Indexed OCR Text

Pages 161-180

أعظمَ جرماً؛ لتعدي جنايته إلى جميع المسلمين بشؤم لَجَاجه.
وأما من سألَ لاستبیان حکمٍ واجبٍ أو مندوبٍ أو مباحٍ قد خفي عليه فلا يدخل
في هذا الوعيد، قال تعالى: ﴿فَسَشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
١١٦ - وقال: ((يكونُ في آخرِ الزَّمانِ دجَّالونَ كَذَّابونَ، يأْتُونَكُمْ مِنَ
الأحاديثِ بما لمْ تسمعُوا أنتمْ ولا آباؤكم، فإِيَّاكُمْ وإِيَّاهُمْ، لا يُضلُّونِكمْ، ولا
یفتِنُونگُم»، رواه أبو هريرة څ.
((وعن أبي هريرة ظه أنه قال: قال رسول الله صل﴾: يكون في آخر الزمان
دجَّالون)) جمع: دجَّال، وهو كثير المكر والتلبيس؛ أي: الخدَّاعون؛ يعني:
سيكون جماعة يقولون للناس: نحن علماء ومشايخ ندعوكم إلى الدين وهم
(كذَّابون)) في ذلك.
((يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم))؛ أي: يتحدثون
بالأحاديث الكاذبة، ويبتدعون أحكاماً باطلة، ويعلِّمون الناسَ اعتقاداتٍ فاسدةً،
كالروافض والمعتزلة والجَبْرية وغيرهم من أهل البدع.
((فإياكم))؛ أي: بعِّدوا أنفسَكم عنهم.
((وإياهم))؛ أي: باعدوهم عنكم.
((لا يُضلُّونكم)): استئناف جواب لقائلٍ: لِمَ نَّقيهم؟ أي: لئلا يُضلُّونكم.
((ولا يفتنونكم))؛ أي: يوقعونكم في الفتنة، وهي الشرك، قال تعالى:
﴿ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ﴾ [البقرة: ١٩١]، أو يراد بها عذاب الآخرة، قال تعالى:
﴿ ذُوقُواْ فِنْنَتَّكُمْ﴾ [الذاريات: ١٤].
*
١٦١

١١٧ - وقال: ((لا تُصدِّقُوا أهلَ الكتابِ ولا تُكذِّبوهم، و﴿ قُولُواْ ءَامَنَا ◌ِلَّهِ
ك.
وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية))، رواه أبو هريرة
((وعنه أنه قال: قال رسول الله وَّه: لا تصدِّقوا أهل الكتاب)) فيما لا يتبيَّن
لكم صدقه؛ لاحتمال أن يكون كذباً؛ لأنهم حرَّفوا كتابهم.
((ولا تكذِّبوهم))؛ لاحتمال أن يكون صدقاً.
((وقولوا: ﴿ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾))؛ يعني: القرآن.
(الآية)).
وفيه: إشارة إلى التوقُّف فيما أَشكل من الأمور والعلوم، وعليه كان
الشَّلَف.
١١٨ - وقال: ((كفَى بالمَرءِ كَذِباً أَنْ يُحدِّثَ بكلِّ ما سَمِعَ))، رواه أبو
هريرة څ .
((وعنه أنه قال: قال رسول الله وبيا : كفى بالمرء)»، والباء زائدة.
((كذباً)): نصب على التمييز.
((أن يُحدِّث)): فاعل (كفى)؛ يعني: لو لم يكن للمرء كذبٌ إلا تحدّثُه
(بكل ما سمع)) من غير تيقُّن أنه صدق أو كذب لكفاه من الكذب؛ إذ لا يكون
بريئاً منه، وهذا زجر عن التحذُّث بشيءٍ لم يُعلَم صدقُه.
١١٩ - وقال: ((ما مِنْ نبيٍّ بعثَهُ الله في أُمَّتِهِ قبْلي إلاَّ كان لهُ مِنْ أُمْتِهِ
حوارِيُّونَ وأصحابٌ يأخذونَ بسنَّتِهِ ويقتدُونَ بأمرهِ، ثمّ إنَّها تخلُفُ منْ بعدِهم
١٦٢

خُلوفٌ يقولونَ ما لا يفعلون، ويفعلونَ ما لا يُؤْمَرُون، فمنْ جاهدَهُمْ بيدِه فهوَ
مؤمنٌ، ومَنْ جاهدَهُمْ بلسانهِ فهوَ مُؤمنٌ، ومَنْ جاهدَهُمْ بقلبهِ فهوَ مُؤمِنٌ، ليسَ
وراءَ ذلكَ مِنَ الإِيمانِ حبٌَّ خَرْدَلٍ»، رواه ابن مَسْعود څُ.
((وعن ابن مسعود ظه أنه قال: قال رسول الله وَله: ما من نبي بعثه الله في
أمته قبلي))، وروي: ((في أمة))، قيل: هو الصواب.
((إلا كان له من أمته حَوَارُّون)) جمع: حَوَاري، وهو الناصر وصاحب
السِّر.
((وأصحابٌ يأخذون بسُنَّته ويقتدون))؛ أي: يتبعون ((بأمره)): يُحمل هذا
على الغالب؛ لأنه قد جاء في حديث آخر: ((أن نبيّاً يجيء يومَ القيامة ولم يتبعه
من ◌ُمته إلا واحدٌ».
(ثم إنها)) ــ الضمير للقصة - ((يخلف من بعدهم))؛ أي: يَحدُثون بعدَهم
(خُلوف)) بضم الخاء: جمع خَلْف بفتح الخاء مع السكون، وهو الخليفة
السيئ، قال تعالى: ﴿فَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُّ أَضَاعُواْ الصَّلَوةَ﴾ [مريم: ٥٩].
(يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يُؤْمَرُون، فمَن جاهَدَهم))؛ أي:
حارَبَهم وآذاهم ((بيده فهو مؤمن، ومَن جاهَدَهم بلسانه))؛ أي: يؤذيهم به بالأمر
المعروف والنهي عن المنكر ((فهو مؤمن، وليس وراء ذلك))؛ أي: وراء الجهاد
بالإنكار ((من الإيمان حَبَّةُ خَرْدَل)»؛ يعني: مجرد الإنكار أدنى المراتب، فمَن لم
يجده في قلبه فَلْيعلَمْ أنه لم يبق فيه من نور الإيمان مقدار هذه الحَبة، فَلْيعالِجْ
باطنه .
١٢٠ - وقال: ((لا يَزالُ من أُمَّتِي أُمةٌ قائمةٌ بأمرِ الله لا يضرُّهم مَنْ خذلَهُمْ
١٦٣

ولا مَنْ خالَفَهُمْ حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك))، رواه مُعاوية ـ
((وعن معاوية أنه قال: قال رسول الله ويحميه: لا يزال من أُمتي)) يريد: أمة
الإجابة .
((أُمةٌ))؛ أي: طائفةٌ قائمةٌ ((بأمر الله))؛ أي: بشريعته ودينه، وقيل: الجهاد؛
يعني: لا يزال منهم مواظبون ومحافظون عليه.
((لا يضرُّهم مَن خَذَلَهم))؛ أي: ترك عَونَهم ونصرتهم.
(ولا مَن خالَفَهم، حتى يأتي أمرُ الله))؛ أي: القيامةُ ((وهم على ذلك))
وهذا إشارة إلى أن وجه الأرض لا يخلو من الصُّلَحاء الثابتين على أوامر الله؛
متباعدين عن المناهي، حافظين أمورَ الشريعة، يستوي عندهم معاونة الناس
ومخالفتهم، أو المجاهدين في سبيل الله.
١٢١ - وقال: ((لا تزالُ طائفةٌ مِنْ أُمّتِي يُقاتِلُونَ على الحقِّ ظاهرينَ إلى
يومِ القيامة))، رواه جابر څُ.
(وعن جابر أنه قال: قال رسول الله صل *: لا يزال طائفة من أمتي
يقاتلون على الحق)): متعلق بـ (يقاتلون)، أو بقوله: ((ظاهرين))؛ أي: حالَ
كونهم غالبين، ويجوز أن يكون الجار والمجرور خبر (لا يزال)، فيكون
(يقاتلون): صفة (طائفة).
قيل: هم جيوش الإسلام، وقيل: هم العلماء والآمرون بالمعروف
والناهون عن المنكر، فتكون مقاتلتُهم معنويةً.
(إلى يوم القيامة))؛ أي: إلى قربه، وهو حين تأتي الريح، فتأخذ رُوحَ كل
مؤمن ومؤمنة .
١٦٤

١٢٢ - وقال: ((مَنْ دعا إلى هُدَّى كان لهُ مِنَ الأجرِ مثلُ أُجورِ منْ تَبَعَهُ،
لا ينقُصُ ذلكَ مِنْ أُجورِهِمْ شيئاً، ومَنْ دعا إلى ضلالةٍ كان عليهِ مِنَ الإِثْمِ مثلُ
آثامٍ مَنْ تبعهُ، ولا ينقصُ ذلكَ مِنْ آثامهِمْ شيئاً).
((وعن أبي هريرة له أنه قال: قال رسول الله (َّه: مَن دعا إلى هدى))؛
أي: ما يُهتدَى به من الأعمال الصالحة.
((كان له))؛ أي: لذلك الداعي
((مِن الأجر مثلُ أجور مَن تبعَه))؛ وذلك لأن الدعاءَ إلى الهُدى خصلةٌ من
خِصَال الأنبياء.
((لا ينقص ذلك)): إشارة إلى مصدر (كان).
((من أجورهم شيئاً): مفعول به أو تمييز، بناءً على أن (نقص) يأتي لازماً
ومتعدياً، وهذا دفعٌ لِمَا يُتوهَّم أن أجرَ الداعي إنما يكون مِثْلاً بالتنقيص من أجر
التابع وضمِّه إلى أجر الداعي.
((ومَن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مِثلُ آثام مَن تبعَه، لا ينقص
ذلك من آثامهم شيئاً).
١٢٣ - وقال: ((بدَأَ الإِسلامُ غريباً، وسَيعودُ غَريباً كما بدأَ، فطُوبَى
للغُرباءِ».
((وعنه أنه قال: قال رسول الله وَله: بدأ الإسلام غريباً))؛ يعني: الإسلام
حين بدأ كان غريباً لقلته وعزة وجوده وقلة أعوانه.
((وسيعود)) في آخر الزمان غريباً ((كما بدأ؛ فطُوَبى)): مصدر من: طاب،
كـ (بُشْرَى)، أو هو اسم شجرة من الجنة.
١٦٥

((للغرباء))؛ أي: للمسلمين الذين في أوله وآخره؛ لصبرهم على الأذى،
وقيل: المراد بالغرباء: المهاجرون الذين هاجروا إلى الله رَّق.
١٢٤ - وقال: ((إنَّ الإِيمانَ لَيَأْرِزُ إلى المدينةِ كما تَأْرِزُ الحيَّةُ إلى جُحْرِها».
روى هذه الأحاديث الثلاثة أبو هريرة چ﴾.
((وعنه أنه قال: قال رسول الله ﴿: إن الإيمان لَيَأْرِزُ»؛ أي: ينضمُّ ((إلى
المدينة))، ويجتمع بعضه إلى بعض فيها؛ لأنها وطنُه الذي ظهرَ وقويَ فيها.
((كما تَأرِزْ الحيةُ إلى جُحْرِها))؛ أي: ثقبها، أو المراد: أن أهل الإيمان
يفرُّون بإيمانهم إليها وقايةً بها عليه، هذا إخبار عن آخر الزمان حينَ يقلُّ أهلُ
الإسلام.
وقيل: هذا في زمان النبي ◌َّر؛ لاجتماع الصحابة في ذلك الزمان فيها،
والمراد بـ (المدينة): جميع الشام؛ فإنها من الشام وخُصَّت بالذِّكر لشرفها .
مِنَ الحِسَان:
١٢٥ - عن رَبَيعةَ الجُرَشِيِّ ◌َ﴿ه قال: أُتَيَ نبِيُّ الله ◌َّهِ فقيل له: لِتَنَمْ
عينُك، ولْتسمَعْ أَذُنُك، ولْيَعْقِلْ قَلْبُّك، قال: ((فنامتْ عَيْنِي، وسمعَتْ أُذُنِي،
وَعَقَلَ قُلْبي، قال: فقيل لي: سيدٌ بنى داراً، فصنَعَ فيها مَأْدُبةً، وأرسلَ داعياً،
فمنْ أجابَ الدَّاعِيَ دخلَ الدارَ، وأكلَ من المَأْدُبة، ورضيَ عنهُ السيدُ، ومَنْ لمْ
يُجبْ الدَّاعيَ لمْ يدخلِ الدَّارَ، ولمْ يأْكل من المأدبة، وسخِطَ عليه السيد،
قال: فالله السيدُ، ومحمدٌ الداعي، والدارُ الإِسلامُ، والمَأْدبةُ الجنَّة)».
١٦٦

((من الحسان)):
((عن ربيعة الجُرَشي)) بضم الجيم وفتح الراء المهملة: ناحية من اليمن.
(أنه قال: أَتَي نبي اللهِّ) على صيغة المجهول؛ أي: أتاه آتٍ.
((فقيل له))؛ أي: للنبي ◌َّهِ: (لِتَنَمْ عينُك وَلْتَسمَعْ أذنُكَ وَلْيعقِلْ قلبُك))،
قيل: هذا أمر في معنى الخبر، والظاهر أنه أمر به - عليه الصلاة والسلام -
استجماعاً لحواسِّه؛ يعني: لتكنْ عينُك وأذنُك وقلبُك حاضرةً؛ لتَفهمَ هذا
المَثَلَ.
((قال: فنامت عيناي، وسمعت أذناي، وعقل قلبي، قال عليه الصلاة
والسلام: فقيل لي: سيدٌ)) : - خبر مبتدأ محذوف، (بنى): صفته؛ أي: الممثَّل
به سيدٌ ((بنی داراً)، ويجوز أن يكون (سيد) مبتدأ، و(بنى): خبره
(«فصنع فيها مَأْدُبةً وأرسل داعياً، فمَن أجاب الداعيّ دخل الدارَ، وأكلَ
مِن المَأْدُبة ورضي عنه السيدُ» اللام: للعهد.
((ومَن لم يُجِبِ الداعيَ لم يدخل الدارَ، ولم يأكل مِن المَأْدُبة، وسخط
عليه السيدُ، قال ◌َله: فالله السيد))، فيه: دلالة على جواز إطلاق (السيد) عليه.
(محمدٌ الداعي، والدارُ الإسلامُ)) بطريق الاستعارة.
((والمَأْدُبة الجنةُ))، وهذا يُؤْذِن بأن الإسلامَ أوسعُ من الجنة؛ لأنه ◌َِّ مِثَّل
الإسلامَ بالدار، والجنةَ بالمَأدُبة المصنوعة في الدار، والمحيطُ أوسعُ من
المُحاط .
١٢٦ - وعن أبي رافع ﴿: أنَّ رسول الله: ﴿ قال: ((لا أُلْفِيَنَّ أحدَكُمْ
متَّكِئاً على أَريكتِهِ، يأتيه الأمرُ مِنْ أمري مما أَمَرتُ بهِ أو نَهَيتُ عنه، فيقول:
١٦٧

لا أَدري، ما وجدنا في كتابِ الله اتَّعناه)).
((وعن أبي رافع: أن رسول الله ﴿ قال: لا أُلْفِيَنَّ) بالنون المؤكدة؛ أي:
لا أجدَنَّ.
((أحدكم متكئاً): مفعول ثانٍ.
((على أريكته)): وهي سرير مزيَّن في قُبة أو بيت، والمراد بهذه الصفة:
أصحاب الترقُّه والدَّعَة، كما هو عادة المتكبرين المتجبرين القليلي الاهتمام
بأمر الدِّین.
(يأتيه الأمرُ))؛ أي: الشأنُ من شؤون الدِّين.
((من أمري)): بيان للأمر.
((أمرتُ به)): بيان لـ (أمري)، أو بدل منه.
(أو نهيتُ عنه، فيقول)): عطف على (يأتيه)؛ أي: يقول ذلك الأحد:
((لا أدري))؛ أي: غيرَ القرآن.
((ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه)؛ أي: يقول: هذا الأمر الذي أَمَرَ به ◌َيه
أو نَهَى عنه لم نجده في كتاب الله تعالى، فلا نتبعه؛ يعني: لا يجوز الإعراض
عن حديثه - عليه الصلاة والسلام -؛ لأن المُعرِضَ عنه مُعرِضٌ عن القرآن، قال
الله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَاتَنَّكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ ﴾ [الحشر: ٧].
١٢٧ - عن المِقْدام بن مَعْدِيْ كَرِب ◌َ﴿ه قال: قال رسول الله وَلِ: ((أَلَا
إنِّي أُوتِيتُ القرآنَ ومِثْلَهُ معهُ، لا يُوشِكُ رجلٌ شَبْعانُ على أريكتِهِ يقول: عليكم
بهذا القرآن، فما وجدتُم فيه مِنْ حلالٍ فَأَحِلُّوه، وما وجدتُمْ فيهِ مِنْ حرامِ
فحرِّمُوه، وإنَّ ما حرَّم رسول الله وَ﴿ كما حرَّم الله، ألا لا يحلُّ لكم الحمارُ
١٦٨

الأهليُّ، ولا كلُّ ذي نابٍ من السِّاعِ، ولا لُقَطَّهُ مُعاهِدٍ إلاَّ أن يستغنيَ عنها
صاحبُها، ومَنْ نزلَ بقومٍ فعليهم أن يَقْرُوه، فإنْ لم يَقْرُوه فله أنْ يُعقِبَهُمْ بمثْلٍ
قراه» .
((عن المقداد بن معدي كرب أنه قال: قال رسول الله مل: ألا أني
أُوتيت))؛ أي: آتاني الله ((القرآنَ ومِثْلَه))؛ أي: مِثْلَ القرآنِ ((معه)) في وجوب
القَبول والعمل به، وهو الوحي الغير المتلوِّ والسُّنَن التي لم يَنطق القرآن بها، قال
الله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْمَوَ (٢) إِنْ هُوَ إِلَّ وَحْىٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ -٤].
(ألا): حرف تنبيه؛ أي: أنبئكم بأن.
(يُوشِك))؛ أي: يَقرُب.
((رجلٌ شبعانُ على أريكته يقول)) لأصحابه: ((عليكم))؛ أي: الزَمُوا ((بهذا
القرآن)) واعملوا به، ولا تلتفتوا إلى غيره، وصفه بالشِّبَع كنايةً إما عن التنُّم
والغرور بالمال والجاه الحامل على هذا القول بَطَراً وحماقةً، أو عن البلادة
وسوء الفهم الذي من أسبابه الشِّبَع، كما فعلت الخوارج والظواهر؛ فإنهم تعلَّقوا
بظاهر القرآن، وتركوا السُّنة المبينة للكتاب، فتحيَّروا وضلُّوا.
((فما وجدتم فيه))؛ أي: في القرآن ((من حلالٍ فَأَحِلَّوه، وما وجدتم فيه
من حرامٍ فحرِّموه؛ وإن ما حرَّم))؛ أي: الذي حرَّمه ((رسول الله - صلى الله تعالى
عليه وسلم -)) في غير القرآن ((كما حرَّم الله)) في القرآن، وهذا ابتداء كلام من
النبي
ثم أكَّد ذلك بقوله: ((ألا لا يَحِلُّ لكم الحِمَارُ الأهليُّ)): هذا وما بعده بيانٌ
للقِسم الثابت بالسُّنة، ولم يوجد له في كتاب الله ذِكرٌ، والتخصيص بالصفة لنفي
عموم الحكم؛ فإن البَرِّيَّ حلالٌ.
((ولا كل ذي ناب من السِّباع)): كالأسد والذئب وغير ذلك.
١٦٩

((ولا لُقَطَةُ مُعاهِدٍ»: وهو الكافر الذي جرى بين المسلمين وبينه عهدٌ بأمانٍ
في تجارة أو رسالة؛ يعني: لا يحل لكم ما سقط من المُعاهِد.
(إلا أن يستغني عنها صاحبُها))؛ أي: يتركها لمن أخذها استغناءً عنها،
بأن كانت شيئاً حقيراً يُعلَم أن صاحبَه لا يطلبه، كالنَّواة وقشور الرمَّان ونحوهما،
فيجوز الانتفاع به، وهذا تخصيص بالإضافة، ويثبت الحكم في لُقَطة المسلم
بطريق الأَولى.
((ومَن نزل بقومٍ فعليهم أن يَقْرُوه)) - بفتح الياء - من (قَرَيتُ الضيفَ قِرَى):
إذا أحسنتُ إليه وضفْتُه، وهذا سُنةٌ لا فرض، لقول الأعرابي المتقدم: هل عليَّ
غيرهن؟ فقال - عليه الصلاة والسلام -: ((لا، إلا أن تطوَّع)).
وقيل: واجب؛ لأن كلمة (على) للوجوب، وهذا كان في بدء الإسلام؛
فإنه - عليه الصلاة والسلام - كان يبعث الجيوش إلى الغزو، وكانوا يمرُّون في
طريقهم بأحياء العرب، وليس هناك سوق يشترون الطعام، ولا معهم زاد،
فأوجب عليهم ضيافتهم؛ لئلا ينقطعوا عن الغزو.
(وإن لم يَقْرُوه فله))؛ أي: للنازل بهم ((أن يُعَقِّبُهم))؛ أي: يُتبعهم ويجازيهم
بصنیعهم.
بمِثْلِ قِرَاه))؛ أي: بأن يأخذ من مالهم مِثلَ قِراه قهراً، ثم نُسخ هذا الحكم.
وقيل: هذا في حق المضطرين الذين لا يجدون طعاماً ويخافون على
أنفسهم التلفَ، فلا يكون منسوخاً.
١٢٨ - عن العِرْباض بن سَاريَةَ﴾ قال: قام رسولُ الله ◌َلِ فقال:
(أيحسِبُ أحدُكُمْ مُتكئاً على أريكتِهِ يظنُّ أنَّ الله لمْ يُحرِّمْ شيئاً إلاَّ ما في هذا
١٧٠

القرآن، ألا وإنِّي والله قد أَمَرْتُ، ووعَظتُ، ونَهَيتُ عن أشياءَ، إنَّها لمثْلُ القرآنِ
أو أكثر، وإنَّ الله لم يُحِلَّ لكم أنْ تدخلُوا بُيُوتَ أهلِ الكتابِ إلا بإذنٍ،
ولا ضَرْبَ نسائهمْ، ولا أَكْلَ ثمارهمْ إذا أعطَوكُمُ الذي عليهم)).
((وعن العِرْباض بن سارية أنه قال: قام رسول الله (وَلي)؛ أي: خطب
فقال: ((أيَحسِب))؛ أي: أيظنُّ.
((أحدُكم متكأَ على أريكته يظنُّ)): بدل من قوله: (أيحسب).
((أن الله تعالى لم يحرِّم شيئاً إلا ما في هذا القرآن، ألا وإني والله)) - بثلاثة
تأكيدات - ((قد أَمَرتُ ووَعظتُ بأشياءَ، ونَهَيتُ عن أشياء، إنها كمثلِ القرآن)»،
قيل: إنه ◌َ﴿ ﴿ كان يزيد علمه وإلهامه مِن قِبَل الله تعالى ومكاشفاته لحظةً فلحظةً،
فلما رأى زيادة علمه بعد قوله: (إنها لمثل القرآن) قال متصلاً به: ((أو أكثر))؛
أي: بل أکثر.
((وإن الله لم يحلُّ لكم من الإحلال أن تدخلوا بيوتَ أهل الكتاب))؛
يعني : أهل الذمّة الذين قَبلوا الجِزية.
((إلا بإذن))؛ أي: إلا أن يَأْذَنوا لكم بالطّوع والرغبة، كما لا يحلُّ لكم أن
تدخلوا بيوتَ المسلمين بغير إذنهم.
((ولا ضربَ نسائهم)) يريد به: الضرب المعروف بالخشب؛ يعني: لا يجوز
أن تضربوا نساءَهم، وتأخذوا منهن طعاماً أو غيره بالقهر أو المجامعة؛ يعني:
لا تظنُّوا أن نساءَهم محلَّلاتٍ لكم كنساء أهل الحرب.
((ولا أكلَ ثمارهم)) بالقهر.
((إذا أعطَوكم الذي عليهم)) من الجزية، وإذا أبَوا عنها بطلتْ ذمَّتُهم، وحلَّ
دمُهم ومالُهم، وصاروا كأهل الحرب في قول صحيح.
١٧١

١٢٩ - وعن العِرْباض بن سَارِيَة قال: وعظَنا رسولُ اللهِوَّهُ موعظةً بليغةً
ذرفتْ منها العُيونُ، ووجِلَتْ منها القُلُوبُ، فقالَ قائلٌ: يا رسول الله!؛ كأنَّ
هذه مَوعظةُ مُودِّع فأوصِنا، فقال: ((أُوصيكُم بتقوَى الله والسَّمْع والطاعةِ وإنْ
كان عبداً حبَشياً، فإنهُ مَنْ يعِشْ منكُمْ بعدي فسَيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم
بستَّتَي وسَّةِ الخلفاءِ الراشدينَ المهدبينَ، تمسّكوا بها وعَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ،
وإِيَّكُمْ ومُحدَثاتِ الأُمورِ، فإنَّ كُلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضَلالٌ)).
((وعن العِرْباض بن سارية أنه قال: وعظنا رسول الله (وَ﴿ موعظةً بليغةً))؛
أي: بالغةً تامةً في الإنذار والتخويف.
((ذرفتْ منها))؛ أي: سالت من موعظته «العيونُ))؛ أي: دموعُها.
((ووَجِلتْ))؛ أي: خافتْ ((منها القلوبُ))؛ لتأثيرها في النفوس، واستيلاء
الخشية على القلوب.
((فقال قائل: يا رسولَ الله! كأنها موعظة مودِّع)) بالإضافة، كأنك تودِّعنا
بها، لِمَا رأى من مبالغته ◌َّ في الموعظة.
((فَأَوصِنا))؛ أي: فمُرْنا بما فيه إرشادُنا وصلاحُنا بعد وفاتك.
((فقال: أوصيكم بتقوى الله))؛ أي: بمخافته والحذر من عصيانه، هذا
فيما بينهم وبين الله تعالى .
(والسمع والطاعة)) لمن يَلِي أمرَكم من الأمراء؛ ما لم يَأمر بالمعصية.
((وإن كان المُطاع عبداً حبشياً))؛ أي: لو استولى عليكم عبدٌ حبشيٍّ
فأطيعوه؛ مخافة إثارة الفتن .
(((فعليكم بالصبر)) والمداراة ((حتى يأتي أمرُ الله))، وقيل: هذا وارد على
سبيل الحث والمبالغة على طاعة الحكام، وقيل: ذُكر على طريق المَثَل؛ إذ
١٧٢

لا يصحُّ خلافته لقوله ◌َّر: ((الأئمة من قريش)).
((فإنه [مَن] يَعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً» مِن مِلَلِ شتى؛ كلٌّ
يدَّعي اعتقاداً غير اعتقاد أهل السُّنة، ويُظهر البدَعَ والأهواءَ.
((فعليكم بسُتَّتَي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين))؛ أي: الذين هداهم الله
إلى الحق، وقيل: هم خلفاء الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ه؛
لأنه ◌َّ قال: ((الخلافة بعدي ثلاثون سنة))، وقد انتهت بخلافة عليٍّ.
وقيل: هم ومَن سار بسيرتهم من أئمة الإسلام المجتهدين في الأحكام؛
فإنهم خلفاء الرسول ◌َّ في إحياء الحق وإعلاء الدِّين وإرشاد الخلق إلى الحق.
((تمسّكوا بها))؛ أي: بالسُّنَّة.
(وعَضُّوا عليها بالنواجذ)) جمع: ناجذ، قيل: هو النابُ، والعَضُّ بها:
كناية عن المبالغة في التمسك بهذه الوصية، كالذي يتمسك بالشيء مستعيناً عليه
بأسنانه زيادةً للمحافظة .
((وإياكم ومُحدَثاتِ الأمور))؛ أي: التي حَدَثَتْ على خلاف أصل من
أصول الدِّين؛ أي: احذروا عنها؛ ((فإن كلَّ مُحدَثٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ».
١٣٠ - عن عبدالله بن مَسْعود ظُ قال: خَطَّ لنا رسولُ اللهِوَلِ خَطّاً، ثم
قال: ((هذا سبيلُ الله))، ثمَّ خطَّ خُطوطاً عن يمينهِ وعن شِمالهِ، وقال: ((هذه
سُبُلٌّ، على كلِّ سبيلِ منها شيطانٌ يَدعو إليه))، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى
مُسْتَقِيمًا فَتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] الآية.
((وعن عبدالله بن مسعود أنه قال: خطَّ لنا رسول الله بٍَّ خطّاً، ثم قال:
هذا سبيل الله)): وهو الرأي القويم والصراط المستقيم، وهما الاعتقاد الحق
١٧٣

والعمل الصالح، وهذا الخط للمكان لمَّا كان مثالاً سماه (سبيل الله).
([ثم] خَطَّ خطوطاً عن يمينه))؛ أي: يمين الخط ((وعن شماله، وقال:
هذه سُبُّلٌ، [على كل سبيل] منها شيطانٌ يدعو إليه))؛ أي: إلى السبيل.
وفيه: إشارة إلى أن سبيلَ الله وسطٍّ، ليس فيها تفريط ولا إفراط، وسبيلَ
أهل البدع ما يلي إلى جانبٍ فيه تقصيرٌ أو غلوٌّ.
((وقرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا﴾)): نُصب على الحال، عامله معنى
التنبيه أو الإشارة.
﴿فَتَّبِعُوهٌ وَلَا تَنَبِعُواْ السُبُلَ﴾؛ أي: السُّبل التي هي غير صراطي.
﴿فَفَرَّقَ بِكُمْ﴾؛ أي: تُفرِّقكم وتُبعِدُكم ﴿عَن سَبِيلٍِ﴾؛ أي: عن سبيل
الله. ((الآية)).
*
١٣١ - عن عبدالله بن عَمْرو﴾، عن النبيِّ وَّهِ قال: ((لا يؤمنُ أحدُكُمْ
حتَّى يكونَ هواهُ تَبَّعاً لِمَا جئتُ بهِ».
((وعن عبدالله بن عمرو، عن النبي ◌ّ﴾ أنه قال: لا يؤمن أحدكم))؛ أي:
لا يبلغُ کمال الإیمان، ولا یستکمل درجاته.
«حتى يكون هواه))؛ أي: ميلُ نفسه واشتهاؤها «تبعاً)؛ أي: منقاداً بالرغبة
(لِمَا جئت به)) من الهدى والأحكام الشرعية.
وقيل: المراد: نفي أصل الإيمان؛ أي: لا يؤمن حتى يخالفَ هواه،
ويجعلَه تَبَعاً لِمَا جئت به من الحق عن اعتقادٍ، لا عن إكراهِ وخوفِ سيفٍ.
١٧٤

١٣٢ - وقال: ((مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتَي قدْ أُميتَتْ بعدي؛ فإنَّ لهُ منَ الأَجْرِ
مِثْلُ أُجور مَنْ عملَ بها مِنْ غيرِ أنْ ينقُصَ مِنْ أُجورِهِمْ شيئاً، ومنِ ابتدعَ بِدعةَ
ضلالةٍ لا يَرضاها الله ورسولُه كان عليهِ من الإِثْمِ مثلُ آثامٍ مَنْ عَمِلَ بها لا ينقُصُ
ذلكَ مِنْ أَوزارِهِمْ شيئاً)، رواه بلال بن الحارث المُزَنِيُّ.
((وعن بلال بن الحارث المُزَني أنه قال: قال رسول الله وَِّ: مَن أحيا سُنَّة
من سُنَّتي قد أُميتَتْ))؛ أي: تُركت تلك السُّنة عن العمل بها؛ يعني: مَن أحياها
(بعدي)) بالعمل بها، أو حثِّ الغير على العمل بها.
((فإن له من الأجر مِثلُ أجور مَن عملَ بها)): يشمل بإطلاقه العمّالَ قبل
الإحياء وبعده.
((من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، ومَن ابتدع بدعةً ضلالةً)): وهي ما
أنكرها أئمة المسلمين، كالبناء على القبور وتحصينها.
((لا يرضاها الله ورسوله)): صفة كاشفة لها.
((كان عليه من الإثم مثلُ آثام مَن عملَ بها، لا ينقص ذلك من أوزارهم
شيئاً))، قيَّد البدعة بالضلالة لإخراج البدعة الحسنة كالمنارة، فلا يستحق مبتدعُها
الذنبَ .
١٣٣ - وقال: ((إنَّ الدِّينَ ليَأْرِزُ إلى الحِجازِ كما تأْرِزُ الحيّةُ إلى جُحْرِها،
ولَيَعْقِلَنَّ الدِّينُ منَ الحجازِ مَعْقِلَ الأُرْوِيَّةِ من رَأْسِ الجَبَلِ، إنَّ الدينَ بدأَ غَريباً
ويرجعُ غَريباً، فطُوبى للغُرباءِ الذينَ يُصلحونَ ما أفسدَ الناسُ منْ بعدي مِنْ سُتََّي)»،
رواه كثير بن عبدالله بن عمرو بن عَوْف بن زيد بن مِلْحَةَ عن أبيه، عن جدِّه.
((وعن كثير بن عبدالله بن عمرو بن عوف بن زيد بن مِلْحَة، عن أبيه، عن
١٧٥

جدِّه، عن رسول الله ﴿ أنه قال: إن الدِّينَ لَيَأْرِزُ))؛ أي: ينضمُّ عند ظهور الفتن
واستيلاء الكفر ((إلى الحجاز)): اسم مكة والمدينة وحواليهما من البلاد، سُميت
حجازاً؛ لأنها حَجَزَتْ؛ أي: مَنعتْ وفَصلتْ بين بلاد نجد والغَور؛ أي:
المنخفض.
((كما تَأْرِز الحية إلى جُحرها، ولَيَعْقِلَنَّ»: جواب قسم محذوف؛ أي:
لَیمتنعنَّ.
(الدِّين)): إلى مكانٍ ((من الحجاز))، ويتخذَنَّ منه حِصناً ومَلجاً .
((مَعِقِلَ الأُرْوِيَّةِ)): وهي الأنثى من المَعز الجبلي؛ أي: كاتخاذها حصناً.
((من رأس الجبل. إن الدِّينَ بدأ)) - بالهمزة - ((غريباً، ويرجع غريباً)؛
يعني: إن أهلَ الدِّين في الأول كانوا غرباء ينكرهم الناسُ ولا يخالطونهم،
فسیکون کذا في الآخر .
((فطُوبى للغرباء الذين يُصلحون ما أفسدَ الناسُ من بعدي من سُنَّتِي))؛
يعني: يعملون بها، ويُظهرون الدِّينَ بقَدْر طاقتهم.
١٣٤ - وقال: ((لَيَأْتِيَنَّ على أُمَّتي كما أَتَى على بني إسرائيلَ حَذْوَ الَّعْل
بالنَّعْلِ حَتَّى إنْ كان منهمْ مَنْ أَتَى أُمَّهُ علانيةً لكانَ في أُمَّتِي مِنْ يصنَعُ ذلك، وإنَّ
بني إسرائيلَ تفرَّقتْ على ثِنتيْنِ وسَبعينَ مِلَّةً، وتفترقُ أمَّتي على ثلاثٍ وسَبعينَ
مِلَّةً، كلُّهمْ في النَّارِ إلاَّ مِلَّةً واحدةً)، قالوا: مَنْ هيَ يا رسول الله؟ قال: ((ما أنا
علیهِ وأصحابي)، رواه عبدالله بن عمرو
((وعن عبدالله بن عمرو أنه قال: قال رسول الله وَلّهِ: لَيَأْتينَّ على أُمتي
كما))؛ أي: مِثلُ ما ((أتى على بني إسرائيل حَذْوَ النعل)): نُصب على المصدر؛
١٧٦

أي: يَحذُونهم حَذواً مثلَ حَذْوِ النعل ((بالنعل))، والحَذْو: القطع والتقدير،
يقال: حَذَوتُ النعلَ بالنعلِ: إذا قدَّرت كلَّ واحدة على صاحبتها؛ ليكونا على
السواء .
((حتى إنْ كان منهم))؛ أي: من بني إسرائيل، (حتى) هذه: ابتدائية،
والواقع بعدها جملة شرطية .
((مَن أتى أُمَّه علانيةً))، إتيانها: كناية عن الزِّنا بها، ويحتمل أن يكون
المراد بها: زوجة الأب أو موطوءته، وسائر مَن حُرِّمْن عليه برضاعٍ أو مصاهرةٍ.
(كان في أمتي مَن يصنعُ))؛ أي: يفعل ((ذلك)): الإتيان.
((وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين مِلَّةً))، سَمَّى - عليه الصلاة
والسلام - طريقةَ كل واحدة منهم مِلَّةً اتساعاً؛ لكثرتها، وهي في الأصل:
ما شَرعَ الله تعالى لعباده على ألسنة أنبيائه عليهم السلام؛ ليتواصلوا به إلى القُرب
من حضرته تعالی.
((وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين مِلَّةً))، قيل: يحتمل أن يكون المراد
بالأمة: أمة الدعوة؛ فيندرج سائر أرباب المِلَل الذين ليسوا على قبلتنا في عدد
الثلاث والسبعين، أو أمة الإجابة؛ فتكون المِلَل الثلاث والسبعون منحصرةً في
أهل قبلتنا.
((كلُّهم في النار))؛ لأنهم يتعرضون لِمَا يُدخلهم النارَ.
((إلا مِلَّة واحدة، قالوا: مَن هي يا رسولَ الله؟ قال: ما أنا عليه
وأصحابي)) من الاعتقاد والقول والفعل، فإن ذلك يُعرف بالإجماع، فما أَجمعَ
عليه علماءُ الإسلام فهو حقٌّ، وما عداه باطل .
١٧٧

١٣٥ - وفي روايةٍ أخرى: ((واحدةٌ في الجنَّة، وهي الجماعة، وإنه سيخرجُ
فِي أُمَّتي قومٌ تَتَجارى بهم تلك الأَهواءُ كما يَتَجارَى الكَلَبُ بصاحبهِ، لا يبقى منهم
عِرْقٌ ولا مَفْصِلٌ إلا دخَله)).
((وفي رواية معاوية: واحدةٌ في الجنة، وهي الجماعة))، والجماعة عند
أهل اللغة: هم أهل العلم والفقه، وعن سفيان: لو أن فقيهاً على رأس جبل
لكان هو الجماعةَ، وزاد في روايته: ((وإنه سيخرج في أمتي قوم تتجارى بهم))؛
أي: تدخل فيهم وتجري ((تلك الأهواء)» والبدّع في مفاصلهم.
(كما يتجارى الكَلَب)) بفتحتين: داء يَعرِض للإنسان من عضِّ الكَلْب
المجنون، ویتفرّق أثره.
(بصاحبه))؛ أي: مع صاحبه إلى جميع أعضائه، فكذلك تدخل البدَعُ
فیھم وتؤثر في جميع أعضائهم.
(بحيث لا يبقى منهم عرقٌ ولا مِفصلٌ إلا دخلَه))، وذكر (الأهواء) بصيغة
الجمع؛ تنبيهاً على اختلاف أنواع الهوى.
١٣٦ - وقال: ((لا تجتمعُ هذه الأُمةُ - أو قال: أُمة محمدٍ - على ضَلالةٍ،
ويدُ الله على الجماعةِ، ومَنْ شَذَّ شذَّ في النَّارِ)).
((وعن ابن عمر وأنس # أنهما قالا: قال رسول الله صلثر: لا تجتمع هذه
الأمة، أو قال: أمة محمد))، والمراد: أمة الإجابة؛ أي: لا يجتمعون ((على
ضلالة)) غير الكفر، ولذا ذهب بعضهم إلى أن اجتماعَ الأمة على الكفر جائز؛
لأنها لا تبقى بعد الكفر أمةً له، والمَنفيُّ اجتماعُ أُمة محمد على الضلالة.
والحديث يدل على أن اجتماع المسلمين حق، والمراد: اجتماع العلماء؛
١٧٨

إذ لا عِبرةَ لاجتماع العوام؛ لأنه لا يكون عن عِلم.
((ويدُ الله))؛ أي: حفظُه ونصرتُه ((على الجماعة)) المجتمعين على الدِّين،
يحفظهم الله، من الضلالة والخطأ .
((ومَن شذَّ»؛ أي: انفرد عن الجماعة باعتقاد أو قول أو فعل لم يكن هم
عليه ((شذَّ في النار))؛ أي: انفرد فيها، معناها: انفرد عن أصحابه الذين هم أهل
الجنة، وأُلقي في النار.
١٣٧ - ويُروى عن ابن عمر، عن رسول الله وَفيِ أَنَّه قال: ((اتَّبعوا السَّوادَ
الأعظمَ، فإنه مَنْ شذَّ شَّ في النَّارِ)).
((وعن ابن عمر ظه، عن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - أنه
قال: اتَّبعوا السواد الأعظم)): وهو ما عليه أكثر علماء المسلمين، وقيل: جميع
المسلمين الذين هم في طاعة الإمام.
((فإنه مَن شَّ شذَّ في النار)).
١٣٨ - وعن أنس قال: قال لي رسول الله وَله: ((يا بنيَّ! إنْ قدرْتَ أن
تُصبحَ وتمسيَ ليسَ في قَلْبكَ غِشٌّ لِأِحدٍ فافعلْ))، ثم قال: ((يا بني وذلكَ مِنْ
ستَّي، ومَنْ أحبَّ سُنَّتي فقد أحبني، ومَنْ أحبني كانَ معي في الجنَّة)).
((وعن أنس ﴾ أنه قال: قال رسول الله (وَلاخير: يا بني!)) بضم الباء: تصغير
(ابن).
((إنْ قَدرتَ أن تُصبحَ))؛ أي: تدخل في وقت الصباح.
١٧٩

((وتُمسيَ))؛ أي: تدخل في وقت المساء، والمراد: جميع الليل والنهار.
(ليس في قلبك غِشٌ)): الجملة حال من فاعل (تصبح)؛ أي: غيرُ كائنٍ
في قلبك غشِّ ((لأحدٍ فافعلْ))، والغش: نقيض النصح، الذي هو إرادة الخير.
(ثم قال: يا بني! وذلك))؛ أي: خلوُّ القلب من الغش ((من سُنَّتي، ومَن
أَحبَّ سُنَّتي فقد أحبني)) فيه: تنبيه على أن محبةَ سُنةٍ واحدةٍ من سُنَتَه محبتُه ◌ِ.
((ومَن أحبني كان معي في الجنة)).
*
١٣٩ - وقال: ((مَنْ تمسَّكَ بسُنَّتي عندَ فَسادِ أُمِّتي فلهُ أجرُ مئة شَهيدٍ))،
رواه أبو هريرة.
((وعن أبي هريرة ﴿ه أنه قال: قال رسول الله وَّجُ: مَن تمسّك بسُنَّتَي))؛
أي: عَمِلَ بها.
((عند فساد أمتي))؛ أي: عند غلبة الفسق والجهل بهم.
((فله أجرُ مئة شهيد)»؛ لِمَا يلحقه من المشقة بالعمل بها وإحيائها، وإنْ
تركَهم لها فهو كالشهيد المقاتل مع الكفار لإحياء الدِّين.
١٤٠ - وعن جابر ﴿به، عن النبيِّ وَّ حين أَتَاهُ عمرُ ◌َبُه فقال: إنَّا نسمَعُ
أحاديثَ منْ يهود تُعجِبنا، أَفَتَرى أنْ نكتبَ بعضَها؟ فقال: ((أَمُتَهَوَّكُونَ أنتم كما
تهوَّكَتِ اليهودُ والنَّصارى؟ لقدْ جئتُكُمْ بها بيضاءَ نقيَّةً، ولو كان موسى حيّاً لَما
وَسِعَهُ إلَّ اتِّباعي)).
(وعن جابر ﴿ه، عن النبي ◌َّهُ حين أتاه عمر ﴿ه قال: إنَّا لَنَسمعُ
١٨٠