Indexed OCR Text
Pages 81-100
((وَيفتَحُ لها))؛ أي: لدعوتِهِ ((أبوابَ السماء))، ورفعها وفتح أبواب السماء کنایتان عن سرعة قبول دعوته. ((ويقول الربّ جلَّ ذِكُرُه: وعِزَّتي! لأَنصُرَنَّكَ)) أَيّها المظلومُ ((ولو بعدَ حينٍ»، والحِين: يُستعمل لمطلقَ الوقت، ولستة أشهر، ولأربعين سنةً، والله أعلم بالمراد. يعني: لا أُضيع حقَّك ولا أردُّ دعاءَك ولو مضى زمانٌ طويلٌ؛ لأني حليمٌ لا أعجلُ عقوبةَ العباد، فلعلهم يرجعون عن الظلم والذنوب إلى التوبة وإرضاء الخصوم. ١٦١٥ - وقال: ((ثلاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَاباتٍ لا شَكَّ فيهنَّ: دعوةُ الوالِدِ، ودعوةُ المُسافِرِ، ودعوةُ المَظْلُومِ». ((وعنه أنه قال: قال رسول الله وَّ﴾: ثلاثُ دعواتٍ مستجاباتٍ لا شكَّ فيهن))، إنما أكَّدها به لالتجاء هؤلاء الثلاثة إلى الله بصدق الطلب، ورقة القلب، وانكسار البال. ((دعوة الوالد لولده))؛ لأنه لا يدعو له إلا على نعت الشفقة والرقة التامة، وكذا دعوته عليه؛ لأنه لا يدعو عليه إلا على نعت المبالغة من إساءته إليه، ويُقاس عليه دعوةُ الوالدة. ((ودعوة المسافر)): يحتمل أن تكون دعوتُهُ بالخير لمن أَحسنَ إليه، وبالشر لمن آذَاه وأساءَ إليه؛ لأن دعاءَه لا يخلو عن الرقة. ((ودعوة المظلوم))؛ لأنه مضطرٌ لِمَا بيَّنَّا. ٨١ ٢- باب ذِكْرِ اللّه ◌َنْ وَالتَّقْرُبِ إليهِ (باب ذكر الله تعالى والتقرب إليه) مِنَ الصِّحَاحِ: ١٦١٦ - قال رسول الله وَ﴾: ((لا يقعدُ قومٌ يَذْكُرُونَ الله إلا حقَّتهم الملائكةُ، وغَشِيَتَهم الرَّحمَةُ، ونزلَتْ عليَهم السَّكينةُ، وذكرَهم الله فيمن عنده». ((من الصحاح)): ((عن أبي هريرة وأبي سعيد أنهما قالا: قال رسول الله وَّه: لا يقعد قومٌ یذکرون الله إلا حقّتْهم الملائكةُ»؛ أي: أحاطت بهم. ((وغشيتهم الرحمةُ، ونزلتْ عليهم السَّكينةُ، وذكرَهم الله فيمَن عنده)): مرَّ شرحه في (كتاب العلم). ١٦١٧ - وقال: ((سَبَقَ المُفَرِّدونَ))، قالوا: وَمَا المُفَرِّدونَ يا رسولَ الله؟، قال: ((الذَّاكِرُونَ الله كثيراً والذَّاكِرَاتُ)). ((وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله (وَله: سَبَقَ المُفرِّدون)) بتشديد الراء وكسرها، من (فرّد): إذا اعتَزلَ وتخلَّى للعبادة، أو بالفتح والتخفيف من: أَفْرَدَ برأيه؛ أي: تفرَّد به؛ يعني: جعلَ نفسهَ فرداً ممتازاً بذِكر الله، أو جعلَ ربَّه فرداً بالذِّكر وتركَ ذِكرَ ما سواه. ((قالوا: وما المُفرِّدون يا رسولَ الله؟)): وإنما لم يقولوا: مَن هم؟ ٨٢ لقصدهم منه - عليه الصلاة والسلام - بيانَ المراد من الإفراد والتفريد، لا بيانَ مَن يقوم به الفعل، ولأنهم استخبروا عن معرفة هذا اللفظ عند الإطلاق، فكأنهم قالوا: وما صفةُ المفرِّدین؟ ((قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكراتُ))، والذِّكرُ الكثيرُ: هو ألا ينسى الربَّ تعالى على كل حالٍ، لا الذِّكرُ بكثرة اللغات. والمراد: المستخلصون لعبادة الله، المشتغلون بذِكرِه، المعتزلون عن الناس؛ فهَجَرُوا الخِلاَّنَ، وتركوا الأوطانَ والأسبابَ، ورفضوا الشهواتِ واللَّذاتِ؛ إذ لا يصحُّ للعبد مقامُ التفريد إلا بهذه الأشياء والانقطاع إلى الله. ١٦١٨ - وقال: ((مَثَلُ الذي يَذكُرُ رَّه والذي لا يذكرُ مثَلُ الحيّ والميتٍ)). ((وعن أبي موسى ه أنه قال: قال رسول الله وَله: مَثَلُ الذي يَذْكُرُ ربَّه والذي لا يَذْكُرُ مَثَلُ الحيِّ والميتِ)»: شبَّه الذاكرَ بالحَيِّ الذي تزيَّنَ ظاهرُه بنور الحياة وبالتصرف فيما يريد، وباطنُه منوَّر بنور العلم والفهم، كذلك الذاکِرُ مزيَّنٌ ظاهُره بنور العلم والطاعة، وباطنُهُ بنور العلم والمعرفة، وغيرُ الذاكِرِ كالميت؛ لأنه عاطلٌ ظاهرُه، وباطلٌ باطنُه. ١٦١٩ - وقال: ((يقولُ الله تعالى: أنا عندَ ظَنَّ عَبْدِي بي، وأنا معَه إذا ذَكَرَنِي، فإِنْ ذَكَرَنِي فِي نْفُسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وإنْ ذَكَرَنِي في ملأٍ ذَكَرْتُهُ في ملأٍ خیرٍ منهم». ٨٣ ((وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله وَله: يقول الله تعالى: أنا عند ظنّ عبدي بي))، معناه: أُعامِلُ العبدَ على حسن ظنّه بي، وأفعلُ به ما يتوقَّعه مني. والمراد: الحثُّ على حسن الظن بالله، وتغليب الرجاء على الخوف، والظنُّ هنا بمعنى: اليقين والاعتقاد، لا بمعنى: الشك. ((وأنا معه))؛ أي: مع عبدي (إذا ذَكَرَني))، أراد به: المَعيَّة بالمعونة والرحمة والتوفيق، وقيل: بالعلم؛ أي: أنا عالِمٌ به، لا يَخْفَى عليَّ شيءٌ من قوله . ((فإِنْ ذَكَرَني في نفسه))؛ أي: سرّاً وخفيةً؛ إخلاصاً وتجنُباً عن الرِّياء ((ذكرتُهُ في نفسي))؛ أي: أُسُّ بثوابه، لا أَكِلُهُ إلى أحدٍ من خلقي، وذِكرُه تعالى العبد: هو حسنُ القَبول منه، والمجازاةُ له بالحُسنى. (وإنْ ذَكَرَني في ملأ))؛ أي: بين جماعةٍ من المؤمنين ((ذكرتُه في ملأ خيرٍ منهم)) يريد بهم: الملائكةَ المقرَّبين وأرواحَ المرسلين، واختلف في خيرية الملائكة من البشر. والمختار: أن خواصَّ البشرِ كالأنبياء خيرٌ من خواصِّ الملائكة، وأما عوامُ البَشَر فليسوا بخيرٍ من الملائكة أصلاً، لا من خواصِّهم ولا من عوامُّهم. فمعنى قوله: (في ملأ خير منهم)؛ أي: خيرٍ منهم حالاً؛ فإن حالَ الملائكة خيرٌ من حال الإنس في الجدِّ والطاعة، قال تعالى فيهم: ﴿لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، وأحوالُ المؤمنين مختلفةٌ بين طاعةٍ ومعصيةٍ، وجدٍّ وفتورٍ . ٨٤ ١٦٢٠ - وقال: ((مَنْ جاءَ بالحسَنةِ فلهُ عَشْرُ أمْثالِهَا وأَزِيدُ، ومَنْ جاءَ بالسَيئةِ فجَزاءُ سيئةٍ مثلُها أو أَغفِرُ، ومَنْ تَقَرَّبَ شِبراً مِنِّي تَقَرَّبْتُ منه ذِرَاعاً، ومَنْ تَقَرَّب منِّ ذِراعاً تقرَّبْتُ منهُ باعاً، ومَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَيْتُهُ هَرْوَلَةً، ومَنْ لَقِي بقُرابِ الأَرضِ خَطيئةً لا يُشْرِكُ بي شيئاً لَقِيتُهُ بِمِثلِها مغفرةً» . ((وعن أبي الدرداء أنه قال: قال رسول الله ◌َّه: قال الله تعالى: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها))؛ أي: عشرُ حسناتٍ أمثالها، حُذف المميزُ الموصوفُ وأُقيمت الصفةُ مقامَه. ((وأزيدُ))؛ أي: من عشر أمثالها إلى سبع مئة. ((ومَن جاء بالسيئة فجزاءُ سيئةٍ مِثلُها أو أغفرُ))؛ أي: تلك السيئةَ؛ فإني غفورٌ رحيمٌ. (ومَن تقرَّب))؛ أي: طلبَ بالطاعةِ قُربةً ((مني شبراً)؛ أي: مقداراً قليلاً ((تقرَّبت منه ذراعاً))؛ أي: أوصلت رحمتي إليه مقداراً أزيدَ منه. ((ومَن تقرَّب مني ذراعاً تقرَّبت منه باعاً): وهو قَدْر مد اليدَين وما بينهما من البدن، وعلى هذا: كلَّما زادَ العبدُ قربةً زاد من الله تعالى رحمةً فذِكرُ الذراعِ والباع للتمثيل والتصوير لأفهامهم لمجازاة العبد فيما يتقرّب به إلى ربِّه بمضاعفة لطفه وإحسانه . ((ومَن أتاني يمشي أتيتُه هرولةً))؛ أي: بين المشي والعَدْوِ؛ يعني: مَن تقرَّب إليَّ بسهولةٍ وصل إليه رحمتي بسرعة . ((ومَن لقيَتي))؛ أي: جاءَني. (بقِرَابِ الأرض)) بكسر القاف؛ أي: بما يقارب مِلأَّها. ((خطيئةً لا يُشرِك بي شيئاً): حال من فاعل (لقيني) العائد إلى (مَن). ((لقيتُه بمثلها مغفرةً): هذا بيان لكثرة مغفرته؛ كيلا ييئس المذنبون عنها ٨٥ لكثرة الخطيئة، ولا يجوز لأحدٍ أن يغترَّ بهذا ويُكثِرَ الخطيئةَ؛ فإنه يَغْفِرُ لمن يشاء ويعذِّب من يشاء، فلا يعلم أنه مِن أیهم. * ١٦٢١ - وقال: ((إنَّ الله تعالى قال: مَنْ عَادَى لِيْ وَلِيّاً فقد آذَنْتُهُ بالحَرْبِ، وما تَقَرَّبَ إليَّ عبدي بشيءٍ أحبّ إليَّ ممَّا افتَرَضْتُ عليهِ، وما يَزالُ عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنَّوافِلِ حتى أُحِبَّهُ، فإذا أَحبيْتُهُ، كنتُ سَمْعَهُ الذي يَسمعُ به، وبصَرَهُ الذي يُبْصِرُ به، ويدَه التي يَبطِئُ بها، ورجلَه التي يمشي بها، وإنْ سألني الأُعطِيَنَّهُ، ولئنْ استَعاذَ بي لأُعيذَنَهُ، وما تردّدتُ في شيءٍ أنا فاعَلُهُ تَرَدَّدِي عن نفْسِ المُؤمنِ، يَكْرَهُ المَوتَ، وأنا أُكْرَهُ مَسَاءَتَه، ولا بُدَّله مِنه)). ((وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله وَل﴿ إن الله تعالى قال: مَن عادَی))؛ أي: آذَى. (لي ولياً من أوليائي)): فعيل بمعنى: مفعول، وهو مَن يتولَّى الله أمرَه ولا يَكِلُه إلى نفسه لحظةً، قال تعالى: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَى الصَّلِحِينَ ﴾ [الأعراف: ١٩٦]، أو المبالغة فاعل، وهو المتولِّي عبادةَ الله وطاعتَه على التوالي بلا تخلَّلِ عصيانٍ. ((فقد آذنتُه بالحرب)»: الضمير للوليِّ، وضمير الموصول محذوف؛ أي: أَعلمتُ الوليِّ بالمحاربة مع مَن عاداه، ويجوز أن يعودَ إلى الموصول، فمعناه: أعلمتُ مُعادِي الوليِّ بمحاربتي معه لأجل وليِّي. ((وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبّ إليَّ مما))؛ أي: مِن أداء ما ((افترضتُ عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبَّه))، فيه بيان: أن أحبَّ أنواع العباداتِ المتقرَّبِ بها إليه تعالى هو المفروضُ عليهم، وأن محبتَه تعالى العبدَ هو للتقرُّب بالنوافل الزائدة على الفرائض. ٨٦ (فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يَسمعُ به، وبصرَه الذي يُبصر به، ويدَه الذي يَبطِئُ بها، ورِجله التي يمشي بها))، قيل: هذه أمثالٌ ضربَها، والمعنى: توفيقُه تعالى في أعماله التي يُباشرها بهذه الأعضاء؛ أي: يُسِّر عليه فيها ما يحبُّه به، ويَعصمُه عن مواقعة ما يكرهُه من إصغاء إلى لهوٍ بسمعه، ونظرٍ منهيٍّ ببصره، وبطشٍ لا يحلُّ بیدِه، وسعيٍ في باطلٍ برِجلِهِ. وقيل: معناه: سرعة إجابة الدعاء وإنجاح الطلبة؛ أي: كنتُ أسرعَ إلى قضاء حوائجه مِن سمعِه في الاستماع، ومِن بصرِهِ في النظر، ومِن يدِه في اللمس، ومِن رِجلِه في المشي؛ وذلك لأن مَسَاعي الإنسان إنما تكون بهذه الجوارح الأربعة. ((وإنْ سألَني لأعطَيَنَّه، وإن استعاذَني لأُعيذَنَّه، وما تردّدت عن شيءٍ أنا فاعلُه ترؤُّدي عن نفس المؤمن))، المراد من إسناد التردُّد إلى الله تعالى: باعتبار غايته ومنتهاه، الذي هو التوفيق في الأمر، والتأنِّي وترك المُعاجَلَة؛ أي: ما توقَّقت توقُّفَ المتردِّد في أمرِ أنا فاعلُه إلا في قبضٍ نفسِ المؤمن؛ فإني أتوقَّفُ فيه، وأَزيدُ ما أعددتُ له من النِّعَمِ والكرامات؛ حتى يميلَ قلبُه إلى الموت شوقاً إلى لقائي. (كره الموتَ)): استئناف عمَّن قال: ما سببُ تردُّدك؟ أراد به: شدة الموت، لأن الموت نفسَه يُوصِل المؤمنَ إلى لقاء الله، فكيف يكرهُه المؤمُن؟ ((وأنا أَكرَهُ مَساءتَه))؛ أي: إيذاءَهُ بما يلحقه من صعوبة الموت وكُرَبِه. ((ولابدَّ له))؛ أي: للعبد ((منْه)). ١٦٢٢ - وقال: ((إنَّ للهِ ملائكةٌ يَطُوفونَ فِي الظُّرُقِ يلتمِسُونَ أهلَ الذِّكرِ، فإذا وَجَدُوا قَوماً يذكرونَ الله تَنَادَوا: هَلُمُّوا إلى حاجَتِكُمْ، قال: فَيَحُفُّونَهم ٨٧ بأَجْنِحَتِهِم إلى السّماء الدُّنيا، فإذا تَفَرَّقُوا عَرجُوا إلى السَّماءِ، قال: فَيَسْألُهم الله وهو أَعلَمُ بهم: مِنْ أينَ جئتُم؟، فيقولونَ: جِئْنَا مِنْ عِندِ عِبادِكَ في الأَرضِ، قال: فيسألُهم ربُّهم وهو أَعْلَمُ بهم: ما يقولُ عبادي؟، قالوا: يُسَبحونَكَ، ويُكَبِرُونَكَ، ويَحمِدُونَكَ، ويُهَلِّلُونَكَ، ويُمَجِّدُونَكَ، قال: فيقول: هل رَأَوْنِي؟ قال: فيقولونَ: لا والله ما رَأَوْك، قال: فيقولُ: كيفَ لو رَأَوْنِي؟، قال: يقولونَ: لو رَأَوْكَ كانوا أَشَدَّ لكَ عِبادةً، وأشدَّ لكَ تَمْجيداً، وأكثرَ لكَ تَسْبیحاً، قال: فيقولُ: فما يسألوني، قالوا: يَسألونَك الجنَّةَ، قال: وهل رَأَوْهَا؟، قال: فيقولونَ: لا والله يا ربّ ما رَأَوْها، قال: يقولُ: فكيفَ لو رَأَوْهَا؟ قال: يقولونَ: لو أنَّهم رَأَوْها كانوا أشدَّ عليها حِرْصاً، وأشدَّ لها طَلَباً، وأعظمَ فيها رغبةً، قال: فيقولُ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذونَ؟، قال: يقولونَ: من النَّار، قال: فهل رَأَوْها؟ قال: يقولونَ: لا والله يا ربّ ما رَأَوْها، قال: يقولُ: فكيفَ لو رَأَوْها؟، قال: يقولونَ: لو رَأَوْها كانوا أَشَدَّ منها فِراراً وأشدَّ لها مخافةً، قالوا: ويَستغفِرُونَكَ، قال: فيقولُ: فَأُشْهِدُكم أَنِّي قد غفَرتُ لهم، وأَعطيتُهم ما سَأَلُوا، وأَجَرْتُهم مما استَجارُوا، قال: يقولُ مَلَكٌ مِنَ الملائكةِ: ربِّ فيهم فُلاذٌ ليسَ مِنْهُم، إنَّما جاءَ لحَاجَةٍ». وفي روايةٍ: ((يقولونَ: ربّ فيهم عبدٌ خطَّةٌ، إنَّما مَرَّ فجلَسَ معَهم، قال: فيقولُ: ولهُ غفَرَتُ، هُم القَومُ لا يَشْفَى بِهِمْ جَلِيسُهُم)). ((وعنه أنه قال: قال رسول الله وَّه: إن لله ملائكةً يطوفون في الطُّرُق يلتمسون)»؛ أي: يطلبون. ((أهلَ الذِّكر))؛ ليزورهم ويستمعوا ذِكرَهم. (فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تَنَادَوا))؛ أي: نادَى بعضُ الملائكة بعضاً: (هَلُقُوا))؛ أي: تعالَوا ((إلى حاجتكم)) من الزيارة واستماع الذِّكر. ٨٨ (قال))؛ أي: النبيُّ ◌َّهِ: ((فيحقُّونهم بأجنحتهم)) الباء: للتعدية؛ أي: يدورون بأجنحتهم حولَ جماعة الذاكرين، بأن يقفَ بعضُهم فوقَ بعضٍ ((إلى السماء الدنيا، فإذا تفرَّقوا))؛ أي: الذاكرون ((عَرَجُوا))؛ أي: الملائكةُ ((إلى السماء. قال: فيسألهم الله تعالى، وهو أعلمُ بهم: مِن أين جئتُم؟ فيقولون: جئنا من عند عبادك في الأرض، قال: فيسألهم ربُّهم، وهو أعلم بهم: ما يقول عبادي؟ قالوا: يسبِّحونك ويكبِّرونك ويحمدونك ويهلِّلونك ويمجِّدونك))؛ أي: ينسبونك إلى المجد، وهو الكَرَم. وقيل: التمجيد: ذِكر: لا حول ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم، وقيل: أصله لغةً: ذِكرُ الله بالعَظَمَة. ((قال: فيقول))؛ أي: الله تعالى: ((هل رَأَوني؟ قال: فيقولون: لا، والله ما رَأَوك، فيقول: كيف لو رَأَوني؟ قال ◌َّهِ: يقولون: لو رَأَوك كانوا أشدَّ لك عبادةً وأشدَّ لك تمجيداً وأكثرَ لك تسبيحاً، قال: فيقول فما يسألون؟ قالوا: يسألونك الجنةَ، قال: وهل رَأَوها؟ قال: فيقولون: لا، والله يا ربّ ما رَأَوها، قال: يقول: فكيف لو رَأَوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رَأَوها كانوا أشدَّ عليها حرصاً وأشدَّ لها طلباً وأعظمَ فيها رغبةً، قال: فممَّ يتعوَّذون؟ قال: يقولون: من النار، قال: وهل رَأَوها؟ قال يقولون: لا، والله يا ربّ ما رَأَوها، قال ◌َّ: يقول الله: فكيف لو رَأَوها؟ قال: يقولون: لو رَأَوها كانوا أشدَّ منها فراراً وأشدَّ لها مخافةً، قالوا: ويستغفرونك، قال: فيقول: فأُشهدكم أني قد غفرتُ لهم، وأَعطيتُهم ما سألوا، وأَجَرْتُهم مما استجاروا))؛ أي: أمَّنتهم مما يخافون، والاستجارة: طلب الأمان. ((قال: يقول مَلَكٌ من الملائكة: ربِّ))؛ أي: يا ربِّ! ((فيهم فلانٌ ليس منهم))؛ أي: إنه ليس من الذاكرين . ٨٩ ((إنما جاء لحاجةٍ))، يريد الملك بهذا: أنه لا يستحقُّ المغفرةَ. ((وفي رواية: يقولون: ربِّ! فيهم عبدٌ خطَّاءٌ))؛ أي: كثيرُ الخطأ، وقيل: ملازمٌ للخطايا . ((إنما ◌َّر، فجلس معهم، قال: فيقول: وله غَفرت))؛ أي: غَفرتُ لهذا العبد أيضاً ببركة الذاکرین . ((هُمُ القومُ لا يَشقَى بهم جليسُهم))؛ أي: لا يُحْرَمُ من الثواب، بل يجدُ من بر کتهم نصيباً. وفي هذا ترغيبٌ للعباد في مجالسة الصُّلَحاء؛ لينالوا نصيباً منهم. ١٦٢٣ - عن حَنْظَلة الأُسَيديّ: قال: انطلقتُ أنا وأبو بكْرِ حتَّى دخلْنا على رسولِ اللهِ وَ﴾ِ، قلتُ: نافَقَ حَنْظَلَةُ!، قال رسولُ الله ◌ِ﴾: ((مَا ذَاكَ؟))، قلتُ: نَكُونُ عندَكَ تُذَكِّرنا بالنارِ والجنةِ كأنَّا رَأْيَ عَيْنٍ، فإذا خرجْنا عافَسْنا الأَزْوَاجَ والأولادَ والضَّيْعَاتِ نَسِيْنا كثيراً، فقالَ رسولُ اللهِوَِّ: ((والذي نفْسي بيدِهِ، لو تَدُومونَ على ما تَكُونُونَ عندي وفي الذِّكرِ؛ لَصَافَحَتْكُمْ الملائكةُ على فُرُشِكُم وفي طُرقِكُم، ولكن! يا حنظلةُ ساعةً وساعةً)) ثلاثَ مرَّاتٍ. ((عن حنظلة الأُسَيدي)): وهذا حنظلة بن الرُّبَيع كاتبُ الرسول - عليه الصلاة والسلام -، لا حنظلةُ بن عامرٍ غسيلُ الملائكةِ. ((أنه قال: انطلقتُ أنا وأبو بكر حتى دخلْنا على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقلت: نافَقَ حنظلةُ))؛ أي: صارَ منافقاً، وذلك أنه إذا كان عند النبي ﴿ أَخلَصَ وزهدَ في الدنيا، وإذا خرجَ عنه تركَ ما كان عليه كفعل المنافقين . ٩٠ ((قال رسول الله ﴿: وما ذاك؟))؛ أي: لأيِّ شيءٍ تقول ذلك القولَ؟ ((قلت: نكون عندك تُذكِّرنا بالنار والجنة كأنَّا رأيَ عينٍ)): منصوب بإضمار (نرى)؛ أي: كأنَّا نراهما رأيَ عينٍ، وقيل: مصدرٌ أُقيم مقامَ اسم الفاعل؛ أي: كأنا رائينَ الجنةَ والنارَ بالعين. ((فإذا خرجْنا عافَسْنَا))؛ أي: خالَطْنَا. ((الأزواجَ والأولادَ))، والمراد: الاستمتاع بهم، والقيام بتدبيرهم. ((والضَّيعات))؛ أي: الأراضي والبساتين. ((فنسينا كثيراً)؛ أي: نسياناً كثيراً، إلى هنا بيانٌ من حنظلةَ لِمَا يتوقَّمه من نفسه من النفاق . ((فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: والذي نفسي بيده! لو تَدُومون على ما تكونون عندي وفي الذِّكر)»، الواو بمعنى: أو، عطف على قوله: (ما تكونون)، أو على قوله: (عندي)؛ أي: لو تدومون في الذِّكر، أو على ما تكونون في الذِّكر. (لَصافحتكم الملائكةُ))؛ أي: علانيةً. ((علی نُشِكم وفي طُرُقِكم))؛ أي: في حالتي فراغِكم وشغلِكم. ((ولكنْ يا حنظلةُ! ساعةً فساعةً)؛ أي: تكونون ساعةً في الحضور فتؤذُّون حقوقَ ربِّكم، وساعةً في الغَيبة والفتور فتؤدُّون حقوقَ أنفسكم، والفاء في الساعة الثانية لإيذانِ أنَّ إحدى الساعتَين معقبةٌ بالأخرى، وفي بعض النسخ : بالواو . ((ثلاث مرات)»: أعاد به ثلاثاً للتأكيد وإزالة عنه ما اتهمَ به نفسَه، وبيان أنهم لا يقدرون على دوام الحضور. ٩١ مِنَ الحِسَان: ١٦٢٤ - قال رسولُ اللهِ وَلِ: ((أَلَا أُنَبَئُكُم بخيرِ أعمالِكم، وأَزْكَاها عندَ مَلِيكِكُم، وأَرْفَعِها في دَرجائِكُم، وخيرٍ لَكُم مِن إنفاقِ الذَّهبِ والوَرِقِ، وخيرٍ لكم مِن أن تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ، فَتَضْرِبُوا أعناقَهُم ويَضْرِبُوا أعناقَكُم؟))، قالوا: بلى، قالَ: ((ذِكْرُ الله)). ((من الحسان)): ((عن أبي الدرداء أنه قال: قال رسول الله وَله: ألا أُنَبِّكم))؛ أي: أخبِرُكم (بخير أعمالكم وأزكاها))؛ أي: أطهرِها وأتمِّها. ((عندَ ملیککم))، المراد: هو الله تعالى. «وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والوَرِق، وخيرٍ لكم مِن أن تَلْقَوا عدَّوكم، فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟)) يريد: الجهاد مع الكفار؛ أي: بما هو خير لكم من بذل أموالكم ونفوسكم في سبيل الله تعالى. ((قالوا: بلى، قال: ذِكرُ الله)) المراد من هذا: هو الذِّكر القلبي؛ فإنه هو الذي له هذه المنزلة الزائدة على بذل الأموال والأَنْفُس؛ لأنه عملٌ نفسيٌّ، وفعلٌ قلبيٍّ الذي هو أشقُّ من عمل الجوارح، بل هو الجهاد الأكبر، لا الذِّكر اللِّساني المشتمل على صياحٍ وانزجاعٍ، وشدةِ تحريكِ العنقِ واعوجاجٍ، كما يفعله بعض الناس زاعمين أن ذلك جالبٌ للحضور، وموجبٌ للسرور، حاشا لله، بل هو سبب للغَيبة والغرور. ١٦٢٥ - وعن عبدالله بن بُسْرٍ قال: جاءَ أعرابيٌّ إلى النبيِّ وَ ﴿ِ، فقالَ: أَيُّ النَّاسِ خيرٌ؟، فقال: ((طُوبَى لمَنْ طالَ عمرُه وحَسُنَ عَمَلُه))، قال: يا رسولَ ٩٢ الله، أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟، قال: ((أنْ تُفَارِقَ الدُّنيا ولِسانُكَ رطْبٌ مِن ذكرِ الله)). ((وعن عبدالله بن بُسر أنه قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبي - عليه الصلاة والسلام - فقال: أيُّ الناسِ خيرٌ؟ فقال: طُوبى لمن طالَ عمرُه وحَسُنَ عملُه))، إنما عَدَلَ في الجواب إلى أَمَاراتٍ تدلُّ على حال المسؤول عنه من سعادته في الدارَين إذا طالَ عمرُه وحَسُنَ عملُه؛ لأن العلمَ بالمسؤول عنه من الأمور الغيبية التي استَأثَرَ الله تعالى بعلمها . ((قال: يا رسولَ الله! أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟ قال: أن تفارقَ الدنيا ولسانُك رطبٌ من ذِكر الله))؛ أي: متحركٌ بذِكرِهِ. ١٦٢٦ - وقال: ((إذا مَرَرْتُم برياضِ الجنَّةِ فارتَعُوا))، قالوا: وما رياضُ الجنةِ؟، قال: ((حِلَقُ الذِّكرِ)). ((عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله وَله: إذا مررتُم برِياضِ الجنة فارتَعُوا، قالوا: وما رياضُ الجنة؟ قال: حِلَقُ الذِّكر)) بكسر الحاء وفتح اللام: جمع حلقة، وهي جماعة من الناس يستديرون كحلقة الباب وغيره. وقال الجوهري: جمع الحَلقة: حَلَق - بفتح الحاء - على غير قياس. ١٦٢٧ - وقال: ((مَنِ اضطَجعَ مَضْجَعَاً لم يَذْكُرِ الله فيه؛ كانَ عليهِ تِرَةً يومَ القيامَةِ، ومَنْ قَعَدَ مَفْعداً لم يَذْكرِ الله فيه كانَ عليه تِرَةً يومَ القيامَةِ)). ((وعنه، عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: مَن اضطجعَ مَضْجَعاً لم یذکر الله فیه كان»؛ أي: ذلك الاضطجاعُ، أو عدمُ ذِكر الله ((علیه ◌ِرَة) بكسر التاء؛ أي: حسرةً ونقصاً، من: وُتِرَ حقَّه؛ أي: نُقِصَه، وهو سببُ الحسرة. ٩٣ (يومَ القيامة))، وقيل: أراد بالتِّرَة هنا: التبعة والمؤاخذة بجرمٍ. (مَن قعدَ مَقْعَداً)؛ أي: مَجلِساً. ((لم يَذكر الله فيه كان عليه تِرَةً يومَ القيامة))؛ وهذا لأن شكرَ الله على نِعَمِه واجبٌ، والمَضْجَع والمَجْلِس أيضاً من نِعَمِ الله تعالى، قال تبارك وتعالى على العباد منةً: ﴿أَلَمْ تَجْعَلِ اَلْأَرْضَ مِهَدًا﴾ [النبأ: ٦]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا ﴾ [الملك: ١٥]؛ أي: لينةً بحيث يمكنُكُم الاستقرارُ والترددُ عليها والزراعةُ فيها . ١٦٢٨ - وقال: ((ما مِن قَومِ يَقُومُونَ مِن مَجْلِسٍ لا يَذْكُرُونَ الله فيه إلاَّ قامُوا عن مِثْلِ جِيْفةِ حمارٍ وكان لهم حَسْرةً» . ((وعنه أنه قال: قال رسول الله صل *: ما مِن قومٍ يقومون من مجلسٍ لا يَذْكُرُون الله فيه إلا قاموا عن مِثْلِ جِيْفَةِ حمارٍ، وكان لهم حسرةً)، وتخصيص جِيفة الحمار بالذِّكر؛ لأنه أدونُ الجِيَفِ من بين الحيوانات التي تخالطنا . ١٦٢٩ - وقال: ((ما جلَسَ قَومٌ مَجْلِساً لم يذكُرُوا الله فيهِ، ولم يُصَلُّوا فيه على النبيِّ ◌َ﴿ إِلاَّ كانَ عليهم تِرَةً يومَ القيامَةِ، إنْ شاءَ عَفَا عنهم وإنْ شاءَ أخذَهُم بها». ((وعنه أنه قال: قال رسول الله وَّهى: ما جلسَ قومٌ مجلساً لم يذكروا الله فيه ولم يُصلُّوا على النبي ◌َّهِ إلا كان عليهم تِرَةً يومَ القيامة؛ إن شاءَ عفا عنهم وإن شاءَ أخذهم بها)». ٩٤ ١٦٣٠ - وقال: ((كُلُّ كلام ابن آدمَ عليه لا لَهُ إِلاَّ أَمْراً بمعروفٍ، أو نهياً عن مُنْكَرٍ، أو ذِکراً لِ»، غريب. ((عن أم حبيبة أنها قالت: قال رسول الله ◌َّهِ: كلُّ كلام ابن آدَم عليه)»؛ أي: يكون وبالاً عليه، ويُؤْخَذ به يومَ القيامة، قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِبُ عِيدٌ﴾ [ق: ١٨]. ((لا له)؛ أي: ليس له نفعٌ. ((إلا أمراً بمعروف أو نهياً عن مُنكَرٍ، أو ذكراً لله تعالى))؛ المراد بـ (ذكر الله تعالى) هنا: ما فيه رضا الله من الكلام، كتلاوة القرآن والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، والدعاء للمؤمنين، وما أشبه ذلك. «غریب)). ١٦٣١ - وقال: ((لا تُكْثِرُوا الكلامَ لغيرِ ذِكْرِ الله، فإنَّ كَثْرَةَ الكلامِ بغيرِ ذكرِ الله قَسْوةٌ للقَلْبِ، وإِنَّ أَبْعَدَ الناسِ مِنَ الله القَلْبُ القاسي)). (عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله وَله: لا تُكثروا الكلامَ بغير ذِكر الله؛ فإن كثرةَ الكلام بغير ذِكر الله قسوةٌ للقلب))؛ أي: سببٌ لقسوةِ القلبِ. (وإن أبعدَ الناسِ مِن الله القلبُ القاسي))؛ أي: ذو القلب القاسي، أو معناه: أبعدُ قلوب الناس من نظرِ الله القلبُ القاسي، وقسوةُ القلبِ: عبارةٌ عن عدم قبول ذِكر الله تعالى، والخوف والرجاء وغير ذلك. ١٦٣٢ - عن ثَوْبان قال: لما نزلتْ: ﴿وَاَلَّذِينَ يَكْنِرُونَ الذَّهَبَ ٩٥ وَاَلْفِضَّةَ﴾ كُنَّا مَعَ النبيِّ وَّهِ فِي بعضٍ أَسْفارِهِ، فقالَ بعضُ أصحابهِ: لو علمنا أيُّ المالِ خيرٌ فَتَّخِذَهُ؟، فقال: ((أَفْضَلُه لسانٌ ذَاكِرٌ، وقلبٌ شاكِرٌ، وزوجةٌ مؤمِنَةٌ تُعِنْيُهُ على إيمانِهِ)). (وعن ثَوبان أنه قال: لمَّا نَزَلت: ﴿وَالَّذِينَ يَكْفِرُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] كنا مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في بعض أسفاره، فقال بعض أصحابه: لو عَلِمْنا أيُّ المالِ خيرٌ))، (لو) هذه: للتمني. «فنتخذَه)»: نُصب بـ (أن) مضمرة بعد الفاء جواباً للتمني. ((فقال: أفضلُه))؛ أي: أفضلُ المالِ، أو أفضلُ ما يتخذه الإنسانُ قنيةً لنفسه . ((لسانٌّ ذاكرٌ، وقلبٌ خاشعٌ، وزوجةٌ مؤمنةٌ تُعينه على إيمانه))؛ أي: على دِينه، بأن تذكِّرَه الصلاةَ والصومَ وغيرهما من العبادات إذا نسيَ أو غفلَ، وتمنعَه من الزِّنا. وإنما أجاب - عليه الصلاة والسلام - بما ذَكَرَ؛ لأن المالَ ما ينتفع به مالكُه، ولا شيءَ أنفعُ للرجل مما ذَكَرَ. * ٣- باب أَسْماءِ الله تعالى (باب أسماء الله تعالى) أسماء الله تعالى: ما يصحُّ أن يُطلَق عليه بالنظر إلى ذاته، أو باعتبارِ صفةٍ من صفاته السلبية كالقُدُّوس، أو الثبوتية كالعليم، أو باعتبارِ فعلٍ من أفعاله كالخالق، ولكنها توقيفيةٌ عند البعض. ٩٦ مِنَ الصِّحَاحِ: ١٦٣٣ - قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ اللهِ تسعةً وتسعينَ اسماً مائةً إلاَّ واحِداً، مَنْ أَحصاها دخلَ الجنَّةُ)) وفي رواية: ((وهو وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ)). ((من الصحاح)): ((عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله وَله: إن لله تسعةً وتسعين اسماً، مئةً إلا واحدةً): بدل الكل من اسم (أن)، أو تأكيد، أو نصب بتقدير: أعني، وإنما أكَّد بذلك؛ لئلا يلتبسَ في الخط بتسعة وسبعين أو سبعة وتسعين، أو لاحتمال أن تكون الواو بمعنى: أو، نظيره قوله تعالى: ﴿ثَثَةٍ أَيَّامٍ فِي الْحَجِ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وتأنيث (واحدة) على تأويل الكلمة. ((من أحصاها))؛ أي: حفظَها على قلبه، وقيل: عدَّها وقرأَها كلمةً كلمةً على طريق الترتيل تبؤُّكاً وإخلاصاً. وقيل: معناه: من أطاقَ العملَ بمقتضاها؛ مثلَ أن يَعلَمَ أنه سميعٌ بصيرٌ، فيكفَّ لسانَه وسمعَه عما لا يجوز، وكذلك في باقي الأسماء. («دخلَ الجنةَ)). ((وفي روايةٍ: وهو))؛ أي: ذاته تعالى ((وِتْرٌ))؛ أي: فردٌ لا شيبهَ له ولا نظيرَ. ((حبُّ الوِترَ) من الأعمال والأذكار؛ يعني: يحبُّ منها ما كان على صفة الإخلاص والتفژُّد له. ٩٧ مِنَ الحِسَان: ١٦٣٤ - قال: ((إنَّ اللهِ تِسْعَةً وتسعينَ اسماً، مَنْ أَحصاها دخلَ الجنَّةَ: هوَ الله الذي لا إله إلاَّ هوَ، الرَّحمنُ، الرَّحيمُ، المَلِكُ، القُدُّوس، السَّلامُ، المؤمنُ، المهيمنُ، العزيزُ، الجبَّارُ، المتكبِّرُ، الخالِقُ، البارِئُ، المصوِّرُ، الغفَّارُ، القهَّارُ، الوهَّابُ، الرَّزَّاقُ، الفتّاحُ، العَلِيمُ، القابضُ، الباسَطُ، الخافِضُ، الرافَعُ، المُعِزُّ، المُذِلُّ، السَّميعُ، البصيرُ، الحكَمُ، العَدْلُ، اللَّطيفُ، الخَبِيرُ، الحَليمُ، العَظيمُ، الغَفورُ، الشَّكورُ، العليُّ، الكبيرُ، الحَفيظُ، المُقيتُ، الحَسِيْبُ، الجَليلُ، الجَميْل، الكَريمُ، الرقيبُ، المُجيبُ، الواسِعُ، الحَكِيمُ، الوَدودُ، المَجيدُ، الباعِثُ، الشَّهيدُ، الحَقُّ، الوكيلُ، القويُّ، المَتينُ، الوليُّ، الحَميدُ، المُحْصِي، المُبْدِىءُ، المُعيدُ، المُحْيي، المُميتُ، الحيُّ، القيومُ، الواحِدُ، الماجدُ، الواحِدُ، الأَحَدُ الصَّمدُ، القادِرُ، المُقْتَدِرُ، المُقَدِّمُ، المؤخِّرُ، الأَوَّلُ، الآخِرُ، الظاهِرُ، الباطِنُ، الوَالي، المُتَعَالي، البَرُّ، التوَّابُ، المُنتقِمُ، العفُؤُ، الرؤوفُ، مالِكَ المُلكِ، ذو الجَلالِ والإِكرامِ، المُقْسِطُ، الجامِعُ، الغنيُّ، المُغني، المانِعُ، الضَّارُّ، النافعُ، النُّورُ، الهادي، البَدِيعُ، الباقي، الوارِثُ، الرشَّيدُ، الصَّبورُ))، غريب، . ((من الحسان)): (عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله وَله: إن لله تسعةً وتسعين اسماً، مَن أحصاها دخل الجنةَ، هو الله))؛ قيل: هذا اسمٌ اختُصَّ به تعالى، موضوعٌ لذاته المخصوصة كالعَلَم له؛ لأنه يُوصَف ولا يُوصَف به. وقيل: أصله: لاَهَا بالسريانية، فعُرِّبَ، وقيل: مشتقٍّ من: أَلَهَ كـ (عَبَدَ) وزناً ومعنّى وتصرُّفاً، فالإله بمعنى: المألوه. وقيل: من: لاهَ يَلِيه ليْهاً ولاهاً؛ أي: احتجب أو ارتفعَ؛ لأنه محجوبٌ ٩٨ عن إدراك الأبصار مرتفعٌ عما لا يليق به. وقيل: من: أَلِهِ؛ أي: تحيّر، ووَلِهَ وزناً ومعنّى وتصرُّفاً؛ لتحيزُّ العقول في معرفة صفاته، فضلاً عن معرفة ذاته. وقيل: من: أَلِهَ؛ أي: فَزِعَ؛ إذ يفزعُ الناسُ منه وإليه، وقيل: من: أَلِهْتُ إلى كذا؛ أي: سَكنتُ إليه؛ لأن القلوبَ تطمئنُّ بذكره، والأرواحَ تسكُن إلى معرفته، قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَيِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]. وهذا الاسمُ أعظمُ الأسماء التسعة والتسعين؛ لأنه دالٌّ على الذات الجامعة للصفات الإلهية كلِّها. ((الذي لا إله إلا هو)): حصر وقطع لتحقيق الإلهية، ونفي ما عداه عنها. ((الرحمن الرحيم)): هما اسمان بنيا للمبالغة من: رَحِمَ، والرحمة في اللغة: رقة القلب، وهي تقتضي التفضيلَ والإحسانَ على مَن رَقَّ له، فرحمة الله تعالى على العباد؛ إما إرادةُ الإنعامِ عليهم ومنعُ الضَّرَرِ عنهم، فيكون الاسمان من صفات الذات، أو نفسُ الإنعام والدفع، فيعودان إلى صفة الأفعال. والفرق: أن صفاتِ الذات عدمُها يوجب نقصاً، ولا كذلك صفات الأفعال، و(الرحمن) أبلغ من (الرحيم)؛ لزيادة بنائه، وذلك يُؤخَذ تارةً باعتبار الكمية؛ فيقال: يا رحمنَ الدنيا! يعمُّ المؤمنَ والكافرَ، ويا رحيم الآخرة! يختصُّ المؤمنَ، وأخرى باعتبار الكيفية؛ فيقال: يا رحمن الدنيا والآخرة! ويا رحيم الدنيا! ((المَلِك))؛ أي: ذو المُلك، والمراد: القدرة على الإيجاد والاختراع، فیکون من أسماء الصفات، كالقادر. وقيل: التصرُّف في الأشياء بالخلق والإبداع، والإماتة والإحياء، فيكون من أسماء الأفعال، كالخلق. ٩٩ ((القُدُّوس)): من أبنية المبالغة، وهو من أسماء التنزيه؛ أي: المنزَّه عن العيوب والنقائص، المبرّأ عما يدركه حسٍّ أو وهمٌ، أو يحيط به عقلٌ، المطهّر عن الشِّبهِ والنِدِّ، والولدِ والضدِّ. ((السلام): مصدرٌ نُعِتَ به، والمعنى: ذو السلامة من كل آفةٍ ونقيصةٍ؛ أي: هو الذي تَسلَم ذاتُه عن العيب والحدوث، وصفاتُه عن النقص، وأفعالُه عن الشرِّ المَخْضِ، فهو من أسماء التنزيه. وقيل: معناه: الملِكُ المسلِّمُ العبادَ من المَخَاوفِ والمَهَالك، فيرجع إلى القدرة، فهي من صفات الذات. وقيل: ذو السلام على المؤمنين في الجِنَان، كما قال تعالى: ﴿سَلَمٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍ رَحِيمٍ ﴾ [يس: ٥٨]، فيكون مرجعه إلى الكلام القديم. ((المؤمن)): هو الذي يَصدُق عبادَه يومَ القيامة وعدَه، فهو من الإيمان التصديق، فيرجع إلى الكلام القديم. وقيل: الذي يُؤمِّن أولياءَه يومَ العرض من الفزع الأكبر، أو الذي آمَنَ عبادَه من الظلم، بل ما يعمل بهم؛ إما فضلٌ وإما عدلٌ، فهو من الأمان، فمرجعه أسماء الأفعال. ((المُهيمِن)): الرقيب المُبالغ في المراقبة والحفظ، مِن قولهم: هَيْمَنَ الطيرُ: إذا نَشَرَ جناحه على فرخه صيانةً له فهو من أسماء الأفعال. وقيل: الشاهد؛ أي: العالم الذي لا يعزب عنه مثقال ذرةٍ فيرجع إلى العلم. وقيل: الذي يشهد على كل نفسٍ بما كسبت، فيرجع إلى القول، وقيل: القائم بأمور الخلق من أعمالهم وأرزاقهم وآجالهم فيرجع إلى القدرة. وقيل: أصله: مؤيمن أبدلت الهاء من الهمزة، مفيعل من الأمانة، بمعنى ١٠٠