Indexed OCR Text
Pages 81-100
العبد المؤمن بقرينة قوله: ((خرج منه الإيمان)): قيل: ليس المراد منه: حقيقة الخروج؛ بل هو نوره أو كماله، سلك مسلك المبالغة والتشديد في باب الزجر والوعيد. ((وكان فوق رأسِهِ كالظَّلة)): وهي سحابة تُظِلُّ على الأرض، وهذا تشبيه المعنى بالمحسوس بجامع معنوي، وهو: الإشراف على الزوال؛ لأنه من شأن الظُّلة. ((فإذا خرج من ذلك العمل، رجعَ إليه الإيمان)): وفيه إيذان بأن المؤمن في حال اشتغاله بالشهوة يصير فاقداً أو كالفاقد للإيمان، ولكن لا يزول حكمه واسمه، بل هو بعدُ في ظل رعايته، وكنف بركته؛ إذ يصيرُ فوقه كالسحابة تظله، فإذا فرغ من شهوته، عاد الإیمان إليه. وقيل لابن عباس: كيف ينزع الإيمان منه؟ قال: هكذا، وشبك بين أصابعه ثم أخرجها، فإن تاب عاد إليه هكذا، وشبك بين أصابعه. ٠ فصل في الوَسْوَسةِ (فصل في الوسوسة) مِنَ الصِّحَاحِ: ٤٤ - عن أبي هريرة ﴿ه قال: قال رسول الله وَله: ((إنَّ الله تَجاوَزَ عنْ أُمَّتي ما وَسوستْ به صُدورُهَا ما لمْ تعمَلْ به أو تتكلّم)). (من الصحاح)): ((عن أبي هريرة: أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: ٨١ إن الله تجاوز))؛ أي: عفا. ((عن أمتي ما وسوست به صدورُها)) بالرفع فاعلاً، والمراد: القلوب؛ أي: ما خطرت في قلوبهم من الخواطر المذمومة، ويجوز نصبه مفعولاً به؛ أي: وسوست النفوسُ به صدورَها، وهي إما ضرورية، وهي: التي يستجلبها الطبع البشري من غير قصد، وإما اختيارية، وهي: التي تُلقَى في نفس المؤمن من تزيين المعصية والكفر. والمراد بها في الحديث هي الاختيارية؛ لأن الضرورية معفوٌ عن جميع الأمم إذا لم يصر عليه؛ لامتناع الخلو عنها؛ يعني: لا يؤاخذهم بما وقع في قلوبهم من القبائح، ((ما لم تعمل به أو تتكلم)). وأما قوله تعالى: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] فمنسوخ بقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، والوُسع: اسم لما يسع الإنسان، ولا يضيق عليه. ٤٥ - وعن أبي هريرة ﴿ه قال: جاءَ ناسٌ منْ أصحابِ النبيِّ وَّهِ فسألُوه: إِنَّا نجدُ في أنفُسِنَا ما يتعاظَمُ أحدُنَا أنْ يتكلَّمَ بِهِ، قال: ((أَوَقَدْ وجدتُمُوهُ؟))، قالوا: نعم، قال: ((ذاكَ صريحُ الإِيمانِ)). ((وعن أبي هريرة ظه أنه قال: قال: جاء ناس))؛ أي: جماعة. ((من أصحاب النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - إلى النبي فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به))؛ أي: عظم وشقَّ علينا ذلك بأن يجري في قلوبنا؛ من خلق الله؟ فكيف هو؟ ومن أيِّ شيء هو؟ وغير ذلك مما نعلم أنه قبيحٌ لا نعتقده. ((قال - عليه الصلاة والسلام -: أوقد وجدتموه؟)): الهمزة للاستفهام ٨٢ والواو المقرونة بها عطف على مقدر؛ أي: أكان ذلك، وقد وجدتم ذلك الخاطر في أنفسكم؟ ((قالوا: نعم، قال: ذلك))؛ أي: تعاظمك التكلم بذلك الخاطر إجلالاً لله تعالى وخشية منه هو: ((صريح الإيمان))؛ أي: خالصه؛ فإن من كان إيمانه مشوباً غير صريح يقبل الوسوسة، ولا يردها. وقيل: المعنى: أن الوسوسة أمارة الإيمان في قلوبكم، ولولا ذلك لما وسوس في أنفسكم؛ لأنه لصٌ لا يدخل الموضع الخالي. ٤٦ - وقال: قال رسول الله وَهِ: ((يأْتي الشَّيطانُ أحدَكُمْ فيقول: مَنْ خلقَ كذا؟ من خلَق كذا؟ حتى يقول: مَنْ خَلَقَ رَبَّك؟ فإذا بلغَهُ فليَسْتَعِذْ بالله، وَلْتُهِ». ((وعنه أنه قال: قال رسول الله - عليه الصلاة والسلام -: يأتي الشيطان أحدكم»؛ أي: یوسوس في قلبه. ((فيقول: من خلق كذا؟))؛ يعني: السماء. ((من خلق كذا؟))؛ يعني: الأرض، وعلى هذا يسأله. ((حتى يقول: من خلق ربك؟)) وغرضه أن يوقع الرجلَ في الغلط والكفر والاعتقادات الباطلة. ((فإذا بلغه))؛ أي: الشيطان أو أحدكم هذا القول. «فليستعذ بالله))؛ طرداً للشيطان عنه. ((ولينته))؛ أي: عن تلك الوساوس؛ لئلا يستحوذَ الشيطان عليه بها . ٨٣ ٤٧ - وقال: ((لا يزالُ الناسُ يَتَساءَلونَ حتى يُقالَ: هذا خَلَقَ الله الخلْقَ، فمَنْ خَلَقَ الله؟ فمنْ وجدَ مِنْ ذلكَ شيئاً فليقُلْ: آمنتُ بالله ورُسُلِهِ)، رواهما أبو هريرة څ . ((وعنه أنه قال: قال رسول الله (وَ﴾: لا يزال الناس يتساءلون))؛ أي: سأل بعضهم بعضاً في كلِّ نوع. ((حتى يقال: هذا)): قيل: لفظُ (هذا) مع ما عُطِف بيانه المحذوف - وهو القول - مفعولُ (يقال) أُقِيمَ مقام الفاعل . ((وخلق الله الخلق)): تفسير لـ (هذا). ((فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك))؛ أي: من ذلك القول شيئاً، «فليقل : آمنت بالله ورسله)). ٤٨ - وقال: ((ما مِنْكُمْ مِنْ أحدٍ إلاَّ وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قرينُهُ مِنَ الجِنِّ»، قالوا: وإِيَّاكَ يا رسولَ الله! قال: ((وإِيَّايَ، إلاَّ أنَّ الله أَعَانِي عليه فَأَسْلَمُ، فلا يأُمُرُني إلاَّ بخیْرٍ))، رواه ابن مسعود. ((وعن ابن مسعود ظه أنه قال: قال رسول الله وَلجر: ما من أحد إلا وقد وُكِّل به)) على بناء المجهول، من (التوكيل)؛ بمعنى: التسليط. ((قرينه))؛ أي: مصاحبه ((من الجن))؛ أي: الشياطين أولاد إبليس، تأمره بالشرّ وتحثه علیه. ((قالوا: وإياك يا رسول الله؟))؛ أي: وقد وُكِّل به وإياك. ((قال)): وُكلِّ به ((وإياي))، فالضمير المنفصل فيهما عطف على محل الضمير المجرور المقدر، وقيل: وقع الضمير المنصوب المنفصل موقع ٨٤ المنفصل المرفوع؛ إذ حقه أن يقال: وأنت يا رسول الله وُكِّل بك قرينك؟ فيقول: وأنا، وهذا شائع. ((إلا أن الله أعانني عليه فأسلم)»: بفتح الميم؛ أي: انقاد وامتنع عن وسوستي، أو معناه: دخل في الإسلام الحقيقي، فسلمت من شره، يؤيده قوله ويتر: ((فلا يأمرني إلا بخير))، ویروی برفع الميم؛ أي: أسلم من شره. وقيل: هو أفعلُ التفضيل خبرُ مبتدأ محذوف؛ أي: فأنا أسلمُ منكم؛ لأن النبي - عليه الصلاة والسلام - كان يجري عليه بعضُ الزلات في بعض الأوقات بوسوسة، فيكون المراد بقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((فلا يأمرني إلا بخير)) في أعم الأوقات. وفي رواية: (ما منكم من أحد إلا وقد وُكِّل به قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة). (رواه ابن مسعود)). وعن بعض المشايخ: أن قرينه من الجن ربما يدعوه إلى الخير، وقصده بذلك الشُّ بأن يدعو إلى المفضول؛ ليمنعه عن الفاضل، ويدعوه إلى الخير؛ ليجره إلى ذنب عظيم لا يفي خيره بذلك الشرِّ من عُجبٍ أو غيره. ٤٩ - وقال: ((إنَّ الشَّيطانَ يجري مِنَ الإِنسانِ مَجْرَى الدَّمِ». ((وعن أنس به أنه قال: قال رسول الله صل *: إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم)»؛ أي: كيد الشيطان يجري، ووساوسه تسري في الإنسان حيث يجري فيه الدم؛ أي: في جميع عروقه، أو يجري فيه مثل جريان الدم في أعضائه من غير إحساس له بجريانه، أو معناه: أن الشيطان لا ينفكُّ عن الإنسان ما جری دمه في عروقه؛ أي: ما دام حياً. ٨٥ وقيل: يجوز إرادة الحقيقة؛ فإن الشياطين أجسامٌ لطيفةٌ قادرة بأقدار الله تعالى على كمال التصرف ابتلاءً للبشر. ٥٠ - وقال: ((ما مِنْ بني آدَمَ [مِنْآ مَوْلُودٍ إلَّ يَمسُّهُ الشيطانُ حين يولد، فيَستهلُّ صارخاً من مسِّ الشيطانِ، غيرَ مريمَ وابنها))، رواه أبو هريرة. ((وعن أبي هريرة ظ أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: ما من مولود من بني آدم إلا يمسُّهُ الشيطانُ))؛ يعني: لا يولد مولود في حال من الأحوال إلا في حال مسِّ الشيطان. ((حين يولد)): قالوا: المراد بالمس هنا: المسُّ الحسي؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((كل ابن آدم يطعن الشيطان في جنبه بإصبعه حين يُولَد)). «فیستھلُّ»؛ أي: يصبح. ((صارخاً))؛ أي: رافعاً صوته بالبكاء. ((من مسِّ الشيطان غيرَ مريم وابنها))؛ أي: إلا مريم وعيسى عليهما السلام؛ فإن الله تعالى عصمهما من مسِّه؛ لاستجابة دعاء حَنَّةَ أمِّ مريم في حقهما حين قالت: ﴿وَإِنِّ سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنَّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ ﴾ ، وتخصيصاً لهما بهذه الفضيلة . والأوجه أن يراد من المس: الطمعُ في الإغواء، لا حقيقة المسِّ، واستعاذة حَنَّةً يجوز أن تكون من الإغواء، لا من المس؛ لأن الاستعاذة كانت بعد وضعها، والمسُّ إنما كان بحال الولادة. ٨٦ ٥١ - وقال: ((صِياحُ المولودِ حينَ يقَعُ نَزْغٌ مِنَ الشَّيطانِ))، رواه أبو هريرة . ((وعنه أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: صياح المولود حين يقع))؛ أي: حين يسقطُ وينفصلُ عن أمه . (نَزْغَةٌ من الشيطان))؛ أي: وسوسة، وقيل: إفساد؛ فإن النزغ هو الدخول في أمرٍ لإفساده، والشيطان يبتغي إفساد ما وُلِدَ المولود عليه من الفطرة. وقيل: معناه: سببُ صياحه نزغةٌ من الشيطان، من باب تسمية الشيء بما هو من بعض أسبابه، فإن صياحَهُ يُسمَّى نزغة؛ لأنها سببه. ((رواه أبو هريرة)). ٥٢ - وقال: ((إنَّ إِبْلِيْسَ يضَعُ عرْشَهُ على الماءِ، ثم يبعثُ سَراياهُ يفتِنُونَ النَّاسَ، فَأَدْناهُمْ منه منزلةً أعظمُهُمْ فِتْنةً، يجيءُ أحدُهُمْ فيقولُ: فعلتُ كذا وكذا، فيقولُ: ما صنعْتَ شيئاً، قال: ثم يجيءُ أحدُهُمْ فيقولُ: ما تركْتُهُ حتى فرَّقْتُ بينَهُ وبينَ امرأَتِهِ، فيُدْنِيهِ منه ويقولُ: نِعْمَ أنتَ؟))، قال الأعمشُ: أُراهُ قال: «فیلتزِمُهُ» . ((وعن جابر أنه قال: قال رسول الله بَّارٍ: إن إبليس يضع عرشه))؛ أي: سريره . ((على الماء)): قيل: وضعُهُ كنايةٌ عن التسلط التام والاستيلاء العظيم. وقيل: عمله يحمل على حقيقته بأن جعله الله تعالى قادراً عليه استدراجاً؛ ليغتزّ بأن له عرشاً على هيئة عرش الرحمن، تؤيده قصة ابن صيَّاد حيث قال لرسول الله : أرى عرشاً على الماء، فقال - عليه الصلاة والسلام -: ((ترى عرش إبليس)). ٨٧ ((ثم يبعث سراياه))؛ أي: جنوده التي يسيرها لإثارة الفتنة، جمع: سرية، وهي: قطعة من الجيش. (فتنون الناس))؛ أي: يضلونهم، ويأمرونهم بالمعاصي، وقيل: معناه: يمتحنون ويتعرفون إيمانكم بنبوتي؛ إذ الفتنة في كلامهم الابتلاء والامتحان. ((فأدناهم منه))؛ أي: أقربهم من إبليس ((منزلة أعظمهم فتنةً، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا))؛ يعني: يقول: أمرت الناس بشرب الخمر والسرقة وغير ذلك من المعاصي. ((فيقول)) إبليس: ((ما صنعت شيئاً، قال)) وَلجر: ((ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته)»؛ أي: الإنسان. ((حتى فرقت بينه وبين امرأته، فيدنيه منه))؛ أي: يقرب إبليس ذلك الغَوِيَّ من نفسه . ((فيقول: نعم أنت)): (نعم) حرف إيجاب، و(أنت) مبتدأ خبره محذوف؛ أي: أنت صنعت شيئاً عظيماً. وفي بعض النسخ: نِعمَ - بكسر النون - على أنه فعل مدح، وفاعله مضمر على خلاف القياس؛ أي: نعمَ العونُ أنت، والصواب هو الأول. ((قال الأعمش)): هو راوي هذا الحديث عن جابر: ((أراه))؛ أي: أظن أن جابراً ((قال)) في حديثه: ((فيلتزمه))؛ أي: يعانقه إبليس ويعذره من غاية حبه للتفريق بينهما؛ لأنه أعظم فتنة؛ لما فيه من انقطاع النسل، والوقوع في الزنا؛ الذي هو أفحش الكبائر بعد الإشراك بالله. ٥٣ - وقال ◌َّهِ: ((إنَّ الشَّيطانَ قد أَيسَ من أنْ يعبُدَهُ المُصلُّونَ في جزيرةِ ٨٨ العَرَبِ، ولكنْ في التَّحريشِ بینهُم))، رواهما جابرٌ ((وعنه أنه قال: قال رسول الله وَ﴾: إن الشيطان قد أيس))؛ أي: صار محروماً. ((من أن يعبده المصلون))؛ أي: المؤمنون، عبّر عنهم بالمصلين؛ لأن الصلاة هي الفارقة بين الإيمان والكفر، أراد بها: عبادة الصنم، وإنما نسبها إلى الشيطان؛ لكونه داعياً إليها . ((في جزيرة العرب)): وهي كل أرض حولها الماء، فعيلة بمعنى مفعولة، من جزر عنها الماء؛ أي: ذهب، وقد اكتنفت تلك الجزيرةَ البحارُ والأنهار، كبحر البصرة وعمان وعدن إلى بركة بني إسرائيل التي أهلك الله تعالى فرعونَ بها، وبحر الشام والنيل ودجلة والفرات، أضيفت إلى العرب؛ لأنها مسكنهم، وخُصَّت بالذكر؛ لأنها معدنُ العبادة ومهبطُ الوحي، ولم يكن الإسلام يومئذ إلا بها . ((ولكن في التحريش بينهم))؛ أي: لكن الشيطان غيرُ آيس في إغراء المؤمنين وحملهم على الفتن، بل له مطمعٌ في ذلك، من حرَّش بين القوم: إذا أغرى بينهم . ٥٤ - عن ابن عبّاس عَ﴾: أنَّ النبيَّ لَه جاءَهُ رجلٌ فقال: إنِّي أُحَدِّثُ نفْسي بالشيء، لأَنْ أكون حُمَمَةً أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أتكلّمَ بِهِ، قال: ((الحمدُ لله الذي رَدَّ أمرَهُ إلى الوَسْوَسة)). ((من الحسان)): ((عن ابن عباس ه: أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - جاءه رجل ٨٩ فقال: إني أحدث نفسي بالشيء لأن أكون حُمَمَةً))؛ أي: فحماً، اللام توطئة للقسم، أو للابتداء، والجملة صفة للشيء؛ يعني: يجري في قلبي من الأشياء لأَنْ احترقتُ وصرتُ فحماً ((أحبّ إلي من أن تكلم به))؛ أي: بذلك الشيء من غاية قبحه . ((قال))؛ أي: النبي ◌َلّ: «الحمد لله الذي ردَّ أمره))؛ أي: أمرَ هذا القائل المسلم، أو أمرَ الشيطان . ((إلى الوسوسة)) بأن لم يجعل له سلطاناً على المسلم غير الوسوسة، فإنه قبل الإسلام كان يأمرهم بالكفر وعبادة الأوثان. ٥٥ - وقال: ((إنَّ للشيطان لَمَّةً بابن آدمَ، وللملَك لَمَّةً، فأمَّا لَمَّةُ الشيطانِ فإيعادٌ بالشرِّ وتكذيبٌ بالحقِّ، وأمَّا لَمَّةُ المَلَكِ فإِيعادٌ بالخيرِ وتصديقٌ بالحقِّ، فمنْ وجدَ ذلك فلْيَعْلَمْ أَنَّه مِنَ الله، فليحمَدِ الله، ومَنْ وجدَ الأُخرى فليتعوذ بالله من الشَّيطان))، ثم قرأ: ((﴿الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَآءِ﴾)»، غريب . «وعن ابن مسعود: أنه قال: قال رسول الله - صلی الله تعالی علیه وسلم -: إن للشيطان لمة بابن آدم))؛ أي: نزلة في قلبه بالدعوة، من قولهم: لَمَّ بالمكان، وأَلَمَّ به: إذا نزل. ((وللملك لمة، فأما لمة الشيطان؛ فإيعاد بالشر)) كالكفر والفسق. ((وتكذيب بالحق)) كأحوال القيامة والقبر. ((وأما لمة الملك؛ فإيعاد بالخير)): كالصلاة والصوم وغيرهما من الخيرات، وإنما ذكر الإيعاد مجرى الوعد بالخير على سبيل الإتباع والازدواج؛ ٩٠ للاكتفاء عن الفارق بين الوعد والوعيد بكلمتي (الخير) و(الشر). «وتصدیق بالحق) ککتب الله تعالی ورسله. قيل: إن اللمة الشيطانية تكون عن يسار القلب، والرحمانية عن يمينه. وزاد بعض الصوفية: عليهما خاطران؛ خاطر الحق، وخاطر النفس. وفي ((العوارف)): هذان اللمتان هما الأصل، والخاطران الآخران فرعٌ عليهما؛ لأن لمة الملك إذا حرَّكت الروح واهتزَّ بالهمة الصالحة، قرب باهتزازه بها إلى حظائر القرب، فورد عليه عند ذلك خواطرُ من الحق، وإذا تحقق بها بالقرب يتحقق الغناء، فتثبت الخواطرُ الربانية عند ذلك، فيكون أصل خواطر الحقِّ لمة الملك. ولمة الشيطان إذا حرَّكت النفسَ، هوت بجبلَّتها إلى مركزها من الغريزة والطبع، فظهر من ذلك خواطرُ ملائمة بحالها، فصارت خواطرُ النفس نتيجةَ لمة الشيطان . «فمن وجد»؛ أي: في نفسه. ((ذلك))؛ أي: لمة الملك على تأويل المذكور. ((فليعلم أنه من الله، فليحمدِ الله)) على هذه النعمة بأن أرسل عليه ملكاً يأمره بالخير، ويهديه إلى الحق، وإنما قدّمها هنا وأخَّرها أولاً؛ لأن لمة الشيطان شرٌّ، والابتلاءُ بها أكثر، فكان الحاجة إلى بيانها أمَسَّ، ولما فرغ منه قدَّم لمة الملك تعظيماً لشأنها . ((ومن وجد الأخرى))؛ أي: لمة الشيطان. ((فليتعوذ بالله من الشيطان)) وليخالفه فيما يأمر به من فعل السوء. ((ثم قرأ)) عليه الصلاة والسلام هذه الآية استشهاداً لما قال: ٩١ ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ اَلْفَقْرَ﴾؛ أي: يخوِّفكم الفقر، ويقول: لا تنفقوا أموالكم في الزكاة والصدقات فإنكم تحتاجون إلى ذلك. ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَآءِ﴾؛ أي: بالبخل وسائر المعاصي. ﴿وَاَللَّهُ يَعِدُكُمْ مَّغْفِرَةًمِّنْهُ ﴾؛ أي: لذنوبكم. ﴿وَفَضْلًا﴾؛ أي: خلفاً في الدنيا؛ يعني: يقول لكم: أنفقوا أُعطكم أضعاف ما تنفقون في الدنيا. ((غریب)) . ٥٦ - وعن أبي هُريرة ﴿به، عن رسول الله وَلل أنه قال: ((لا يزال الناسُ يَتَساءَلون حتَّى يُقال: هذا خَلَقَ الله الخلْقَ، فمَنْ خَلَقَ الله؟ فإذا قالوا ذلك فقولوا: ﴿اللَّهُ أَحَدُّ ◌َ اللَّهُ الضَمَدُ ) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ن وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوَّا أَحَدٌ﴾، ثمَّ لِيَتَفُلَ عنْ يسارِهِ ثلاثاً، وليستَعِذْ بالله من الشَّيطان)). ((وعن أبي هريرة ظه، عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا خلق الله الخلق فمن خلق الله)) وقد مر البيان فيه . ((فإذا قالوا ذلك فقولوا: الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم یکن له كفواً أحد» تقدم معناه. (ثم ليتفل عن يساره ثلاثاً) والتفل شبيه بالبزاق وهو أقل منه، أوله البزاق، ثم التفل، ثم النفث، ثم النفخ، كذا في ((الصحاح))، وهذا كناية عن كراهيته (١) (١) في ((م)) و((غ)): ((كراهية)). 1 ٩٢ ذلك وتنقّرِ طبعه عنه، كمن وجد جيفة منتنة كره ريحها وتفل من نتنها. وتخصيص اليسار لإكرام اليمين، وقيل: لأن مأتاه من اليسار. ((وليستعذ بالله من الشيطان))؛ أي: ليطلب المعاونة من الله الكريم على دفعه . ٥٧ - عن عَمْرو بن الأَحْوَص ◌َ﴿ه قال: سمعتُ النبيَّ وَلهيقول في حَجَّة الودَاعِ: ((ألا لا يجني جانٍ على نفسِهِ، ألا لا يجني جانٍ على ولدِهِ، ولا مولودٌ على والِدِهِ، ألا إنَّ الشيطانَ قَدْ أيسَ أنْ يُعبَدَ في بلادِكُمْ هذِهِ أبداً، ولكنْ ستكونُ له طاعةٌ فيما تحتَقِرُونَ مِنْ أعمالكُمْ، فسیرضی بهِ)). ((وعن عمرو بن الأحوص أنه قال: سمعت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقول في حجة الوداع)) إنما سمي بها؛ لأنه عليه الصلاة السلام لما قال: ((هل بلغت)) وقالوا: نعم، قال صلى الله تعالى عليه وسلم: ((اللهم اشهد))، ثم وذَّع الناس، فقالوا: هذه حجة الوداع. ((ألا لا يجني جان على(١) نفسه)) الأَوْلى أنه نفيٌ بمعنى النهي؛ لئلا يخلو الكلام عن الفائدة؛ لأن الجاني إذا جنى فإنما يجني على نفسه، وبجنايته يؤخذ في الدنيا والآخرة، فكيف ينفي عنه الجناية؟ فيحمل على معنى النهي، وفيه مزيد التأكيد والحث على الانتهاء، ولذا أضاف الجناية إلى نفسه، والمراد الجناية على الغير بسبب الجناية على النفس؛ لأن تلك الجناية سبب الجناية على النفس، فإضافتها إليها ليكون أدعى إلى الكف، وتتأيَّد إرادة النهي من هذا الخبر برواية بعضهم إياه بصيغة النهي. (١) في ((ت)): ((إلا على))، وهي رواية كما في ((م)). ٩٣ ((ألا لا يجني جان على ولده، ولا مولود على والده)): المراد منه النهي عن الجناية عليهما، وخصّهما بالذكر لمزيد قبح الجناية عليهما وشناعته. وقيل: المراد حقيقة النفي، وذلك لأن أهل الجاهلية كانوا يعتقدون مؤاخذة المرء بجناية غيره من قرابته وذوي أرحامه، فكانوا يقتلون الولد بجناية الوالد وبالعكس، وكذا القريب والحميم، فأعلمهم أن الجاني إنما يجني على نفسه لا على غيره. واقتصر على ذكر الولد والوالد لكون(١) نسبهما أقرب الأنساب، وإنما يحتمل العواقل للمعاقل أخذاً بجنايتهم وهو التقصير في الحفظ والمنع. (إلا أن الشيطان قد أيس أن يعبد في بلادكم هذه أبداً) والمراد من الأبد طول المدة؛ لئلا ينافي الأحاديث التي في (باب قيام الساعة على الأشرار). ((ولكن ستكون له طاعة فيما تحتقرون من أعمالكم))؛ أي: فيما لا تعظمون قَدْرَه من الذنوب کالصغائر منها، أو المراد من الأعمال: الواجبة، وذلك إما بتركها أو بإقامتها على وجه غير مَرْضيِّ. ((فسيرضى به))؛ أي: الشيطان بذلك القدر من الاحتقار ولا يأمركم بالكفر؛ لأنه يعلم أنكم لا تطيعونه في ذلك وبالله العون. ٥٨ - عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال، قال رسول الله وَله: ((كتبَ الله مقاديرَ الخلائقِ قبلَ أنْ يخلُقَ السَّماواتِ والأَرضَ بخمسينَ ألْفَ سَنَّةٍ. قال: وكان عرشُهُ على الماءِ». (١) في ((م): لأن. ٩٤ ٣- باب الإيمان بالقَدَرِ (باب الإيمان بالقدر) مِنَ الصِّحَاحِ: ٥٨ - عن عبدالله بن عَمْرو بن العاصِ ﴾ قال: قال رسول الله ◌ِل): (كِتَبَ الله مَقاديرَ الخلائقِ قبلَ أنْ يخلُقَ السَّماواتِ والأَرضَ بخمسينَ ألْفَ سَنَةٍ، قال: وكان عرشُهُ على الماءِ». (من الصحاح)): «عن عبدالله بن عمرو بن العاص ﴾﴾ أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: كتب الله))؛ أي: عيَّن وقدَّر، وقيل: أي: أجرى القلم على اللوح المحفوظ وأثبت فيه. ((مقادير الخلائق)): ما كان وما يكون وما هو كائن إلى الأبد، على وَفْق ما تعلقت به إرادته أزلاً، کإثبات الکاتب ما في ذهنه بقلمه على الوجه الذي یرید. ((قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة)) والمراد طول الأمد، يعني: تمادي الزمان بين التقدير والخلق خمسون ألف سنة مما تعدون، أريد بالزمان مقدار حركة الفلك الأعظم الذي هو العرش، وهو موجود حينئذٍ بدليل أنه قال: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ﴾ [هود: ٧]؛ يعني: كان عرش الله قبل أن يخلق السماوات والأرض على وجه الماء، والماء على متن الريح، والريح على القدرة، وهذا يدل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل خلقهما . وقيل: ذلك الماء هو العلم. ٩٥ وفيه دليل لمن زعم أن أول ما خلق الله تعالى في هذا العالم الماء، وإنما أوجد سائر الأجسام منه تارة بالتلطيف وتارة بالتكثيف. ٥٩ - وقال: ((كُلُّ شيءٍ بِقَدَرٍ، حتى العجْزُ والكَيْسُ))، رواه عبدالله بن عَمْرو. ((وعن عبدالله بن عمر أنه قال: قال رسول الله ◌َلاغير: كل شيء بقدر))؛ أي: مقدَّر مرتَّب مكتوب في اللوح المحفوظ قبل أن يوجد في الخارج على حسب ما اقتضته الحكمة . ((حتى العجز والكيس)) روي بالرفع عطفاً على (كل) وبالجر عطفاً على (شيء)، لكن الأولى أن يكون مجروراً بـ (حتى). و(العجز): عدم القدرة، و(الكيس): كمال العقل وشدة معرفة الأمور وتمييز ما فيه النفع عما فيه الضر، والعجز مُقابلُه. ٦٠ - وقال: ((احتجَّ آدمُ وموسى عند ربهِمَا، فحجَّ آدمُ موسى، قال موسى: أنتَ آدمُ الذي خلقكَ الله بيدِهِ، ونفخَ فيكَ مِنْ روحِهِ، وأسجدَ لكَ ملائكتَهُ، وأسكنَكَ في جَنَّتِهِ، ثمَّ أَهبَطْتَ النَّاسَ بخطيَتَكَ إلى الأرضِ؟ فقال آدمُ: أنتَ موسى الذي اصطفاكَ الله برسالَتِهِ وبكلامِهِ، وأعطاكَ الألواحَ فيها تِبْيَانُ كُلِّ شيءٍ، وقرَّبَكَ نَجيّاً فَبَكَمْ وجدتَ الله كتبَ التوراةَ قبلَ أنْ أُخْلَقَ؟ قال موسى: بأربعين عاماً، قال آدمُ: فهلْ وجدْتَ فيها: ﴿وَعَصَىَ ءَادَمُ رَبَّهُ، فَغَوَ﴾؟ قال: نعم، قال: أَفَتَلُومُني على أنْ عَمِلْتُ عمَلاً كتبَهُ الله علَيَّ أَنْ أَعملَهُ قبلَ أنْ يخلُقَني بأربعينَ سنةً؟))، قال رسول الله وَِّ: ((فحجَّ أدمُ مُوسَى))، رواه أبو هريرة. ٩٦ ((وعن أبي هريرة ظه أنه قال: قال رسول الله (لغير: احتج آدم وموسى))؛ أي: جرى بينهما الخصومة ومطالبة الحجة، قيل: هذه المحاجة كانت روحانية، يؤيده قوله: ((عند ربهما))، ويجوز أن تكون جسمانية بأنْ أحياهما واجتمعا، كما ثبت في حديث الإسراء أنه - عليه الصلاة والسلام - اجتمع مع الأنبياء وصلى بهم . ((فحج آدم موسى))؛ أي: غلب عليه بالحجة بأنَّ كلَّ ما صدر عنه كان بتقدير الله تعالى. ((قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده))؛ أي: بقدرته بلا واسطة أب وأم. ((ونفخ فيك من روحه)) فصرت به حياً، أضاف الروح إليه تعالى تشريفاً وتخصيصاً، كما قال الله تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْرُّوحِى﴾ [الحجر: ٢٩]). (وأسجد لكَ ملائكته))؛ أي: أمرهم بأن يسجدوا لك تعظيماً. قال ابن عباس ظه: كان سجودهم له انحناءً لا خروراً على الذقن. وقال ابن مسعود ظه: أمروا بأن يأتموا به، فسجد وسجدوا لله. وقال أبي بن كعب: خضعوا له وأقروا بفضله. ((وأسكنك في جنته ثم أهبطت الناس))؛ أي: أسقطتهم وأنزلتهم، فإنهم وإن لم يكونوا موجودين لكنهم كانوا على شرف الوجود، فكانوا مهبطين منها ((بخطيئتك))؛ أي: بسبب عصيانك الله تعالى في أكل الشجرة. (إلى الأرض)) متعلق بـ (أهبطت). يعني: إن الله تعالى أنعم عليك هذه النعم، فأنت عصيته بأكلها حتى أُخرجت من الجنة بسببها، وبقي أولادك في دار المشقة والابتلاء من المرض والفقر وغير ذلك. ٩٧ ((فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه وأعطاك الألواح)): وهي التوراة، ((فيها))؛ أي: في تلك الألواح («تبيان كل شيء))؛ أي: بيانُهُ وإظهاره، من الحلال والحرام، والقصص، والمواعظ، وغير ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْعِظَةُ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥]. ((وقربك))؛ أي: خصك بسره ونجواه بلا واسطة ملك. ((نجياً))؛ أي: مناجياً، نصبٌ على الحال. ((فَبِكَم)): مميزُه محذوف منصوب؛ أي: بكم زماناً ((وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق)) على صيغة المجهول. ((قال موسى: بأربعين عاماً) والمراد منه التكثير لا التحديد. ((قال آدم: فهل وجدت فيها))؛ أي: في التوراة: ﴿وَعَصَوَ ءَادَمُ رَبَّهُ﴾؛ أي: بمخالفة أمره ﴿فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]؛ أي: فخرج بالعصيان من أن يكون راشداً في فعله، وليس المراد لفظه بهذا التركيب، بل معناه بالعبرية. ((قال)) موسى عليه السلام: ((نعم، قال)) آدم عليه السلام: ((أفتلومني)) بهمزة الاستفهام للإنكار، والفاء جواب شرط مقدر؛ أي: إذا وجدتَ فيها ذلك فلا ينبغي لك أن تلومني ((على أن عملت عملاً كتب الله علي)) في الألواح التي أعطاك ((أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة، قال: رسول الله يَير: فحج آدم وموسى)) لامتناع ردِّ علم الله في حقه، حيث أخبر الله تعالى عنه أنه إنما خلقه للأرض، وأنه لا يترك في الجنة بل ينقله منها إلى الأرض ليكون خليفته تعالى فیھا . وفي رواية: ((فقال موسى عليه السلام: يا آدم! أنت أبونا وأخرجتنا من الجنة، فقال آدم: يا موسى! اصطفاك الله بكلامه، وخط لك التوراة بيده، ٩٨ يا موسى! أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة)). ٦١ - وقال رسول الله وَ﴾: (إنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجمعُ في بطنٍ أُمِّهِ أربعينَ يوماً نطفةً، ثمَّ يكونُ عَلَقَةً مثلَ ذلك، ثمَّ يكونُ مُضْغةً مِثْلَ ذلك، ثمَّ يَبعثُ الله إليهِ ملكاً بأربع كلماتٍ، فيكتُبُ عملَهُ، وأجلَهُ، ورزْقَهُ، وشَقيٍّ أو سعيد، ثم يُتْفخُ فيهِ الرُّوحُ، وإِنَّ الرجلُ ليعملُ بعملٍ أهلِ النارِ حتى ما يكونُ بينهُ وبينها إلاَّ ذراعٌ، فيسبقُ عليه الكتابُ، فيعمَلُ بعملِ أهلِ الجنَّة، فيدخل الجنة، وإنَّ الرجلَ ليعمَلُ بعمَلِ أهلِ الجنَّةِ حتى ما يكونُ بينهُ وبينها إلاَّ ذراعٌ، فيسبقُ عليه الكتابُ، فيعملُ بعملٍ أهل النَّارِ، فيدخُلُ النارَ)، رواه ابن مَسْعودٍ ◌ُ. ((وعن ابن مسعود أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن خلق أحدكم))؛ أي: مادة خلقه. ((جمع) - مجهولاً -؛ أي: يُحرز ويقرَّر. «في بطن أمه»؛ أي: في رحمها. ((أربعين يوماً نطفة)) قال عبدالله بن مسعود له: إن النطفة إذا وقعت في الرحم فأراد الله أن يخلق منها بشراً طارت في بشرة المرأة تحت كل ظفر وشعر، ثم تمكث أربعين ليلة ثم تنزل دماً في الرحم، فذلك جمعُها. (ثم تكون علقة)) وهي قطعة دم غليظ جامد. ((مثل ذلك))؛ أي: أربعين يوماً. (ثم تكون مضغة)) وهي قطعةُ لحم قَدْرَ ما يُمضغ. (مثل ذلك))؛ أي: أربعين يوماً، ويظهر التصوير في هذه الأربعين. ((ثم يبعث الله إليه ملكاً بأربع كلمات))؛ أي: بكتابة أربع قضايا مقدرة، ٩٩ وكل قضية تسمى كلمةً قولاً كان أو فعلاً. ((فيكتب عمله))؛ يعني: أنه يعمل الخير أو الشر. ((وأجله)) والمراد به هنا مدة حياته، يعني: أنه كم يعيش في الدنيا. ((ورزقه))؛ يعني: أنه قليل الرزق، أو كثير الرزق. ((وشقي أو سعيد)) هذا إذا لم يعلم من حاله ما يقتضي تغيير ذلك، فإن علم من ذلك شيئاً كتب له أوائل أمره وأواخره، وحكم عليه على وفق ما يتم به عمله، فإن ملاك العمل خواتمه . قيل: المراد بكتبه هذه الأشياء: إظهاره للملك، وإلا فقضاؤه تعالى سابق على ذلك. قال مجاهد: یکتب هذه الكلمات في ورقة وتعلق في عنقه بحیث لا يراها الناس، قال الله تعالى: ﴿وَكُلَ إِنسَنِ أَلْزَمْنَهُ طَهِرَهُ، فِ عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] قال أهل المعاني: أراد بالطائر ما قُضي عليه أنه عاملُه، وما هو صائر إليه من سعادة أو شقاوة، وخص العنق؛ لأنه موضع القلائد والأطواق. (ثم ينفخ فيه الروح)) وهذا يدل على أن نفخ الروح يكون بعد الأطوار الثلاثة في الأربعينات بزمان . ((فإن الرجل)): هذا شروع لبيان أن السعيد قد يشقى وبالعكس. ((ليَعملُ بعمل أهل النار حتى ما يكون)): قيل: (حتى) هي الناصبة، و(ما) نافية غير مانعة لها من العمل، والأوجَهُ أنها عاطفة و(يكون) بالرفع معطوف على ما قبله. (بينه وبينها))؛ أي: بين الرجل وبين النار. ((إلا ذراع)): هذا تمثيل لغاية قربه منها. ١٠٠