Indexed OCR Text
Pages 121-140
«أَطعنُه))؛ أي: أضربُه بالرمح. ((فقال: لا إله إلا الله، فطعنتُه فقتلتُه))، ظنَّ أسامةُ أن إسلامَه لا عن ضمير قلبه، وأن الإيمانَ في مثل هذه الحالة لا يَنفَع . ((فجئتُ إلى النبيِ وَ﴾ فأخبرتُه، فقال: أَقتلتَه وقد شهد أن لا إله إلا الله؟! قلت: يا رسولَ الله! إنما فعل ذلك تعوُّداً)؛ أي: ما أَسلمَ إلا مستعيذاً من القتل بكلمة التوحيد، وما كان مخلصاً في إسلامه . ((قال: فهلاَ شققتَ عن قلبه))، الفاء: جواب شرط مقدَّر؛ أي: إذا عرفتَ ذلك فلِمَ لا شققتَ عن قلبه؛ لتَعلَمَ ذلك وتطَّلعَ على ما في قلبه أتعوذاً قال ذلك أم إخلاصاً؟! وشقُّ القلب: مستعار هنا للفحص والبحث عن قلبه: أنه مؤمن أو کافر؟ حاصله: أن أسامةَ ادَّعى أمراً يجوز معه القتل، والنبي ◌َّ نفاه لانتفاء سببه؛ لأن الاطلاعَ عليه إنما يمكن للباحث عن القلوب، ولا سبيلَ إليه للبشر، وهذا يدل على أن الحكمَ بالظاهر، وأما السرائرُ فُتُوكَلُ الله تعالى. ٢٥٩٠ - ورواه جُنْدبُ البَجَلِيُّ: أنَّ رسولَ الله وَِّ قال: ((كيفَ تصنعُ بلا إلهَ إلا الله إذا جاءَتْ يومَ القيامةِ)) قالَهُ مِراراً. ((ورواه جُندب البَجَلي: أن رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال)) لأسامة: ((كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت))؛ أي: كلمةُ لا إله إلا الله، أو مَن يخاصم لها مِن الملائكة، أو صاحبُها الذي تلفّظ بها ((يومَ القيامة؟! قاله مراراً)). ١٢١ ٢٥٩١ - وقال رسولُ الله ◌َّهِ: ((مَن قتلَ مُعاهِداً لم يَرِحْ رائحةَ الجنةِ، وإنَّ ريحَها تُوجدُ مِن مَسيرةٍ أربعينَ خريفاً». ((وعن عبدالله بن عمرو ﴾ قال: قال رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مَن قَتَلَ مُعاهِداً) بكسر الهاء: مَن عاهَدَ مع الإمام على ترك الحرب، ذمِّيّاً كان أو غيره، ورُوي بفتح الهاء، وهو مَن عاهَدَه الإمامُ. (لم يَرحْ)): بفتح حرف المضارعة وضمها وفتح الراء وكسرها. (رائحة الجنة))؛ أي: لا يشمُّ ولا يجدُ رِيحَها. ((وإن ريحها)): الواو فيه للحال. ((يوجد من مسيرة أربعين خريفاً)؛ أي: عاماً، قيل: المستحقُّ للجنة يجد ريحَها في الموقف ويستريح منه، فهذا القاتل يُحرَم من تلك الرائحة بقتلهِ ذلك، وقيل: عدمُ وجدانِ الريحِ كنايةٌ عن عدم دخول الجنة، فيُؤوَّل بالمُستحِلِّ. ٢٥٩٢ - وقال رسولُ الله ◌َّلهُ: ((من تردَّی مِن جبلٍ فقتلَ نفسَه فهو في نارِ جهنمَ يَتَردَى فيها خالداً مُخلَّداً فِيها أبداً، ومَن تَحَسَّى سُمَّاً فقَتَلَ نفسَه فسُمُّه في يدِهِ يتحسَّاهُ في نارِ جهنمَ خالداً مخلَّداً فيها أبداً، ومَن قتلَ نفسَهُ بحديدَةٍ فحديدتُهُ في يدِهِ يَجَأ بها في بطئِهِ في نارٍ جهنمَ خالداً مخلَّداً فيها أبداً» . ((عن أبي هريرة ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مَن تردّى))؛ أي: أَلْقَى نفسَه ((من جبلٍ، فقَتلَ نفسَه، فهو في نار جهنم يتردَّی فيها خالداً مخلَّداً فيها أبداً»: الحديث محمول على المُستحِلِّ، أو على بيان أن فاعلَه مستحقٌّ بهذا العذاب، أو المراد بالخلود: طول المدة، وتوكيده بـ (المخلَّد) والتأبید یکون للتشديد. ١٢٢ ((ومَن تحسَّى))؛ أي: شربَ في مهلةٍ يتجرَّع. ((سمّاً، فقَتلَ نفسَه، فسقُّه في يده يتحسَّاه في نار جهنم خالداً مخلَّداً فيها أبداً، ومَن قتلَ نفسَه بحديدةٍ فحديدتُهُ في يده يَجَأُ بها)»؛ أي: يضربُ بها ((في بطنه في نار جهنم خالداً مخلَّداً فيها أبداً). ٢٥٩٣ - وقال: ((الذي يخنُق نفسَه يخنُقُها في النَّار، والذي يطعنُها يطعنُها في النار)). ((وقال: الذي يخنقُ نفسَه يخنقُها في النار، والذي يطعنُها)»؛ أي: يطعنُ نفسه . (يطعنُها في النار))، والمعنى: أن مَن فعلَ فعلاً يتوصَّل به إلى هلاك نفسه في الدنيا عُوقِبَ في العُقبی بمِثلِ فعلِه. ٢٥٩٤ - عن جُندبٍ بن عبدِ الله قال: قال رسولُ اللهِوَّهِ: ((كانَ فيمن كانَ قبلَكم رجلٌ به جُرْحٌ فجزِعَ، فأخذَ سِكِّيناً فَحَزَّ بها يدَهُ فما رَقَأَ الدَّمُ حتى ماتَ، قال الله تعالى: بادَرَني عبدِي بنفسِه فحرَّمتُ عليهِ الجنة)). ((عن جُندب بن عبد الله ﴿ قال: قال رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم: كان فيمَن كان قبلَكم رجلٌ به جرحٌ، فجزعَ)، الجزع: نقيض الصبر؛ أي: لم يصبر على ألم الجرح. ((فأخذ سكِّيناً فحزَّ بها))؛ أي: قطعَ بالسكين «يدَه))، و(السكين): يُذكر ويؤنث . ١٢٣ ((فما رَقَأ) بالهمزة؛ أي: ما انقطعَ («الدمُ حتى مات، قال الله تعالى: بادَرَني عبدي بنفسه، فحرَّمتُ عليه الجنةَ)): يُحمل الحديثُ على المُستحِلِّ، أو على أنه حرَّمها أولَ مرةٍ حتى يُذيقَه وبالَ أمره، ثم يرحمه بفضله. ٢٥٩٥ - عن جابرِ : أنَّ الطُّفيلَ بن عمرٍو الدَّوسيَّ لما هاجَرَ النبيُّ ◌َّ إلى المدينةِ، هاجرَ إليه وهاجرَ معَهُ رجلٌ مِن قومِهِ فمَرِضَ فجزِعَ، فأخَذَ مشاقِصَ له فقطَعَ بها بَرَاجِمَهُ فشخَبتْ يداهُ حتى ماتَ، فرآهُ الطُّفيلُ بن عمرٍو ﴾ في منامهِ وهيئتُه حَسَنةٌ، ورآهُ مُغطّياً يدَيْهِ، فقالَ له: ما صنعَ بكَ ربُّكَ؟ فقال: غفرَ لي بهجرَتي إلى نبيهِ ﴿ِ، فقالَ: ما لي أراكَ مُغَطّياً يديْكَ؟ قالَ، قيلَ لي: لن نُصلِحَ منكَ ما أَفْسَدْتَ، فقصَّها الطّفيلُ على رسولِ اللهِّهِ، فقالَ رسولُ الله ◌ِِّ: ((اللهمَّ وَلِيَدَيْهِ فاغفِرْ)). ((عن جابر - رضي الله تعالى عنه -: أن الطُّفيل بن عمروٍ الدَّوسي لمَّا هاجَرَ النبيُّ ◌َ﴿ إلى المدينة هاجَرَ إليه))؛ أي: الطفيلُ إلى النبيِّ ◌َه . ((وهاجَرَ معه رجلٌ من قومه، فمرضَ))؛ أي: الرجلُ الذي هاجَرَ معه. ((فجزع))؛ أي: اشتدَّ مرضُه. ((فأخذ مَشَاقِصَ له)) بفتح الميم: جمع المِشْقَص، وهو السكِّين، وقيل: نَصْلَ السهم إذا كان طويلاً عريضاً. ((فقَطْعَ بها بَرَاجِمه)) بفتح الباء: جمع بُرْجُمَة، مفاصل الأصابع المتصلة بالكَفِّ، وقيل: رؤوس السُّلاَميات، وهي المرتفعة عند قبض الكَفِّ. ((فِشَخَبتْ يداه))؛ أي: سالَ دمُّها ((حتى مات، فرآه الطُّفيل بن عمرو في منامه وهيئته))؛ أي: صورته وحاله ((حسنة، ورآه مغطياً يديه، فقال له: ما صنعَ ١٢٤ بك ربُّك؟ قال: غَفَرَ لي ربي بهجرتي إلى نبيه ◌ِّه، فقال: مالي أراك مغطياً يدَيك؟ قال: قيل لي: لن نُصلِحَ منك ما أفسدتَ، فقصَّها الطُّفيلُ على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال رسول الله وَّجه: اللهم ولِيَدَيهِ»: عطف من حيث المعنى على قوله: (قيل: لن نُصلِحَ منك ما أفسدتَ)؛ لأن التقديرَ: قيل لي: غُفرتْ سائرُ أعضائك إلا يدَيك، فقال ◌َّ: (اللهم ولِيَدَيه). ((فاغفرْ)): الفاء جواب شرط مقدَّر، تقديره: اللهم إذا غفرتَ لجنايةِ سائرٍ جوارحِه فاغفرْ لجنايةِ يدَيه أيضاً، وفيه: دليل على عدم خلود المؤمن الجاني على نفسه في النار. ٢٥٩٦ - عن أبي شُرَيْح الكَعْبيِّ، عن رسولِ الله وَّ: أنه قال: ((ثم أنتم يا خُزَاعَةُ قد قتلْتُم هذا القتيلَ مِن هُذَيْل وَأَنَا والله عاقِلُهُ، مَن قَتَلَ بعدَه قتيلاً فأهلُهُ بينَ خِيرَتَيْنِ إِن أَحَبُّوا قَتَلُوا، وإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا العَقْلَ». ((عن أبي شُريح الكَعبي رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله (صلى الله] تعالى عليه وسلم أنه قال: ثم أنتم يا خُزاعةُ)): لفظة (ثم) صدر هذا الحديث يؤذن بعدم إيراده بتمامه . ((قد قتلتُم هذا القتيلَ من هُذَيل، وأنا والله عاقِلُه))؛ أي: معطي دِيته؛ إرادةً لإطفاء نائرة الفتنة بين القبيلتين، والعَقل: الدِّيَة، سُميت بها؛ لأنها تَعقِل عن القتل؛ أي: تَمنَع . ((مَن قَتَلَ بعدَه قتيلاً فأهلُه))؛ أي: أهلُ المقتول. (بين خِيرَتَين)) بكسر الخاء المعجمة وفتح الياء: اسم بمعنى الاختيار. ((إن أحبُّوا قَتَلُوا وإن أحبُّوا أخذوا العقلَ)): وهذا يدل على أن الخيارَ لولي ١٢٥ القتيل، ولا يُعتبر رضا القتيل، وأن الدِّيَة مستحقةٌ لأهله كلُّهم، الرجال والنساء والزوجات، وأنه إن غابَ بعضٌ أو كان طفلاً لم يقتصَّ الباقون، حتى يبلغَ الطفلُ ويَقْدَمَ الغائبُ، وعليه الشافعي. ٢٥٩٧ - عن أنسٍ ﴾: أنَّ يهوديّاً رَضَّ رأسَ جاريةٍ بينَ حَجَريْنِ فقيلَ لها: مَنْ فعلَ بكِ هذا أَفُلانٌ؟ أَفُلانٌ؟ حتى سُمِّيَ اليهوديُّ فَأَوْمَأَتْ برأسِها، فجيءَ باليهوديِّ فاعتَرفَ، فأمرَ به النبيُّ ◌َهِ فَرُضَّ رأسُه بالحِجارةِ. ((عن أنس - رضي الله تعالى عنه -: أن يهوديّاً رضَّ))؛ أي: كسرَ ودقَّ. ((أسَ جاريةٍ))، وهي مِن النساء: مَن لم يَبلُغِ الحُلمَ. (بين حَجَرَين، فقيل لها: مَن فعل بك هذا؟ أفلان أم فلان؟ حتى سُمِّيَ اليهوديُّ، فأومتْ برأسها))؛ أي: أشارت به، أصله: أومأت - بالهمزة -، ثم لُينت بالفاء، ثم حُذفت للساكنين. ((فچِيَ باليهودي، فاعتَرفَ، فأمَر به رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم فَرُضّ رأسُه بالحجارة))، فيه: دليل على قتل الرجل بالمرأة وبالعكس، وعليه العامة، إلا الحسن وعطاء فإنهما قالا: لا يُقتَل الرجلُ بالمرأة، وعلى أن القتلَ بمثقلٍ يَقتُل غالباً يُوجِب القصاصَ، وعليه الأكثر خلافاً لأصحاب الرأي وعلى اعتبار جهة القتل فيقتص منه بمثل فعله. ٢٥٩٨ - عن أنس : أنَّه قال: كَسَرَتْ الرُّبَيعُ، وهي عمَّةُ أنسٍ بن مالكٍ، ثَنِيَّةَ جاريةٍ من الأنصارِ فَأَتَوا النبيَّ ◌َ﴿ِ فأمَرَ بالقِصاصِ، فقال أنسُ بن ١٢٦ النّضر، عمُّ أنس بن مالكٍ ﴿له: لا والله لا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُها يا رسولَ الله، فقالَ رسولُ الله ◌ِّهِ: ((يا أنسُ كتابُ الله القِصاصُ))، فرَضيَ القومُ وقَبلُوا الأَرْشَ، فقالَ رسولُ الله ◌َلِ: ((إنَّ مِن عبادِ الله مَنْ لو أَقَسَمَ على الله لأبَزَّهُ). ((عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: كَسَرَتِ الزُّبَيعُ، وهي عمَّة أنس بن مالك، ثَنِيَّ جاريةٍ من الأنصار))، فطلبوا منها العفوَ، فلم تَرْضَ. ((فأتوا النبيَّ صلى الله تعالى عليه وسلم، فأمر بالقصاص، فقال أنسُ بن النَّضْر عمّ أنسٍ بن مالك: لا، والله لا تُكسَر ثنيَّتُها يا رسولَ الله)): وهذا ردِّ لأمرِهِ وَله بالقصاص على سبيل التعجب، أو الكرامات؛ لكون الكاسرةِ أشرفَ، لا على سبيل الإنكار. ((فقال رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم: يا أنسُ! كتابُ الله القصاصُ)): وهو قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَّهِمْ فِيهَآ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَاَلْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِلْأُذُنِ وَالسِنَ بِالسِّنٍ﴾ [المائدة: ٤٥] الآية ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهٌِ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقيل: كتابُ الله فرضَه على لسان نبيه . ((فَرَضيّ القوم))؛ أي: قومُ التي كُسِرَ سِنُّها بعدم الكسر. ((وَقَبِلُوا الأَرْشَ، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن مِن عباد الله مَن لو أَقَسَمَ على الله لأَبرَّه))؛ أي: يجعله بارّاً صادقاً في يمينه لكرامته. ٢٥٩٩ - وعن أبي جُحَيْفَةَ قال: سألتُ علياً هل عِندَكم شيءٌ ليسَ في القرآنِ؟ فقال: والذي فلقَ الحبََّ وبَرَأَ النَّسَمَةَ ما عِندَنا إلا ما في القرآنِ، إلاَّ فَهْماً يُعطَى رجلٌ في كتابهِ، وما في الصَّحيفةِ! قلتُ: وما في الصَّحيفةِ؟ قال: ١٢٧ العقلُ، وفِكاكُ الأسيرِ، وأنْ لا يُقْتَلَ مُسلمٌ بكافٍ . ((عن أبي جُحَيفة ﴿ه أنه قال: سألتُ علياً: هل عندكم شيءٌ ليس في القرآن؟)): وإنما سألوه بذلك لزعمهم أنه وَّهُ خصَّ أهل بيته - سيَّما عليّاً عَظُه - بأسرار الوحي، أو لأنهم وجدوا عندَه ◌َ﴿ه علماً وتحقيقاً لم يجدوه عند غيره، فحَلَفَ عليٍّ - رضي الله تعالى عنه - إزاحةً لوهمٍ ما توقَّمُوه. ((فقال: والذي فَلَقَ الحَبَّةَ»؛ أي: شقَّها بإخراج النبات منها. ((وَبَرَأَ النَّسمةَ))؛ أي: خلقَها، والنسمة: النَّفْس، وكلُّ ذي روح فهي نسمة . ((ما عندنا)): جواب القَسَم . ((إلا ما في القرآن)): استثناء منقطع؛ أي: ليس عندنا شيءٌ غير القرآن. (إلا فهماً يُعطَى الرجلُ في كتابه)): استثناء من الاستثناء الأول، أراد به استدراكَ معنّى اشتبه عليهم معرفته؛ يعني: لكن الناسَ يتفاوتون في الفهم والإدراك واستنباط المعاني، والفهم: الفِطنة التي يقف بها المرءُ على ما في الكتاب. ((وما في الصحيفة)): عطف على (ما في القرآن)، قَرَنَهَ به احتياطاً في يمينه؛ لاحتمال انفراده بسماع ما فيها، وكانت تلك الصحيفةُ مكتوبةً من إملاء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في علاقة سيف عليٍّ رضي الله تعالى عنه. ((قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العَقلُ)): أراد به أسنانَ إبل الدِّيَة وعددَها وسائرَ أحكامها، وقيل: إيجاب الدِّيَة نفساً وطرفاً. (وفَكَاكُ الأسير)) بفتح الفاء: ما يُفْتكُّ به؛ يعني: من جملة ما فيها تخليصُه، وفيه: استحبابُ فَکاکِه. ١٢٨ ((وأن لا يُقَتلَ مسلمٌ بكافرٍ)): يدلُّ على أن المؤمَن لا يُقتصَّ بالكافر، حربيّاً كان أو ذمِّياً؛ لعموم النفي، وعليه الشافعي. مِنَ الحِسَان: ٢٦٠٠ - عن عبدِ الله بن عمرٍو﴾: أنَّ النبيَّ وَّه قال: ((لَزَوالُ الدُّنيا أهونُ على الله مِن قتلِ رجلٍ مسلمٍ))، ووقَفَه بعضُهم، وهو الأصُّ. ((من الحسان)) : ((عن عبدالله بن عمرو - رضي الله تعالى عنه -: أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: لَزوالُ الدنيا)): التي هي مَعبَرُ الإنسانِ إلى دار البقاء، ومحلُّ تحصيل الأنبياء والأولياء أنواعَ القربات، من عالِم الملكوت، ومما عند الله سبحانه مما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خَطَرَ على قلب بشر. ((أهونُ))؛ أي: أَسهلُ. ((على الله مِن قتلِ رجلٍ مسلمٍ))؛ أي: من إراقةٍ دمهٍ؛ إذ المسلمُ هو المقصود من إيجاد الدنيا وخلقها . ((ووقفَه بعضُهم))؛ أي: وقفَ بعضُ أصحابِ الحديثِ هذا الحديثَ على ابن عمرو؛ ((وهو الأصح)). ٢٦٠١ - وعن أبي سعيد الخُدريِّ﴿ه، وأبي هريرةَ﴾، عن رسولِ الله وَ﴾ قال: ((لو أنَّ أهلَ السماءِ والأرضِ اشتركُوا في دمٍ مؤمنٍ لأَكبَّهم الله في النارِ))، غريب. ١٢٩ ((وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لو أن أهلَ السماء والأرض اشتركوا))؛ أي: لو ثبت اشتراکُھم . ((في دمٍ مؤمنٍ لَكبَّهم الله))؛ أي: صرعَهم. ((في النار. غريب)). ٢٦٠٢ - وعن ابن عبّاسِ ﴾، عن النبيِّ ◌َ﴿ِ: أنَّه قال: ((يجيءُ المقتولُ بالقاتِلِ يومَ القيامةِ ناصيتُه ورأسُه بيدِه وأَوْداجُه تَشْخُبُ دماً يقولُ: يا ربِّ قتلَني حتى يدُنِيَه مِن العَرشِ». ((عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: يجيء المقتولُ بالقاتل يومَ القيامة، ناصيتُه ورأسُه بيده، وأوداجُه» جمع: وَدَج - بفتحتين -، وهو العِرق المحيطة بالعُنق، يقطعها الذابح. ((تَشْخُب))؛ أي: تَسيلُ ((دماً، يقول: يا ربّ! قتلَني، حتى يُدنيَه))؛ أي: يُقرِّب المقتولُ القاتلَ ((من العَرش)»: كأن هذا عبارةٌ عن استقصاء المقتول في طلب ثاره. ٢٦٠٣ - عن عثمانَ﴾: أنَّ رسولَ اللهِوَه قال: ((لا يحِلُّ قتلُ امرىءٍ مسلمٍ إلا بإحدى ثلاثٍ: كفرٌ بعد إيمان، أو زناً بعدَ إحصانٍ، أو قَتْلُ نفسٍ بغيرِ نَفْسٍ). (عن عثمان ﴿ه: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: لا يحلُّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: کفرٍ بعد إیمانٍ»، یرید به: الارتداد. ١٣٠ (أو زِناً بعد إحصانٍ)): تقدم معنى (الإحصان). ((أو قتلِ نفسٍ بغير نفسٍ)). ٢٦٠٤ - عن أبي الدَّرداءِ، عن رسولِ اللهِوَ﴿ قال: ((لا يزالُ المؤمنُ مُعْنِقاً صالحاً ما لم يُصِبْ دماً حراماً، فإذا أصابَ دماً حراماً بَلَّحَ)). ((عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: لا يزالُ المؤمنُ مُعنِقاً)؛ أي: منبسطاً في سيرِهِ يومَ القيامة، يقال: أَعنَقَ الرجلُ؛ أي: سارَ العَنَقَ، وهو ضربٌ من السير السريع، وقيل: معناه: مسارعاً إلى الخيرات موفّقاً لها . ((صالحاً ما لم يُصِبْ دماً حراماً، فإذا أصاب دماً حراماً بَلَّحَ))؛ أي: أَعيا وأعجزَ وانقطعَ وتحيَّر بشؤمِ ما ارتكب من الإثم. ٢٦٠٥ - وعنه، عن رسول الله وَل﴾ قال: ((كلُّ ذنبٍ عسى الله أنْ يغفِرَهُ إلا مَن ماتَ مُشركاً، أو من يَقتُلُ مؤمناً مُتعمِّداً). ((وعنه، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: كلُّ ذنبٍ))؛ أي: کُّ قارفٍ ذنبٍ. ((عسى الله أن يغفرَه إلا ذنب مَن ماتَ مُشرِكاً، أو)»: ذنب ((مَن يقتلُ مؤمناً متعمِّداً) إذا كان مُستحِلاً دمه. ١٣١ ـا قال: قال رسولُ اللهِ وَلِ: ((لا تُقامُ الحدودُ في ٢٦٠٦ - عن ابن عَّاسٍ المساجدِ، ولا يُقادُ بالولدِ الوالدُ». ((عن ابن عباس ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تُقام الحدودُ في المساجد)»؛ لأنها بنيت للصلاة وقراءة القرآن وغير ذلك من العبادات. ((ولا يُقاد بالولد الوالدُ))؛ أي: لا يُقتصُّ والدٌ بقتلهِ ولدَه، أو لا يُقتَلُ الوالدُ عوضَ ولِدِهِ الواجبُ عليه القصاصُ بقتلهِ أحداً ظلماً، وقد كان في الجاهلية يُقتَل أحدهما بالآخر، فنَھی ێے عنه . ٢٦٠٧ - عن أبي رِمْثَةَ﴾ قالَ: دخلتُ مع أبي على رسولِ اللهِصَ﴾، فرأَى أبي الذي بظَهرِ رسولِ اللهِ وَّهِ، فقالَ: دَعْني أُعالجُ الذي بظهركَ فإني طبيبٌ، فقالَ: ((أنتَ رفيقٌ، والله الطبيبُ))، فقالَ رسولُ اللهِ وَلِ: ((مَنْ هذا مَعَك؟)) قالَ: ابني فاشهدْ به، فقالَ: ((أَما إنه لا يَجني عليكَ ولا تَجْني عليهِ)). ((عن أبي رِمْثَةَ ﴾ أنه قال: دخلتُ مع أبي على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فرأى أبي الذي بظَهر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم))، يريد به: موضع خاتم النبوة، وكان ذلك ناتئاً عن ظَهره، فظنُّ أبوه أنه سِلْعةٌ(١) تولَّدت من الفضلات. «فقال: دَعْني))؛ أي: اتركني. ((أعالِجُ الذي بظَهرك))؛ أي: أُداويه. (١) السِّلْعَة: خراج في العنق، أو غُدَّة فيها، أو زيادة في البدن كالغُدَّة. ((القاموس)) (س لع). ١٣٢ ((فإني طبيبٌ))، أخرجه وَّر عن زعمه إلى غيره راداً عليه، ((فقال: أنتَ رفيقٌ)) من: الرِّفق؛ أي: لين الجانب، وقيل: الرِّفق: لطافة القول أو الفعل؛ أي: أنت ترفقُ بالناس في العلاج بلطافة الفعل وحفظ المزاج من الأغذية الرديَّة . (والله الطبيبُ))؛ أي: المداوي الحقيقي الشافي عن الداء، العالِم بحقيقة الدواء، القادر على الصحة والبقاء؛ يعني: ليس هذا مما يُعالَج، بل يفتقر كلامُك إلى العلاج، حيث سَمَّيتَ نفسَك بالطبيب، والله هو الطبيب. قيل: كان مكتوباً على خاتم النبوة: توجَّه حيث شئتَ؛ فإنك منصورٌ. ((وقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مَن هذا معك؟ قال: ابني، فاشهَدْ به)): بصيغة الأمر؛ أي: فاشهَدْ بأنه ابني، مريداً بهذا إلزامَ ابنهِ ضمانَ الجنايات عنه، على رسم الجاهلية . (فقال: أَمَا إنه لا يجني عليك))؛ أي: لا يجني جنايّة يكون القصاصُ أو الضمانُ فيها عليك. «ولا تجني علیه)). * ٢٦٠٨ - عن عمرو بن شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: عن سُراقةً بن مالكٍ ﴿ّ قالَ: ((حضرتُ رَسُولَ الله وَ﴿ يُقِيْدُ الأبَ من ابنهِ، ولا يُقيدُ الابن من أبیهِ))، ضعيف. ((عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن سراقة بن مالك ، قال : حضرتُ رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم يُقِيدُ الأبَ من ابنه، ولا يُقِيدُ الابن من أبيه))؛ أي: كان يَقتُلُ الأَبَ إذا قَتَلَ ابنه، ولا يَقتُلُ الابن إذا قَتلَ أباه. ١٣٣ ((ضعيف))؛ أي: هذا الحديث ضعيف، لا يقاوم ما مرَّ من حديث ابن عباس: ((ولا يُقاد بالولد الوالدٌ)»، وقيل: كان هذا في صدر الإسلام، ثم نُسخ. ٢٦٠٩ - عن الحسن، عن سَمُرَة قال: قال رسولُ اللهِوَّهِ: ((مَن قتلَ عبدَهُ قتلْناهُ، ومَن جَدَعَ عبدَهُ جَدَعْناهُ، ومَن أَخْصَى عبدَه أَخصيْناهُ)) . ((عن الحسن، عن سَمُرة ﴾ قال: قال - عليه الصلاة والسلام -: مَن قَتلَ عبدَه قتلناه، ومَن جَدعَ عبدَه))؛ أي: قطعَ أطرافَه ((جَدَعْنَاه، ومَن أَخْصَى عبدَه))؛ أي: سلَّ خصيتَه ((أَخْصَيْنَاه))، قيل: هذا على سبيل الزجر؛ ليرتدعوا ولا يُقدموا على ذلك، كما قال في شارب الخمر: ((إذا شربَ فاجلدوه))، ثم قال في الرابعة أو الخامسة: ((فإن عاد فاقتلوه))، ولم يَقتلْه حين جِيءَ به وقد شربَ رابعاً أو خامساً، وتأوَّله بعضُهم على العبدِ المُعتَق؛ لأنه يُسمَّى عبده عُرفاً باعتبار ما كان، وقيل: منسوخ . ٢٦٠٩ / م - عن عمرٍو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ رسولَ اللهِ وَه قال: ((مَن قَتَلَ متعمِّداً دُفِعَ إلى أولياءِ المقتولِ فإنْ شاءوا قَتَلُوا، وإنْ شاؤوا أخذُوا الدِّيَةَ وهي: ثلاثونَ حِقَّةً، وثلاثونَ جَذَعَةً، وأربعونَ خَلِفَةً، وما صالَحوا علیهِ فھو لهم)) . ((عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه ﴾: أن رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: مَن قَتَلَ)) - ببناء الفاعل - ((متعمِّداً دُفِعَ) - ببناء المفعول؛ أي: القاتلُ - ((إلى أولياء المقتول؛ فإن شاؤوا قَتلوا، وإن شاؤوا أخذوا الدِّيَّةَ، ١٣٤ وهي ثلاثون حِقَّةً وثلاثون جَذَعةً وأربعون خَلِفَةً) بفتح الخاء وكسر اللام: الحامل من النُّوق. ((وما صالحوا عليه فهو لهم)). ٠ ٢٦١٠ - عن عليٍّ﴾، عن النبيِّلَ﴾ قال: ((المسلمونَ تَتكافَأُ دماؤهم، ويَسعَى بذِمَّتِهِم أَدناهم، ويَرُدُّ عليهم أَقْصاهم، وهُم يَدٌ على مَنْ سِواهم، ألا لا يُقْتَلُ مُسلمٌ بكافٍ، ولا ذُو عهدٍ في عهدِه)). ((عن عليٍّ رضي الله تعالى عنه، عن النبي ◌َّفي أنه قال: المسلمون تتكافأً دماؤُهم))؛ أي: تتساوى في القصاص والديات، لا فضلَ فيها لشريف وكبير وعالِم على رجلٍ وضيعٍ وصغيرٍ وجاهلٍ وامرأة، خلافَ ما كان يفعله أهلُ الجاهلية؛ إذ كانوا يقتلون عدةً من قبيلة القاتل الوضيع، قيل: هذا من جملة ما في الصحيفة . ((ويسعى بذَّمتهم)؛ أي: يُعطي أمانَهم. ((أدناهم)) في المنزلة، وفيه حُجَّة للشافعي في جواز أمان العبد. ((ويَرُدُّ عليهم أقصاهم))؛ أي: ما أَخذَ أبعدُهم يُرَدُّ على أقربهم، وهذا إذا خرجت جيوش المسلمين إلى الغزو، ثم انفصل منهم سرية عند قربهم بلادَ العدوِّ، فغنموا، يردُون ما غنموا على الجيش الذين هم رِدْءٌ لهم، ولا ينفردون به، بل یکونون جمیعاً شرکاء فیه. (وهم يدٌ))؛ أي: المسلمون، نصرةً ومعونةً، يعاون بعضهم بعضاً، كأنهم يدٌ واحدةٌ في التعاون والتناصر. ١٣٥ ((على مَن سواهم)) مِن الكفار. ((ألا لا يُقتَل مسلمٌ بكافرٍ»: ذهب الشافعي بهذا على أن المسلمَ لا يُقَتل بكافرِ ذي عهد مؤَّدٍ، أو مستأمنٍ ذي عهدٍ مؤقّتٍ. وقال أبو حنيفة - رحمة الله عليه -: يُقتَل المسلم بالذمي، وتأويل الحديث: لا يُقتَل مسلمٌ بكافرِ حربيٍّ؛ لأنه المرادُ، بدليل عطف ما بعده عليه . ((ولا ذو عهدٍ في عهده)): في موضع النصب على الحال، أراد: أن ذا العهدِ لا يجوزُ قتلُه ابتداءً ما دام في العهد. ٢٦١١ - عن أبي شُرَيحِ الخُزاعيِّ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ لْ يقولُ: ((مَن أُصيبَ بدمٍ أو خَبْلٍ - والخَبْلُ: الجُرْحُ - فهو بالخيارِ بينَ إحدَى ثلاثٍ، فإِنْ أرادَ الرّابعةَ فَخُذُوا على يَدَيْهِ، بينَ أنْ يَقْتَصَّ، أو يَعفُوَ، أو يأخذَ العَقْلَ، فإنْ أخذَ مِن ذلكَ شيئاً ثم عَدا بعدَ ذلكَ، فلهُ النارُ خالِداً فيها مخلَّداً أبداً) . ((عن أبي شُريح الخُزاعي - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: مُن أُصيبَ بدمٍ أو خَبْلٍ)) بالسكون: فساد الأعضاء. ((والخَبْلُ الجرح))؛ أي: أُصيب بقتلِ نفسٍ أو قطعٍ عضوٍ. ((فهو بالخيار بين إحدى ثلاث، فإن أراد))؛ أي وبعدَ هذا فإن أراد ((الرابعةَ))؛ أي: الزائدةَ على الثلاث ((فخذوا على يدَيه))؛ أي: امنعوه عن ذلك. ((بين أن يَقتصَّ)): بدل من قوله: (بین إحدى ثلاث). ١٣٦ ((أو يَعفوَ، أو يأخذَ العقلَ))؛ أي: الدِّيَّةَ. (فإن أخذَ من ذلك))؛ أي: من الخصال الثلاث ((شيئاً، ثم عدا بعد ذلك))؛ أي: تجاوَزَ بعد الخصال الثلاث بطلبٍ شيءٍ آخرَ، كأن عَفَا، ثم طلبَ العقلَ بعد ذلك، أو طلبَ واحداً من العقل أو القصاص ((فله النارُ خالداً مخلَّداً فيها أبداً). ٢٦١٢ - عن طاوسٍ، عن ابن عبّاسٍ، عن رسولِ اللهِوَّامِ قال: ((من قُتِلَ في عِمِّيَّةٍ، في رمي يكونُ بينَهم بالحجارةِ أو جَلْدٍ بالسِّيَاطِ أو ضَرْبٍ بعصاً، فهو خطأٌ، وعَقْلُه عَقْلُ الخَطَإِ، ومَن قَتَلَ عمداً فهو قَوَدٌ، ومَن حالَ دونَ فعليهِ لعنةُ الله وغَضَبُه، لا يُقبَلُ منه صَرْفٌ ولا عَدْلٌ)). ((عن طاوس، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: مَن قُتِلَ في عِمِّيَّةٍ) بكسر العين والميم المشددة، ويروى بضم العين أيضاً: هي الضلالة، وقيل: الفتنة، وقيل: الأمر المُلتبس الذي لا يُعرَف وجهُه. ((في رميٍ)): بدل من قوله: (في عِمِّية). (يكون بينهم بالحجارة))؛ يعني: تَرَامَى القومُ، فيُوجَد بينهم قتيلٌ يَعمَى أمرُه ولا يُدرَی قاتلُه. ((أو جَلْدٍ بالسِّيَاطِ)) جمع: السَّوط. ((أو ضربٍ بعصاً؛ فهو خطأ، وعَقلُه عَقلُ الخطأ، ومَن قتل عمداً فهو قَوَدٌ)؛ أي: بصددِ أن يُقاد منه، ومستوجبٌ له، مصدر بمعنى المفعول، أطلقه باعتبار ما يَؤُول إليه، وهذا على تقدير كونِ (قَتَلَ) على بناء الفاعل، وإن كان ١٣٧ على بناء المفعول فتفسيره: أن يُقاد له. ((مَن حَالَ))؛ أي: مَنعَ. ((دونَ))؛ أي: دونَ القصاص، أو دون القاتل؛ يعني: منعَ المستحقَّ من الاستيقاد، أو أَخفَى المُستحَقَّ عليه. ((فعليه لعنةُ الله وغضبُه، لا يُقبَل منه صَرْفٌ))؛ أي: نافلةٌ ((ولا عَدْلٌ))؛ أي: فريضةٌ. ٢٦١٣ - وعن جابرٍ﴾ قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لا أُعْفي مَن قتلَ بعدَ أخْذِ الدِّيةِ)). ((عن جابر به قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا أُعفي)) بصيغة المضارع المتكلم المعلوم ((مَن قَتَلَ بعدَ أخذِ الدِّيَةِ»؛ أي: لا أَدَعُ القاتلَ بعد أخذِ الديةِ، فيُعفَى عنه، أو يُرضَى منه بالدية، والمراد منه: التغليظ عليه بمباشرة الأمر الفظيع. وفي بعض النسخ: ((لا يُعفَى)) على بناء المجهول؛ أي: لا يُترَك، لفظه خبر ومعناه نهي، وهو حسنٌ إن صحَّ روايةً، وفي بعضها: ((لا أُعِفِيَ)) بصيغة الماضي المجهول، وهو دعاء علیه. ٢٦١٤ - عن أبي الدَّرداءِ رَض ◌ُه قال: سَمِعْتُ رسولَ الله،وَّمِ يقولُ: ((ما مِن رجلٍ يُصابُ بشيءٍ في جسدِهِ فَتَصَدَّقَ به إلاَّ رَفَعَه الله بهِ درجةً، وحَطَّ عنهُ بهِ خطيئةً)) . ١٣٨ ((عن أبي الدرداء - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: ما مِن رجلٍ يُصابُ بشيءٍ في جسدِه، فيتصدَّق به))؛ أي: يعفو عن الجاني، ولا يقتصُّ منه. ((إلا رفعَه الله به))؛ أي: بذلك العفوِ ((درجةً وحطَّ))؛ أي: أَسقطَ ((عنه)) بذلك «خطيئةً))؛ أي: ذَنْباً من ذنوبه. * ٢- بل الدِّيَاتِ (باب الدیات) جمع: دِيَة، وهي مصدر، كأنها اسم للمال. مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٦١٥ - عن ابن عبّاسِ ﴾، عن النبيِّ وَّرِ أنه قال: ((هذهِ وهذهِ سَواءٌ)»، يعني الخِنْصَرَ والإِبهامَ. (من الصحاح)): ((عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: هذه وهذه سواءٌ))؛ أي: في الدِّيَّة . (يعني: الخِنْصِر والإبهام))، وإن كان الإبهامُ أقلَّ مِفصلاً من الخِنْصِر. ٢٦١٦ - عن أبي هريرةَ﴾ قال: قَضَى رسولُ اللهِ وَّهِ فِي جَنِينِ امرأةٍ من بني لِحْيَانَ بِغُرَّةٍ: عبدٍ أو أَمَةٍ، ثم إنَّ المرأةَ التي قَضَى عليها بالغُرَّةِ تُوفِّيَت، ١٣٩ فقَضَى بأنَّ ميراثِها لِبنيها وزوجِها، والعَقْلُ على عَصَبَتِها. ((عن أبي هريرة ﴾ أنه قال: قَضَى رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم في جنين امرأةٍ من بني لحيان)»: بكسر اللام وفتحها. (بِغُرَّةٍ عبدٍ)) بالتنوين: عطف بيان لـ (غُرَّة) أو بدل، وإذا رُفع فهو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هي عبدٌ أو أَمَةٌ، والغُرَّة: العبدُ نفسُه. ((أو أَمَة))، وأصلها: البياض الكائن في وجه الفَرَس. وقال أبو عمر: والغُرَّة: عبد أبيض، أو أَمَة بيضاء، ويُسمى العبدُ الأبيضُ: غُرَّةً؛ لبياضه، فلا يُقبَل الأسود، وعند الفقهاء: الغُرَّة مِن العبد: الذي يكون ثمنُه نصفَ عُشر الدِّيَة. ((ثم إن المرأةَ التي قَضَى عليها))؛ أي: على عاقلتها ((بالغُرَّة))؛ أي: بسبب جنايتها على الجنين (تُوفِّيتْ)): جعلَ المقضيَّ عليه فعلها - وهو العاقلة - كالمقضي عليها، وإلا فالغُرَّة على عاقلتها بكل حال، والمعنى: أن المرأةَ الجانيةَ على الجنين ماتتْ. ((فقضى بأن ميراثَها لبنيها وزوجِها، والعقلَ على عَصَبَتِها)). ٢٦١٧ - وعن أبي هريرةَ ﴾ قال: اقتتلَت امرأتانِ من هُذَيلٍ فرمَتْ إحداهما الأُخرى بحَجَرٍ فقتلَتْها وما في بطنِها، فقضَى رسولُ اللهِ﴿ أَنَّ دِيَّةَ جنينِها غُرَّةٌ: عبدٌ أو وَلِيدَةٌ، وقضَى بديَةِ المرأةِ على عاقِلَتِها، وَوَرَّثَها وَلَدَها ومَن معهم. ((عن أبي هريرة ﴾ أنه قال: اقتتلت امرأتانٍ من هُذَيل)): وكانتا ضَرَّتَين. ١٤٠