المتكبرون أمثالَ الذَّرِّ» بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء: جمع ذَرَّة. (يومَ القيامة في صورة الرجال))، يريد: أن صُوَرَهم صورةُ الإنسان، وجُثَثَهم النملُ الصِّغارُ. «یغشاهم))؛ أي: يأتيهم. ((الذلُّ من كل مكان))؛ أي: من كل جانب؛ يعني: يكونون على غاية الذل والحقارة، يَطؤُهم أهلُ المَحشر بأرجلهم. ((يُساقون إلى سجنٍ في جهنم يُسمى: بَولَس)) بفتح الباء الموحدة وسكون الواو وفتح اللام وكسرها: فَوعَل من: الإبلاس، بمعنى: اليأس، ولعل هذا السجنَ يُسمى به ليأسِ داخلهِ من الخلاص. ((تعلوهم نارُ الأنيار)) جمع: نار، ومعنى (نار الأنيار): هو أنه كأن هذه النارَ لفرط إحراقها وشدة حرها تفعل بسائر النيران فعلَ النار بغيرها. (يُسقَون من عُصَارةِ أهلِ النارِ طينةَ الخَبال)) بفتح الخاء المعجمة: اسم عُصَارة أهل النار، وهو ما يَسيل منهم من الصَّديد والقَيح والدم. ٣٩٧١ - عن عَطِيَّةَ بن عُرْوةَ السَّعديِّ قال: قالَ رسولُ اللهِوَّهِ: ((إنَّ الغَضَبَ مِن الشَّيطانِ، وإِنَّ الشَّيطانَ خُلِقَ مِن النَّارِ، وإنَّما تُطْفَأُ النَّارُ بالماءِ، فإذا ٣٥٣ غَضبَ أحدُكم فليتَوَضَّأُ». (عن عطية بن عروة السعدي قال: قال رسول الله ◌َله: إن الغضبَ من الشيطان، وإن الشيطانَ خُلِقَ من النار، وإنما تُطْفَأ النارُ بالماء؛ فإذا غضب أحدكم فَلْيتوضَأ)»؛ فإن فيه اشتغالاً مانعاً من البطش، وذِكرُ الله تعالى مُبعِدٌ للشيطان ومُسكِّنٌ لثائرة الغضب ببركة العبادة والذِّكر. ٣٩٧٢ - وعن أبي ذَرُّ: أنَّ رسولُ اللهِ وَالْ قال: ((إذا غَضبَ أَحَدُكم وهو قائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فإنْ ذَهَبَ عنه الغَضَبُ وإلا فَلْيَضْطَجِعْ)). ((عن أبي ذر قال: قال رسول الله وَ﴿: إذا غضبَ أحدُكم وهو قائم فَلْيجلسْ، فإن ذهب عنه الغضبُ وإلا فَلْيَضطجِعْ)): إنما أَمر الغضبانَ بالقعود والاضطجاع؛ لئلا يحصلَ منه حالَ غضبه ما يَندَم عليه، فإن المضطجعَ أَبعدُ من الحركة والبطش من القاعد، وهو من القائم. ٣٩٧٣ - عن أسماءَ بنت عُمَيْس: سَمِعْتُ رسولَ الله وَ﴾ يقولُ: ((بِئْسَ العَبْدُ عبدٌ تخيَّلَ واختالَ، ونَسِيَ الكبيرَ المُتَعالِ، بِئْسَ العَبْدُ عَبْدٌ تجبَّرَ واعتدَى، ونسيَ الجَبَّارَ الأَعْلِى، بْسَ العَبْدُ عبدٌ سَها ولها، ونَسِيَ المَقابرَ والبلَى، بِئْسَ العَبْدُ عَبْدٌ عَتَا وطَغَى، وَنَسَيَ المُبتدَأَ والمُنتَهى، بِئْسُ العَبْدُ عَبْدٌ يَخْتِلُ الدُّنْيَا بالدِّينِ، بِئْسَ العَبْدُ عبدٌ يَخْتِلِ الدِّينَ بالشُّبُهاتِ، بئسَ العَبْدُ عبدٌ طَمَعٌ يقودُه، بئسَ العَبْدُ عبدٌ هَوَّى يُضلُّه، بئسَ العَبْدُ عبدٌ رَغَبٌ يُذِلُّه))، غريب. ((عن أسماء بنت عُميس قالت: سمعتُ رسولَ الله ◌َّهِ يقول: بئسَ العبدُ عبدٌ تخيّل))، من: الخُيَلاء، الكِبْر والعُجْب، أو تُخيل له أنه خيرٌ من غيره، ٣٥٤ واعتقد نفسَه عظيمةً. ((واختال))؛ أي: تكبّر وتجبَّر. ((ونسيَ الكبيرَ المتعال))؛ أي: نسيَ أن الكبرياءَ والتعالي ليس إلا الله تعالى. (بئسَ العبدُ عبدٌ تجبَّر واعتدى))؛ أي: جاوَزَ قَدْرَه بأن يتكبّر، وأعرضَ عن أوامر الله تعالى. ((ونسيَ الجبارَ الأعلى، بئسَ العبدُ عبدٌ سَهَا))؛ أي: صار غافلاً عن الحق والطاعة، وإلا فسائر الأنبياء والصُّلَحاء قد سَهَوا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلّيْنَ ا الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَتِهِمْ سَاهُونَ ﴾ [الماعون: ٤ -٥]. ((ولَھَا»؛ أي اشتغل باللهو واللعب والھَذَیان. ((ونسيَ المقابرَ والبلَى)) بكسر الباء وفتح اللام: هو الخُلُوقة، بأن يصيرَ الشخصُ في القبر رميماً رُفاتاً. (بئسَ العبدُ عبدٌ عتا)؛ أي: تجبَّر وتكبّر. ((وطَغَى))؛ أي: جاوَزَ الحدَّ في الشر. ((ونسيَ المُبتدَأَ)؛ أي: ابتداءَ خَلقِهِ، وهو النُّطفة ثم العَلَقة، فأنعمَ الله عليه فصوَّرُه صورةً حسنةً. ورزقَه من أنواع النِّعَم، فلم يشكر هذه النِّعَمَ. ((والمُنتهى)): وهو القبر والقيامة؛ أي: الذي إليه عَودُه، وهو التراب، وكأن هذا إشارةٌ منه وَّه إلى التحريض على معرفة المَبدأ والمعاد، النافعِ يومَ التناد. (بئسَ العبدُ عبدٌ يَخِل الدنيا بالدِّين))؛ أي: يَخدعُ أهلَ الدنيا بعمل الصُّلَحاء وأهل الديانة؛ ليعتقدوا فيه؛ لينالَ منهم مالاً وجاهاً، من: (خَتَلَ الذئبُ الصيدَ): خدعَه وتخفَّى له، وخَتَلَ الصائدُ مشيَه للصيد قليلاً في خفيةٍ؛ لئلا ٣٥٥ يسمحَ حسّاً، شبَّه فعلَ المُظهِرِ دِيناً وورعاً ذريعةً إلى تحصيل الدنيا بختل الذئب والصائد وخدعهما للصيد. (بئسَ العبدُ عبدٌ يَخْتِلِ الدِّينَ بالشُّبهات))؛ أي: يقع في الحرام بالتأويل؛ أي: يجعل الإتيانَ بالشُّبهات أساسَ دِينه، ويَخدع أهلَ المِلَّة بذلك مُظهِراً لهم مهارته في الدِّین. ((بئسَ العبدُ عبدٌ طمعٌ)): هو وصفٌ بالمصدر مبالغةً، أو على تقدير: ذو طمع، أو له طمع ((يقوده))، وكذا في قوله : (بئسَ العبدُ عبدٌ هَوَّى يُضلُّه))، ولو قُرِئ بالإضافة - كما ذُكر في شرحٍ - بها لَجازَ واستقامَ بلا تكلُّفُ. (بئسَ العبدُ عبدٌ رُغْبٌ)): وهو - بضم الراء وسكون الغين المعجمة: الشَّرَهُ والحرصُ على الدنيا، وأصله: سعة الجوف، يقال: جوف رغيب؛ أي: واسع. (يُذْلُّه))، وقيل: الرُّغْب: سعة الأمل وطلب الكثير. ويُروى بفتح الغين بمعنى: الرغبة في الدنيا . (ضعيف)). ٢١- باب الظّلم (باب الظُّلم) مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٩٧٤ - عن ابن عُمَرَ: أنَّ النبيَّ نَّهِ قالَ: ((الظَّلْمُ ظُلُماتٌ يومَ القِيامَةِ)). ٣٥٦ (من الصحاح)): ((عن ابن عمر: أن النبي ◌َّهُ قال: الظَّلمُ ظلماتٌ يوم القيامة)) جمع: الظُّلمة، والمراد بها: الشدائد، كما فُسرت بها في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيَكُم مِنِ ظُلُتِ الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٦٣]؛ يعني: الظلمُ سببٌ لشدائد صاحبه، ويجوز أن يُحمَل على ظاهره، فيكون الظلمُ سبباً لبقاء الظالم في الظَّلمة، فلا يهتدي إلى السبيل حين يسعى نورُ المؤمنين بين أيديهم. ٣٩٧٥ _ عن جابرِ: أنَّ رسولَ اللهِوَّهِ قالَ: ((انَّقوا الظُّلْمَ، فإنَّ الظُّلْمَ ظُلُماتٌ يومَ القيامةِ، وانَّقوا الشُّحَّ، فإنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَن كانَ قبلَكم، حَمَلَهم على أنْ سَفَكُوا دِماءَهم واستَحَلُّوا مَحارِمَهم)). ((وعن جابر: أن رسولَ الله ◌َ﴿ قال: اتقوا الظلم؛ فإن الظلمَ ظلماتٌ يومَ القيامة، واتقوا الشُّحَّ): وهو منع الواجب، وقيل: هو الحرص الشديد الذي يَحملُه على ارتكاب المحارم وإتيان الفواحش. ((فإن الشُّحَّ أَهلَكَ مَن كان قبلكم، حملهم على أن يسفكوا دماءَهم»؛ أي: حرَّضَهم على جمع المال، حتى قتلَ بعضُهم بعضاً لأخذه. ((واستحلُّوا مَحارمَهم))؛ أي: جعلوا المُحرَّمَ عليهم من وطءِ نسائهم حلالاً. ٣٩٧٦ - وقال: ((إنَّ الله لَيُملي للظَّالِمِ حتى إذا أخذَهُ لم يُفْلِتْهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَ كَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اَلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَةُ﴾ الآية)). ((وعن أبي موسى قال: قال رسول الله وَّهِ: إن الله لَيُمْلِي للظالم))، من: الإملاء، الإمهال والتأخير؛ أي: لَيُمهِلُ ويطوِّل عمرَه حتى يَكثُرَ منه الظلمُ ٣٥٧ والفواحشُ، ثم يأخذُه أخذاً شديداً. ((حتى إذا أخذَه لم يُفلِتْه))؛ أي: لم يتركْه، ولم يخلصْ من الله. (ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اَلْقُرَى﴾))؛ أي: أهلَ القرى. «﴿وَهِىَ ظَلِمَةُ﴾ الآية)). وفي الحديث: تسلية للمظلوم، ووعيد للظالم؛ لئلا يغترَّ بإمهاله. ٣٩٧٧ - عن ابن عُمَرَ: أَنَّ النَّبيَّ ◌َ﴿ لَمَّا مَرَّ بالحِجْرِ قال: ((لا تَدخُلوا مَساكِنَ الذينَ ظَلَموا أنفسَهم إلا أنْ تَكُونُوا باكِينَ، أنْ يُصيبَكم مِثْلُ ما أصابَهم)»، ثم قَنَّعَ رأسَه، وأَسْرَعَ السَّيْرَ حتى اجتازَ الوادِيَ. ((عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنه -: أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لمَّا مرَّ بالحجْر)) بفتح الحاء المهملة قبل الجيم الساكنة وكسرها: اسمٌ الأرض ثمود قوم صالح عليه السلام ((قال: لا تدخلوا مساكنَ الذين ظلموا أنفسَهم إلا أن تكونوا باكين؛ أن يصيبكم))؛ أي: حذرَ أن يصيبكم («ما أصابَهم))، وكان قولُه ◌ِّرِ ذلك عند مسيره إلى تبوك، خَشِيَ نَّ على أصحابه أن يجتازوا على تلك الديار ساهين، غيرَ متَّعظين بما أصاب أهلَ تلك الديار، وقد أمرَهم الله بالانتباه والاعتبار في مثل تلك المواطن. قيل: الداخلُ دارَ قومٍ أُهلكوا بخسفٍ أو عذابٍ غيرَ باكٍ شفقةً عليهم أو على نفسه من حلول مِثلِه به = يدلُّ على قساوة القلب وقلة الخشوع، فلا يَأْمنَ مَن كان كذا أن يصيبَه ما أصابهم. وفيه: دليل على أن ديارَ هؤلاء لا تُتخذ وطناً؛ لأنه لا يكون دهرَه كلَّه باکیاً. ٣٥٨ (ثم قَنَّع رأسَه)) بتشديد النون: مبالغة من الإقناع؛ أي: أطرقَ ولم يلتفت يميناً وشمالاً؛ لئلا يقعَ نظرُه عليها، أو جعلَ قناعاً على رأسه شبهَ الطَّيلسان. ((وأسرعَ السيرَ حتى اجتاز الوادي))؛ أي: قطعَه وخرجَ من حدِّه. ٣٩٧٨ - عن أبي هُريرةَ، عن النَّبِّ وَّهِ قال: ((مَن كانَت له مَظْلَمَةٌ لأَخيهِ مِن عِرْضه أو شيءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ منه اليَومَ، قبلَ أنْ لا يكونَ دینارٌ ولا دِرْهمٌ، إنْ كانَ له عَمَلٌ صالحٌ أُخِذَ منهُ بقدرٍ مَظْلَمَتِهِ، وإنْ لم يكنْ له حَسَناتٌ أُخِذَ مِن سَیئاتٍ صاحبهِ فحُمِلَ علیهِ)). ((عن أبي هريرة ﴿ه قال: قال رسول الله وَاهِ: مَن كانت له مَظلِمة)) بكسر اللام: اسمُ ما أخذَه الظالم. «لأخيه))؛ أي: في الدنيا. ((مِن عِرضه))، عِرْضُ الرجل: جانبه الذي يَصُونه من نفسه وحَسَبه، ويَتَحامى أن يُنتقصَ. ((أو شيء)): تعميم بعد التخصيص؛ أي: من شيءٍ آخرَ، كأخذ ماله أو المنع من الانتفاع به . ((فَلْيتحلَّلْه منه)»؛ أي: لِيَطلبْ من أخيه حِلَّه. (اليوم)) أراد به: حياة الدنيا. ((قبلَ أن لا يكونَ دينار ولا درهم))؛ أي: قبلَ يوم القيامة؛ لأن الدينارَ والدرهم لا یوجدان فيه. ((إن كان له عمل صالح)): هذا استئنافُ جوابٍ عمَّن قال: فكيف الحالُ إذا لم يكن دينار ولا درهم هناك؟ ٣٥٩ ((أُخذ منه بقَدْر مَظلمته، وإن لم يكن له حسناتٌ أُخذ من سيئات صاحبه فحُمل عليه)): يحتمل أن يكون المأخوذُ نفسَ الأعمال، بأن يتجسَّد فيصير كالجوهر، وأن يكون ما أُعدَّ لها من النِّعَم والنِّقَم إطلاقاً للسبب على المسبب، وهذا لا ينافي قوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]؛ لأن الظالمَ في الحقيقة مَجْزِيٌّ بوِزْرِ ظلمِه، وإنما أخذ من سيئات المظلوم تخفيفاً له وتحقيقاً للعدل. ٣٩٧٩ - عن أبي هُريرةَ: أنَّ رسولَ الله وَهِ قال: ((أتدرونَ ما المُفْلِسُ))؟ قالوا: المُفْلِسُ فينا مَن لا دِرْهَمَ له ولا متاعَ، فقال: ((إنَّ المُفْلِسَ مِن أُمَّتي يأتي يومَ القِيامةِ بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي قد شَتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأكل مالَ هذا، وسَفَكَ دَمَ هذا، وضَرَبَ هذا، فيُعطَى هذا مِن حَسَناتِهِ، وهذا مِن حَسَناتِهِ، فإنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قبلَ أنْ يُقضَى ما عليهِ أُخِذَ مِن خطاياهم فطُرِحَتْ عليهِ، ثُمَّ طُرِحَ في النَّارِ)). ((عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أتدرون مَنِ المُفلِسُ؟ قالوا: المُفلِس فينا مَن لا درهمَ له ولا متاعَ، فقال: إن المُفلِسَ مِن أمتي)): هذا بيان لمُفلِس أمته في الحقيقة، ولیس باحتراز عن سائر الأمم . ((مَن يأتي يومَ القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شَتمَ هذا، وقَذْفَ هذا، وأكل مالَ هذا، وسفكَ دمَ هذا))؛ أي: أَراقَ. ((وضربَ هذا))؛ يعني: بغير حقٍّ في الجميع. (فيُعْطَى)) - على بناء المجهول ـ ((هذا من حسناته))؛ أي: المظلومُ بعضَ حسنات الظالم. ٣٦٠