Indexed OCR Text

Pages 441-460

الله عثرتَه))؛ أي: غَفَر خطيئتَه ((يوم القيامة))، وهو إشارة إلى ندبية الإقالة إن
رَضيَ البائع.
٦ - باب
السَّلَمِ والرَّهنِ
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢١١٦ - عن ابن عبّاسِ عٌ﴾ قال: قَدِمَ رسولُ اللهِوَّهِ المدينةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ
في الثِّمارِ السَّنةَ والسَّنَتَيْنِ والثلاثَ، فقالَ: ((مَنْ أَسْلَفَ في شيءٍ فليُسْلِفْ في
كَيْلٍ معلُومٍ وَوَزْنٍ معلُومٍ إِلى أَجَلٍ معُلُومٍ».
(باب السلم والرهن)
((من الصحاح)):
((عن ابن عباس ﴾ أنه قال: قدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم
المدينة وهم يُسْلِفون في الثمار)) والإسلاف: إعطاء الثمن في مَبيع إلى مدة؛
يعني: يعطون الثمن في الحال ويشترون الثِّمار.
((السَّنة)): منصوب بنزع الخافض؛ أي: إلى السنة، أو على المصدر؛
أي: إسلاف السنة.
((والسنتين والثلاث، فقال: مَنْ أسلف في شيء فليُسْلف في كيل معلوم،
ووزن معلوم إلى أجل معلوم)): الحديث يدلُّ على وجوب الكيل والوزن،
وتعيين الأجل في المكيل والموزون، وأنَّ جهالةَ أحدِها مُفْسِدٌ للبيع.
٤٤١

٢١١٧ - وقالت عائشةُ رضي الله عنها: إنَّ النَّبيَّلَ﴿ اشترى طَعَاماً مِنْ
يَهوديٍّ إلی أَجَلٍ ورَهَنَهُ دِرْعاً مِنْ حَدیدٍ.
((قالت عائشة رضي الله عنها: إن النبيَّ ◌َ﴿ اشترى طعاماً من يهودي إلى
أجلٍ ورَهَنه دِرْعاً من حديد)) وهذا يدلُّ على جواز الشراء بالنسيئة، وعلى جواز
الرَّهن بالديوان، وعلى جواز المعاملة مع أهل الذِّمة وإنْ لم تَخْلُ أموالُهم عن
الربا وثمن الخمر.
وعلى أنَّ غلبةَ ظنِّ الشيء ليس كنفسه، فإنَّ الغالبَ على أموالهم الحرمة،
ومع هذا فقد عامَلَه عليه الصلاة والسلام، وعلى جواز رهنِ المَنْقُول.
٢١١٨ - وقالت: تُوفِّي رسُولُ اللهِوَهُ ودِرِعُهُ مَرهونةٌ عِنْدَ يهوديٍّ بثلاثينَ
صاعاً من شعيرٍ .
((وقالت: توفِّي رسولُ اللهِ وَّهُ ودِرْعه مرهونةٌ عند يهوديٍّ بثلاثينَ صاعاً
مِنْ شعیر)).
٢١١٩ - وعن أبي هريرةَّه قال: قالَ رسولُ اللهِوَّهِ: ((الظَّهْرُ يُرْكَبُ
بنفَقتِهِ إذا كانَ مَرْهُوناً، ولبن الدَّرِّ يُشْرَبُ بنفَقتِهِ إذا كانَ مَرْهُوناً، وعَلَى الذي
يَرْكَبُ ويَشربُ النفقَةُ».
((وعن أبي هريرة ﴿ه: قال رَّهِ: الظَّهْرُ))؛ أي: ظَهر الدابةِ ((يُركب بنفقته
إذا كان مرهوناً))؛ يعني: جاز للراهن أنْ يركبها ويحمل عليها حمله بسبب أنَّ
علفها عليه، وعليه الأكثر وبه قال أبو حنيفة والشافعي؛ لأنَّ الأصل مِلْكُه بدليل
أنَّه لو مات العبدُ المرهون كفَّنه المالكُ، فكذا في فروعه.
٤٤٢

((ولبن الدَّر))؛ أي: ذات الدَّر؛ أي: اللبن، فله دَرُّه؛ أي: عمله ((يشرب
بنفقته))؛ أي: يشرب لبن ذات الدر مَنْ يُنفق عليها؛ أي: يعلفها.
((إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يَركب ويشرب النفقة))، وهذا يدلُّ على أن
دوام قبض المرهون ليس بشرط في الرهن؛ لأنه لا يركبها المالك إلا وهي
خارجةٌ عن قبض المرتهن .
مِنَ الحِسَان :
٢١٢٠ - عن أبي هريرةَ﴾: أنَّ رسولَ اللهِوَ له قال: ((لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ
صاحبهِ الذي رهنَهُ، لهُ غُنْمُهُ، وعليهِ غُرْمُه)).
((من الحسان)):
((عن أبي هريرة ◌َ﴿ه: أنَّ رسولَ اللهِوَّهِ قال: لا يَغْلَقُ الرهن الرهن)) يقال:
غَلِقَ الرهن - بالكسر - غَلْقاً: إذا بقي في يد المرتهن لا يقدر على تخليصه، والرهن
الأول المصدر، والرهن الثاني بمعنى المرهون؛ يعني: لا يمنع الرهن المرهون.
((من صاحبه الذي رهنه)) بحيث تزول عنه منفعتُه وتسقط عنه نفقتُه، بل
يكون المرهون كالباقي في ملك الراهن.
((له غنمه))؛ أي: منفعته وفوائده، ((وعليه عزمه))؛ أي: نفقته وضمانه،
حتى لو تَلِفَ في يد المرتهن كان من ضمان الراهن، ويرجع ربُّ المال بحقه
عليه، وبه قال الشافعي.
٢١٢١ - وعن ابن عمرَ ﴾ أنَّ النَّبِيَّ وَهِ قال: ((المِكْيالُ مكْيالُ أهلِ
٤٤٣

المدينَةِ، والميزانُ میزانُ أهلِ مَكَّةَ».
((عن ابن عمر ه: أن النبيَّ عليه الصلاة والسلام قال: المكيال))؛ أي:
المكيال المعتبر («مكيال أهل المدينة»؛ لأنهم أصحاب ذِراعات ونخيل، فهم
أعلم بحال المكاكيل ((والميزان))؛ أي: الميزان المعتبر ((ميزان أهل مكة))؛ لأنهم
أصحاب تجارات فهم أعلم بالموازين.
والحديث فيما يتعلق بالوزن والكيل من حقوق الله كالزكاة والكفارة
ونحوها حتى لا يجب في الدراهم حتى يبلغ مئتين بوزن مكة، والصاع في صدقة
الفطر والزكاة صاع أهل المدينة، كلُّ صاع خمسةُ أرطال وثلثُ رطلٍ .
٢١٢٢ - عن ابن عبّاسَ﴾ قال: قال رسولُ اللهِ وَِّ لأَصحابِ الکیلِ
والميزانِ: ((إنكم قد وُلِيتم أمرَين هَلَكَ فيهما الأممُ السَّالِفةُ قبلَكُمْ)).
((عن ابن عباس ﴾ أنه قال: قال رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم
لأصحاب الكيل والميزان: إنكم قد وَلِيتم أمرين))؛ أي: جعلتم حكاماً في
أمرين هما الكيل والميزان، فاعدِلوا فيهما، فلكم الأجرُ، وإلا فالهلاك.
((هلك فيهما الأمم السَّالفة قبلَكم)) كقوم شعيب كانوا يأخذون مالَهم على
الناس تاماً، وإذا أعطوا ما عليهم أعطَوه ناقصاً.
٧- بل
الاحتكار
(باب الاحتكار)) وهو جمع الطعام وحبسه ليبيعه عند الغلاء.
٤٤٤

مِنَ الصِّحَاحِ:
٢١٢٣ - قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((مَنِ احتكَرَ فهوَ خاطِىءٌ).
((من الصحاح)):
((عن معمر)) بفتح الميمين: ((أنه قال: قال رسول الله وَله: من احتكر فهو
خاطئ))؛ أي: آثم، وبهذا قال مالك: يحرم الاحتكار في المطعوم وغيره،
وعندنا والشافعي: يحرم في الأقوات خاصة؛ لما روي أنَّ الراوي كان يحتكر
الزيت، ويَحْمِلُ الحديثَ على احتكار القوت، والصحابيُّ أعرفُ بمراد النبيِّ
عليه الصلاة والسلام.
٢١٢٤ - وقال عمرُ ﴿ه: كانتْ أموالُ بني النَّضيرِ ممَّا أفاءَ الله عَلَى
رسُولِهِ لرسولِ اللهِوَ﴿ خاصَّةً، يُنفِقُ عَلَى أهلِهِ منها نَفَقةَ سنةٍ، ثُمَّ يَجْعَلُ ما بقيَ
في السّلاحِ والكُراعِ عُدَّةً في سَبيلِ الله.
((وقال عمر ه: كانت أموال بني النضير)) هم قوم من يهود المدينة
صالَحُوا رسولَ الله بعد قدومه على المدينة أن لا يكونوا له ولا عليه، فلما وقعت
وقعةُ أُحدِ نَكَثُوا العهدَ، وسار زعيمُهم الخبيثُ كعبُ بن الأشرفِ في جَمْعٍ منهم
إلى مكة فحالفوهم على النبي عليه الصلاة والسلام، فبعث النبيُّ عليه الصلاة
والسلام محمد بن سلمةَ الأنصاريَّ في نفر من الأنصار إليه ليقتله، فقتله ليلاً
وصَبَّحهم بالكتائب، وحاصروهم حتى قذف الله الرعبَ في قلوبهم، فطلبوا
الصلحَ، فأبى عليه الصلاة والسلام إلا الجلاءَ وأُجْلُوا - أي: ارتحلوا - إلى أَرِيحا
وأَذْرِعَات من الشام، وإلى خَيبر، فكانت أموالهم ((مما أفاء الله))؛ أي: أعطى
((على رسوله لرسوله عليه الصلاة والسلام خاصةً ينفق على أهله منها نفقةً سنةٍ،
٤٤٥

ثم جعل ما بقي))؛ أي: فَضَل عن نفقة عياله ((في السلاح والكراع)) وهو اسم
لجمع الخيل ((عُدَّة في سبيل الله))، والعدَّة: ما يُهيّأ من السلاح وغيره للغزو
والسفر.
وتعلُّقُ هذا الحديث بالباب من حيث إن فيه بيان أنَّ حبس الطعام لنفقة
العيال ليس باحتكارٍ؛ لفعله عليه الصلاة والسلام.
مِنَ الحِسَان:
٢١٢٥ - عن عمرَ ظُه، عن النبيِّ وَِّ قال: ((الجالِبُ مَرْزُوقٌ، والمُحْتَكِرُ
مَلْعُونٌ)).
((من الحسان)):
((عن عمر : أن النبيَّ عليه الصلاة والسلام قال: الجالب))؛ يعني:
التاجر الذي يبيع ويشتري ((مرزوق))؛ أي: يحصل له الربحُ من غير إثم.
((والمحتكر ملعون))؛ أي: آثم بعيد عن الخير ما دام في ذلك الفعل، ولا
يحصل له البركة.
٢١٢٦ - عن أنسٍ ﴿ه قال: غَلا السِّعْرُ على عَهْدِ رَسُولِ اللهِوَّهِ، فقالُوا:
يا رسُولَ الله! سَعِّرْ لنا، فقال النبيُّ نَّهِ: ((إنَّ الله هُوَ المُسعِّرُ القابضُ الباسِطُ
الرَّازِقُ، وإنِّي لأرجُو أنْ أُلقَى ربي وليسَ أحدٌ مِنْكُمْ يطلُبْنِي بِمَظْلَمَةٍ بَدَمٍ
ولا مالٍ)).
((عن أنس ظبه أنه قال: غلا السعر))؛ أي: ارتفع، والسعر: القيمة ((على
٤٤٦

عهد رسول الله (﴿ فقالوا: يا رسول الله! سَعِّر لنا)) أمرٌ من التسعير، وهو وضع
السعر على المتاع.
(«فقال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: إنَّ الله هو المُسَعِّر))؛ أي: المُوسع
للرزق ((القابض))؛ أي: هو الذي يقبض الرزق بأن يقلِّله ((الباسط الرازق))؛ أي:
الذي يبسط الرزق، بأنْ يوسعه على مَنْ يشاء.
((وإني لأرجو أنْ ألقى ربي وليس أحدٌ منكم يطلبني بمَظْلِمة)) - بكسر
اللام - هو اسم ما أُخذ منك ظلماً ((بدم ولا مال)) بدل عن مظلمة، وفيه إرشادٌ
إلى أنَّ المانع له من التسعير مخافةُ أنْ يَظْلِمَ في أموالهم، فإنَّ التسعير تصرُّف فيها
بغير إذن أهلها، فيكون ظلماً.
٨ - با
الإفلاس والإنظار
(باب الإفلاس))، يقال: أفلس الرجلُ: إذا لم يبقَ له مالٌ، معناه: صارت
دراهمهم فلوساً، وقيل: صار إلی حالٍ یقال ليس معه فليس.
((الإنظار))؛ أي: الإمهال.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢١٢٧ - عن أبي هريرةَ: ﴿ أنَّ رسولَ اللهِوَّهِ قال: ((أيّما رَجُلٍ ماتَ أو
أقْلَسَ، فأدْرَكَ رَجُلٌ مالَهُ بعَيْنِهِ فهوَ أَحَقُّ بهِ مِنْ غَيْرِهِ».
((من الصحاح)):
((عن أبي هريرة : أنَّ رسولَ الله وَّهِ قال: أيّما رجلٍ أفلسَ))؛ أي:
صار ذا فلوس بعد أنْ كان ذا دراهم، ((فأدرك رجلٌ مالَه بعينه))؛ أي: بذاته بأن
٤٤٧

يكون غيرَ هالكٍ حساً أو معنى بالتصرفات الشرعية مثل الهِبَة والوَقْف وغيرهما.
((فهو أحق به))؛ أي: بماله ((من غيره)) وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد:
البائع إذا وجد ماله عند المشتري المفلسِ فله أنْ يَفْسَخَ العقدَ ويأخذ المبيع،
وعندنا ليس له الفسخُ والأخذ، بل هو كسائر الغُرماء، فحمَلْنا الحديثَ على
العقد بالخيار، يعني: إذا كان الخيار للبائع وظهر له في مدَّته أنَّ المشتري مفلسٌ
فالأنسب له أن يختارَ الفسْخَ.
٢١٢٨ - وعن أبي سعيد الخُدريِّ ﴾ قال: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ
رسُولِ اللهِوَ﴿ في ثِمارِ ابْتاعَها، فكثُرَ دَيَّنُهُ. فقالَ رسُولُ اللهِهِ: ((تَصَدَّقُوا
عليه)). فتصدَّقَ النَّاسُ عليهَ فلمْ يبلُغْ ذلكَ وفاءَ دَيْنِهِ، فقالَ رَسُولُ اللهِ وَه
لِغُرمائِهِ: ((خُذُوا ما وَجَدْتُمْ وليسَ لكُمْ إلاَّ ذلكَ)).
((وعن أبي سعيد ظه أنه قال: أُصيب رجل في عهد النبي عليه الصلاة
والسلام))؛ أي: لَحِقَه خسرانٌ بسبب إصابة جائحة ((في أثمارٍ ابتاعها))؛ أي:
اشتراها ولم ينقُد ثمنها .
((فكثر دينه، فقال رسول الله إليه: تصدَّقوا عليه، فتصدَّق الناسُ علیه،
فلم يبلغ ذلك وفاءَ دينِه، فقال رسول الله وَل﴿ لغُرمائه: خُذوا ما وجدتم، وليس
لكم إلا ذلك))؛ أي: أخذ ما وجدتم، والإمهال بمطالبة الباقي إلى الميسُرة، قال
الله تعالى: ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] لا زجره وحبسه؛
لأنه ظهر إفلاسُه وليس معناه أن يبطل لكم ما بقيَ مِنْ ديونكم.
٢١٢٩ - عن أبي هريرةَ ﴿هِ: أنَّ النبيَّ ◌َِّ قال: ((كانَ رجلٌ يُداينُ النَّاسَ،
٤٤٨

فكانَ يقولُ لفتاهُ: إذا أتَيتَ مُعْسِراً تجاوزْ عنهُ لعلَّ الله أنْ يتجاوَزَ عنَّا، قال:
فَلَقِيَ الله فتجاوَزَ عنه».
((عن أبي هريرة ﴿ه قال: كان رجل يُداينُ الناسَ))؛ أي: يعاملهم
ويعطيهم ديناراً، ((فكان يقول لفتاه))؛ أي: لخادمه: ((إذا أتيت مُعْسِراً تجاوزْ
عنه)) بصيغة الأمر؛ أي: تَسَامَحْ في الاقتضاء.
(لعل الله)) بمعنى عسى؛ أي: عسى الله ((أن يتجاوز عنَّا، قال))؛ أي:
النبي عليه الصلاة والسلام: ((فلقيَ))؛ أي: الرجل ((الله فتجاوزَ عنه))؛ أي: عَفَى
عن ذنبه .
*
٢١٣٠ وقال: ((مَنْ سَرَّهُ أنْ يُنْجِيَهُ الله تعالى مِنْ كُرَبِ يوم القيامَةِ فَلْيُفُّسْ
عنْ مُعْسِرٍ أو يضَعْ عنه».
((وعن أبي قتادة أنه قال: قال رسول الله وَله: مَنْ سَرَّه))؛ أي: أَفْرحه ((أنْ
يُنجيه الله)) الجملة فاعل (سرَّه) ((مِنْ كُرُب يومِ القيامة فلينفِّس عن مُعْسِر))؛ أي:
ليؤخِّر مطالبتَه إلى مدة يَجِدُ مالاً، ((أو يضعُ عنه)) بعضَ الدَّين.
٢١٣١ - وقال: ((مَنْ أنْظَرَ مُعْسِراً أو وَضَعَ عنهُ أنجاهُ الله مِنْ كُرَبِ یوم
القِيامَةِ» .
((وعنه أنه: قال عليه الصلاة والسلام: مَنْ أنظر مُعسراً))؛ أي: أَمْهل
مدیوناً فقيراً، «أو وضع عنه أنجاه الله من گُرب يوم القيامة))؛ أي: شدته.
٤٤٩

٢١٣٢ - وقال: ((مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً أو وضعَ عنهُ أظلَّهُ الله في ظِلِّ)).
((وعن أبي هريرة ﴾ قال النبي عليه الصلاة والسلام: من أنظر معسراً،
أو وضع عنه، أظلَّه الله في ظلِّه))، والمراد به الكرامة والحماية من مكاره
المَوقِف، كما يقال: فلان في ظلِّ فلان؛ أي: في كَنَفَه وحمايته؛ أي: نظر الله
إليه يوم القيامة بنظر الرحمة ووَقَاه من حَرٍّ يوم القيامة بأنْ وَقَفَه في ظلِّ العرش.
٢١٣٣ - عن أبي رافع ﴾ قال: اسْتَسْلَفَ رسُولُ الله ◌َّهِ بَكْراً، فجاءَتْهُ
إِيلٌ مِنَ الصَّدَقَةِ. قال أبو رافِعٍ: فأمَرني أنْ أقضيَ الرجُلَ بَكْرَهُ، فقلتُ:
لا أَجِدُ إلا جَمَلاً خِياراً رَبَاعِيّاً، قال رسُولُ اللهِوَّهِ: ((أَعْطِهِ إِيَّهُ، فإنَّ خيرَ النَّاسِ
أحسَنُهُمْ قضاءً».
((عن أبي رافع قال: استسلف))؛ أي: استقرض ((رسولُ الله بكراً)) بالفتح
ثم السكون الفتى من الإبل «فجاءته إبلٌ من الصدقة، قال أبو رافع: فأمرني أنْ
أقضيَ الرجلَ بكرة فقلت: لا أجدُ إلا جَمَلاً خياراً»؛ أي: مختاراً ((رَبَاعياً))
- بفتح الراء - هو من الإبل ما أتى عليه ستُّ سنين ودخل في السابعة.
((فقال رسول الله وَله: أعطِه إِيَّه، فإنَّ خيرَ الناسِ أحسنُهم قضاء)» .
وفي الحديث دليلٌ على جواز استسلاف الإمام للفقراء إذا رأى بهم حاجةً
ثم يؤدِّيه من مال الصدقة، وعلى جواز استقراض الحيوان، وبه قال الشافعيُّ،
وعلى أنَّ ردَّ الأحسن أو الأكثر من غير شرطٍ إحسانٌ.
٢١٣٤ - ورُوي: أنَّ رَجُلاً تقاضَى عَلَى النبيِّ ◌َّهِ فَأَغْلظَ لهُ، فهَمَّ بهِ
أصحابُهُ، فقال: ((دعُوهُ فإنَّ لصاحبِ الحقِّ مقالاً)).
٤٥٠

((وروي: أنَّ رجلاً تَقَاضَى على النبيِّ عليه الصلاة والسلام))؛ أي: طلب
منه قضاءَ الدَّين، ((فأغلظ له)) في القول، ((فهمَّ [به] أصحابُه))؛ أي: قصدَ
أصحابُ النبيِّ عليه الصلاة والسلام بضربه وإيذائه.
((فقال دعوه))؛ أي: اتركوه، ((فإنَّ لصاحب الحق مقالاً» يدلُّ على جواز
تشديد صاحب الحق على المديون المليء بالقول.
٢١٣٥ - وعن أبي هريرةَ ﴿ه: أنَّ رسولَ اللهِوَله قال: ((مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ،
فإذا أُنْبَعَ أحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ)».
((وعن أبي هريرة: أنَّ رسولَ اللهِ﴿ قال: مَطْلُ الغنيِّ))، أي: تأخير أدائه
الدَّينَ من وقتٍ إلى وقت ((ظلمٌ، فإذا أُتبع)) بضم الهمزة وكسر الباء؛ أي: أُحيل
((أحدُكم على غني فليتبع))؛ أي: فليقبل الحوالةَ، ليس الأمرُ هنا للوجوب بل
للرّفق والإباحة، وفيه دليلٌ على صحة الحوالة.
٢١٣٦ - عن كَعْبٍ بن مالكٍ به: ((أنَّهُ تقاضَى ابن أبي حَدْرَدِ دَیَّناً لهُ علیهِ،
فارتفعَتْ أصواتُهُما، فخرجَ إِلَيْهِما رسولُ الله ◌َ﴿ ونادَى كَعْبَ بن مالكٍ
等,
فأشارَ بَيَدِهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَيَنِكَ، قال: قدْ فعلتُ. فقال: ((قُمْ فَاقْضهِ».
((عن كعب بن مالك: أنه تقاضى ابن أبي حَدْرد ديناً له عليه))؛ أي:
طلبَ كعبٌّ قضاءَ الدَّينِ الذي كان له على أبي حَدْرد، ((فارتفعت أصواتُهما،
فخرج إليهما رسولُ اللهِ وٍَّ، فنادى كعب بن مالك، وأشار بيده أنْ ضَعِ
الشطر))؛ أي: أبرئه عن النصف؛ فإنه معسر، واطلبِ النصفَ الباقي بلا مُهْلة،
أمره عليه الصلاة والسلام بذلك على سبيل البرِّ والمُسَاهلة، ((قال قد فعلت
٤٥١

فقال))؛ أي: النبيُّ عليه الصلاة والسلام لابن أبي حَدْرد: «قُمْ فاقْضه))؛ أي:
الشطرَ الباقي.
٢١٣٧ - عن سَلَمَةَ بن الأكْوَعِ: أنَّه قال: كُنَّا عِندَ النَّبِيِّ وَّهِ إِذْ أُتْيَ بِجَنازةٍ
فقالُوا: صَلِّ عليها، فقال: ((هلْ عليهِ دَيَّنٌ؟)) قالوا: لا. فصلَّى عليها. ثُمَّ أُتِيَ
بِجَنازةٍ أُخرَى، فقال: ((هلْ عليه دَيّن؟)) قِيل: نعم. قال: «فهلْ تركَ شيئاً؟))
قالوا: ثلاثةَ دَنَانيرَ. فصلَّى عليها. ثُمَّ أَتَيَ بالثالثة، فقالَ: ((هلْ عليهِ دَيّن؟))
قالوا: ثلاثةُ دَنَانيرَ. قال: ((هلْ تركَ شيئاً؟)) قالوا: لا، قال: ((صلُّوا على
صاحِبِكُمْ)). قال أبو قتادة: صلِّ عليهِ يا رسول الله وعليَّ دَينُهُ، فصلَّی علیهِ.
((وعن سلمة بن الأكوع: أنه قال: كنا عند النبيِّ عليه الصلاة والسلام إذ
أُتي بجنازة، فقالوا: صلِّ عليها، فقال: هل عليه دينٌ؟ قالوا: لا))؛ أي لا دينَ
عليه، ((فصلَّى عليها، ثم أُتي بجنازة أخرى، فقال: هل عليه دينٌ؟ قالوا: نعم،
قال: فهلْ تركَ شيئاً؟ قالوا: ثلاثة دنانير، فصلى عليها))، وفيه إيذان بأنَّ الله
تعالى أَلَّهمه بأنَّ ما تركه ذلك الميت يَفِي بدينه، أو يزيدُ عليه.
(«ثم أتي بالثالثة فقال: هل عليه دين؟ قالوا: ثلاثة دنانير، قال: هل تركَ
شيئاً؟ قالوا: لا، قال: صَلُّوا على صاحبكم)).
وإنما امتنع عليه الصلاة والسلام عن الصلاة على المَدْيون الذي لم يترك
وفاءً؛ تحذيراً عن الدَّين، واستعظاماً له، أو لكراهة أن لا يُتلقَّى دعاؤه بالإجابة،
فیوقَف لِمَا علیه من حقوق الناس.
«قال أبو قتادة: صلِّ علیه یا رسول الله وعليَّ دینُه، فصلی علیه» فيه دلیل
على جواز الضمان عن الميت المُفْلِس، وبه قال الشافعي.
٤٥٢

٢١٣٨ - وقال النبيُّ وَّهِ: ((مَنْ أَخَذَ أموالَ النَّاسِ يُريدُ أداءَها أدَّى الله عنه،
ومَنْ أخذَها يُريدُ إِثْلَافَهَا أَتْلَفَهُ الله ◌َكَ)).
((وعن أبي هريرة قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: مَنْ أخذ أموال الناس)) أعم
من أن يكون أخذَهُ بحقٍّ أو غيره، ((يريد أداءَها، أدَّى الله عنه))؛ أي: يسَّر الله
أداءه بإعانته، ويوسِّع رزقه، فإن لم يتيسَّر له الأداء حتى مات رُجِيَ منه تعالى أنْ
يُرْضِيَ خصمَه بكرمه، وفضله، وهذا جملةٌ خبرية لفظاً ومعنى، ويجوز أن
یکون إنشاء معنی بأن يخرج مخرج الدعاء له.
((ومَنْ أخذها يريد إتلافها أتلفه الله تعالى))؛ أي: لم يُعِنْه في أدائه.
٢١٣٩ - عن أبي قتادةَ ﴿ه قال: قالَ رجلٌ: يا رَسُولَ الله! أَرَأَيْتَ إنْ
قُتِلْتُ في سبيلِ الله صابراً مُخْتَسِباً مُقْبلاً غيرَ مُدْبرٍ يُكفِّرُ الله عَنِّي خَطايايَ؟ فقالَ
رسولُ الله ◌َ﴾: ((نعمْ)) فلمَّا أَدْبَرَ ناداهُ، فقال: ((نعمْ إلَّ الدَّيْنَ، كذلكَ قال
جبريلُ».
((عن أبي قتادة قال: قال رجل: يا رسول الله! أرأيت))؛ أي: أخبرني ((إن
قتلت في سبيل الله صابراً محتسباً)؛ أي: طامعاً في سبيل الله لا للرِّياء، ((مقبلاً
غيرَ مدبرٍ، يُكَفِّر الله)) بحذف حرف الاستفهام ((عن خطاياي؟ فقال النبي عليه
الصلاة والسلام: نعم))؛ يعني يكفِّر الله عنك خطاياك، «فلما أدبر ناداه))؛ أي:
النبيُّ عليه الصلاة والسلام ذلك الرجل.
((فقال: نعم إلا الدين)) استثناء منقطع؛ أي: لكن الدين لا يكفِّر، والمراد
به: حقوق الآدميين في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، ويجوز أن يكون متصلاً
على حذف المضاف؛ أي: خطيئة الدَّين.
٤٥٣

((كذلك قال جبرئيل عليه السلام)) وهذا يدلُّ على أنه يلقِّن إياه - عليه
الصلاة والسلام - أشياء غيرَ القرآن.
٢١٤٠ - وقال: ((يُغْفَرُ للشَّهيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إلاَّ الدَّيْنَ)).
((وعن عبدالله بن عمرو ظه: أنه قال: قال رسول الله وَلّى: يُغْفر للشهيد
كل ذنب)) صغائر كانت أو كبائر ((إلا الدين)) يدل على أن حقوقه تعالى مبنية على
المساهلة، وحقوق العباد على المضايقة.
٢١٤١ - وقال أبو هريرةَ ﴾: كانَ رسولُ اللهِ وَّهِ يُؤْتَي بِالرَّجُلِ المُتَوَى
عليهِ الدَّيْنُ، فيَسأَلُ: ((هلْ تركَ لدَينِهِ قَضاءً؟)) فإنْ حُدِّثَ أنَّهُ تركَ وفاءً صلَّى
عليهِ، وإلاَّ قال للمُسِلمينَ: ((صلُّوا على صاحبكُمْ)) فلمَّا فتحَ الله عليه الفُتوحَ
قامَ فقال: ((أنا أوْلَى بالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ، فمنْ تُوفِّيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فتركَ دَيّناً
فعليَّ قضاُؤُهُ، ومَنْ تركَ مالاً فهوَ لِوَرَثَتِهِ».
((وقال أبو هريرة: كان رسول الله وَّ﴿ يؤتى بالرَّجل المتوفَّی علیه الدين،
فيسأل: هل ترك لدينه قضاء؟ فإن حُدِّث))؛ أي: أُخبر «أنه ترك وفاء صلَّى،
وإلا))؛ أي: إن لم يترك وفاء ((قال للمسلمين: صلَّوا على صاحبكم، فلمَّا فتحَ
الله عليه الفتوح قام فقال أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم))؛ أي: في كل شيء من
أمور الدين والدنيا، وشفقتي عليهم أكثرُ من شفقتهم على أنفسهم، فأكون أولى
بقضاءِ دینھم لهم.
((فمن توفي من المؤمنين فترك ديناً)) ليس له مال، ((فعليَّ قضاؤه، ومَنْ
٤٥٤

ترك مالاً فلورثته)) بعد قضاء دينه .
*
مِنَ الحِسَان:
٢١٤٢ - عن أبي خَلْدَةَ الزُّرَقيِّ قال: جِئْنا أبا هُرَيْرةَ في صاحِبٍ لنا قدْ
أفْلسَ، فقال: هذا الذي قضَى فيهِ رسُولُ الله ◌َّهِ: ((أَيُّما رَجُلٍ ماتَ أو أَفْلَسَ
فصاحِبُ المتاعِ أَحَقُّ بمتاعِهِ إذا وَجَدَهُ بعَیْنِهِ)) .
((من الحسان)»:
((عن أبي خَلْدة الزُّرقي: أنه قال: جئنا أبا هريرة ظُه في صاحب))؛ أي:
شأن صاحب ((لنا قد أفلس، فقال: هذا الذي))؛ أي: هذا مثل الرجل الذي
((قضى فيه رسولُ الله ◌َّهِ: أيُّما رجلٍ مات أو أفلسَ فصاحبُ المتاع أحقُّ بمتاعه
إذا وجده بعینه)) مر بیانه .
٢١٤٣ - وقال رسولُ الله ◌ِوَّهِ: ((نَفْسُ المُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حتَّى يُقْضَى
عنه».
((وعن أبي هريرة ظه: أنه قال: قال رسول الله وَّهِ: نَفْسُ المؤمن معلّقة
بدينه))؛ أي: لا يدخل الجنة، أو لا تدخل روحُه بين أرواح الصالحين، أو لا تجد
روحه اللذة ما دام عليه دين ((حتى يُقضى عنه))، أو يرضى غريمُه.
٢١٤٤ - وقال: ((صاحِبُ الدَّيْنِ مأْسُورٌ بدَيْنِهِ يَشْكُو إلى ربهِ الوَحْدَةَ يومَ
القِيامَةِ» .
٤٥٥

((وعن البراء بن عازب: أنه قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: صاحبُ الدَّينِ
مأسورٌ بدَينه))؛ أي: محبوسٌ بسببه فريداً لا يؤذن له في دخول الجنة، ولا في
مصاحبة الصالحين.
(يشكو إلى ربه الوحدة يوم القيامة))؛ يعني: يكون تعبُه وعذابُه من
الوحدة لا يرى أحداً يقضي عنه ويخلِّصه من قضاء الدين، فإنه يعذب بها حتى
يخرج من عهدة الدين بأن يدفع من حسناته بقدر الدين إلى مستحِقُه، أو يوضع
من ذنوب مستحقُّه عليه بقدَرِهِ، أو يرضي الله خصمه من فضله.
٢١٤٥ - ورُوي أنَّ مُعاذاً كانَ يدَّانُ، فأتَى غُرَمَاؤُه إلى النبيِّ وَّةِ، فباعَ
النبيُّ ◌َ﴿ مَالَهُ كُلَّهُ فِي دَيْنِهِ خَّتى قامَ مُعاذٌ څه بغيرِ شيءٍ، مرسل.
((وروي أنَّ معاذاً كان يَدَّان)) بتشديد الدال؛ أي: يأخذ الدين، ((فأتى غرماؤه
إلى النبيِّ عليه الصلاة والسلام وطلبوا)) من معاذ قضاءَ ديونهم، ((فباع النبيُّ عليه
الصلاة والسلام مالَه))؛ أي: مالَ معاذٍ («کلَّه في دينه»، فقضى منه دیونهم، ((حتى
قام معاذ بغير شيء))، وهذا يدلُّ على أن الغرماء إذا طلبوا من القاضي الحجرَ على
المُفْلِس يَحْجُر، ويبيع مالَه، ويقسِم بينهم على قدر ديونهم.
(مرسل)).
٢١٤٦ - عن عمرٍو بن الشَّريدِ ﴾، عن أبيه قال: قالَ رسولُ الله ◌ِّتى:
(لَيُّ الواحِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وعُقُوبَتَهُ)) .
((عن عمرو بن الشَّريد، عن أبيه قال: قال رسول الله وَ ◌ّهِ: لَيُّ الواجد))؛
أي: مطل الغني القادر على قضاء دينه «يُحِلُّ عِرْضَه))؛ أي: يجوز لصاحب الحق
٤٥٦

أن يُغْلِظ القول، ويُطيل لسانَه عليه، وينسِبه إلى سوء القضاء، ((وعقوبته))
بالحبس أو الضرب حتى يؤدِّي الحق.
٢١٤٧ - وعن أبي سعيدِ الخُدرِيِّ ◌َ﴿ه قال: أُتِيَ النبيُّ ◌َهِ بِجَنازةٍ ليُصلِّيَ
عَلَيْها، فقال: ((هَلْ عَلَى صاحِبِكُمْ مِنْ دَيْنُ؟» قالوا: نعم، قال: ((هَلْ تركَ
وفاءً؟)) قالوا: لا، قال: ((صلُّوا على صاحِبكُمْ)). قالَ عليّ بن أبي طالِبٍ ﴾:
عَلَيَّ دَيْنُهُ. فتقدَّمَ النبيُّ ◌َّهِ فصلَّى عليهِ. وقال: ((فكَّ اللهَ رِهانَكَ مِنَ النَّارِ كما
فكَكْتَ رِهانَ أخيكَ المُسلمٍ، ليسَ مِنْ عَبدٍ مُسلمٍ يَقضي عنْ أخيهِ دَيَّنَهُ إلاَّ
فكَّ الله رِهانَهُ يومَ القِيامَةِ».
((وعن أبي سعيد الخدري أنه قال: أتي النبيُّ عليه الصلاة والسلام بجنازة
ليصلي عليها، فقال: هل على صاحبكم دينٌ، قالوا: نعم، قال: هل ترك
وفاء؟ قالوا: لا، قال: صلوا على صاحبكم، قال علي بن أبي طالب اته:
عليَّ دينه))؛ أي: قضاء دينه ((فتقدم))؛ أي: النبيُّ عليه الصلاة والسلام ((فصلى
عليه وقال)) لعلي : ((فَكَّ الله ◌ِهانَك)) جَمْعُ رهن، وفَُّه: تخليصه؛ إذ كلُّ نفس
مرهونة بعملها، كما قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَهُ﴾ والمراد عتق
رقبته ((من النار))؛ يعني: أبرأ الله تعالى ذمَّتَك عن حقوق الآدميين وعن الآثام
والأوزار، وأعتق رقبتك من النار بالعفو عنها، والتجاوز عن سيئاتها التي يُحبس
ويعذَّب بها يومَ القيامة.
(كما فَكَكْتَ رِهانَ أخيك المسلم»؛ أي: خَلَّصْتَه عن تعلُّق الدين به، فإن
نفس المؤمن مرهونة بدينه بعد الموت، «ليس من عبد مسلم يقضي عن أخيه
دينَه إلا فكَّ الله رِهانَ يومَ القيامة))، ذكر الرهان بلفظ الجمع تنبيهاً على أن الرهن
٤٥٧

يتعدد بتعدُّد الآثام والأوزار.
٢١٤٨ - عن ثوبانَ عَ﴾ قال: قال رسولُ اللهِوَّهِ: ((مَنْ ماتَ وهو بريءٌ
مِنَ الكِبْرِ والغُلولِ والدَّيْنِ دخلَ الجَنَّةَ».
((عن ثوبان أنه قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: مَنْ مات وهو بريء من الكِبر))
قيل: هو إبطالُ الحق بأن لا يقبلَه ويحتقر الناس فلا يراهم شيئاً، ((والغلول))
وهي الخيانة، ((والدَّين دَخَلَ الجنة)).
٢١٤٩ - عن أبي موسى ، عن النبيِّوَ﴿ قال: ((إنَّ أعظمَ الذُّنوبِ عندَ
الله أنْ يلقاهُ بها عبدٌ بعدَ الكبائِرِ التي نَهَى الله عنها أنْ يَمُوتَ رَجُلٌ وعليهِ دَيِّنٌ
لا يدعُ له قضاءً».
((عن أبي موسى، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: إن أعظم
الذنوب عند الله أن يلقاه)) حال، أو تمييز، أو بدل من الذنوب وهو الصواب،
والضمير البارز يرجع إلى الله، ((بها))؛ أي: بالذنوب ((عبد)) فاعل (يلقاه).
(بعد الكبائر التي نهى الله عنها أن يموت)) خبر (أن)، أو بدل من (أن
يلقاه) لأن لقاء العبد ربّه إنما هو بعد الموت ((رجل)) مظهر أقيم مقام ضمير
العبد، وفائدة ذكر العبد لاستبعاد ملاقاةٍ ربه بهذا الشَّين، ثم إعادته بلفظ (رجل)
وتنكيره تحقیراً لشأنه، وتوهیناً لأمره.
«وعلیه دین لا يدع له قضاء))؛ أي: لا يترك لذلك الدين مالاً يقضي به،
وهذا على سبيل المبالغة والتحذير عن كثرة التداين.
٤٥٨

٢١٥٠ - عن عمرٍو بن عَوْفٍ المُزَنِيِّ ﴿ه، عن النبيِّ وَّه قال: ((الصُّلْحُ
جائزٌ بينَ المُسلمينَ إلّ صُلْحاً حرَّمَ حلالاً أَوْ أحلَّ حراماً، والمُسلِمونَ على
شُروطِهِمْ إلَّ شَرْطاً حَرَّمَ حلالاً أو أحلَّ حراماً).
((وعن عمرو بن عوف المزني، عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام قال:
الصُّلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرَّم حلالاً) كالصلح أن لا يطأ الضَّرَّة، أو
على شرب الخمر ونحوهما، ((أو أحلَّ حراماً)) وهو أن يكون الشيء حراماً عليه
وهو یرید أن يُحِلَّه بالصُلح.
((والمسلمون على شروطهم))؛ أي: ثابتون على ما اشترطوا ((إلا شرطاً حرم
حلالاً)) كأن يشترطَ مع امرأته أن لا يطأ جاريته، ((أو أحل حراماً)) كما في الصُلح.
٩ - باب
الشّركة والوكالةِ
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢١٥١ - عن زُهرةَ بن مَعبدٍ: أنَّهُ كانَ يخرُجُ بهِ جَدُّهُ عبدُالله بن هشامٍ إلى
السُّوقِ فيشتري الطَّعامَ، فيلقاءُ ابن عُمَرَ وابن الزُّبَيْرِ فيقولان له: أَشْرِكنا، فإنَّ
النبيَّ ◌ِ ﴿ قد دَعا لكَ بالبرَكَةِ، فيشركهما، فربَّما أصابَ الراحلةَ كما هيَ فيَبَعَثُ
بها إلى المنزِلِ. وكانَ عبدُالله بن هشامٍ ﴾ ذهبتْ بهِ أمُّهُ إلى النبيِّ وَّرْ فمسحَ
رأسَهُ ودَعا لهُ بالبرکةِ.
(باب الشركة والوكالة)
((من الصحاح)):
((عن زهرة بن معبد: أنه كان يخرج به)) الباء للتعدية، أو بمعنى مع ((جده
٤٥٩

عبدالله بن هشام إلى السوق فيشتري))، أي: عبدالله بن هشام ((الطعام، فيلقاه
ابن عمر وابن الزبير، فيقولان له))؛ أي: لعبدالله بن هشام: ((أشركنا))؛ أي:
اجعلنا شريكاً فيما اشتريت، ((فإن النبيَّ عليه السلام قد دعا لك بالبركة،
فيشركهما))، وهذا يدل على جواز الاشتراك في العقود «فربما أصاب الراحلة
كما هي))؛ أي: ربما ربح من الطعام حِمْل بعير، ((فيبعث بها إلى المنزل))
فحصلَتِ الراحلةُ له بلا شيء ببركة دعاءِ النبيِّ.
((وكان عبدالله بن هشام ذهبت به أمُّه إلى النبيِّ عليه الصلاة والسلام،
فمسح رأسه، ودعا له بالبركة)).
*
٢١٥٢ - عن أبي هريرةَ﴿ه قال: قالتِ الأنصارُ للنبيِّ وَّهِ: اقْسِمْ بَيننا
وبينَ إِخْواننا النَّخيلَ، قال: ((لا، تَكفونَنَا المَؤونةَ ونَشْرَكُكُمْ فِي الثَّمَرَةِ))، قالوا:
سَمِعنا وأطَعْنا
((عن أبي هريرة قال)) لما هاجر المهاجرون من مكة إلى المدينة وتركوا
أموالهم وأوطانهم بمكة: ((قالت الأنصار لرسول الله مير: اقسم بيننا وبين
إخواننا)) المهاجرين ((النخيل))؛ يعني: ليجعل نخيلنا بيننا وبينهم.
((قال عليه السلام: لا))؛ أي: لا نقسم النخيل بينكم، وإنَّما أبى النبيُّ عليه
الصلاة والسلام استبقاءً لنخيلهم عليهم؛ لأنَّ بها قَوام أمورهم، ((ولكن تكفوننا
المؤنة)) خبر معناه الأمر؛ أي: ادفعوا عن المهاجرين مُؤنة العمارة؛ لأنهم لا يعلمون
عمارة النخيل بالتأبير والسقي وما يتوقف عليه الصلاح، واحفظوا نخيلَكم
وأصلحوها.
((ونشرككم في الثمرة، قالوا: سمعنا وأطعنا))، وفي الحديث بيانُ استحباب
٤٦٠