Indexed OCR Text
Pages 141-160
تتوب عنها وتستغفر، ولكن ذلك مشروطٌ بأن تكون نيته أن لا يعود إلى الذَّنب. ١٦٧٣ - عن جُنْدُبِ هِ: أنَّ رسولَ اللهَ لْ حدَّثَ: ((إنَّ رجُلاً قال: والله لا يغفرُ الله لفُلانٍ، وإنَّ الله قالَ: مَنْ ذَا الذي يَتَأَلَّى عليَّ أَنّي لا أَغْفِرُ لفُلانٍ؟! فإِنِّي قد غفَرتُ لفلانٍ، وأحبَطْتُ عَمَلَكَ))، أو كما قال. ((عن جندب: أن رسول الله وَل﴿ِ حدَّث: أنَّ رجلاً قال: والله لا يغفر الله لفلان، وإن الله قال: مَنْ ذَا الذي يَأَلَّى عليَّ»؛ أي: يحلف باسمي. (أني لا أغفر لفلانٍ؟ فإني قد غفرْتُ لفلانٍ وأحبطْتُ عملَك))؛ أي: أبطلت قَسَمَك وجعلته كذباً أيها الحالف، أني لا أغفر لعبدي فلان، قد غفرت له على خلاف زعمك وأدخلته الجنة على رغمك. ((أو كما قال))؛ أي: الرسول - عليه الصلاة والسلام - من هذه الألفاظ، أو شيءٍ معناه هذا. ١٦٧٤ - وقالَ رسولُ اللهِ وَِّ: ((سيدُ الاستِغفارِ أنْ تقولَ: اللهمَّ أنتَ ربي، لا إلهَ إلاَّ أنت، خَلَقْتَني، وأنا عبدُك، وأنا على عَهْدِكَ ووَعْدِكَ ما اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بكَ مِن شَرِّ ما صَنَعتُ، أَبُوءُ لكَ بنعْمتِكَ عليَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبي، فاغفِرْ لي، فإِنَّ لا يغفرُ الذُّنوبَ إلاَّ أنتَ، قالَ: ومَن قالَها مِن النَّهارِ مُؤْقِناً بها، فماتَ مِن يَومِهِ قبلَ أنْ يُمسيَ فهوَ مِن أهلِ الجنَّةِ، ومَن قالَها مِن اللَّيلِ وهو مُوقِنٌ بها، فماتَ قبلَ أنْ يُصْبِحَ فهو مِن أهلِ الجنَّةِ)). ((عن شدَّاد بن أَوْسٍ أنه قال: قال رسول الله وَلاته: سيد الاستغفار أن تقول: اللهمَّ! أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ١٤١ ووعدك))؛ أي: أنا مُقِيْمٌ على الوفاء بما عاهدتني في الأزل من الإقرار بربوبيتك، ومُؤْقِنٌ بما وعدتني من البعث والنَّشْر وأحوال القيامة، والثواب والعقاب. ((ما استطعت)): إشارة إلى الاعتراف بالعجز والقصور عن كُنْهِ الواجب من حقٌّ طاعته؛ أي: لا أقدر أن أعبدك كما تحب وترضى، ولكن أجتهد بقدر طاقتي. ((أعوذ بك من شرِّ ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي))، أصل (البَوْء): اللزوم؛ أي: أقرُّ لك بما أنعمت عليَّ، وأعترف بما اجترحْتُ من الذنوب . ((فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ومن قالها من النهار موقناً [بها])»: نصبٌ على الحال؛ أي: اعتقاداً بها . (فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة))؛ يعني: يموت مؤمناً يدخل الجنة لا محالة. مِنَ الحِسَان: ١٦٧٥ - قال: ((قالَ الله تعالى: يا ابن آدمَ! إنَّكَ ما دَعَوْتَنِي ورَجَوْتَنَي غَفَرتُ لكَ على ما كانَ فيكَ، ولا أُبالي، يا ابن آدمَ! لو بلغَتْ ذُنويُك عَنانَ السَّماءِ، ثم استغفرتني غفرتُ لكَ، ولا أُبالي، يا ابن آدمَ! إنَّك لو أَتَتَنِي بِقُرابٍ الأَرضِ خَطايا، ثم لَقِيْتَني لا تُشرِكُ بي شيئاً لأَتَيتُكَ بِقُرابها مغفرةً)، غريب. ((من الحسان)) : ((عن أبي ذرٍ أنه قال: قال رسول الله وَله: قال الله تعالى: يا ابن آدم! ١٤٢ إِنَّك ما دعوتَتَي ورجوتني))؛ أي: ما دمت تَدْعوني وترجو مَغْفِرَتِي ولا تقنُطُ من رحمتي. ((غفرتُ لك على ما كان فيك)) من الذنوب. ((ولا أبالي))؛ أي: لا يعظمُ علي مغفرتُك، وإن كانت ذنوبك كثيرةً. ((يا ابن آدم! لو بلغتْ ذنوبك عنان السماء)) بفتح العين: وهو ما ظهر لك منها إذا رفعتَ رأسك إلى السماء، ويروى: (أعنانَ السماء)، أي: نواحيها، يعني: لو كانت ذنوبك بحيث تملأ ما بين الأرض والسماء. (ثم استغفرتني)): وتبتَ إليَّ منها. ((غفرتُ لك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو لقيتَني بقُراب الأرض)) بضم القاف وكسرها والضم أشهر؛ أي: بملئها ((خطايا))، في تقدير النصب على التمييز مِن قراب الأرض. (ثم لقيتني لا تشركُ بي شيئاً لأتيتُك بِقرَابها مغفرةً)، تمييز أيضاً. ((غریب)). ١٦٧٦ - وقال: ((مَن عَلِمَ أَنِي ذُو قُدرةٍ على مَغفرةِ الذُّنوبِ غَفَرَتُ لهُ، ولا أُبالي، ما لم يُشرْ بِي شَيئاً». ((عن ابن عباس أنه قال: قال رسولُ الله وَله: قال الله تعالى: مَن علمَ أني ذو قدرةٍ على مغفرة الذنوب غفرتُ له ولا أبالي ما لم يشرْ بي شيئاً)، وهذا يشير إلى أنَّ اعتراف العبدِ يكون سبباً لغفران الذنوب. ١٤٣ ١٦٧٧ - وقال: ((مَن لَزِمَ الاستغفارَ جعَلَ الله لهُ من كلِّ ضيْقٍ مَخْرَجاً، ومِن كلِّ همَّ فَرَجاً، ورَزَقَه مِن حيثُ لا يحتَسِبُ)). ((وعن عبدالله بن عباسٍ ◌ّ أنه قال: قال رسول الله وَلَهُ: مَنْ لَزِمَ الاستغفار»؛ أي: داوَمَ علیه. ((جعلَ الله له مِن كلِّ ضيقٍ مَخرجاً)؛ أي: طريقاً يُخرجه من كلِّ أمرٍ عسير . (ومِن كلِّ هَمَّ فرَجاً))؛ أي: خلاصاً. ((ورزَقَه مِن حيثُ لا يحتسب))؛ أي: من حيث لا يرجو ولا يخطر بباله. ١٦٧٨ - وقال: ((ما أَصَرَّ مَن استَغفرَ وإِنْ عادَ في اليومِ سَبْعينَ مرَّةً» . ((وعن أبي بكرٍ الصديق ◌ُه أنه قال: قال رسول الله وَّه: ما أصرَّ مَن استغفر))، الإصرار: الثبات والدوام على المعصية، يعني: من عملَ معصيةً ثم استغفر فندم على ذلك خرجَ عن كونه مُصِراً. ((وإن عاد)) إلى الذنب ((في اليوم سبعين مرةً))؛ لأن المُصِرَّ هو الذي لم يستغفر ولم يندم على الذنب. * * ١٦٧٩ - وقال: ((كلُّ بنيْ آدمَ خَطَّاءٌ، وخَيْرُ الخَطَّائينَ التوَّابُونَ» . ((وعن أنسٍ ﴿ه أنه قال: قال رسول الله وَّهِ: كلُّ بني آدم خَطَّاءُ))؛ أي: كثير الخطأ . ((وخير الخَطَّائين التَّوَّابون))، قيل: هذا يعمُّ جميعَ بني آدم حتى الأنبياء، ١٤٤ لكنهم خارجون من هذا الحديث؛ لكونهم معصومين، وأمَّا الزَّلات المنقولةُ عن بعضهم فتُحْمَل على الخطأ والنسيان من غير أن يكونَ لهم قصدُ إلى الزلة. ١٦٨٠ - وقال: ((إنَّ المُؤمِنَ إذا أذنَبَ كانتْ نُكتَةٌ سَوداءُ فِي قَلْبهِ، فإنْ تابَ، واستَغْفِرَ صُقِلَ قَلْبُه، وإنْ زادَ زادَتْ حتى تَعْلُوَ قَلْبَه، فذلِكُمُ الرَّانُ الذي ذكرَ الله تعالى: ﴿ كَلَابَلِّ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوايَكْسِبُونَ﴾))، صحيح. ((وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله: ﴿: إن المؤمنَ إذا أذنبَ كانتْ))، (كان) تامةٌ هنا بمعنى حدَثَ، أنَّها لتأنيث ما دل عليه (أذنب)، على تأويل السيئة، يعني: أنه إذا أتى بالذنب حَدَثتْ ((منه نكتةٌ)؛ أي: أثرٌ. (سوداءُ في قلبه)»: كقطرةِ مدادٍ تقطُرُ في القرطاس. ((فإن تاب واستغفر صُقِلَ قلبُه))؛ أي: أُزيلت تلك النكتة عن قلبه. ((وإن)): لم يتُبْ، بل ((زادَا الذنبَ ((زادت)) النكتة، ويظهر لكل ذنبٍ نکتةٌ. ((حتى تعلوَ قلبَه))؛ أي: تغطِّ تلك النكت نورَ القلب فيَعمى، ولا يبصر شيئاً من العلوم والحِكَم، ولا يَفْهم خيراً، ويزول عنه الشفقة والرحمة، ويثبت في قلبه الظلمُ والفِتَن، وإيذاء الناس، والجُرْأة على المعاصي. ((فذلكم الرَّان)»، الخطاب للصحابة، يعني: أخاطِبُكم وأُخْبِركم بأن سَتْرَ تلك النكتِ نور القلب هو الرَّان. ((الذي ذكرَ الله تعالى في قوله: ﴿كَلَّا بَلْ رَأَنَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤])). هذه الآية مذكورةٌ في حقِّ الكفار، ولكن ذكرها ◌َّ تخويفاً للمؤمنين لكي ١٤٥ يحتَرِزُوا عن كثرة الذنوب؛ كيلا تَسْوَدَّ قلوبُهم كما اسودَت قلوبُ الكفار. ((صحیح)). ١٦٨١ - وقال: ((إنَّ الله يَقْبَلُ توبةَ العَبْدِ ما لم يُغَرْغِرْ)). (عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله وَله: إنَّ الله يقبلُ توبةَ العبدِ ما لم يُغَرْغِر))؛ أي: ما لم تبلغ روحه حلقومَه، جُعل ابتداءُ قَبْضِ الروحِ من الرّجل؛ ليبقى القلب واللسان ذاكراً، وليتوب إلى الله مَتاباً، ويستحلَّ من الناس عن المظالم والغِيبة، وليوصيَ بالخير آخرَ عَهْده . ١٦٨٢ - وقال: ((إنَّ الشَّيطانَ قال: وَعِزَّتِكَ يا ربّ، لا أَبْرِحُ أُغْوِي عبادَكَ ما دامَتْ أرواحُهم في أَجْسادِهم، فقالَ الرِبُّ وَلَّ: وعِزَّتي وجَلالي، وارتفاعٍ مكاني، لا أَزَالُ أَغفِرُ لهم ما استَغْفِرُوني)) . (عن أبي سعيدٍ ◌َُ أنه قال: قال رسولُ اللهِ نَّهِ: إن الشيطانَ قال: وعِزَّتِك يا ربِّ لا أَبْرَحُ»؛ أي: لا أزال أبداً (أُغْوِي عبادَك))؛ أي: أُضلُّهم وآمرهم بالكفر والعصيان. ((ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الربُّ ك: وعِزَّتي وجلالي وارتفاعٍ مكاني))، المراد به ارتفاعُ المكانة والمرتبةَ. ((لا أزال أغفِر لهم ما استغفروني)). ١٤٦ ١٦٨٣ - وقال: ((إنَّ الله تعالى جعَلَ بالمَغربِ باباً عَرْضُه مَسِيْرةُ سَبْعينَ عاماً للثّوبةِ، لا يُغْلَقُ ما لم تَطْلُعِ الشَّمسُ مِن قِبَلِهِ، وذلكَ قولُه تعالى: ﴿یَوْمَ یأتی بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِمَتُهَاَمْ تَكُنّ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ﴾)) . ((عن صفوانَ ﴾ أنه قال: قال رسول الله وَّه: إن الله تعالى جعلَ بالمغرب باباً عرضُه مسيرةُ سبعين عاماً)، مبالغةً في التوسعة . ((للتوبة))؛ يعني: يدخلُ توبة التائبين في ذلك الباب، فمن مات قبل غلقه قُبلت توبتُه. ((لا يغلق)) ذلك الباب ((ما لم تطلع الشمس مِن قِبَلهِ))؛ أي: من جانب الباب. (وذلك قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ﴾))؛ أي: بعض العلامات التي يظهرها ربك إذا قَرُبَت القيامة . ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِمَتُهَالَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ ﴾ [الأنعام: ١٥٨]. ١٦٨٤ - وقال: ((لا تَنْقِطِعُ الهِجْرةُ حتى تَنقطِعَ الثَّوبةُ، ولا تَنْقَطِعُ الَّوبةُ حتى تطلعَ الشمسُ مِن مغربها)). ((وعن معاويةَ ﴿﴾ أنه قال: قال رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تنقطعُ الهجرةُ حتى تنقطعَ التوبةُ))؛ أراد بالهجرة هنا: الانتقال من الكفر إلى الإيمان، ومن دار الشرك إلى دار الإسلام، ومن المعصية إلى التوبة . ((ولا تنقطعُ التوبةُ حتى تطلعَ الشمسُ من مغربها)). ١٤٧ ١٦٨٥ - وقال: ((إنَّ رجلَينِ كانا في بني إسرائيلَ مُتحابَيْنِ، أحدُهما مُجتهِدٌ في العِبادَةِ والآخرُ مُذْنِبٌ، فجعَلَ المُجتهِدُ يقولُ: أَقْصِرْ عمَّا أنتَ فيهِ، فيقولُ: خَلِّنِي وَرَبي، حتى وجَدَهُ يوماً على ذنْبٍ استعظمَهُ، فقال: أَقْصِرْ، فقالَ: خَلِِّي وَرَبي، أَبُعِثْتَ عليَّ رَقِيباً؟ فقال: والله لا يغْفِرُ الله لكَ أبداً، ولا يُدْخِلُكَ الجنَّةَ، فبعث الله إليهما مَلَكاً، فقبَضَ أَرواحَهما، فاجتمعا عنْدَه، فقالَ للمُذِنِبِ: أُدْخُلْ الجنَّةَ برحمتي، وقالَ للآخرِ: أنَستطِيعُ أنْ تَحْظُرَ على عَبْدي رحمتي؟ فقالَ: لا يا ربِّ، قال: اذهبُوا بهِ إلى النارِ)). ((وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله وَله: إن رجلين كانا في بني إسرائيل متحابّين))؛ أي: تجري بينهما المودة والمحبة. ((أحدُهما مجتهدٌ بالعبادة))؛ أي: مبالغٌ فيها، ((والآخر يقول: مذنب))؛ أي: أنا مذنبٌ. ((فجعل))؛ أي: طَفِقَ ((المجتهدُ يقول)) للمذنب: ((أقصر))؛ أي: امتنع ((عما أنت فيه)) من الذنب. ((فيقول))؛ أي: المذنب: ((خَلِّني وربِّي))؛ أي: اتركني معه فإنه غفور رحیم. ((حتى وجده يوماً))؛ أي: المجتهدُ المذنبَ ((على ذنبٍ استعظَمه)) المجتهدُ. ((فقال: أقصِرْ، قال: خَلِّني وربي، أَبَعِنْتَ))، استفهام بمعنى الإنكار؛ أي: أُرْسِلْتَ ((عليَّ رقيباً؟))؛ أي: حافظاً، يعني: ما أمرك الله أن تحفظَني. ((فقال:))؛ أي: العابدُ للمذنب. ((والله لا يغفرُ الله لكَ أبداً)؛ لأنك مذنبٌ. ((ولا يُدْخِلُكَ الجَنَّة، فبعث الله تعالى إليهما مَلَكاً فقبض أرواحَهما ١٤٨ فاجتمعَا عنده))؛ أي: أُحيَيا بعد الموت كما يُحْيَى سائرُ الأموات في القبور لجواب المنکر والنکیر . ((فقال للمذنب: ادخل الجَنَّة برحمتي))، أنا عند ظن عبدي بي، فإذا ظنتَني غفوراً رحيماً فقد غفرت لك ورحمتك. (وقال للآخر: أتستطيع أن تحظُرَ))؛ أي: تمنعَ وتُحرِّم ((على عبدي رحمتي، فقال: لا يا رب! فقال: اذهبوا به إلى النار))، إدخاله النار كان مجازاةً له على قَسَمِه بأن الله لا يغفر للمذنب ذنبه؛ لأنه جعل الناسَ آیسین من رحمة الله، وحگم بأن الله غیر غفور. ١٦٨٦ - عن أَسْماءَ بنتٍ يَزِيْدَ قالَتْ: سمعتُ رسولَ اللهِوَله يقولُ: ((﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّاللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًاً﴾، وَلا ییالي)، غريب. ((وعن أسماءَ بنت يزيدَ - رضي الله عنها - أنها قالت: سمعتُ رسولَ الله ◌ِّو يقول: يقول الله تعالى: ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَُّوا﴾))؛ أي: لا تقولوا: نحن منقطعون محرومون ﴿مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾؛ بكثرة ذنوبنا، بل ينبغي أن تكونوا في الرجاء. ((﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًاً﴾، ولا يبالي)) بغفرانها جميعاً؛ لأنه غفورٌ رحیم. ((غریب)). ١٤٩ ١٦٨٧ - عن ابن عبّاسٍ ﴾ في قوله: ﴿إِلَّا الَّمَ﴾: قالَ رسولُ الله ◌ِكالآتى : وأَيُّ عَبْدٍ لكَ لا أَلَمَّا))، غريب (إنْ تَغْفِرِ اللهمَّ تَغْفِرْ جَمَّاً ((وعن ابن عباس ﴾: في قوله تعالى: ﴿وَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْمُسْنَى الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَحِشَ﴾ [النجم: ٣١ -٣٢])»: كبائر الإثم: كل ذنبٍ فيه حَدٌّ، والفواحش: الزنا خاصةً. ﴿إِلَّ اللََّمَ﴾ [النجم: ٣٢] بفتح اللام؛ أي: الصغائر، يعني: ويجزي المحسِنِين المجتِبين كبائرَ الإثم والفواحش إلا اللَّمَمَ، فإنهم لا يقدِرون أن يجتنبوها؛ لأن الأمم غير معصومين عنها، فإنها تُغفَرُ لهم بالتوبة والطاعة . ((قال رسول الله وَله: إن تَغْفِرِ اللهم تغفِرْ جَمّاً)؛ أي: كثيراً، يعني: إن تغفر ذنوبَ عبادِك فقد غفرتَ ذنوباً كثيرةً، فإنَّ جميعَ عبادِك كلهم خطَّاؤون . ((وأي عبدٍ لكَ لا ألمًّا)): يقال: ألمَّ إذا فعل اللَّمَم، وهذا البيتُ من أشعار أمية بن الصَّلْت قرأه رسول الله - عليه الصلاة والسلام - استشهاداً بأن المؤمن لا يخلو من اللَّمَم. ((غريب)). * * ١٦٨٨ - عن أبي ذَرِّ ﴾ قال: قالَ رسولُ اللهِوَله: ((يقولُ الله تعالى: يا عبادِي!، كلُّكم ضافٌّ إلاَّ مَنْ هَدَيْتُهُ، فَسَلوني الهُدَى أَهْدِكم، وكلُّكم فُقراءُ إِلَّ مَن أَغْنَيْتُ، فَسَلُونِي الرِّزْقَ أَرْزُقْكم، وكلكُم مُذِنِبٌ إلا مَنْ عافَيْتُ، فمَن عَلِمَ منكم أني ذُو قُدرةٍ على المغفرةِ فاستغفرَنِي غَفَرَتُ لهُ، ولا أبالي، ولو أنَّ أَوَّلَكم وآخِرَكم، وحَيّكم وميتكم، ورَطْبَكم ويابسَكم، اجتمعُوا على أَنْقَى قلْبٍ عبدٍ مِن عِبَادي ما زادَ ذلكَ في مُلْكِي جَناحَ بعَوضَةٍ، ولو أنَّ أوَّلَكم ١٥٠ وآخِرَكم، وحَيَّكم ومَيتكم، ورَطْبَكم ويابسَكم اجتمعُوا على أشقَى قلْبٍ عبْدٍ مِن عبادي ما نقصَ ذلكَ من مُلْكِي جَناحَ بَعُوضَةٍ، ولو أنَّ أَوَّلَكم وآخِرَكم، وجِنَّكُم وإِنْسَكم، ورَطْبَكم ويابسَكم اجتمعُوا فِي صَعيدٍ واحدٍ، فسأَلَ كلُّ سائلٍ مِنكم ما بلغَتْ أُمنَيَّتُهُ، فَأَعطيتُ كلَّ سائلٍ منكم مَسْأَلَتَهُ ما نقَصَ ذلكَ مِن مُلْكي إلاَّ كما لو أنَّ أحدكم مَرَّ بالبَحْرِ، فَغَمَسَ فيه إبرَةً، فَرفَعَها، ذلكَ بَنِّي جَوادٌ ماجدٌ، أَفْعلُ ما أُريدُ، عطائي كلامٌ، وعَذابي كلامٌ، إنَّما أمري لشيءٍ إذا أردتُ أنْ أقولَ لهُ: كُنْ، فيكونُ». ((وعن أبي ذرٍ ه أنه قال: قال رسول الله وَ﴾: يقول الله تعالى: يا عبادي! كلُّكم ضالٌّ إلا مَن هديتُه، فاسألوني الهدى أَهْدِكم، وكلُّكم فقراءُ إلا من أَغنيت فاسألوني الرِّزْق أَرْزُقْكم، وكلكم مذنبٌ إلا مَن عافيتُ))؛ أي: إلا مَن أعْصِمُه من الأنبياء والصِّدِّيقين، فوضَع (عافيتُ) موضعَ (عَصَمْتُ)؛ ليشعر بأن الذنب مرضٌ ذاتيٌّ، وصِحَّتُه عصمةُ الله تعالى منه. ((فمن عَلِمَ منكم أني ذو قدرةٍ على المغفرةِ فاستغفرَني غفرتُ له ولا أُبالي، ولو أن أَوَّلَكم وآخرَكم وحيَّكم وميتكم ورَطْبَكم ويابسَكم))؛ أراد بالرَّطْب: الصغائر، وباليابس: الكبائر، أو بالرَّطْب: الشجر، وباليابس: المَدَرَ والحَجَر، أو البحر والبر؛ أي: أهلَهما؛ أي: لو صآر كل ما في البحر والبر من الشجر والحجَر والمَدَر والحيتان آدمياً. ((اجتمعُوا على أتقى قلبٍ عبدٍ من عبادي ما زادَ ذلك في مُلكي جناحَ بعوضةٍ))، وقيل: جاز أن يرادَ برطْبكم ويابسكم: عالِمُكُم وجاهِلُكم، أو شابُّكم وشیخکم، أو مطیعُكم وعاصیکم. ((ولو أن أولَكم وآخرَكم وحيَّكم وميتكم ورطْبَكم ويابسَكم اجتمعوا على أشقى قلب عبدٍ من عبادي ما نقصَ ذلك من ملكي جناحَ بعوضةٍ، ولو أن ١٥١ أولَكم وآخرَكم وحیَّكم ومیتكم ورطْبَكم ويابسَكم اجتمعوا في صعیدٍ واحدٍ»؛ أي: في أرضٍ . ((فسألَ كلُّ إنسانٍ منكم ما بلغتْ أُمنيته))، بضم الهمزة: هو اشتهاء النفس وإرادتها، يعني: كل حاجةٍ تَجري في خاطره. ((فأعطيتُ كل سائلٍ منكم مسألته ما نقصَ ذلك من ملكي إلا كما لو أن أحدكم مر بالبحر فغمَس))، بفتح الميم؛ أي: أدخلَ («فيه إبرةً ثم رفعَها، ذلك)): إشارة إلى قضاء الحوائج. (بأني جوادٌ))؛ أي: بسبب أني كثيرُ الجُود والكَرَم. ((ماجدٌ))؛ أي: كريمٌ واسعُ العطاء . ((أفعلُ ما أريدُ، عطائي كلامٌ، وعذابي كلامٌ))؛ يعني: لا أتعب بثوابٍ المطيع، ولا بعقاب العاصي، ولا بالجود والعطاء، بل يَكفي في حصوله ووصوله تعلَّق إرادتي به، فإني إذا أردتُ إيجاد شيءٍ لم يتأخَّرْ كونه عن تكلمي وأمري بقولي له: کنْ. ((إنما أمري لشيءٍ إذا أردت أن أقول له: كن فيكون))، هذا تفسيرٌ لقوله: (عطائي كلام وعذابي كلام). ١٦٨٩ - عن أنسٍ ﴿، عن النبيِّ وَّهِ: أنه قَرَأَ: ﴿هُوَ أَهْلُ النَّقْوَى وَأَهْلُ الْغْفِرَةِ﴾، قال: ((قالَ ربُّكم: أنا أَهْلٌ أنْ أَتَّقَى، فمَن اتَّقاني فَأَنَا أهلٌ أَنْ أَغفِر لهُ)) . (عن أنس : عن النبي - عليه الصلاة والسلام -: أنَّه قرأ: ﴿هُوَ أَهْلُ النَّقْوَى﴾))؛ أي: حقيقٌ بأن يُنَّقَى منه. ١٥٢ ﴿وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦]؛ أي: حقيقٌ بأن يَغْفِرَ لمن اتقاه. ((قال - عليه الصلاة والسلام - قال ربكم: أنا أهلٌ أن أَتَّقَى، فمن اتقاني فأنا أهلٌ أن أَغْفِرَ له)». ١٦٩٠ - عن ابن عُمر ﴾ قال: إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّ لرسولِ اللهِّهِ فِي المَجْلِسِ يقولُ: ((ربِّ اغْفِرْ لي، وَتُبْ عليَّ، إنَّكَ أنتَ الثَّوَّابُ الغَفورُ) - مائةَ مرةٍ. ((عن ابن عمر ﴿ه قال: إنْ كنَّا))، (إنْ) هذه مخففة من المثقلة. (نَعُدُّ لرسول الله ◌َّ: في المجلس))؛ أي: في المَجْلِس الواحد. (يقول: ربِّ! اغفرْ لي وتُبْ عليَّ، إنك أنت التواب الرحيم، مئةَ مرة))، نصبٌ على المصدر. ١٦٩١ - ورُوي عن رسولِ الله ◌َ﴿ه قال: ((مَن قالَ: أَستغفِرُ الله الذي لا إلهَ إلَّ هُوَ الحَيَّ القَيُّومَ، وأتوبُ إليهِ؛ غُفِرَ لهُ وإنْ كانَ فَرَّ مِن الزَّحْفِ»، غريب. ((عن زيدٍ بن يَسَار مولى رسول الله وَّ﴿ عن رسول الله وَّ﴾ قال: مَن قال: أستغفرُ الله الذي لا إله إلا هو الحي القَيُّوم)): روي منصوباً صفة الله، ومرفوعاً بدلاً، أو بياناً لقوله: هو. ((وأتوبُ إليه، غُفِرَ له وإن كان فَرَّ من الزَّحْف))؛ أي: من الحرب مع الكفار، قيل: هذا يدلُّ على أن الكبائر تُغْفَرُ بالتوبة والاستغفار. ١٥٣ فصل (فصل) مِنْ الصِّحَاحِ: ١٦٩٢ - قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لَمَّا قَضَى الله الخَلْقَ؛ كتبَ كِتاباً فهوَ عندَهُ فَوْقَ عَرْشِه: إنَّ رَحْمِتِي سَبَقَتْ غَضَبي)). وفي روايةٍ: ((غَلَبَتْ غَضَبِي)). ((من الصحاح)): ((عن أبي هريرة له أنه قال: قال رسول الله وَّهِ: لمَّا قضى الله الخَلْقَ»، المراد هنا الخلق؛ أي: لمَّا خَلَقَهم. ((كتبَ كتاباً))، قيل: المراد بالكتاب إما القضاء الذي قضاه وأوجبه، فعلى هذا يكون معنى قوله : ((فهو عنده فوقَ عرشه))؛ أي: فعِلْمُه عنده تعالى فوق العرش لا ينساه ولا ينسخه ولا يبدله، وأما اللوح المحفوظ المذكور فيه الخلق وبيان أحوالهم وأرزاقهم، والأقضية النافذة فيهم، وأحوال عواقب أمورهم، فحينئذٍ يكون معناه: فذكره عنده . ((إن رحمتي سبقتْ غضبي، وفي روايةٍ: غلبتْ غَضَبي)) ليس المراد من السبق هنا هو السبق الزماني؛ لأن غضبه ورحمته صفتان راجعتان إلى ثوابه وعقابه، وصفاتهُ لا تُوصَف بالسبق والغَلَبة لإحداهما على الأخرى، بل المراد منه: بيان سعة الرحمة وشمولها على الخلق حتى كأنها السابق والغالب، وإن أريد بالرحمة والغضب آثارُهما يَتحقَّق فيهما السبق والغلبة . ١٦٩٣ - وقال: ((إنَّ اللهِ مائةَ رَحْمةٍ، أَنْزَلَ مِنها رحمةً واحدةً بينَ الجِنِّ ١٥٤ والإِنْسِ والبَهَائِمِ والهَوامٌّ، فَبها يَتعَاطَفُونَ، وبها يَتَراحمُونَ، وبها تَعْطِفُ الوَحْشُ على وَلَدِها، وأَخَّر تِسْعاً وتسعينَ رحمةً يَرحَمُ بها عِبادَهُ يومَ القِيامةِ». وفي روايةٍ: ((فإذا كانَ يومُ القِيامةِ أَكْمَلَها بهذهِ الرَّحمةِ». ((وعنه عن النبي - عليه الصلاة والسلام - قال: إن الله تعالى مئة رحمةٍ، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهَوَامِ»، رحمة الله غير متناهية فلا يُحيطُها التقسيم، وإنما أراد ◌َّ أن يضرِبَ لأمته مثلاً فيعرفوا به التفاوت الذي بين قِسْط أهل الإيمان من الرحمة في الآخرة وبين قِسْط كافة المرحومين في الدنيا . ((فبها))؛ أي: بتلك الرحمة الواحدة. (يتعاطَفون))؛ أي: يوصلُ الرأفة والشفقةَ بعضُهم إلى بعض. ((وبها يتراحمون، وبها تعطِفُ الوحشُ على وَلِدِها))؛ يعني: كلُّ شفقةٍ ورحمةٍ تصِلُ من بني آدم إلى آدميٍ، وكذا من جنٍّ إلى جنيٍ، ومن الحيوان إلى آخر من جنسه، أو من غير جنسه كلُّ ذلك نتيجةُ تلك الرحمةِ الواحدة التي أنزلها بین خلقه. (وأخَّر تسعاً وتسعين رحمةً يرحم بها عباده يوم القيامة)). ((وفي رواية)) سلمان: ((إذا كان يوم القيامة أكملَها))؛ أي: الرحمة الواحدة التي أنزلَها في الدنيا . (بهذه الرحمة))، التي أخَّرها حتى يصيرَ المجموع مئة رحمة، فيرحم بها عباده من الأنبياء والمؤمنين، وفيه دليلٌ على الإطماع في رحمته تعالى وعلى کثرتها . ١٥٥ ١٦٩٤ - وقالَ النبيُّ ◌َّهِ: ((لو يَعلَمُ المؤمنُ ما عندَ الله من العُقوبَةِ ما طَمِعَ بجثَّتَهِ أَحَدٌ، ولَو يَعلمُ الكافِرُ ما عندَ الله مِن الرحمةِ ما قَنِطَ مِن جَنَّهِ أحدٌ». ((وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله وَّه: لو يعلمُ المؤمنُ ما عندَ الله من العقوبةِ ما طَمِعَ بجنَّتِهِ أحدٌ))، فيه بيانُ كثرةِ عقوبتِهِ كي لا يغترَّ مؤمنٌ برحمته فيأمنَ من عذابه. ((ولو يعلمُ الكافر ما عند الله من الرحمة)) إذا دخلَ في الإسلام. ((ما قنطَ من جنته أحد)»، فيه بيانُ كثرةِ الرحمة كي لا يخافَ كافرٌ من الإيمان بعد سنينَ كثيرةٍ كان في الكفر . ١٦٩٥ - وقال: ((الجنةُ أَقْربُ إلى أحدِكُم من شِرَاكِ نَعْلِهِ، والنَّارُ مِثْلُ ذلك» . ((وعن ابن مسعودٍ أنه قال: قال رسول الله وَله: الجنةُ أقربُ إلى أحدكم من شراكِ نعلِه، والنارُ مثل ذلك))، إشارةٌ إلى المذكور؛ أي: النار مثلُ الجنة في كونها أقربَ من شِرَاك النعل، وإنما كانت الجنةُ والنارُ كذلك؛ لأن سبب دخولهما مع الشخص وهو العمل الصالح والسيئ= هو أقربُ إليه من شِراك نعله . ١٦٩٦ - وقال: ((قالَ رجلٌ لَمْ يَعمِلْ خَيْراً قطُّ لأهلهِ، وفي روايةٍ: أَسَرفَ رجلٌ على نْفُسِهِ، فلمَّا حضَرَهُ المَوتُ أَوصَى بنيهِ: إذا ماتَ؛ فحَرَّقوهُ، ثم اذْرُوا نصْفَه في البرِّ، ونصفَهُ في البَحرِ، فَوَالله لِئِنْ قَدَرَ الله عليهِ ليُعذِّبِنْهُ عَذاباً لا يُعذّبُه أَحَداً مِن العالَمينَ، فلمَّا ماتَ فعَلُوا ما أَمَرَهم، فأَمَرَ الله البَحْرَ، فجمعَ ما فيهِ، ١٥٦ وأَمَرَ البرّ، فجمَعَ ما فيهِ، ثم قالَ لهُ: لِمَ فعلتَ هذا؟ قال: مِن خَشْيَتِكَ يا ربّ، وأنتَ أعلمُ! فغَفَرَ لهُ» . ((وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسولُ الله ◌َِّ: قال رجلٌ لم يعمل خيراً قطُّ لأهله))، يُعلمَ منه: أن عمل الخير يتعدّى منه إلى أهله وذوي قرابته، وأنه لم يعمل خيراً لنفسه أيضاً؛ لأنه لو عمل لنفسه يتعدى منه إليهم. ((وفي روايةٍ: أسرفَ رجلٌ على نفسه))؛ أي: أكثرَ من الذنوب. («فلمَّا حضره الموتُ أوصَى بنيه إذا ماتَ فحرقُوه، ثم اذرُوا نصفه)»؛ أي : فَرِّقوا نصفَ رماده ((في البر، ونصفَه في البحر، فوالله لئن قدرَ الله علیه))؛ يعني: لئن ضيّق الله عليه الأمرَ بالمؤاخذة والمعاتبة. ((ليعذبنه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، فلَّما مات فعلوا ما أمرهم فأمر الله البحرَ فجمع ما فيه، وأمر البرَّ فجمع ما فيه، ثم قال له: لم فعلتَ هذا؟ قال: مِن خشيتك يا ربِّ، وأنت أعلمُ، فغفرَ له))، وإنما غفرَ الله له؛ لأنه ليس منكِراً للبعث، بل من خشية البعث؛ جهلاً وظناً أنه إذا فعل ذلك تُرِك فلم ينشَر ولم يعذَّب. ١٦٩٧ - وقال عُمر بن الخَطَّب ◌َ﴿ه: قَدِمَ على النبيِّلَّهِ سَبْيٌّ، فإذا امرأةٌ مِنَ السَّبْي قد تَحَلَّبَ ثَدْيُها تَسعَى، إذا وَجَدَتْ صبياً في السَّبْي أخذَتْهُ، فَأَلصَقَتْهُ بيَطْنِها، وأرضعَتْهُ، فقالَ لنا النبيُّ وَهِ: ((أَتُرَوْنَ هذهِ طارِحَةً ولدَها في النارِ؟ ))، قلنا: لا وهي تقدرُ على أنْ لا تَطْرَحَهُ، قال: ((لَلَّهُ أرحمُ بعبادِهِ من هذه بولدها». ((وعن عمر بن الخطاب: قدِمَ على النبي - عليه الصلاة والسلام - سبيٌ، ١٥٧ فإذا أمرأةٌ من السَّبْي قد تحلَّبَ ثديُها))؛ أي: سال لبن ثديها؛ لكثرته بعدم ولدِها معها . (تَسْعَى))؛ أي: فيما تكلّف من العمل، أو في طلب ولدِها فتجيء وتذهَب . ((إذا وجدت صبياً من صبيان السبي أخذتْه، فألصقتْه ببطنها وأرضعته)) من غاية شفقتها على ولدها؛ لأنها إذا حنَّتْ على ولد غيرها كانت على ولدِها أحنَّ. ((فقال النبي - عليه الصلاة والسلام -: أَتُرَوْنَ هذه طارحةً))؛ أي: تظنُّون أنها تطرَحُ ((ولدها في النار))، مع شدة شفقتها عليه. ((قلنا: لا))؛ أي: لا تكون طارحةً فيها. ((وهي تقدِر))، الواو للحال؛ أي: حالَ قدرتها. ((على أن لا تطرحَه، قال: الله أرحمُ بعباده من هذه بولدها))، وفائدة هذه الحال أنها إن اضطرت يمكن طرحُها، والله تعالى منَزَّهُ عن الاضطرار، فلا يَطرَحُ عبدَه في النار البتةَ. ١٦٩٨ - وقال: ((لن يُنجِيَ أَحَداً منكم عملُه!))، قالوا: ولا أنتَ يا رسولَ الله؟ قال: ((ولا أنا، إلاَّ أنْ يتغمَّدَنيَ الله منهُ بِرَحْمتِهِ، فسدِّدوا، وقارِبُوا، واغْدُوا ورُوحُوا، وشيئاً مِن الدُّلْجَةِ، والقَصْدَ القَصْدَ تَبْلُغُوا)). ((وعن أبي هريرةَ أنه قال: قال رسولُ الله وَّ: لن يُنجيَ أحداً منكم عملُه))؛ يعني: لن يتخلَّصَ أحدٌ منكم ((من النار بعمله، ولن يدخل الجنة بعمله إلا بفضلِ الله ورحمته)) يريد ◌َل﴿ أن ينبِّه أمتَه على ألا يتَّكِلوا على أعمالهم اغتراراً بها، ويبين أن النجاة والفوزَ برحمته وفضله والعمل غير مؤثِّر فيهما إيجاباً. ١٥٨ ((قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمَّدني الله برحمته))؛ أي: يستُرَني بها ويحفظَني كما يُحفَظ السيفُ بالغمد. ((فسدِّدو)؛ أي: بالِغُوا في السَّدَاد؛ يعني: اجعلوا أعمالكم مستقيمةً على الحق. ((وقارِبُوا))؛ أي: اطلبُوا قُربةَ الله بقدر ما تُطِيقُون بلا إفراطٍ وتَفْرِيط. ((واغدُوا»؛ أي: امشُوا في طاعة الله في أول النهار. ((رُؤْحُوا))؛ أي: امشُوا في آخر النهار في طاعة الله. ((وشيءٌ من الدُّلجة))، وهي - بضم الدال -: آخرُ الليل؛ أي: ليكن في مشيكم شيءٌ منها، فيقع بعض طاعتكم في الليل، أو (شيء): مبتدأٌ محذوفٌ الخبر؛ أي: وشيءٌ منها مطلوبٌ فيه عملُكم. ((والقصدَ القصدَ»، نصب بمقدَّر؛ أي: الزموا الطريقَ المستقيمَ الوسطَ في العمل، أو خذُوا الأمورَ بلا غلوٍّ ولا تقصير. ((تبلُغوا))، جزم بجواب الأَمر؛ أي: تبلغوا المَقْصد. ١٦٩٩ - وقال: ((لا يُدْخِلُ أَحداً منكم عملُهُ الجنَّةَ، ولا يُجيرُه مِن النَّارِ، ولا أنا، إلا برحمة الله تعالى)). ((وعن جابر ه أنه قال: قال رسول الله وَل﴾: لا يُدْخِلُ أحداً منكم عملُه الجنةَ ولا يجيره))؛ أي: لا يخلُّصه ولا ينجيه ((من النار، ولا أنا، إلا برحمة اله)). ١٥٩ ١٧٠٠ - وقال: ((إذا أَسلَمَ العبْدُ فحَسُنَ إسلامُهُ يُكفِّرُ الله عنهُ كلَّ سيئةٍ كانَ زلَفَها، وكانَ بَعْدُ القِصاصُ: الحسَنةُ بعَشْرٍ أَمثالِها إلى سبعمائةٍ ضعْفٍ، والسَّيئةُ بمِثْلِها إلا أنْ يَتَجاوَزَ الله عنها)). ((وعن أبي هريرة به أنه قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: إذا أسلمَ العبدُ فحَسُنَ إسلامه)» بکونه عن إخلاص. ((يكفِّرُ الله))؛ أي: يستُر ((عنه)) ويعفو ((كلَّ سيئةٍ كان زفَّها))؛ أي: قدَّمَها وأسلفها قبل الإسلام. ((وكان بعدُ)) بالضم؛ أي: بعد التفكّر بالإسلام، أو بعد الإسلام. ((القصاصُ))، بالرفع؛ أي: المجازاةُ واتِّباع كلِّ عمل بمثله، وفي بعض النسخ بالإضافة . ((والحسنة))، بواو العطف في بعض النسخ؛ يعني: كانت الحسنة بعد الإسلام ((بعشرِ أمثالها إلى سبع مئة ضعفٍ))، بخلاف قبل الإسلام، فإنه إذا عمل حسنةً في الكفر ثم أسلمَ يُعطَى لكلِّ حسنةٍ ثوابُ حسنة واحدة. ((والسيئةُ بمثلها إلا أن يتجاوز الله عنها))، وبدون العطف في بعض النسخ، فيكون بياناً للقصاص إلى المجازاة، والتَّبع الذي يفعل معه في حسناته وسيئاته یکون كذلك. ١٧٠١ - وقال: ((إنَّ الله كتبَ الحسَناتِ والسِّيئاتِ، فمَنْ هَمَّ بحسنةٍ فلمْ يَعْمِلْها كتبها الله لهُ عندَه حسَنةً كاملةً، فإنْ همَّ بها فعمِلَها كتبها الله لهُ عندَهُ عشرَ حسَناتٍ إلى سَبْعمائةِ ضعْفٍ إلى أَضعافٍ كثيرةٍ، ومَنْ همَّ بسِّيئةٍ فلمْ يعمَلْها كتبها الله لهُ عندَه حسَنةً كاملةً، فإنْ هوَ همَّ بها فَعَمِلَهَا كتَبها الله له سيئةً واحدةً». ١٦٠