Indexed OCR Text

Pages 141-160

وقيل: معناه: أعطوه فُرشاً منها. وقيل: أي: اجعلوه ذا فراش منها، وهو
الأصوب.
((وألبسوه)) بقطع الهمزة؛ أي: اكسوه وأعطوه لباساً ((من الجنة، وافتحوا
له باباً إلى الجنة، قال: فيأتيه من رَوْحها وطِيبها»؛ أي: بعض من كل الراحة
والطيب أو شيء منهما، وكلُّ طِيبٍ رَوْحٌ بلا عكس.
((ويفسح له فيها))؛ أي: في الجنة («مد بصره)) قيل: نصب (مد) على
الظرف؛ أي: مداه، وهي الغاية التي إليها البصر، والأصوب على المصدر؛
أي: فسحاً قَدْرَ مدِّ بصره.
قيل في التوفيق بين هذا وبين قوله: ((سبعون ذراعاً في سبعين)): إن هذه
الفسحة عبارة عما يعرض عليه من الجنة، وتلك عن توسيع مرقده عليه،
ويحتمل أن يكون بحسب اختلاف الأشخاص في الأعمال والدرجات.
((وأما الكافر فذكر))؛ أي: النبي عليه الصلاة والسلام ((موته))؛ أي: حالَ
موت الكافر وشدته.
((قال: ويعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان: من ربك؟
فيقول: هاه هاه)) بسكون الهاء بعد الألف: كلمة يقولها المتحير الذي لا يقدر
من حيرته أن يستعمل لسانه في فيه.
((لا أدري)): هذا كأنه بيانٌ وتفسير لقوله: (هاه هاه).
((فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما هذا
الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فينادي منادٍ من السماء أن
كذب)» (أن) مفسرة للنداء أيضاً؛ أي: كذب هذا الكافر في قوله: (لا أدري) بل
جحد نبوته بعدما عَلِمَها حسداً وبغضاً.
((فأفرشوه من النار وألبسوه من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، قال:
١٤١

فيأتيه من حرها))؛ أي: حر النار وهو تأثيرها ((وسمومها)) وهو الريح الحارة.
«قال: ویضیق علیه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه)) تقدم بيانه.
(ثم يقيض))؛ أي: يقدر ((له)) ويسلط عليه ((أعمى))؛ أي: زبانية لا عين له
لکیلا یرحم علیه.
((أصم) لا يسمع صوت بكائه واستغاثته فیرقَّ له.
((معه مِرْزبةٌ)): وهي ما يدق به المدر، مخففة الباء عند أهل اللغة،
والمحدِّثون يشدِّدونها، يعني: عصية.
((من حديد لو ضرب بها جبل لصار تراباً))؛ أي: اندقَّ أجزاؤه كالتراب.
((فيضربه بها ضربة يسمعها ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلين))؛ أي:
الجن والإنس.
((فيصير تراباً ثم يعاد فيه الروح))؛ يعني: لا ينقطع عنهم العذاب بموتهم،
بل يعاد فيهم الروح بعد موتهم ليزدادوا عذاباً، قال الله تعالى: ﴿زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ
اَلْعَذَابِ﴾ [النحل: ٨٨].
وإنما ذكر ﴿ في هذا الحديث إعادة الروح في الكافر مرتين إلزاماً لهم بما
ينكرونه .
٩٨ - عن عُثمان بن عفَّان ﴿ه: أنه كان إذا وقفَ على قبرٍ بكى حتَّى يبُلَّ
لِحِيتَهُ، فقيل له: تذكرُ الجنَّة والنَّار فلا تبكي، وتبكي من هذا؟ فقال: إنَّ
رسولَ اللهِ وَ﴿ قال: ((إنَّ القبْرَ أوَّلُ منزلٍ مِنْ منازِلِ الآخرة، فإنْ نجَا منهُ فما بعدَهُ
أيسَرُ منهُ، وإنْ لمْ ينجُ منهُ فما بعدَهُ أشدُّ منهُ». قال: وقال رسولُ الله ◌ِّ:
(ما رأَيتُ مَنْظَراً قطُّ إلا والقبْرُ أفظَعُ منهُ)، غريب.
١٤٢

((وعن عثمان : أنه كان إذا وقف على قبر))؛ أي: على رأس قبر، أو
عنده (بکی حتی یبل لحيته)) من الدمع.
((فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي)) من خوف النار واشتياق الجنة،
((وتبكي من هذا؟!))؛ أي: من القبر، يعني: من خوفه.
((فقال: إن رسول الله ﴾ قال: إن القبر أول منزل من منازل الآخرة)) منها
عرصة القيامة عند العرض، ومنها الوقوف عند الميزان، ومنها المرور عند
الصراط، ومنها الجنة والنار.
((فإن نجا»؛ أي: المقبور.
((منه))؛ أي: من القبر، يعني: من عذابه.
((فما بعده): من المنازل «أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه)).
قيل: إنما يبكي عثمان ه وإن كان من جملة المشهود لهم بالجنة، إما
لاحتمال أن شهادته - عليه الصلاة والسلام - له بذلك كان في غيبته، ولم تصل
إليه، أو وصلت آحاداً فلم يفد اليقين، أو لأنه كان يبكي ليُعلم أنه يخاف مع عظم
شأنه وشهادة النبي وآ له بالجنة، فغيره أولى بأن يخاف من ذلك ويحترز منه.
((قال)) عثمان طه: ((قال رسول الله: ما رأيت منظراً قط))؛ أي موضعاً
ينظر إليه ((إلا والقبر أفظع منه))؛ أي: أشد وأفرغ وأنكر من ذلك، قيل:
المستثنى جملة حالية من (منظر)، وهو موصوفٌ حذفت صفته؛ أي: ما رأيت
منظراً فظيعاً على حالة من أحوال الفظاعة قط إلا في حالة كون القبر أقبح منه،
فالاستثناء مفرّغ.
«غريب)).
١٤٣

٩٩ - وعن عُثمان ﴿ه قال: كان النبيُّ ◌َ﴿ إذا فرَغَ مِنْ دَفْنِ الميتِ وقفَ
عليه فقال: ((اسْتَغْفِرُوا لأخيكم، ثمَّ سَلُوا له بالتثبيت، فإنه الآنَ يُسْأَل)).
((وعن عثمان به أنه قال: كان النبي ◌َل﴿ إذا فرغ من دفن الميت وقف
عليه))؛ أي: على رأس القبر.
((فقال: استغفروا))؛ أي: اطلبوا المغفرة من الله.
((لأخيكم(١) ثم سلوا له بالتثبيت))؛ أي: بأن يثبته بالقول الثابت، وهو
كلمة الشهادة عند سؤال منكر ونكير.
((فإنه الآن يسأل)) وفيه إشارة إلى أن دعاء الحي ينفع الميت، وأنه يستحب
للأحياء أن يدعوا للأموات.
١٠٠ - عن درَّاج، عن أبي الهَيْثَم، عن أبي سعيد الخُدريِّ ﴿به قال: قال
رسول الله ◌َ﴾: ((يُسلَّطُ على الكافرِ في قبْرِه تسعةٌ وتسعون تِيناً تَنْهَشُهُ وتَلْدِغُه
حتى تقومَ الساعةُ، لو أنَّ تِنِّناً منها نَفَخ في الأَرضِ ما أنبتتْ خَضْراء)».
((وعن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري ظه أنه قال: قال
رسول الله ﴿ يسلط على الكافر))؛ أي: يجعل موكَّلاً عليه ليعذبه ويؤذيه ((في
قبره تسعة وتسعون تنيناً)) وهي حية كبيرة، وتخصيص العدد لا يُعلم إلا بالوحي،
ويحتمل أن يقال: إن لله تسعة وتسعين اسماً فالكافر أشرك بمن له هذه الأسماء
فسلط عليه بعدد كل اسم تنيناً.
٠
(١) في ((م)): ((الميت))، وفي ((غ)) زيادة: ((أي: اطلبوا من الله أن يثبت لسانه بجواب المنكر
والنکیر)).
١٤٤

أو يقال: قد روي أن الله تعالى مئة رحمة أنزل منها واحدة في الدنيا بين
الإنس والجن والبهائم والهوام، بها يتعاطفون، وأخَّر تسعةً وتسعين للآخرة
لعباده المؤمنين، فسلط عليه في مقابلة كل رحمة للمؤمنين تنيناً.
(تنهشه وتلدغه)) معناهما واحد، وإنما ذكرهما للتأكيد، قيل: النهش
أقوى من اللدغ، إذ [إن] له تأثيراً عظيماً كلدغ الحية ونهش الكلب.
((حتى تقوم الساعة))؛ أي: القيامة.
(لو أن تنيناً منها نفخ))؛ أي: لو وصل ريح فمه وحرارته ((في الأرض))
لاحترقت الأرض من حرارته بحيث ((ما أنبتت خضراً)؛ أي: نباتاً أخضر ولم
يبق فيها نباتٌ أو شجر.
٥- با
الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة
(باب الاعتصام بالكتاب والسنة)
الاعتصام: الاستمساك بالشيء، قال الله تعالى: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ
جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]: أي: تمسكوا القرآن والسنة.
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٠١ - عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله وَله: ((مَنْ أَحدَثَ
في أَمرِنا هذا ما ليسَ منهُ فهوَ رَةٌّ).
((من الصحاح)):
((عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: قال رسول الله وَلجه من أحدث
١٤٥

في أمرنا هذا))؛ أي: في ديننا وطريقتنا.
((ما ليس منه))؛ أي: شيئاً لم يكن له سند ظاهر أو خفي من الكتاب والسنة.
«فهو رد)»؛ أي: الذي أحدثه مردود باطل.
١٠٢ - وعن جابر ه، عن النبيِّ وَهِ قال: ((أمَّا بعدُ، فإنَّ خَيْرَ الحديث
كتابُ الله، وخَيْرُ الهُدي هَذْي محمدٍ، وشرُّ الأُمورِ مُحدثاتُها، وكلُّ مُحْدَثَةٍ
بِدْعٌ، وكلُّ بِدْعةٍ ضَلالةٌ)).
(وعن جابر﴿ه عن النبي ◌َّلي أنه قال: أما بعد)»: هاتان الكلمتان يؤتى
بهما لفصل الخطاب كأنه صدَّر هذا الحديث في أثناء خطبته بَّ ه ووعظه .
((فإن خير الحديث))؛ أي: الكلام ((كتاب الله)) الفاء جواب لـ (أما)؛ لأن
فيه معنى الشرط .
((وخير الهدي هَذْي محمد)» (الهدي) بفتح الهاء وسكون الدال: الطريق
والسيرة، يطلق على الواحد والتثنية والجمع، فالأول الجمع، والثاني الواحد؛
أي: خير الطريق والسير طريق محمد وسيرته.
(وشر الأمور محدثاتها)) بفتح الدال: جمع محدثة، وهي البدعة من
الأفعال والأقوال.
((وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)) لأن الضلالة ترك الطريق المستقيم
والذهاب إلى غيره، والطريق المستقيم الشريعة، وخُص من هذا الحكم البدعةُ
الحسنة .
١٤٦

١٠٣ - وقال رسول الله وَله: ((أبغَضُ النَّاسِ إلى الله ثلاثةٌ: مُلْحِدٌ في
الحَرَمِ، ومُبتغِ في الإِسلام سنَّةَ الجاهلية، ومُطَّلِبٌ دَ امرىءٍ بغير حقٍّ ليُهريقَ
دمه»، رواه ابن عباس
((وعن ابن عباس ﴾ أنه قال: قال رسول الله (وَلجر: أبغض الناس))
(أبغض): أفعل التفضيل من المفعول على الشذوذ، واللام في (الناس) للعهد،
والمراد منه عصاة المسلمين، وما قاله بعضٌ من أنها للجنس فبعيد، إذ لا معصية
أعظم من الكفر، اللهم إلا أن يُحمل على التهديد.
((إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم))؛ أي: مائل عن الحق في حق الحرم،
بأن يهتك حرمته ويفعل معصية فيه، فإن المعصية قبيح، وفي الموضع الشريف
أقبح، قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:
٢٥].
((مبتغ))؛ أي: طالب ((في الإسلام سنة الجاهلية))؛ أي: طريق أهل
الجاهلية كالميسر والنياحة، وجزاءٍ شخص بجنايةٍ مَن هو من قبيلته.
((ومطّلب)) بتشديد الطاء؛ أي: مجتهد في الطلب.
(دم امرئ مسلم بغير حق ليهريق دمه)) من هَرَاقَ الماء: إذا صبه،
والأصل: أراق، فقلبت الهمزة هاءً.
١٠٤ - وقال: ((كلُّ أُمتي يدخلونَ الجنَّة إلاَّ مَنْ أَبى))، قالوا: ومَنْ يأبى
يا رسول الله؟ قال: ((مَنْ أَطاعني دخلَ الجنَّةَ، ومَنْ عصاني فقد أَبی))، رواه أبو
هريرة .
(وعن أبي هريرة ﴾ه أنه قال: قال رسول الله اله: كل أمتي يدخلون
١٤٧

الجنة إلا من أبى)) إن أريد من الأمة أمةُ الإجابة فالاستثناء منقطع، وإن أريد أمة
الدعوة فالاستثناء متصل.
((قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن
عصاني فقد أبى)) المراد من العصيان: عدم تصديقه - عليه الصلاة والسلام -،
لا الإتیان بمنھیه.
١٠٥ - وعن جابر قال: جاءتْ ملائكةٌ إلى النبيِّ ◌َ﴿ وهو نائمٌ
فقالوا: ((إنَّ لصاحبكُم هذا مثَلاً فاضرِبُوا له مثَلاً، قال بعضُهُمْ: إنَّه نائمٌ، وقال
بعضُهُمْ: إنَّ العيْنَ نائمةٌ والقلبَ يَقْطانُ، فقالوا: مثلُهُ كمثَلٍ رجل بنى داراً،
وجعل فيها مَأْدُبةً، وبعثَ داعياً، فمَنْ أجابَ الداعيَ دخلَ الدَّارَ وأَكلَ من
المَأْدُبة، ومَنْ لمْ يُجبِ الداعيَ لمْ يدخُلِ الدَّارَ ولمْ يَأْكُلْ مِنَ المأدُبة، فقالوا:
أوَّلُوها لهُ يَفْقَهْها، قال بعضُهُمْ: إنَّه نائمٌ، وقال بعضُهُمْ: إنَّ العينَ نائمةٌ والقلْبَ
يَقْطانُ، فقال بعضهم: الدارُ الجنَّةُ، والدَّاعي محمدٌ، فمَنْ أطاعَ محمداً فقد
أطاعَ الله، ومَنْ عصى محمداً فقدْ عصى الله، ومحمدٌ فرق بينَ الناس)).
((وعن جابر ظه أنه قال: جاءت ملائكة))؛ أي: جماعة من الملائكة ((إلى
النبي ◌ِّ﴾)»: ليضربوا له مثلاً ليحفظه ويخبر به أمته.
((وهو نائم فقالوا))؛ أي: قال بعض أولئك الملائكة لبعض: ((إن
لصاحبكم هذا)؛ أي: لمحمد دَلّ.
((مثلاً)) المثل - بفتح الميم - يستعمل في القصة التي فيها غرابة وحُسن؛
أي: له شأناً عجيباً.
((فاضربوا له مثلاً، قال بعضهم: إنه نائم)»: فلا يسمع، فلا يفيد ضرب
المثل شيئاً.
١٤٨

((وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان)) فلا يفوت منه شيء مما
تقولون، هذا مناظرة جرت بينهم لبيان [أن] إدراك النفوس القدسية لا يضعف
بضعف الحواس واستراحة الأبدان.
((فقالوا: مثله كمثل رجل بنى داراً وجعل فيها))؛ أي: في الدار ((مأدُبة))
بضم الدال، هو الطعام الذي يصنع للأضياف.
((وبعث))؛ أي: أرسل باني الدار ((داعياً) يدعو الناس إلى تلك المأدبة.
(فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي
لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة، فقالوا))؛ أي: الملائكة بعضهم لبعض:
((أوّلوها له))؛ أي: فسِّروا القصة أو التمثيل لمحمد - عليه الصلاة والسلام -
(فقهها)) بالجزم جواب الأمر؛ أي: يفهمها.
((قال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان،
فقالوا: الدار الجنة والداعي محمد عليه الصلاة والسلام)) وإنما لم يذكر المأدبة
والباني في تأويلهم؛ لاشتمال الجنة عليها؛ لأنها دار المأدبة(١) والمطالب،
والباني هو الله تعالى، وهو ظاهر.
(فمن أطاع محمداً فقد أطاع الله، ومن عصى محمداً فقد عصى الله
تعالى)) لأنه عليه الصلاة والسلام لا يأمر ولا ينهى إلا بما أمر الله تعالى ونهى.
((ومحمد صلى الله تعالى عليه وسلم فرق)) بالتشديد؛ أي: ميَّز وفضَّل
(بين الناس)): فتبين به المطيع عن العاصي، ويروى بالسكون مصدر بمعنى
الفارق؛ أي: فارِقٌ بين المؤمن والكافر.
قيل: يحتمل أن يكون جابر قد سمع هذا الحديث منه عليه الصلاة
(١) في ((ت)): ((المآرب)).
١٤٩

والسلام فحكاه كما سمعه، ويحتمل أنه أخبر عما شاهده بنفسه وانكشف له.
١٠٦ - وعن أنسٍ ﴾ قال: جاءَ ثلاثةُ رهطٍ إلى أَزْواجِ النبيِّ ◌ِ ﴿ يسأَلونَ
عن عِبادةِ النبيِّ وَ﴿، فلمَّا أُخبرُوا كأنهم تَقَالُّوها، فقالوا: أينَ نحنُ مِنَ النّبِيِّ وََّ،
وقد غَفَرَ الله لهُ ما تقدَّمَ مِنْ ذنبهِ وما تأخّر؟ فقال أحدهم: أمَّا أنا فأُصلِّي الليلَ
أبداً، وقال الآخر: أنا أصومُ النهارَ ولا أُفطِرْ، وقال الآخر: أنا أَعتزلُ النِّساءَ فلا
أَتَزوَّجُ أبداً، فجاءَ النبيُّ ◌َه إليهم فقال: ((أنتمُ الذين قُلْتُمْ كذا وكذا؟ أما والله إنِّي
لأَخشاكم للهِ وأَتْقَاكُم له، لكنِّي أَصُومُ وأُفطِرْ، وأُصلِّي وأَرَقُدْ، وأتزوَّجُ النِّساءَ،
فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتِي فليسَ مِنِّي)».
(وعن أنس - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: جاء ثلاثة رهط)) وهي جماعة
من الثلاثة إلى العشرة؛ أي: ثلاثة أنفس، قيل: هم عليٍّ وعثمان بن مظعون
وعبدالله بن رواحة، وقيل: المقداد، بدل: عبدالله.
يعني: جاؤوا ((إلى أزواج النبي ◌َّيه يسألون عن عبادة النبي عليه الصلاة
والسلام))؛ أي: عن قَدْر عبادته ووظائفه في كل يوم وليلة حتى يفعلوا ذلك.
((فلما أخبروا بها كأنهم تقالُّوها)»؛ أي: وجدوا تلك العبادة قليلة على
أنفسهم، وقد ظنوا أن وظائفه عليه الصلاة والسلام من العبادات كثيرة، وإنما
قلَّلها عليه الصلاة والسلام رحمة وشفقة على أمته؛ لئلا يلحقهم ضرر ومشقة
بالاقتداء فیھا .
((فقالوا: أين نحن من النبي (ص8))؛ أي: بيننا وبينه عليه الصلاة والسلام
بعدٌ بعيد، وفرقٌ عظيم؛ لأنا مذنبون محتاجون إلى مغفرته تعالى، ((وقد غفر الله
له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» فينبغي أن تكون العبادةُ نُصبَ أعيننا، ولا نصرف
عنها وجوهنا ليلاً ونهاراً.
١٥٠

((فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل))؛ أي أحييها بالصلاة ((أبداً، وقال
الآخر: أنا أصوم النهار ولا أفطر))؛ أي: بالنهار.
((وقال الآخر: أنا أعتزل النساء)»؛ أي: أجتنب وأتباعد منهن ((فلا أتزوج
أبداً، فجاء النبي - عليه الصلاة والسلام - إليهم فقال: أنتم الذين قلتم كذا
وكذا)) كناية عما وضعوا على أنفسهم شيئاً من العبادات.
((أما)) مخففٌ: حرف تنبيه، وأكثر ما يقع بعده القسم.
((والله إني لأخشاكم))؛ أي: أشدكم خشية (لله وأتقاكم))؛ أي: أشدكم
تقوى ((له))؛ يعني: إن وضعتم هذه العبادات على أنفسكم من شدة خشيتكم
وتقواكم لله، فإن خشيتي وتقواي أشد، ومع هذا ما وضعت على نفسي شيئاً مما
وضعتم على أنفسكم.
(لكني أصوم وأفطر، وأصلي))؛ أي: في بعض الليل ((وأرقد))؛ أي: أنام
في بعضها.
((وأتزوج النساء)) لأن الله تعالى خلقهن للرجال وركَّب فيهم وفيهن
الشهوة، كما خلق فيهم الاحتياج إلى الطعام، كما أنه لا بد من الطعام فكذلك لا
بد للرجال منهن، والتزوُّجُ مباح وسببٌ للعبادة؛ لأنه يحصل به دفع الزنا منهما،
ويؤجَر بما يُعطي من النفقة والكسوة.
((فمن رغب عن سنتي))؛ أي: تركها وأعرض عنها استهانة بها.
(فليس مني))؛ أي: من المقتدين بي والعاملين بسنَّتي.
١٠٧ - وعن عائشة رضي الله عنها، عن النبيِّ وَلِ﴿ قال: ((ما بالُ أقوام
يتنزَّهُونَ عنِ الشيءٍ أصنَعُهُ؟ فوالله إنِّي لأَعَلَمُهُمْ بالله، وأشدُّهُم له خَشْيةً».
١٥١

((وعن عائشة - رضي الله تعالى عنها - عن النبي وَّ﴿ أنه قال: ما بال أقوام))
استفهام للإنكار بمعنى التوبيخ؛ أي ما حالُهم ((يتنزهون))؛ أي: يتباعدون
ويحترزون ((عن الشيء أصنعه)) جملة حالية عن (الشيء)، أو اللام في (الشيء)
زائدة و(أصنعه) صفته؛ أي: عن شيء أفعله مثل النوم والأكل بالنهار والتزوج.
((فو الله أني لأَعلمهم بالله))؛ أي: بعذابه ((وأشدهم له خشية)) فلو حصل
بهذه المباحات عذاب فأنا أولى أن أحترز عنها، قدَّم العلم على الخشية؛ لأنها
نتيجته .
١٠٨ - وقال رافع بن خَدِيْج: قال رسول الله وَله: ((أنتم أَعلَمُ بأمرٍ
دُنياكُم، إذا أُمرتُكُم بشيءٍ منْ أَمرِ دِينِكُمْ فخُذُوا بِهِ».
((وقال رافع بن خديج)): لما قدم عليه الصلاة والسلام المدينة ورأى أهلها
يؤبرون النخل قال: ((لعلكم لو لم تفعلوا لكان خيراً لكم)) فتركوا التأبير فنقصت
ثمارهم، فذكروا له عليه الصلاة والسلام ((قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه
وسلم -: أنتم أعلم بأمر دنياكم)) وأنا أعلم بأمر دينكم ((إذا أمرتكم بشيء من أمر
دینکم فخذوا به))؛ أي: افعلوا به.
١٠٩ - عن أبي موسى الأشعري ، عن النبيِّ لَ﴾ قال: ((إنَّما مَثَلي
ومَثَلُ ما بَعَنني الله بهِ كمثلٍ رجُلٍ أتى قوماً فقال: يا قوم! إنِّي رأيتُ الجيشَ
بعَينَيَّ، وإنِّي أنا النَّذِيرُ العُريانُ، فالنَّجاءَ النَّجاءَ، فأطاعَهُ طائفةٌ مِنْ قومِهِ
فأَدَلَجوا، فانطلَقُوا على مَهَلِهِمْ، فَنَجَوا، وكذَّبتْ طائفةٌ منهم، فأصبحوا مكانَهُمْ
فصبَّحَهُمُ الجيشُ فأهلكَهُمْ واجتاحَهُمْ، فذلك مثَلُ من أطاعَني فاتَّعَ ما جئتُ بِهِ
١٥٢

مِنَ الحقِّ، ومَثَلُ مَنْ عصاني وكذَّب بما جئت بهِ مِنَ الحقِّ).
((وعن أبي موسى الأشعري، عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال:
إنما مثلي))؛ أي: صفتي ((ومثل))؛ أي: صفة ((ما بعثني الله به كمثل رجل أتى
قوماً فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعينيّ)) وفيه إشارة إلى أنه - عليه الصلاة
والسلام - تحقق عنده جميع ما أخبره من المغیبات بالمعاينة، ولا كذلك سائر
الأنبياء، إذ لم يكن لهم معراج ظاهر حتى يعاينوا تلك الأحوال.
(إني أنا النذير)): وهو الذي يخوف غيره بالإعلام.
((العريان)): هو الذي لقي العدو فسلبوا ما عليه من الثياب، فأتى قومه
عرياناً بخبرهم، وهذا مثلٌ يضرب لشدة الأمر ودنوٍ المحذور منه وبراءة المخبر
عن التهمة .
((فالنجاء النجاء)) بالمد والقصر: نصب على الإغراء؛ أي: اطلبوا النجاء،
أو على المصدر؛ أي: انجوا النجاء، وهو الإسراع كرِّر للتأكید.
(«فأطاعه طائفة»: من قومه.
«فأدلجوا»؛ أي ساروا من أول الليل.
((فانطلقوا على مَهلهم)) بفتح الميم والهاء؛ أي: هِيْنتهم وسكونهم
((فنجوا، وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم))؛ أي: دخلوا في وقت الصباح
في ذلك المكان.
((فصبحهم الجيش))؛ أي: أتوهم صباحاً ليُغيروا عليهم.
((فأهلكهم واجتاحهم))؛ أي استأصلهم وأهلكهم بالكلية بشؤم التكذيب.
((فذلك))؛ أي: المثل المذكور ((مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به)) وهذا
ليعلم أنه لا ينبغي أن يستريح بظاهر الطاعة من غير اتباع ما جاء به.
١٥٣

((من الحق ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق)) فيه إشارة إلى
أن مطلق العصيان غير مستأصل، بل العصيان مع التكذيب بالحق.
١١٠ - وعن أبي هريرة ﴿ه قال: قال رسول الله وَّهُ: ((مَثَلِي كمثَلِ رجلٍ
استوقدَ ناراً، فلمَّا أضاءتْ ما حولها جعلَ الفَراشُ وهذهِ الدوابُ التي تقعُ في
النَّارِ يقعنَ فيها، وجعلَ يحجُزُهُنَّ، ويغلِبِنهُ فيقتَحمنَ فيها، قال: فذلكَ مَثَلَي
ومَثَلُكُم، أنا آخذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ: هلُمَّ عنِ النارِ، هلمَّ عنِ النارِ، فتغلِيونني
فتقخَّمُون فيها)).
((وعن أبي هريرة ظله أنه قال: قال رسول الله وَلاير: مثلي كمثل رجل
استوقد ناراً) بمعنى أوقد.
((فلما أضاءت)) من الإضاءة، وهو فرطُ الإنارة.
«ما حولها))؛ أي: جوانب تلك النار.
((جعل))؛ أي: طفق.
((الفراش))؛ أي: دويبة تطير تتساقط في النار.
((وهذه الدواب)): إشارة إلى غير الفراش.
((التي تقع في النار))؛ أي: عادتها إلقاء أنفسها في النار كالبق والبعوض.
(يقعن فيها))؛ أي: الفراش والدواب في النار.
((وجعل))؛ أي: الرجل المستوقد.
(«یحجزهنَّ»؛ أي: يمنعهن عن الوقوع ويبعدهن عنها .
((فيغلبنه))؛ أي: الفراشُ وتلك الدواتُ عليه، فلا يقدر أن يدفعهن عنها.
((فيتقحمن فيها))؛ أي: يلقين أنفسهن في النار بغتةً من غير رويَّةٍ.
١٥٤

((قال: فذلك))؛ أي: المثل المذكور.
((مثلي ومثلكم أنا آخذ بحُجَزكم)) بضم الحاء وفتح الجيم: جمع حُجْزة،
وهي مقعد الإزار، وإنما خصها وَّ﴿ لأن محلّ الزنا الذي هو أفحش الفواحش
تحتها، أو لأن أخذ الوسط أقوى وأوثق من الأخذ بأحد الطرفين في التبعيد.
يعني: أمنعكم ((عن النار)): قائلاً لكم: ((هلم)؛ أي: أسرعوا إليَّ وأبعدوا
أنفسكم ((عن النار، هلم عن النار)) كرَّر لفرط الاهتمام.
((فتغلبوني)) بالنون المشددة، أصله: فتغلبونني، فأدغم نون الجمع في
نون الوقاية .
(تقخّمون فيها)) بحذف إحدى التاءين تخفيفاً؛ أي: ترمون أنفسكم في
النار بفعل المعاصي، وهو حال من فاعل (تغلبوني).
وفي الحديث: إخبار عن فرط شفقته بَّر على أمته وحفظهم عن العذاب.
١١١ - وقال ◌َ﴾: ((مثلُ ما بعثني الله بهِ منَ الهُدَى والعِلْمِ كمثلِ الغَيْثِ
الكثيرِ، أصابَ أرضاً، فكانتْ منها طائفةٌ طيبةٌ قَبلتِ الماءَ، فَأَنبتتِ الكلأَ
والعُشْبَ الكثيرَ، وكانتْ منها أَجادِبُ أَمسكتِ الماءَ، فنفعَ الله بها الناسَ،
فشرِبُوا وسَقَوْا وزَرَعوا، وأصابَ منها طائفةً أُخرى إنَّما هيَ قِيعانٌ لا تُمسكُ ماءً
ولا تُثبتُ كلاًّ، فذلكَ مَثَلُ مَنْ فَقَهَ في دينِ الله ونفعَهُ ما بعثني الله بهِ فعَلِمَ وعَلَّم،
ومثَلُ مَنْ لمْ يرفعْ بذلكَ رأْساً ولم يقبَلْ هُدَى الله الذي أُرسِلْتُ بهِ»، رواه أبو
مُوسَى الأَشْعَري ﴾.
((وعن أبي موسى الأشعري أنه قال: قال رسول الله وَّهِ: مَثَلُ ما بعثني الله
به من الهدى والعلم))، (الهدى): الدلالة الموصلة إلى الحق، والمراد
١٥٥

بـ (العلم) هنا: الوحيان الظاهر والخفي، والهدى وسيلةٌ إلى العلم، فلذا
قدمه وَّر، وفي ((العوارف)): العلم جملةٌ موهوبة من الله تعالى للقلوب، والهدى
وجدان القلوب ذلك. ويجوز أن يكون المراد منهما شيئاً واحداً.
((كمثل الغيث))؛ أي: المطر.
((الكثير)): وإنما مثَّل - عليه الصلاة والسلام - العِلْمَ بالغيث؛ لأنه يحيي
القلب الميت إحياء الغيث البلدَ اليابس، وشبهه بالغيث دون المطر لأن الغيث
هو المطر المحتاج إليه، وقد كان الناس محتاجين إلى الهداية والعلم قبل مبعثه،
فأفاض الله عليهم سجال العلم والهدى ببعثه عليه الصلاة والسلام، ووصفه
بالکثیر لأن الإنبات لا یحصل إلا بالکثیر منه.
((أصاب أرضاً): صفة للغيث على تقدير أن تكون اللام فيه للجنس أو
زائدةً .
(فكانت منها))؛ أي: من الأرض، صفة (طائفة) قدِّمت عليها فصارت
حالاً.
((طائفة))؛ أي: قطعة .
((طيبة))؛ أي: غير خبيثة بسباخٍ ونحوه.
((قبلت الماء)»؛ أي: دخل الماء فيها للينها.
((فأنبتت)) عقيب قبول الماء.
((الكلأ والعشب الكثير)) قيل: (الكلأ) هو العشب يابساً كان أو رطباً،
و(العشب) الكلأ الرطب، فيكون عَطَفَ الأخصَّ على الأعم للاهتمام بشأنه.
((وكانت منها أجادب)) بالجيم والدال المهملة: جمع أجدب، وهي
الأرض الصلبة التي لا تنبت.
((أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا)) دوابهم.
١٥٦

((وزرعوا به)) فهذان القسمان من الأرض منتفع بهما.
((وأصاب منها طائفةً أخرى إنما هي قيعان)): جمع قاع، وهي الأرض
المستوية .
((لا تمسك ماءً ولا تنبت كلاً)) لكونها سبخةً، وإنما نَفَى الكلأ لأن بعض
القیعان قد ینبت کلاً وإن لم يمسك ماء.
وفيه تنبيه على أنها غير قابلة أصلاً لا للانفعال ولا للفعل.
((فذلك))؛ أي: المذكور من الأنواع الثلاثة للأرض ((مثل من فقُه)) بالضم؛
أي: صار فقيهاً ((في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم)) بتشديد اللام،
هذا مثل الطائفة الأولى التي قبلت الماء وأنبتت الكلأ، فقبول الماء إشارة إلى
العلم، وإنبات الكلأ إشارة إلى التعليم.
((ومثل من لم يرفع بذلك رأساً) عدم رفع رأسه بالعلم كنايةٌ عن عدم
الانتفاع به؛ لعدم العمل به، أو للإعراض عنه إلى حطام الدنيا، هذا مَثَلُ الطائفة
الثانية التي لم تقبل الماء، فأمسکته فنفع الله بها الناس.
((و)) مثل من ((لم يقبل هدى الله الذي أرسلت به)): وهو الدين هذا مثل
الطائفة الثالثة التي لا تمسك ماءً ولا تنبت كلاً.
١١٢ - وقالتْ عائشةُ رضي الله عنها: تلا رسولُ الله ◌َّهِ: ((﴿هُوَ الَّذِىَّ أَنزَلَ
عَلَيْكَ الْكِنَبَ مِنْهُ ءَايَتٌ تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُّ الْكِنَبِ وَأُخَرُ مُتَشَِهٌَ﴾))، قالت: قال
رسول الله ﴾: ((فإذا رأيتِ الذينَ يَتَّبعون ما تشابهَ منه، فأولئكَ الذينَ سمَّى الله،
فاحذروهم).
((وقالت عائشة - رضي الله عنها -: تلا رسول الله وَيه: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ عَلَيْكَ
١٥٧

الْكِتَبَ﴾))؛ أي: القرآن. ﴿مِنْهُ﴾؛ أي: بعضه ﴿مَايَكُ تُحْكَمَتُ﴾ قيل: المحكم:
ما أمن من احتمال التأويل والنسخ والتبديل كالنصوص الدالة على ذات الله تعالى
وصفاته .
﴿هُنَّ﴾؛ أي: تلك الآيات.
﴿أُمُّ الْكِنَبِ﴾؛ أي: أصله.
﴿وَأُخَرُ﴾؛ أي: آيات أُخَر.
﴿مُتَشَبِهٌَ﴾ المتشابه: ما بلغ في الخفاء نهايته ولا تُرجى معرفته، كقوله
تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِ يِهِمْ﴾ [الفتح: ١٠].
﴿ فَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ زَيْعٌ﴾ ؛ أي: ميلٌ عن اتباع الحق إلى الباطل.
﴿فَتَِّعُونَ مَاتَشَبَهَمِنْهُ﴾ ؛ أي: يبحثون فيه.
﴿أَبِْغَاءَ اَلْفِتْنَةِ﴾؛ أي: لطلب إيقاع الشك والخصومة بين المسلمين.
﴿وَابْتِغَّةَ تَأْوِيلِهِ ﴾؛ أي: استنباط معانيه.
﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّ اللّهُ ﴾ الآية)).
((قالت))؛ أي: عائشة: ((قال رسول الله وَله: فإذا رأيت)): خطاب لعائشة،
رضي الله تعالى عنها، وغيرها داخل فيه بطريق التبعية، بقرينة (فاحذروهم).
((الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك سمى الله))؛ أي: سماهم أهل الزيغ.
((فاحذروهم))؛ أي: لا تجالسوهم ولا تكالموهم.
١١٣ - وقال عبدالله بن عمرو ﴾: هجَّرْتُ إلى رسولِ اللهِ وَلِ﴾ يوماً،
فسمعَ صوتَ رَجلينِ اختلفا في آيةٍ، فخرجَ يُعرفُ في وجههِ الغضَبُ، فقال:
١٥٨

((إنما هلكَ مَنْ كانَ قبلكُمْ باختلافِهِمْ في الكتابِ».
((وقال عبدالله بن عمرو: هجَّرت)) بالتشديد؛ أي: سِرْتُ وقتَ الهاجرة،
وهو نصف النهار عند اشتداد الحر.
((إلى رسول الله ( ﴾ يوماً))، وإنما سار في هذا الوقت؛ ليكون حاضراً في
المسجد، أو في بابه قبل خروجه عليه الصلاة والسلام؛ حتى لا يفوت منه شيء
مما صدر عنه - عليه الصلاة والسلام - من الأفعال والأقوال.
وفيه: إشارة إلى اهتمام الراوي بأمر الدين واقتباس العلم.
(«فسمع رسولُ الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - من حُجرته صوتَ
رجلين اختلفا»: صفة (رجلين)؛ أي: تنازَعَا وتخاصَمَا.
(في آية))؛ أي: في معنى آية متشابهة، ويحتمل أن يكون اختلافهما في
لفظهما حتى ارتفعت أصواتهما .
((فخرج)) عليه الصلاة والسلام ((يُعرف في وجهه الغضب)): جملة حالية
من فاعل (خرج).
((فقال: إنما هلك من كان قبلكم)) من اليهود والنصارى ((باختلافهم في
الكتاب)): المنزل على نبيهم من التوراة والإنجيل، بأن قال كل واحد منهم
ما شاء من تلقاء نفسه .
١١٤ - وقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((ذَرُوني ما تركتُكُمْ، فإنَّما هلكَ مَنْ كان
قبلَكُمْ بكثْرةِ سُؤالهمْ واختلافِهِمْ على أنبيائهِمْ، فإذا أمرتُكُمْ بشيءٍ فأَتُوا منهُ
ما استطعتُمْ، وإذا نَهَيْئُكُمْ عَنْ شيءٍ فَدَعُوه»، رواه أبو هريرة ۶﴾.
((وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله وَطفى: ذروني)): اتركوني
١٥٩

ولا تسألوني من الأمر بشيءٍ والنهي عنه.
((ما تركتكم))؛ أي: مدةً ترکی إیاکم.
((فإنما هلك مَن كان قبلكم بكثرة سؤالهم)): فيه إشارة إلى أن بعض
السؤال لا يضرُّ إذا كان بقَدْر الحاجة.
((واختلافهم على أنبيائهم))؛ فإن كثرة السؤال والاختلاف عليهم كان سبباً
لهلاكهم؛ لأنها من أمارات التردد في الباعث والمبعوث.
((فإذا أمرتكم بشيء فَأَتُوا منه ما استطعتم))، ولا تتركوا أمري على
الجحود.
((وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه))؛ أي: اتركوه.
١١٥ - وقال: ((إنَّ أعظمَ المُسلمينَ في المُسلمينَ جُرْماً مَنْ سألَ عَنْ
شيءٍ لمْ يُحرَّمْ، فَحُرِّمَ من أجلِ مسألتِه))، رواه سعد بن أبي وقّاص ◌ُ.
((وعن سعد بن أبي وقاص ه: أنه قال: قال رسول الله وَله: إن أعظم
المسلمين في المسلمين جرماً)؛ أي: ذنباً كائناً فيهم.
((مَن سأل نبيّه عن شيء لم يُحرَّم)): هل هو حرام أم لا؟
((فُحرِّم من أجل مسألته)): هذا في حق مَن سأل عبثاً وتكلُّفاً فيما لا حاجةً
به إليه، فسكوتُ النبي - عليه الصلاة والسلام - في مثل هذا عن جوابه ردعٌ
لسائله(١).
وإن أجيب عنه كان تغليظاً له، فيكون بسببه تغليظاً على غيره، وإنما كان
(١) في ((م)): ((لقائله)).
١٦٠