Indexed OCR Text

Pages 301-320

(١٧)
كتاب الجهاد
٣٠١

(١٧)
◌ِكَاب الْجَهَادِ
(كتاب الجهاد)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٨٥٤ - قال رسولُ الله وَله: ((مَنْ آمَنَ بالله وَبَرَسُولِهِ، وأقامَ الصلاةَ،
وصامَ رمضانَ، كانَ حَقًَّ على الله أَنْ يُدْخِلَهُ الجنَّةَ، جاهدَ في سبيلِ الله أو جَلَسَ
في أرضهِ التي وُلِدَ فيها))، قالوا: أفلا نُشِّرُ الناسَ؟ قال: ((إنَّ في الجَنَّةِ مئةَ
درجةٍ أعدَّها الله للمُجاهِدِينَ في سبيلِ الله، ما بين الدَّرجتَيْنِ كما بيْنَ السَّماءِ
والأرضِ، فإذا سَأَلْتُمُ الله فاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ، فإِنَّ أَوْسَطُ الجَنَّةِ وَأَعلى الجَنَّةِ،
وفوقَهُ عَرْشُ الرَّحمَنِ، ومنه تَفَجَّرُ أنهارُ الجَنَّةِ».
(من الصحاح)):
((عن أبي هريرة قال: قال رسول الله رَله: من آمن بالله ورسوله وأقام
الصلاة وصام رمضان)) خصَّهما بالذكر من بين العبادات البدنية تنبيهاً على عظم
شأنهما، وتحريضاً عليهما؛ لصعوبة موقعهما على الطباع، ومَن راعاهما على
كونهما أشق لا يترك غيرهما غالباً.
((كان حقاً على الله))؛ أي: ثابتاً عليه بوعده الصدق.
(أن يدخله الجنة)) بمزيد رفع الدرجات، أو بالتجاوز عن السيئات.
((جاهد في سبيل الله، أو جلس في أرضه التي ولد فيها)) وإنما سوى وَّة
٣٠٣

بين الجهاد في سبيله تعالى، وبين عدمه في دخول الجنة؛ لأنه فرض كفاية .
وروي: (هاجر) مكان (جاهد)، وهذا يدل على أن الحديث صَدَرَ بعد
فتح مكة؛ لأن الهجرة قبله كانت فريضة لكل مؤمن؛ ليجتمعوا عند النبي ◌َّ
وینصروا دينه .
((قالوا: أفلا نبشر الناس، قال: إن في الجنة مئة درجة)) المراد بالمئة هنا
الكثرة، وبالدرجة: المرقاة.
((أعدَّها الله للمجاهدين في سبيل الله) وهم الغزاة والحجَّاج(١)، أو الذين
جاهدوا أنفسَهم لمرضاة ربهم.
((ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض)) قال القاضي: يحتمل أن
تجري الدرجات على ظاهرها محسوساً كما جاء في أهل الغرف أنهم يتراءون
كالكوكب الدري، وأن يجري على المعنى، والمراد: كثرة النعم وعظم الإحسان
مما لم يخطر على قلب بشر.
((فإذا سألتم الله))؛ أي: إذا سألتم على الجهاد من الله تعالى درجةً من
درجات الجنة المعدة للمجاهدين .
((فاسألوا الفردوس)) وهو بستان في الجنة جامعٌ لأصناف الثمر.
((فإنه أوسط الجنة))؛ أي: أفضلها وأشرفها .
((وأعلى الجنة)) وضع المُظْهَر موضع المضمر؛ أي: أعلاها.
((وفوقه عرش الرحمن)) وهذا يدل على أنه فوق جميع الجنان.
((ومنه))؛ أي: من الفردوس ((تفجَّر))؛ أي: تتفجر ((أنهار الجنة)) وهي
أربعة مذكورة في قوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَرٌ مِنِ مَّآءٍ غَيْرِ مَاسِنٍ وَأَنْهَرٌ مِّنِ لَّبَنٍ لَّمْ يَنَغَيَّرْ طَعْمُهُ,
(١) في ((غ)): ((أو الحجاج)).
٣٠٤

وَأَنْهَرٌ مِنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِِّشَّرِبِنَ وَأَنْهَرٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفَّى﴾ [محمد: ١٥] المراد منها أصول أنهار
الجنة .
٢٨٥٥ - وقال: ((مَثَلُ المُجَاهِدِ في سَبيلِ الله كمثلِ الصائمِ القائمِ القانِتِ
بآياتِ الله، لا يَفْتُرُ مِن صِيامٍ ولا صَلاةٍ حتى يرجِعَ المُجاهدُ في سَبيلِ الله)).
((وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه تعالى عليه وسلم:
مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم بالليل القانت بآيات الله))؛ أي:
القارئ للقرآن في صلاته، أو طويل القيام في الصلاة، وهو أخصُّ من القائم.
(لا يَفْتُر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله)) هذا مِن
وَضْعِ الظاهر موضع المضمَر.
٢٨٥٦ - وقالَ: ((انتدَبَ الله لِمَن خَرجَ في سَبيلِهِ لا يُخْرِجُه إلا إيمانٌ بي،
وتصدِيقٌ بِرُسُلِي، أنْ أُرْجِعَهُ بما نالَ مِن أجْرٍ أو غَنِيمةٍ، أو أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ».
((وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: انتدب
الله))؛ أي: أجاب أو تكفَّل.
((لمن خرج في سبيله)) قائلاً: ((لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي))
فالجملة معمولٌ لقول هو حال عن (الله).
((أن أرجعه)) بدل عن (من خرج)، أو ضمِّن (انتدب) معنى ضَمِنَ، فيكون
مفعوله؛ أي: ضمن الله لمن خرج في سبيله أن يرجعه سالماً.
((بما نال من أجر أو غنيمة)) معناه: مع ما حصل له من الأجر بلا غنيمة إن
لم يغنموا، أو مع الأجر والغنيمة إن غنموا، وروي: (من أجر وغنيمة) بالواو
٣٠٥

أيضاً، وهذه أولى.
((أو أدخله الجنة)).
*
* *
٢٨٥٧ - وقال: ((والذي نفسِي بيدِهِ، لو أَنَّ رِ جَالاً مِن المؤمنينَ لا تطيبُ
أنفسُهم أنْ يتخلَّفوا عني، ولا أجدُ ما أَحمِلُهم عليه، ما تَخلَّفْتُ عن سَرِيَّةٍ تَغْزو
في سَبيلِ الله، وقال: والذي نفسِي بيدِهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي أَقْتَلُ في سَبيلِ الله ثم
أُحيا، ثم أُقْتَلُ ثم أُحيّا، ثم أُقْتَل ثم أُحْيَا ثم أُقْتَلُ».
((عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: والذي
نفسي بيده لولا أن رجالاً من المؤمنين)) والمراد بعض أصحابه الفقراء.
((لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني)) لعدم مركوبهم.
((ولا أجد ما أحملهم عليه))، وجواب (لولا) : . ((ما تخلفت عن سرية))
وهي طائفةٌ من الجيش يبلغ أقصاها أربع مئة .
((تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده لوددت)) واللام جواب القسم؛
أي: تمنيت ((أن أقتل في سبيل الله، ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا
ثم أقتل)) وفيه فضل الجهاد، وأنه * كان يترك أحياناً رفقاً بالمؤمنين الذين
لا مرکب لهم.
*
٢٨٥٨ - وقال: ((رِبَاطُ يومٍ في سَبيلِ الله خيِّر مِن الذُّنيَا وما فيها)).
((وعن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم: رباط يوم)) بكسر الراء: المرابطة، وهو ملازمة ثغر العدو.
٣٠٦

وقيل: هو أن يربط هؤلاء خيولهم وهؤلاء خيولهم في ثغرهم؛ ليكون كل
واحد منهم معداً لصاحبه معترضاً لقصده.
((في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها)) من المال.
٢٨٥٩ - وقال: ((لَغَدوَةٌ في سَبيلِ الله أو رَوْحَةٌ خيرٌ مِن الدُّنيَا وما فيها».
((وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لغدوة))
بفتح الغين: الذهاب في أول النهار واللام للابتداء.
((في سبيل الله أو روحة)) بفتح الراء: الذهاب في آخره.
((خير من الدنيا وما فيها)) معناه: فضل الغدوة والروحة في سبيل الله
وثوابُها خير من نعيم الدنيا كلها؛ لأنه زائل، ونعيم الآخرة باقٍ.
٢٨٦٠ - وقال: ((رِباطُ يومٍ وليلةٍ خيرٌ من صِيامٍ شَهرٍ وقِيامِهِ، وإنْ مَاتَ
جَرَى عليهِ عَمَلُه الذي كانَ يعمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عليهِ رِزقُهُ، وأَمِنَ الفَنَّانَ».
«وعن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: رباط يوم
وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات))؛ أي: المرابط؛ لدلالة الرباط
عليه .
((جرى عليه عمله الذي كان يعمله)) من الجهاد لو لم يمت، فإنه رابَطَ
ليجاهد؛ يعني: يُعطَى ثواب الجهاد، فيعطَى ثواب عمله نامياً غير منقطع إلى
يوم القيامة .
((وأجري عليه رزقه)) وهو الرزق الموعود للشهداء، كما قال الله تعالى:
٣٠٧

﴿بَلّ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (٦) فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَنهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠].
((وأمن الفتان)) بفتح الفاء مفرد من الفَتْن: الابتلاء والامتحان.
قيل: أراد به منكراً ونكيراً؛ أي: يَسْهُلُ عليه جوابهما. وقيل: الشيطان
فإنه يفتن الناس بخدعه وغروره، وقيل: الدجال لقوله ويلي: ((أعوذ بك من فتنة
المسيح الدجال».
ويروى بضم الفاء جمع فاتن، وهم المضلّون الناس عن الحق.
*
٢٨٦١ - وقال: ((ما اغبَرَّت قَدَمَا عبدٍ في سَبيلِ الله فتمسَّهُ النَّارُ)).
((وعن أبي عبس قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
ما اغبرت قدما عبد»؛ أي: صارا ذا غبرة.
((في سبيل الله فتمسه النار))؛ يعني: من يصل إليه غبار الغزو لم تصل إليه
نار جهنم .
٢٨٦٢ - وقال: ((لا يجتَمِعُ كافِرٌ وقاتِلُهُ في النَّارِ أبَدَاً».
((وعن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله
تعالى عليه وسلم: لا يجتمع كافر وقاتله)) أراد به المؤمن الذي قتله لإعلاء كلمة
الله .
((في النار أبداً) فإن جهاده ذلك إن كان مكِّفراً لجملة ذنوبه فلا إشكال،
وإلا فيجوز أن يعاقب بغير دخول النار كالحبس في موضع آخر.
٣٠٨

٢٨٦٣ - وقال: ((مِن خَيْرِ مَعاشِ النَّاسِ لَهم، رَجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فرسِهِ في
سَبيلِ الله يطيرُ على مَثْنِهِ، كلما سَمِعَ هَيْعةً أو فَزْعَةً طارَ عليه يبتغي القتلَ
والمَوتَ مَظَائَةٌ، أو رَجُلٌ في غُنَيَّمَةٍ في رأسٍ شَعَفَةٍ مِن هذهِ الشَّعَفِ أو بطنِ وادٍ
من هذه الأودِيةِ، يُقيمُ الصَّلاةَ ويُؤْتِي الزَّكاةَ ويعبدُ ربَّهُ حتى يَأْتِيَه اليقينُ، ليسَ
مِن النَّاسِ إلا في خَيرٍ).
((وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من
خير معاش الناس لهم)) والمعاش - بفتح الميم - إما مصدر من عاش معاشاً؛
أي: عيشاً، وإما اسم لما يعاش به، والجملة خبر للمبتدأ - وهو (رجل) - بتقدير
المضاف؛ أي: معاش.
((رجل ممسك عنان فرسه))؛ أي: لجامه.
((في سبيل الله يطير))؛ أي: يسرع راكباً.
((على متنه))؛ أي: على ظهره، والضمير للفرس، والمراد مسارعتُه إلى ما
يكاد ينثلم من الثغور الإسلامية.
((كلما سَمِعَ هَيْعَةً))؛ أي: صوتاً يفزع منه ويخاف من عدو.
(أو فَزْعَةً)): وهي المرّة من الفَزَعَ: الاستغاثة.
((طار عليه))؛ أي: أسرع على مَتْنٍ فرسه.
(بتغي))؛ أي: يطلب.
((القتل والموت مَظَانَّه)): جمع المَظِنَّة، وهي موضع ظَنِّ الشيء، مَفْعَلَةٌ
بمعنى العلم، ونصبه على الظرفية للابتغاء، ووحِّد الضمير فيه لأن الموت
والقتل مآلهما شيء واحد، وهو الهلاك، أو أعيد إلى الأقرب، وأكثر الروايات بـ
(أو) فيوحَّد على القياس.
٣٠٩

((أو رجل في غُنَيْمَة)): تصغير غنم؛ أي: في قطيعة من الغنم، وظهور
التاء؛ لأنه مؤنث سماعي.
((في رأس شَعْفَةٍ)). بالشين المعجمة والعين المهملة المفتوحتين: رأس
الجبل.
((من هذه الشَّعَف، أو بَطْنِ وَادٍ من هذه الأودية)): والإشارة فيها إلى
الجنس، أو إلى ما كانوا يعرفونه منهما؛ أي: يفرُّ من الناس ويسكن رؤوس
الجبال، أو بطون الأودية طلباً للسلامة من الناس.
(يقيم الصَّلاة، ويؤتي الزَّكاة، ويعبد ربَّه حتى يأتيه اليقين))؛ أي:
الموت، سمي به لأنه لا شكّ في وقوعه.
((ليس من الناس إلا في خَيْرٍ)): حال من مفعول (يأتيه)؛ أي: يأتيه اليقين
سالماً من الناس ليس من أمورهم إلا في خير، وسالماً الناس منه.
٢٨٦٤ - وقال: ((مِن جَهَّزَ غازِياً في سَبيلِ الله فقد غَزَا، ومَن خَلَفَ غازياً
في أهلِهِ فقد غَزَا».
((عن زيد بن خالد الجهني قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم: مَنْ جهّز غازياً في سبيل الله))، تجهيزه: تهيئة جهاز سفره.
((فقد غَزَا))؛ أي: حصل له أجرُ الغزو.
((ومن خلف غازياً)؛ أي: صار خَلَفاً له، وقائماً بعده برعاية أموره ((في
أهله فقد غزا)) .
٣١٠

٢٨٦٥ - وقال: ((حُرمَةُ نساءِ المُجَاهدينَ على القَاعِدينَ كحُرمةٍ أُمَّهاتِهِم،
وما مِن رَجُلٍ مِن القاعِدين يَخْلُفُ رَجُلاً مِن المُجاهدينَ في أهلِهِ، فِيَخُونُهُ
فيهم، إلا وُقِفَ له يومَ القيامَةِ فِيَأْخُذُ مِن عَمَلِهِ ما شاءَ، فما ظَنُّكم؟)).
((وعن بريدة الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
حُرْمَةُ نساء المجاهدين على القاعدين كحُرمَةِ أمهاتهم)) عليهم، أراد بهذا
القول: المبالغة في اجتناب القاعدين عن مخالطتهم نساء المجاهدين.
((ما من رجل من القاعدين يَخْلُفُ رجلاً من المجاهدين))؛ أي: يصير
خلفاً له.
(في أهله فيخونه فيهم»؛ أي: الرجل الخَلَف الرجل المجاهد في أهله.
((إلا وُقِفَ له يوم القيامة فيأخذ من عمله ما شاء، فما ظنكم؟!))؛ أي:
بالله مع هذه الخيانة هل تشكُّون في هذه المجازاة، فـ (ما) للاستفهام، فإذا
علمتم صدق ما أقول فاحذروا من الخيانة في نسائهم.
وقيل: معناه: فما ظنكم بمن أحلَّه الله هذه المنزلة وخصّه بهذه الفضيلة،
وبما يكون وراء ذلك من الكرامة .
٢٨٦٦ - عن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ ﴾ قال: جاءَ رجلٌ بناقةٍ مَخْطومَةٍ
فقالَ: هذه في سَبيلِ الله، فقالَ رسولُ اللهِوَّهِ: ((لكَ بها يومَ القيامَةِ سَبْعُ مِئَّةٍ نَاقَةٍ
كلُّها مَخْطُومَةٌ)).
((عن أبي مسعود الأنصاري قال: جاء رجل بناقة مَخْطُومة))؛ أي: جعل
الخِطَام على أنفها، وهو الزِّمَام.
((فقال: هذه في سبيل الله فقال رسول الله مي: لك بها يوم القيامة سبع
٣١١

مئة ناقة كلها مَخْطُومة)).
*
٢٨٦٧ - وعن أبي سعيدٍ: أنَّ رسولَ اللهِوَّهِ بعثَ بَعْئاً إلى بني لِحْيَانَ مِن
هُذَيْلِ، فقالَ: ((لِيَنْبَعِثْ مِن كُلِّ رَجُلينِ أحدُهما والأجرُ بينَهما)).
((عن أبي سعيد: أن رسول الله بَعَثَ بَعْثاً)؛ أي: أرسل جيشاً.
(إلى بني لِحْيَان)) بكسر اللام: طائفة (من)) قبائل ((هذيل، فقال:
لِيَتْبَعِثْ))؛ أي: لينتهض إلى العدو.
((من كلِّ رجلين أحدهما، والأجر))؛ أي: ثواب الغزو ((بينهما))؛ أما
الغازي فظاهر، وأما القاعد فلأن الغازي يغزو بإعانته.
٢٨٦٨ - وقال: ((لنْ يَبْرَحَ هذا الدِّينُ قائماً يقاتِلُ عليهِ عِصابةٌ مِن
المسلمين حتى تقوم الساعةُ».
((وعن جابر بن سَمُرَة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله
صلی الله تعالی علیه وسلم: لن يَبْرَحَ)؛ أي: لن یزال.
((هذا الدِّين قائماً يُقاتِلُ عليه عِصَابة)) بكسر العين؛ أي: جماعة.
((من المسلمين حتى تقوم الساعة))؛ يعني: لا يخلو وجه الأرض من
الجهاد إن لم يكن في ناحية يكون في ناحية أخرى.
٢٨٦٩ - وقال: ((لا يُكْلَمُ أَحَدٌ في سبيلِ الله - والله أعلمُ بمَنْ يُكْلَمُ في سبيلِهِ -
إلا جاءَ يومَ القيامَةِ وجُرْحُهُ يَثْعَبُ دمَاً، اللونُ لونُ الدَّمِ، والريحُ ريحُ المِسْكِ)).
٣١٢

((وعن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله
تعالى عليه وسلم: لا يُكْلَمُ)) بصيغة المجهول؛ أي: لا يُجْرَح.
((أحد في سبيل الله، والله أعلم بمن يُكْلَم في سبيله)): جملة اعتراضية.
(إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثْعَبُ))؛ أي: يسيل.
((دماً): أضاف الفعل إلى الجرح؛ لأنه السبب في ذلك، جُعِلَ ذلك علامة
له يُعرَف بها يوم القيامة بلا ألم يلحقه من سيلانه.
((اللون لون الدم، والرِّيح ريح المسك)).
٢٨٧٠ - وقال: ((ما أحدٌ يدخلُ الجَنَّةَ يحبُّ أنْ يَرجعَ إلى الدُّنيا وله ما في
الأرض مِن شيءٍ إلا الشهيدُ، يتمنَّى أنْ يرجَعَ إلى الدُّنيا فِيُقْتَلَ عَشْرَ مرَّاتٍ لِمَا
یری من الكرامة».
((وعن أنس بن مالك - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله
صلى الله تعالى عليه وسلم: ما من أحدٍ يدخل الجنَّة يحبُّ أن يرجع إلى الدنيا
وله ما في الأرض من شيء))، جاز كونه عطفاً على قوله: (أن يرجع)؛ أي:
ما يحبُّ الرُّجوع ولا أن يكون شيء في الدنيا، وجاز كونه حالاً؛ أي: لا يحبُّ
الرُّجوع في حال كونه مالكاً لكثير من أمتعة الدنيا والبساتين والأملاك والأقارب.
((إلا الشَّهيد يتمنَّى أن يرجع إلى الدُّنيا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مرَّات لما يَرَى من
الكرامة)» .
٢٨٧١ - وسُئِلَ عبدُالله بن مسعودٍ عن هذه الآية: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى
٣١٣

سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَنَا بَلْ أَحْيَآءُ عِندَ رَئِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ قال: إنَّا قد سَأَلْنَا عن ذلكَ فقال:
((أرواحُهُم في جَوْفِ طيرٍ خُضْرٍ لها قناديلُ مُعَلَّقَةٌ بالعَرْشِ، تسرحُ من الجنَّةِ
حيثُ شاءَتْ، ثم تَأْوِي إلى تلكَ القناديلِ، فاطَّلَعَ عليهم ربّهم اطّلاعةً فقال:
هل تَشْتهونَ شيئاً؟ قالوا: أيَّ شيءٍ نَشْتَهِي ونحنُ نَسْرَعُ مِن الجنَّةِ حيثُ شِئْنَا!
فَفَعَلَ ذلكَ بهم ثلاثَ مرَّاتٍ، فلمَّا رَأَوْا أنَّهم لن يُتْرَكُوا مِن أَنْ يُسْأَلُوا، قالوا:
يا ربِّ نريدُ أنْ تَرُدَّ أرواحَنَا في أجسادِنا حتى نُقْتَلَ في سبيلِكَ مرَّةً أُخرى، فلمَّا
رَأَى أنْ ليسَ لهم حاجةٌ تُرِكُوا».
((وسئل عبدالله بن مسعود عن هذه الآية: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِ سَبِيلِ
اَللَّهِ أَمْوَمَا بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ فَرِحِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠] قال: إنا قد
سألنا عن ذلك رسول الله، فقال: إنَّ أرواحهم))؛ أي: أرواح الشهداء.
((فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ))، قيل: إن أرواحهم بعد مفارقتها أبدانها تُهيّأ لها
طيور خُضْر تنتقل إلى أجوافها خَلَفاً عن أبدانها، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿بَلّ
أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ فيتوصل بسببها إلى نَيَّلِ ما يشتهي من لذَّات الجنة، وإليه يرشد
قوله تعالى: ﴿يُرْزَقُونَ ) فَرِحِينَ يِمَآ ءَ اتَنهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠].
((لها قناديل معلّقةٌ بالعَرْشِ))؛ المراد منها: أوكارها الشريفة ومأواها.
((تَسْرَح))؛ أي: ترعى وتتناول.
((من الجنَّة حیث شاءَتْ، ثم تأوي))؛ أي: ترجع.
((إلى تلك القناديل، فاطَّلَعَ إليهم ربُّهم)): تعديته بـ (إلى) لتضمنه معنى
النظر .
((الطُّلاَعَةً))، وفي تنكيرها دلالة على خصوصيتها بما ذكر من الفضل
والتضعيف، وأنها ليست من جنس اطّلاعنا على الأشياء، رزقنا الله الشَّهادة،
وبلغنا هذه السّعادة .
٣١٤

((فقال: هل تَشْتَهُون شيئاً؟ قالوا: أيَّ شيءٍ نشتهي، ونحن نَسْرَح من
الجنَّة حيث شِئْنَا، ففعل ذلك)): وهو إشارة إلى قوله: (هل تشتهون).
((بهم ثلاث مرّات، فلما رأَوْا أنهم لن يُنْزَكوا مِنْ أن يُسْأَلُوا، قالوا: يا رب
نريد أن تَرُدَّ أرواحَنَا في أجْسَادنا حتى نُقْتَلَ في سبيلك مرَّة أخرى))؛ معناه:
لا يبقى لهم مُتَمَنَّى ولا مطلوب سوى إرادة الرجوع إلى الدنيا ليستشهدوا ثانية
وثالثة، يتمنون ذلك لما رَأَوا من الشَّرف والكرامة.
((فلمَّا رأى أن ليس لهم حاجة))؛ أي: حاجة معتبرة؛ لأنهم سألوا ما هو
خلاف عادة الله .
(«تُرِكُوا)): على بناء المجهول.
٢٨٧٢ - عن أبي قتادةَ ﴿ه قال: قالَ رجلٌ: يا رسولَ الله! أرأيتَ إنْ
قُتِلْتُ في سبيلِ الله يُكَفَّرُ عِنِّي خطايَايَ؟ فقالَ رسولُ الله ◌ِلهُ: ((نعمْ، إنْ قُتِلتَ
في سبيلِ الله وأنتَ صابرٌ مُحتَسِبٌ، مُقْبلٌ غيرُ مُذْبٍ»، ثم قال: ((كيفَ
قلتَ؟))، قال: أرأيتَ إنْ قُتِلتُ في سبيلِ الله أَيَكَفَّرُ عني خطايَايَ؟ فقالَ
رسولُ اللهِ وَهُ: ((نعم، وأنتَ صابرٌ مُخْتَسِبٌ مُقْبلٌ غيرُ مُدْبٍ، إلا الدَّيْنَ فإنَّ
جبريلَ قالَ لي ذلكَ)).
((عن أبي قَتَادة أنه قال: قال رجل: يا رسول الله! أرأيتَ))؛ أي: أخبرني.
((إن قُتِلْتُ في سبيل الله يُكَفَّرُ عِّي خَطايَايَ؟ فقال رسول الله وَّر: نعم،
إن قُتِلْتَ في سبيل الله وأنت صابرْ مُحْتَسِبٌ))؛ أي: طالب الثواب من الله
لا لأجل الریاء.
(مُقْبِلٌ غير مُذْبٍ))، قيل: هذا احترازٌ عمَّنْ يُقْبِلُ في وَقْتٍ ويُدْبرُ في
٣١٥

وقتٍ، ويجوز أن يكون (غير مدبر) تأكيداً.
(ثم قال: كيفَ قلْتَ؟ قال: أرأيتَ إن قُتِلْتُ في سبيل الله يُكَفَّرُ عنِّي
خطاياي، فقال: نعم، وأنْتَ صابرٌ محتسبٌ مُقْبلٌ غير مُدْبرٍ إلا الدَّيْن))؛
المراد به: ما يتعلق بذمَّته من حقوق الناس .
((فإن جبريل قال لي ذلك».
٢٨٧٣ - وقال: ((القتلُ في سبيلِ الله يُكَفِّر كلَّ شيءٍ إلا الدَّيْن)).
((وعنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: القتل في سبيل الله
يكفر))؛ أي: عن المقتول ((كل شيء إلا الدين)).
٢٨٧٤ - وقال: ((يَضْحَكُ الله إلى رجُلَيْنِ يَقتلُ أحدُهما الآخرَ يَدخُلاَنِ
الجنَّةَ، يُقاتِلُ هذا في سبيلِ الله فيُقْتَلُ ثم يتوبُ الله على القاتِلِ فَيُسْتَشْهَدُ)).
((عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله
تعالى عليه وسلم: يَضْحَكِّ الله إلى رجُلَيْنِ))، الضَّحك في حقِّه تعالى مجازٌ عن
الرضا؛ أي: يرضى عن رجلين.
(يقتلُ أحدُهما الآخر يَدْخُلان الجنَّة، يُقَاتِلُ هذا في سبيل الله فُيُقْتَل))
فرحمه الله؛ لأنه قُتِلَ شهيداً.
(ثم يتوب الله على القاتل)) الكافر؛ أي: يوفقه للإيمان فَآمَنَ .
((فيُسْتَشْهَد))؛ أي: يُقْتَلُ شهيداً فيرحمه بفضله أيضاً.
٣١٦

٢٨٧٥ - وقال: ((مَن سألَ الله الشهادةَ بصِدقٍ، بَلَّغَهُ الله منازِلَ الشهداءِ
وإنْ ماتَ على فراشِهِ)).
((عن سَهْل بن حُنَيِّف قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
مَنْ سأل الله الشَّهادةَ بصدق))؛ يعني: مَنْ طلب من الله أن يجعله شهيداً، ويتمنى
ذلك عن نيّة خالصة .
((بلَّغَهُ الله منازِلَ الشُّهداء))؛ أي: أعطاه أجر الشُّهداء بصدق نيته.
(وإنْ مات على فِرَاشِهِ))، قيل: قال عمر له: اللهم ارزقني الشَّهادة في
بلد رسولك.
٢٨٧٦ - عن أنسٍ : أنَّ الرُّبَيع بنتَ البَراءِ - وهي أمُّ حارِثَةَ بن سُراقَةَ -
أَتَتِ النَّبِيَّ ◌َّهِ فقالت: يا نبيَّ الله! أَلاَ تُحَدِّثُنِي عن حَارِثَةَ، وكانَ قُتِلَ يومَ بَدرٍ
أصابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ، فإنْ كانَ في الجَنَّةِ صَبَرْتُ، وإنْ كَانَ غيرَ ذلكَ اجتهدتُ علیهِ
في البكاءِ، قال: ((يا أُمَّ حارِثَةَ! إنها حِنانٌ في الجنةِ، وإنَّ ابنكَ أصابَ الفِردوسَ
الأعلى)).
((عن أنس: أن الرُّبَيع بنت البراء، وهي أمُّ حارثة بن سُرَاقَةَ أَتَتِ النبي ◌َّ
فقالت: يا نبي الله! ألا تحدِّثُني))؛ أي: ألا تخبرني.
((عن حَارِثَةَ)؛ أي: عن حاله.
((وكان قُتِلَ يومٍ بَدْرٍ)): هو موضع، وقيل: اسم ماء.
قال الشعبي: بئر كانت لرجل يدعى بدراً، ثم غلب على الموضع ومنه:
يوم البدر.
((أصابه سهمٌ غَرَبٌ)) بفتح الراء وسكونها، وبالإضافة وتركها، وهو السَّهم
٣١٧

الذي لا يُعرف رامیه، وقيل: بالسكون معناه: أُتِيَ مِنْ حیث لا يدري،
وبالتحريك معناه: رماه فأصاب غيره، وقيل بالوصف: إذا لم يعرف راميه،
وبالإضافة هو المتّخذ من شجر الغرب.
«فإن كان في الجنة صبرْتُ، وإن كان غير ذلك اجتهدْتُ علیه بالبكاء،
فقال: يا أم حَارِثَة إنها)): الضمير للقصة والحكاية، والجملة بعدها خبرها،
وهو: ((جنان في الجنة)): تنكيرها للتعظيم، والمراد بها: الدرجات فيها.
((وإنَّ ابنك أصاب الفردوس الأعلى)).
٢٨٧٧ - عن أنسٍ ﴿ه قال: انطلَقَ رسولُ اللهِوَّهِ وأصحابهُ، حتى سَبقُوا
المشركينِ إلى بدرٍ، وجاءَ المشركونَ فقالَ رسولُ اللهِهِ: ((قُومُوا إلى جنةٍ
عرضُها السماواتُ والأرضُ))، قالَ عُمَيْرُ بن الحُمَامِ: بَخْ بَخٍ، فقال رسولُ الله ◌ِصلّى :
((ما يَحْمِلُكَ على قولِكَ: بَخِ بَخٍ؟))، قال: لا والله يا رسولَ الله! إلاَّ رجاءَ أنْ
أكونَ من أهلِها، قال: ((فإنكَ مِن أَهلِهَا))، قال: فأخرجَ تمراتٍ فجَعَلَ يَأْكُلُ
مِنْهُنَّ ثم قال: لئنْ أَنَا حَييتُ حتى آكُلَ تَمَراتِي إِنَّا لِحَيَاةٌ طويلة، قال: فَرَمَى
بما كانَ معَهُ مِنَ الثَّمر ثم قاتَلَهم حتّى قُتِلَ».
((عن أنس أنه قال: انطلق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم))؛ أي:
خرج هو ((وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بَدْرٍ))؛ أي: نزلوا لبدر قبل نزول
الكفار.
((وجاء المشركون، فقال رسول الله وَله: قوموا إلى جنَّة عَرْضُها السَّموات
والأرض»؛ أي: إلى عمل هو سبب لدخولها.
((فقال عمير بن حُمام) بضم الحاء المهملة، هو حُمَام بن الجموح الأنصاري
٣١٨

أحد بني سلمة قيل: إنه أول من قُتِل من الأنصار في الإسلام قتله خالد بن الأعلم.
(بخ بخ)): كلمة تقال عند المدح والرضا بالشيء، وتكرر للمبالغة، وتبنى
على السُّكون وقد تنون تشبيهاً بـ (صه)(١)، وقيل: إذا أفردت وَقَفْتَ عليها، وإذا
كُرِّرَتْ [تنون الألى وتُسَكَّن الثانية] (٢).
(فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ما يحملك على قولك: بخ
بخ))، توهّم ◌َ ﴿ أن قوله ذلك صدر من غير نيَّة ورويَّة، بل شبيه قول المزاح،
فنفاه عمير عن نفسه بأن ((قال: لا والله))؛ أي: ليس الأمر على ما توقَّمْتَ.
(يا رسول الله! إلا رجاء)»: استثناء من مقدر؛ أي: لا لشيء إلا رجاء ((أن
أكون من أهلها قال: فإنك من أهلها، قال: فأخرج تمرات فجعل يأكل منهنَّ،
ثم قال: لئن أنا حبيت حتى آكل تمراتي إنها لحياة طويلة، قال))؛ أي: الراوي:
((فرمى بما كان معه من الثَّمر، ثم قاتلهم حتى قُتِلَ».
٢٨٧٨ - وعن أبي هريرةَ ﴿ُ قال: قال رسولُ اللهِ: ((ما تَعدُّونَ
الشهيدَ فيكم؟))، قالوا: يا رسولَ الله مَن قُتِلَ في سبيلِ الله، قال: ((إنَّ شُهداءَ
أُمَّتِي إذاً لَقَلِيلٌ! مَن قُتِل في سبيلِ الله فهوَ شهيدٌ، وَمَن ماتَ في سبيلِ الله فهوَ
شهيدٌ، ومَن ماتَ في الطاعُونِ فهوَ شهيدٌ، ومَن ماتَ في البَطْنِ فهوَ شهيدٌ)).
((عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ما
تعدُّون الشَّهيد فيكم)): (ما) استفهامية، والمراد هنا: السؤال عن الصِّفة والحال
التي ينال بها المؤمن رتبة الشهادة، وهي تسدُّ مَسَدَّ (من) ولهذا ((قالوا)): في
(١) في (غ)): تشبهاً بصنعه.
(٢) في ((غ)) و(ت)): ((نونها مكسورة)) ولعل الصواب ما أثبت.
٣١٩

الجواب: ((يا رسول الله! مَنْ قْتِلَ في سبيل الله، قال: إنَّ شهداء أمَّتي إذاً لقليل))
على تأويل جمع قليل.
((مَنْ قُتِلَ في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد،
ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البَطْنِ))؛ أي: مبطوناً و(في)
بمعنى باء السببية .
((فهو شهيد)»: معناه: أنهم يشاركون الشهداء في نوع من أنواع المثوبات
التي يستحقها الشُّهداء، لا المساواة في جميع أنواعها .
٢٨٧٩ - وقال: ((ما مِن غازِيَةٍ أو سَرِيَّةٍ تغزُو فتَغْنَمُ وتَسْلَمُ إلا كانُوا قد
تَعَجَّلُوا ثُلُثِي أجورِهم، وما مِن غازِيَةٍ أو سَرِيَّةٍ تُخْفِقُ وتُصابُ إلا تَمَّ أُجورُهم)).
((عن عبدالله بن عمرو - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله
صلى الله تعالى عليه وسلم: ما من غازية))؛ أي: جماعة، أو فِئَةٍ غازية،
والغزو: القصد لغةً، والخروج إلى محاربة الكفار شرعاً، وإلى محاربة العدو
عرفاً.
((أو سريّة))، وإنما ذكرهما تنبيهاً على أن إثبات الحكم في القليل والكثير
من الغزاة، ويحتمل أن يكون شگّاً من الراوي.
((تغزو في سبيل الله، فَتَغْنَمُ وتَسْلَمُ إلا كانوا قد تعجَّلُوا ثُلُثَي أجورهم)) في
الدنيا وهما السَّلامة والغنيمة، وبقي له ثلث أجره يناله في الآخرة بقصده محاربة
أعداء الله ونصر دينه، ومن سلم ولم يغنم استوفى ثلث أجوره وبقي له ثلثان،
ومن رجع مجروحاً يقسم على هذا التقسيم بحسب جراحته إن الله لا يضيع أجر
المحسنين .
٣٢٠