Indexed OCR Text
Pages 341-360
الزوج، و((الكفر)): كفران الحقوق، ويدل على صِحَّة الأمرين حديثُ ((الموطأ» الذي قال فيه: ((يكفرن))، قيل: أيكفرن بالله؟ قال: ((يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، ويَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لو أَحْسَنْتَ إلى إحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئاً؛ قالت: ما رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْراً قَطُ))(١). (ط): ((من ناقصات)) صفة موصوف محذوف؛ أي: ما رأيت أحداً من ناقصات العقل، و((العقل)): غريزة في الإنسان يُدْرِكُ به المعنى، ويمنعه من القبائح، وهو نورُ الله في قلب المؤمن، و((اللب)): العقل الخالص من الشوائب، وسُمِّي بذلك؛ لكونه خالصَ ما في الإنسان من قُواه؛ كالُّباب من الشيء، وقيل: هو ما زكا من العقل، فكل لُبِّ عقلٌ، وليس كلُّ عقل لُبّا(٢) . (ن): اختلف في العقل ما هو؟ فقيل: هو العلم، وقيل: بعض العلوم الضرورية، وقيل: قوة يميز بها بين حقائق المعلومات، والاختلاف في حقيقة العقل وأقسامه كثيرٌ معروفٌ لا حاجة هنا إلى الإطالة به، واختلفوا في مَحلِّه، فقال أصحابنا المتكلمون: هو في القلب، وقيل: في الرأس. وفي الحديث جملٌ من العلوم، منها: الحَثُّ على الصدقة، وأفعالٍ البِرِّ، والإكثار من الاستغفار، وسائر الطاعات، وفيه: أن الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات، وفيه: أن كُفْرانَ العشير والإحسان من الكبائر؛ فإن التوعُد بالنار (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١/ ٢٦٩)، والحديث رواه الإمام مالك في ((الموطأ)) (١/ ١٨٧)، ومن طريقه البخاري (١٠٠٤) عن ابن عباس ﴿﴾. (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤٦٥). ٣٤١ من علامات كون المعصية كبيرةً، وفيه: أن اللعن من المعاصي الشديدة القُبْح، وليس فيه أنه كبيرةٌ؛ فإنه وَّه قال: ((تكثرن اللعن))، والصغيرة إذا كَثُرت؛ صارت كبيرة، وقال ◌ِّهِ: ((لَعْنُ المُؤْمِنِ كَقَتْلِه))(١). وفيه: بيانُ إطلاق الكفر على غير الكفر بالله تعالى؛ ككفر الإحسان والنعمة، ويؤخذ من ذلك صِحَّةُ تأويل الكفر في الأحاديث المتقدمة على ما تأولناه. وفيه: بيانُ زيادة الإيمان ونُقُصانه، وفيه: وعظ الإمام وأصحاب الولايات وكبار الناس رعاياهم، وتحذيرهم المخالفات، وتحريضهم على الطاعات، وفيه: مراجعة المُتعلِّم العالمَ فيما لم يظهر معناه. وقال المازَرُّ: قوله ◌َّر: ((شهادة امرأتين بشهادة رجل)) تنبيهٌ منه وَلّ على ما وراءه، وهو ما نَّه الله سبحانه عليه في كتابه بقوله: ﴿أَن تَضِلَّ إِحْدَثُهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]؛ أي: أنهن قليلاتُ الضبط. وأما وصفه و ﴿ النساء بنقصان الدِّين؛ لتركهن الصلاة والصوم في زمن الحيض: فقد يستشكل معناه، وليس بمُشكل؛ فإن الدِّين، والإيمان، والإسلام مشتركة في معنى واحد، والطاعات تُسمَّى إيماناً وديناً. وإذا ثبت هذا؛ علمنا أن مَن كَثُرت عبادتُه؛ زاد إيمانه، ومن نقص عبادتُهُ نقص دينُه، ثم نقص الدِّين قد يكون على وجه يأثم به؛ كمن ترك الصلاة، أو الصوم، أو غيرهما من العبادات الواجبة عليه بلا عُذر، وقد يكون على وجه لا يأثم به؛ كمن ترك الجمعة، أو الغزو، أو غير ذلك ممّا (١) رواه البخاري (٥٧٥٤)، من حديث ثابت بن الضحاك. ٣٤٢ لا يجب عليه لعُذْر، وقد يكون على وجه هو مُكلَّفٌ به؛ کترك الحائض الصلاةَ والصومَ. فإن قيل: فإذا كانت معذورة؛ فهل تثاب على الصلاة في زمن الحيض، وإن كانت لا تقضيها؛ كما يثاب المريضُ والمسافر، ويكتب له في مرضه وسفره مثل نوافل الصلاة التي كان يفعلها في صِحَّته وحَضَره؟ فالجواب: أن ظاهر هذا الحديث أنها لا تُثاب، والفرق: أن المريض والمسافر كان يفعلها بنية الدوام عليها مع أهليته لها، والحائض ليست كذلك، بل نيتها تركُ الصلاة في زمن الحيض، بل يحرم عليها نية الصلاة في زمن الحيض، ونظيرها مسافر أو مريض كان يصلي النافلة في وقت، ويترك في وقت، غيرَ ناوِ الدوامَ عليها، فهذا لا یکتب له في سفره ومرضه في الزمن الذي لم يكن يتنفَّل فيه (١). (ق): ((الدين)) هنا يراد به العبادات، وليس نقصان ذلك في حقُّهن ذمّاً لهن، وإنما ذكر النبيُّ وَّر ذلك من أحوالهن على معنى التعجُّب من الرجال؛ حيث يغلبهم مَن نقص عن درجتهم، ولم يبلغ كمالَهم، كما في رواية أخرى: ((ما رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ ودِينٍ أَذْهَبَ لَلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ من إحْدَاكُنَّ))(٢)، وذلك نحوٌ ممَّا قاله الأعشى: وهُنَّ شَرُّ غَالِبٍ لِمَنْ غَلَبْ ونحو قولهم فيما جرى مَجْرى المثل: يغلبن الكرامَ، ويغلبهن اللِّئامُ. (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٦٧ - ٦٨). (٢) رواه البخاري (٢٩٨)، من حديث أبي سعيد الخدري ضـ ٣٤٣ وفيه ما يدل على أن الحائضَ لا تصلي ولا تصوم مُدَّةَ حيضها، وهو مُجمعٌ علیه. وأما نقصان عقل النساء: فهو عدم التثبُّت في الأمور، والتحقيقُ فيها، والبلوغ فيها إلى غاية الكمال، وهن في ذلك غالباً بخلاف الرجال(١). (خط): وفيه دلالةٌ على أن مِلاك الشهادة العقلُ، مع اعتبار الأمانة والصِّدْق، وعلى أن شهادة المُغَفَّل ضعيفة وإن كان قوياً في الدِّين، وفيه دليلٌ على أن النقص من الطاعات نقصٌ من الدِّين(٢). (ط): في هذا الحديث إغرابٌ في المعنى، وإغراقٌ في الوصف، أثبت #* لهن وصفين: كفران العشير، وإكثار اللعن، ثم ذكر أن ليس لهن عقلٌ يمنعهن عن ارتكاب تَيْنِك الخَصْلتين، ولا دِينٌ رادع عنهما؛ لأن الخِصَال الرذائل مركوزةٌ في جِبِلَّةِ الإنسان، وقَلْعُها إما بالعقل، وإما بالدِّين، قال المُتَنبِِّ: ذا عِقَّةٍ فَلِعِلَّةٍ لا يَظْلِمُ والُّلْمُ مِنْ شِيَمِ النُّفُوسِ فَإِنْ تَجِدْ وكما تعلَّق العقلُ والدِّين بالخَصْلتين السابقتين كما بيناه تعلُّقاً بقوله: ((أذهب للب الرجل الحازم)) على طريقه التفريط في جانبهن، والإفراط في جانب الرجل؛ حيث وصفه بالحزم، والغرابة فيه: أنه جعل هذا الرجل الكامل الحازم مُنقاداً مسترسل الزِّمَام لتلك الناقصات الحائزات لتلك الرذيلتين، وكأن جريراً نظر إلى هذا المعنى بقوله: (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٧٠). (٢) انظر: ((أعلام الحديث)) للخطابي (١ / ١٢٧). ٣٤٤ قَتَلْنَنَا ثُمَّ لَمْ يُحْيِينَ قَتْلانا إنَّ العُيُونَ التي في طَرْفِهَا حَوَرٌ وهُنَّ أَضْعَفُ خَلْقِ اللهِ أَرْكَانا يَصْرَعْنَ ذا اللُّبِّ حَتَّى لا حَرَاكَ بهِ ويجوز أن يكون من أسلوب الاستتباع، ذمَّهن بالرذيلتين بحيث استتبع ذمّاً آخرَ، وهو سلبُ لُبِّ الحازم بالخداع ولطائف الحِيَل(١). (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤٦٦). ٣٤٥ ٣٦٢- باب ما أَعدَّ الله تعالى للمؤمنين في الجنةِ * قال الله تعالى: ﴿ إِتَّ الْمُنَّقِينَ فِ جَثَتٍ وَعُيُونٍ Q ادْخُلُوهَا بِسَلَمٍ ◌َامِنِينَ ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم مِّنْ عِلّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُنَّقَبِلِينَ ( ٤٧ لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبُ وَمَاهُمْ مِنْهَا بِمُخْرَحِينَ﴾ [الحجر: ٤٥ -٤٨]. وقال تعالى: ﴿يَعِبَادِ لَا خَوْفُ عَلَيْكُمُ اَلْيَوْمَ وَلَّا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ٦٨ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِثَايَهِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ ( أُدْخُلُواْ الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَكُمْ تُحْبِرُونَ ٦ يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِبهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُبُّ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ﴾ وَتِلْكَ لَلْجَنَّةُ الَّتِىّ أُوْرِئْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿ لَكُمْ فِيهَا فَكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ [الزخرف: ٦٨ - ٧٣]. * وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِی مَقَامِ أَمِینِے فیجَنَّتٍ وَعُمُونِ يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسِ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّقَبِلِينَ ﴿ كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَهُم K بِجُورٍ عِينٍ يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَكِهَةٍ ءَامِنِينَ ﴿ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا ٣٤٦ اَلْمَوْنَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَىِّ وَوَقَتُهُمْ عَذَابَ الْمَحِيمِ ﴾ فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الدخان: ٥١ - ٥٧]. * وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ ل عَلَى الْأَرَآبِكِ ينَظُرُونَ﴾)تَعْرِفُفِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ التَّعِيمِ ن يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَخْتُورٍ ) خِتَمُهُ مِسْكٌ وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُنَنَفِسُونَ (٢ ) وَمِنَاجُ مِن تَسْنِيمٍ ) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٢ - ٢٨]. (الباب الثاني والستون) (في بيان ما أعد الله في الجنة للمؤمنين) ((الجنة)): هي دار النعيم في الدار الآخرة؛ من الاجتنان، وهو السَّتْر؛ لتكاثف أشجارها، وتظليلها بالتفاف أغصانها، وسُمِّيت الجنة، وهي المَرَّة الواحدة من مصدر جَنَّه جَنَّاً: إذا ستره، فكأنها ستْرةٌ واحدة؛ لشدة التفافها وإظلالها(١). (ش): لها عِدَّةُ أسماء باعتبار صفاتها، ومُسمَّاها واحد باعتبار الذات، فهي مترادفة من هذا الوجه، وتختلف باعتبار الصفات، فهي متباينة من هذا الوجه، وهكذا أسماء الربّ سبحانه، وأسماء كتابه، وأسماء رُسُله، وأسماء اليوم الآخر، وأسماء النار. الاسم الأول: الجنة، وهو الاسم العامُّ المتناول لتلك الدار، وما اشتملت عليه من أنواع النعيم، والبَهْجة، والسرور، والمساكن، والقصور، (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٣٠٧). ٣٤٧ وهي جنات كثيرةٌ جداً؛ لقوله ﴿: ((يا أُمَّ حَارِثَةَ؛ إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الجَنَّةِ، وإنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الفِرْدَوْسَ الأَعْلَى))، رواه البخاريُّ(١). واشتقاق هذه اللفظة من السَّتر والتغطية، ومنه الجنين؛ لاستتاره في بطن الأم، والجِنِّ؛ لاستتارهم عن العيون، والمِجَنِّ؛ لسَتْره ووقايته، والمجنون؛ لاستتار عقله، ومنه قول الشاعر : فَلَوْ جُنَّ إِنْسَانٌ مِنَ الحُسْنِ جُنَّتِ أي: لو غُطِّي وسُتِر عن العيون، ومنه سُمِّي البستان جَنَّةً؛ لأنه يستر داخله بالأشجار ويُغطّیه. الثاني: دار السلام؛ لسلامتها من كل بَلِيَّة، وآفة، ومكروه، وهي دار الله، واسمه السلام، أو لکون تحیتهم فيها سلام، ولسلام الملائكة علیھم، ولسلام الربِّ سبحانه عليهم، كما قال: ﴿سَلَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍ زَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]، وكلامهم فيها سلام؛ أي: لا لَغْوَ فيها، ولا فُحْشَ، ولا بَاطِلَ. الثالث: دار الخُلْد؛ لأن أهلها لا يظعنون عنها أبداً. الرابع: دار المُقامة؛ لإقامتهم فيها أبداً. الخامس: جنة المأوى، و((المأوى)) (مَفْعَل) من أوى يأوي: إذا انضم إلی المکان، وصار إلیه، واستقرَّ به. السادس: جنات عدن؛ من الإقامة والدوام، يقال: عَدَن بالمكان: إذا أقام به . (١) رواه البخاري (٢٦٥٤)، من حديث أنس بن مالك ٣٤٨ السابع: دار الحيوان؛ لأنها دار الحياة التي لا موت فيها. الثامن: الفِرْدَوْس، وهو اسم جميع الجنة، ويقال على أفضلها وأعلاها. وقال المُبرِّدُ: الفِرْدَوْس: الشجر المُلْتفُّ، والأغلب عليه العِنَب، وجمعه: الفراديس، وبهذا سُمِّ باب الفراديس بالشام، قال جریرٌ: يا بُعْدَ يَيْرِينَ مِنْ بابِ الفَرَادِیسِ فقُلْتُ للرَّكْبِ إِذْ جَدَّ المَسِيرُ بنا التاسع: جنات النعيم، وهو اسم جامع لجميع الجنات؛ لما تضمَّنته من النعيم. العاشر: المَقام الأمين، فالمَقام: موضع الإقامة، والأمين: الآمن من كل سوء، وتأمَّل كيف ذكر سبحانه الأمنَ في قوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِ مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ [الدخان: ٥١]، وقوله: ﴿ يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَكِهَةٍ ءَامِنِينَ ﴾ [الدخان: ٥٥]، فجمع لهم بين أمن المكان، وأمن الطعام، فلا يخافون انقطاعَ الفاكهة، ولا سُوء عاقبتها ومَضرَّتها . الحادي عشر، والثاني عشر: مقعد صدق، وقدم صدق؛ لحصول كل ما يراد من المَفْعَد الحسن فيها، كما يقال مَوَدَّة صادقة: إذا كانت ثابتة تامّة، وحلاوةٌ صادقة، وكلمة صادقة، وأما قدم الصدق: فُسِّر بالجنة، وفُسِّر بالأعمال التي تُنال بها الجنة، وفُسِّر بالسابقة التي سبقت لهم من الله، وفُسِّر بالرسول. وأجمع العلماء على وجود الجنة الآن، وتظاهرت عليه نصوصُ الكتاب والسُّنَّة، وعلم بالضرورة من أخبار الرسل كلِّهم، خلافاً للقَدَرية والمُعتزلة؛ فإنهم زعموا أن الله ينشئها يوم المَعاد، واختلف العلماء في الجنة التي أُسكنها ٣٤٩ آدمُ عليه السلام، وأُهبط منها، هل هي جنة الخلد، أم جنة أخرى غيرها في موضع عال من الأرض؟ على قولين رجَّح كلاّ منهما مُرجِّحون. وفي ((الصحيحين)): ((إنَّ أَبْوَابَ الجَنَّةِ ثَمَانِيَّةٌ، وما بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الجَنَّةِ مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ عَاماً، ولَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهِ يَوْمٌ ولَهُ كَظِيظٌ)) رواه أحمد(١). وعن قتادة قال: أبوابُ الجنة يُرى ظاهرُها من باطنها، وباطنُها من ظاهرها، تتكلم وتُكلَّم، وتفهم ما يقال لها؛ انفتحي، انغلقي. وعن الفَزاريِّ: لكل مؤمن في الجنة أربعة أبواب: باب يدخل عليه زُوَّارُه من الملائكة، وباب يدخل عليه أزواجُه من الحُور العِين، وباب فيما بينه وبين أهل النار، إذا شاء ينظر إليهم؛ لتعظيم النِّعمة عليه، وباب فيما بينه وبين دار السلام، يدخل فيه على ربِّه إذا شاء، رواه أبو الشيخ. وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَله: ((أنا أَوَّلُ مَنْ يَأْخُذُ بِحَلْقَةِ باب الجَنَّةِ))(٢)، وفي حديث الشفاعة: ((آخُذُ بحَلْقَةٍ باب الجَنَّةِ، فأُقَعْقِعُها))(٣)، فدل الحديث على أن باب الجنة ذات حَلْقَة، ولكل باب خَزَنةٌ، وقد سَمَّى الله كبيرَ الخزنة رضواناً. (١) رواه مسلم (٢٩٦٧ / ١٤)، والإمام أحمد في ((المسند)) (٤ / ١٧٤)، من حديث عتبة بن غزوان څ . (٢) رواه الدارمي في ((سننه)) (٥٠). وهو حديث صحيح. انظر: ((السلسلة الصحيحة)) (٤ / ٩٧) . (٣) رواه الترمذي (٣١٤٨)، من حديث أبي سعيد ظه. وقال: حديث حسن صحيح. ٣٥٠ وأما مكان الجنة: فهي في السماء الآن، قال تعالى: ﴿عِندَ سِدْرَةِ اْنُنَّهَىِ الْ عِندَهَا جَنَّةُ الْوَى﴾ [النجم: ١٤ -١٥]، وقد ثبت أن سِدْرَةَ المُنتهى فوق السماء . وعن ابن عباس ظًا قال: الجنة في السماء السابعة، يجعلها الله حيث شاء، والنار في الأرض السابعة، فإذا كان يوم القيامة؛ جعلها الله حيث يشاء. وعن معاذ بن جبل قال: مفتاح الجنة شهادةُ أن لا إله إلا الله(١). * قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِ جَنَّتٍ وَعُيُونٍ ﴾ [الحجر: ٤٥]: (م): يحتمل أن يكون المراد بها ما وعده الله في كتابه: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِى وُعِدَ الْمُنَّقُونِّ فِيَهَا أَنْهَرٌ مِنِ مٍَّ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَنْهَرٌ مِّنِ لَّبَنٍ لَّمْ يَنْغَرْ طَعْمُهُ، وَأَنْهَرٌ مِّنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلِشَرِبِنَ وَأَنْهَرٌ مِّنْ عَسَلٍ مُصَفَى﴾ [ محمد: ١٥]، ويحتمل أن يكون المراد بها ينابيعَ مُغايرةً لتلك الأنهار، ثم يحتمل أن يكون كل واحد من المتقين يختصُّ بعیونه، ویکون علی قدر حاجته، وعلى حسب شهوته، ويحتمل أن تجري تلك العيون من بعض إلى بعض. وقوله: ﴿ آدْخُلُوهَا بِسَلَمٍ﴾: يحتمل أن يكون القائل هو الله سبحانه، وأن یکون القائلُ بعضَ ملائكته. فإن قيل: فإذا كانوا في جنات وعيون؛ كيف يمكن أن يقال لهم: أَدْخُلُوهَا﴾؟! فالجواب: لعل المراد به قبل دخولهم فيها قيل لهم: ﴿ آدخُلُوهَا﴾ ، أو لأنهم لمَّا ملكوا جنات كثيرة؛ فكلما أرادوا أن ينتقلوا من جنة إلى (١) انظر: ((حادي الأرواح)) لابن القيم (١ / ٦٥)، وما بعدها. ٣٥١ أخرى؛ قيل لهم: ﴿ اَدْخُلُوهَا بِسَلَمٍ﴾؛ أي: مع السلامة من كل الآفات في الحال، ومع القَطْع ببقاء هذه السلامة والأمن من زوالها(١). * قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِ سُدُورِهِم مِّنْ عِلّ﴾ [الحجر: ٧]: قال ابن كثير: روى القاسم عن أبي أمامة قال: يدخل أهل الجنة الجنةَ على ما في صدورهم في الدنيا من الشَّخْناء والضغائن، حتى إذا توافَوا وتقابلوا؛ نزع الله ما في صدورهم في الدنيا من غِلٌّ، ثم قرأ: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم مِّنْ عِلٍ﴾ [الحجر: ٤٧]، هكذا في هذه الرواية، وفي رواية أخرى عن أبي أمامة قال: لا يدخلون الجنة حتى ينزع الله ما في صدورهم من غِلِّ، حتى يُنْزَعَ منه مثل السَّبُعِ الضَّاري. وهذا موافق لما في الصحيح عن أبي سعيد: أن رسول الله وَّفٍ قال: (يَخْلُصُ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَيُحْبَسُونَ على قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ والنَّارِ، فَيُقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ من بَعْضٍ مَظَالِمُ كَانَتْ بَيْنَهُم في الدُّنْيا، حَتَّى إذا هُذِّبُوا ونَقُّوا؛ أَذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الجَنَّةِ»(٢). (م): ((الغل)): الحقد الكامن في القلب، و﴿إِخْوَنَا﴾ نصب على الحال، والمراد الأُخوَّةُ في المَودَّة والمُخالصة، و((السرير)) معروفٌ، والعدد أَسِرَّة، والجمع: سُرُر. قال أهل المعاني: السرير: مجلس رفيع مُهيّاً للسُّرور، وهو مأخوذ منه؛ لأنه مجلس سرور، و((التقابل)): التواجُه. (١) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٩ / ١٥٢ - ١٥٣). (٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٨ / ٢٦٢)، والحديث رواه البخاري (٦١٧٠). ٣٥٢ وقوله: ﴿لَا يَمَشُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾، (النصب): الإعياء والتعب(١). وقوله: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَمِينَ ﴾، المراد به: کونُهُ خلوداً بلا زوال، وبقاءً بلا فناء، وكمالاً بلا نقصان، وفوزاً بلا حرمان، وللثواب أربع شرائط : أن تكون منافعَ مقرونة بالتعظيم، وخالصةً من الشوائب، ودائمةً، فأشار إلى الأول بقوله: ﴿فِى جَنَّتٍ وَعُيُونٍ ﴾ [الحجر: ٤٥]، وإلى الثاني بقوله: ﴿اَدْخُلُوهَا بِسَلَمٍ ءَامِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦]، وإلى الثالث بقوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلّ﴾ [الحجر: ٤٧]، وإلى الرابع - وهو أن تكون المنافع دائمة آمنة من الزوال - بقوله: ﴿وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨]، فهذا ترتيب حَسَنٌ مقبول. قوله تعالى: ﴿يَعِبَادِ لَا خَوْفُ عَلَيْكُمُ اَلْيَوْمَ وَلَّ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨]، قال المُعْتَمِر بن سليمان عن أبيه: إذا كان يوم القيامة؛ فإن الناس حين يبعثون لا يبقى أحدٌ منهم إلا فزع، فينادي منادٍ ﴿ يَعِبَادِ لَا خَوْفُ عَلَيْكُ اَلْيَّوْمَ وَلَآ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨]، فيرجوها الناس كلُّهم، قال: فيتبعها ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِشَايَيِّنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف: ٦٩]، قال: فييئس الناس منها غير المؤمنين. وقوله: ﴿وَأَزْوَجُكُمْ﴾؛ أي: نظراؤكم، ﴿تُحْبَّرُونَ﴾؛ أي: تُنَعَّمون وتُسْعَدُون، و((صحاف الذهب)): آنية الطعام، و﴿وَأَكْوَابٍ ﴾ هي آنية الشراب، لاخراطيمَ لها ولاعُرىّ. وقوله: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾: عن ابن عباس: أن رسول الله وَ هل (١) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٩/ ١٥٣). ٣٥٣ قال: ((إنَّ أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلةً، وأَسْفَلَهُمْ دَرَجةً لَرَجُلٌ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ بعدَهُ أَحَدٌ، يُفْسَحُ له في بَصَرِهِ مَسِيرَة مِئَةٍ عَامٍ فِي قُصُورٍ مِنْ ذَهَبٍ، وخِيَامِ لُؤْلُؤ، ليسَ فِيها مَوْضِعُ شِبْرِ إِلاَّ مَعْمُورٌ يُغْدَى عَلَيْهِ ويُرَاحُ بسَبْعِينَ ألفِ صَحْفَهٍ من ذهب، ليس فيها صَحْفَةٌ إلا وفيها لَوْنٌ ليسَ فِي الأُخْرَى مِثْلُه، شَهْوتُه في آخِرِها كشَهْوَتِهِ فِي أَوَّلِها، لو نَزَلَ بهِ جَمِيعُ أَهْلِ الأَرْضِ؛ لَوَسَّعَ عَلَيْهِمْ ممَّا أُعْطِي لا يَنْقُصُ ذلك ممَّا أُوتِي شَيْئاً)، رواه عبد الرزاق(١). وعن أبي هريرة: أن أبا أمامة حدَّث أن رسول الله وَّهِ حدَّثهم، وذكر الجنة، فقال: ((والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ؛ لَيَأْخُذَنَّ أَحَدُكُمُ اللُّقْمَةَ فيجعلها في فِيهِ، ثُمَّ يَخْطُرُ على بَالِهِ طَعَامٌ، فيتحوَّل الطَّعَامُ الذي فِي فيهِ عَلى الذِي اشْتَهَى))، ثم قرأ: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُّ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ﴾ [الزخرف: ٧١] (٢)؛ أي: لا تخرجون منها، ولا تبغون عنها حِوَلا . ثم قيل لهم على وجه الفضل والامتنان: ﴿ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِىَ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢]؛ أي: أعمالكم الصالحة كانت سبباً لشمول رحمة الله إياكم، فلا يدخل أحدٌ الجنة بعمله، بل بفضل الله ورحمته، وإنما الدرجات يُنال تفاوتُها بحسَب الأعمال الصالحات. وعن أبي هريرة عُ قال: قال رسول الله وَّ: ((ما مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ ولهُ مَنْزِلٌ في الجَنَّةِ، ومَنْزِلٌ فِي النَّارِ، فالكَافِرُ يَرِثُ المُؤْمِنَ مَنْزِلَهُ من النَّارِ، (١) رواه عبد الرزاق الصنعاني في ((تفسيره)) (٣/ ٢٠١). وهو حديث موضوع. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٦٦٣١). (٢) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (١٠ / ٣٢٨٦). ٣٥٤ والمُؤْمِنُ يَرِثُ الكَافِرَ مَنْزِلَهُ مِنَ الجَنَّةِ، فذلك قوله: ﴿ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِىّ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢]))(١) . (م): فيه أنواع كثيرة ممَّا يوجب الفرح: أولها: أن الحق خاطبهم بنفسه من غير واسطة. ثانيها: وصفهم بالعبودية، وهذا تشريف عظيم. ثالثها: قوله: ﴿لَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأعراف: ٤٩]، فأزال عنهم الخوف يوم القيامة بالكلية. رابعها: قوله: ﴿وَلَآَ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨] نفى عنهم الحُزْنَ بسبب فوات الدنيا الماضية(٢). * قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ [الدخان: ٥١]؛ أي: في الآخرة، وهو الجنة، قد أمنوا فيها من الموت، والخروج من کل هَمِّ وحُزْن، ((السندس)): رفيع الحرير؛ كالقُمصان ونحوها، و(الإستبرق): هو ما فيه بريق ولَمَعان، وذلك كالرِّياش، وما يلبس أعالي القماش، ﴿مُتَّقَبِلِينَ﴾؛ أي: على السُّرر، لا يجلس أحدُهم وظهرُه إلى غيره. قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: هذا العطاء مع ما قد منحناهم من الزوجات الحُور العِين، روى ابن أبي حاتم عن أنس مرفوعاً: (لَوْ أَنَّ حَوْرَاء بَزَقَتْ فِي بَحْرِ لُجِّيِّ لَعَذُبَ ذلك المَاءُ؛ لِعُذُوبَةِ رِيقِهَا))(٣). (١) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (١٠ / ٣٢٨٦). (٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٧ / ١٩٣). (٣) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (١٠ / ٣٢٩٠). ٣٥٥ وقوله: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَكِهَةٍ﴾؛ أي: مهما طلبوا أنواع الثمار؛ أُحضر لهم، وهم آمنون من انقطاعه وامتناعه. وقوله ﴿إِلَّا الْمَوْقَةَ الْأُولَىّ﴾ استثناءٌ منقطع، معناه: أنهم لا يذوقون فيها الموتَ أبداً. وفي ((الصحيحين)): أن رسول الله ﴿ قال: ((يُؤْتَى بالمَوْتِ في صُورَةٍ كَيْشٍ أَمْلَحَ، فَيُوقَفُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنَّارِ، ثمَّ يُذْبَحُ، ثَمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ؛ خُلُودٌ، فلا مَوْتَ، ويا أَهْلَ النَّارِ؛ خُلُودٌ فلا مَوْتَ))(١). وفي الصحيح: يقال لأهل الجنة: إنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوا فلا تَمُوتُوا أَبَداً» الحدیثَ(٢). وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّهِ: ((مَن اتَّقَى اللهَ؛ دَخَلَ الجَنَّةَ، يَنْعُم فِيهَا، ولا يَبْأَسُ، ويَحْيَى فلا يَمُوتُ، لا تَبْلَى ثِيَابُه، ولا يَفْنَى شَبَابُه)) رواه [الطبراني](٣). وعن جابر: سُئل نبيُّ الله ◌َّهِ: أينام أهل الجنة؟ فقال: ((النَّوْمُ أَخُو المَوْتِ، وأَهْلُ الجَنَّةِ لا يَنَامُونَ))، رواه الطبراني، وابن مَرْدَويِهِ، والبزَّار (٤). (١) رواه البخاري (٤٤٥٣)، ومسلم (٢٨٤٩) من حديث أبي سعيد الخدري (٢) رواه مسلم (٢٨٣٧) من حديث أبي هريرة ﴾. (٣) رواه بهذا اللفظ الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٨٠٤٥)، ورواه مسلم بلفظ: ((مَن يدخل الجنة ينعم ... )). (٤) رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٩١٩) من حديث جابر څ. وهو حديث صحيح. انظر: ((السلسلة الصحيحة)) (٣/ ٧٤)، و((صحيح الجامع الصغير)) (٦٨٠٨). ٣٥٦ قوله تعالى: ﴿وَوَقَدُهُمْ عَذَابَ الْمَحِيمِ﴾، إن مع هذا النعيم العظيم المقيم قد وقاهم، وسلَّمهم، ونَجَّاهم من العذاب الأليم بفضله وإحسانه. (م): ذكر سبحانه [من] نعيم الجنة [أربعة أشياء]، أولها: المسكن، وإنما یطیب بشرطين : أحدهما: أن يكون آمناً من جميع ما يُخاف ويُحذر، والأمين ضد الخائن، فوصف به المكان؛ استعارةً؛ لأن المكان المُخيف كأنه يخون صاحبه. والثاني : طِيبُ المكان، وهي الجنات والعيون. ثانيها: الملبوس، والسندس: ما رَقَّ من الدِّيباج، والإستبرق: ما غَلُظ منه، وهو تعريب استبرك. ثالثها: جلوسهم على صفة التقابل، والغرض منه استئناسُ البعض بالبعض، فإن قالوا: الجلوس على هذا الوجه يكون كلُّ واحد مُطَّلعاً على ما يفعله الآخر، والذي يَقِلُّ ثوابُه إذا رأى مَن يَكْثُر ثوابه؛ يتنغَّصُ عيشُه. قلنا: أحوال الآخرة بخلاف أحوال الدنيا. رابعها: أزواجهم، واختلف في هؤلاء الحُور، فقال الحسن: هن عجائزكم الدُّرْدِ يُنشئِهُنَّ اللهُ خلقاً آخر، وقال أبو هريرة: إنهن لسن من نساء أهل الدنيا . خامسها: المأكول، قالوا: إنهم يأكلون جميعَ أنواع الفاكهة؛ لأنهم آمنون من التُّخَم، والأمراض. ولمَّا وصف الله ما هم فيه من الخيرات؛ بيّن أن حياتَهم دائمة، فإن ٣٥٧ قيل: إنهم ما ذاقوا الموتة الأولى في الجنة، فكيف حسن هذا الاستثناء؟! قلنا: هو من باب التعليق بالمَحالِّ، كأنه قيل: إن كانت الموتة الأولى يمكن ذَوْقُها في المستقبل؛ فإنهم يذوقونها . أو نقول: (لا) بمعنى (لكن)؛ أي: لا يذوقون فيها الموت، لكن الموتة الأولى قد ذاقوها. فإن قيل: أليس أهل النار أيضاً لا يموتون، فلم بشَّر أهل الجنة بهذا؟! قلنا: البشارة [ما وقعت] بدوام الحياة مع سابقة حصول تلك الخيرات والسعادات، فظهر الفرق(١). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيرٍ عَلَ الْأَرَّبِكِ﴾ [المطففين: ٢٢ -٢٣]، هي السُّرر تحت الحِجَال، ﴿َظُرُونَ﴾ [المطففين: ٢٣] في ملكهم، وما أعطاهم الله من الخير الذي لا ينقضي ولا يَبِیدُ. وقيل: معناه: ينظرون إلى الله ◌َ، وهذا مقابلٌ لما وُصِف به أولئك الفُجَّار: ﴿كَلَّ إِنَّهُمْ عَنْ تَّبِهِمْ يَوْمَيِذٍ لََّحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، فذكر عن هؤلاء أنهم يُباحون النظر إلى الله دَقَ، وهم على سُرُرهم وفُرُشهم. وفي حديث ابن عمر ◌َ﴾: ((إنَّ أَدْنى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلةٌ لَمَنْ يَنْظُر في مُلْكِهِ مَسِيرَةَ أَلْفَيْ سَنَةٍ، يَرى أَقْصَاهُ كمَا يَرَى أَدْنَهُ، وإنَّ أَعْلاهُ لَمَنْ يَنْظُر إلى اللّهِ فِي الْيَوْمِ مَرَّتَيْنِ))(٢). (١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٧ / ٢١٦ -٢١٨). (٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٢ / ١٣). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (١٣٨١). ٣٥٨ قوله: ﴿نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾؛ أي: صفةَ الترفُّه، والحِشْمة، والسُّرور، والدَّعَة، يُسْقَوْن من خمر الجنة، و((الرحيق)): من أسماء الخمر، قاله ابن مسعود، وابن عباس. وفي ((مسند الإمام أحمد)) عن أبي سعيد الخُدْرِيِّ أُرَاهُ قد رفعه إلى النبيِّبَّه قال: ((أَيُّما مُؤْمِنٍ سَقَى مُؤْمِناً شَرْبَةً على ظَمَا؛ سَقَاهُ اللهُ يومَ القِيَامَةِ من الرَّحِيقِ المَخْتُومِ، وأَيُّما مُؤْمِنٍ أَطْعَمَ مُؤْمِناً على جُوعٍ؛ أَطْعَمَهُ اللهُ مِنْ ثِمَارِ الجَنَّةِ، وأَيُّما مُؤْمِنٍ كَسَا مُؤْمِناً ثَوْباً على عُرْىٍ؛ كَسَاهُ اللهُ مِنْ خُضْرِ الجَنَّةِ))(١). وقال ابن مسعود في قوله: ﴿خِتَلُهُ مِسْكٌ®﴾ [المطففين: ٢٦]: [أي: خِلْطُه مِسْكٌ]، وعن ابن عباس: طَيِّبَ الله لهم الخمر، وكان آخر شيء جُعِل فيها مِسْكٌ خُتِمَ بِمِسْك. وقال الحسن: عاقبته مِسْك. وعن أبي الدرداء: ﴿خِتَمُهُ مِسْكٌ﴾، قال: شرابٌ أبيض مثل الفِضَّة يختمون به شرابهم، ولو أن رَجُلاً من أهل الدُّنيا أدخل إصبعَه فيها، ثم أخرجها؛ لم يبق ذو رُوح إلا وجد طيبها، رواه ابن جرير . وقوله: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُنَنَفِسُونَ﴾؛ أي: وفي مثل هذا الحال فليتفاخر المتفاخرون، ولیتباهى. (١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ١٣). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير» (٢٢٤٩). ٣٥٩ قوله: ﴿وَمِنَ الجُ مِن قَسْغِيرٍ﴾؛ أي: ومزاج هذا الرحيق الموصوف من شراب يقال له: تسنيم، وهو أشرف شراب أهل الجنة، وأعلى ما يشربه المُقرَّبون صِرْفاً، ويُمنح لأصحاب اليمين. (م): قال القَفَّال في قوله: ﴿مَخْتُومٍ﴾: أي: قد خُتم عليه؛ تكريماً له بالصِّيانة، على ما جرت به العادة من خَتْم ما يُكْرَمُ ويُصان. وهناك خمر آخر تجري منها أنهارٌ؛ كما قال: ﴿وَأَنْهَرٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِِّشَّرِبِينَ﴾ [محمد: ١٥]، إلا أن هذا المختوم أشرفُ من الجاري. وقوله: ﴿خِتَمُهُ مِسْكٌ﴾، معناه: أن الذي يُختَم به رأسُ قارورة ذلك الرحيق: هو المِسْك؛ كالطين الذي يختم به رأسُ القوارير، وكأن ذلك المِسْكَ رَطْبٌ ینطبع فیه الخاتم. وقيل: الخِتَام: آخر الأمر؛ أي: من رحيق له عاقبة، ثم فَسَّر تلك العاقبة، فقال: عاقبته مسك؛ أي: مَن شربه كأن خَتْمَ شُرْبه على ريح المسك، وهذا قول علقمة، والضَّخَّاك، وسعيد بن جبير، ومقاتل، وقتادة، قالوا: إذا رفع الشاربُ فاه من آخر شرابه؛ وجد ريحَه كريح المِسْك، والمعنى: لَذَاذةُ المَقْطَعِ، وذَكَاءُ الرائحة، مع طيب الطّعْم، والخِتَامُ: آخر كل شيء، ومنه قولهم: ختمت القرآن، والأعمالُ بخَوَاتِيمِها. و(التنافس): تفاعل؛ من نَفَسْتُ على الشيء أَنْفَسُه نَفَاسةً: إذا ضَنِنْتَ به، ولم تُحِبَّ لغيرك أن يصير إليه، كأن كلَّ واحد من الشخصين يحبُّ أن يستأثر به، والمعنى: وفي ذلك: فليرغب الراغبون بالمُبادرة إلى طاعة الله . ٣٦٠