Indexed OCR Text
Pages 241-260
ابتدائية؛ أي: مبتدأة ناشئة منها، أو اتصالية، أو تبعيضية(١). (ش): اختلف في الجنة التي أُسكنها آدمُ عليه السلام، وأُهبط منها، هل هي جنة الخلد، أم جنة أخرى غيرُها في موضع عالٍ من الأرض جعلها الله دارَ ابتلاء، وليست جنةَ الخُلد التي هي دار جزاء؟ إليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه. قال ابن قتيبة في ((المعارف)): إن الله خلق آدم في الأرض، وفيها أمرَهُ، ونصب الفِرْدَوْسَ، فانقسم على أربعة أنهار: سَيْحون، وجَيْحون، ودجلة، والفرات، ثم أخرجه من مشرق جنة عدن إلى الأرض التي منها أُخذ(٢). ١٨٥٤ - وَعَنْهُ، قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِوَّهِ بِيَدِي، فَقَالَ: ((خَلَقَ اللهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَخَلَقَ فِيهَا الچِبَالَ يَوْمَ الأَحَدِ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ المَكْرُوهَ يَوْمَ الثَّلاَثَاءِ، وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَ يَوْمَ الخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ رَّهِ بَعْدَ العَصْرِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ في آخِرِ الخَلْقِ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ فِيمَا بَيْنَ العَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ)) رواهُ مسلمٌ. (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١ / ٣٥٦١). (٢) انظر: ((حادي الأرواح)) لابن القيم (ص: ٢٠). ٢٤١ * قوله : ((خلق الله التربة في السبت)): (ق): هذا الحديث مُفَصِّل لما أجمله قولُه تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَتِ وَالنُّورِ ﴾ [الأنعام: ١]. و((التربة)): التراب؛ أي: الأرض، وكأنه خلق التراب يوم السبت غيرَ مُتعقّد، ولا مُتَجَمِّد، ثم يوم الأحد جَمَّدَهُ، وجعل منه الجبال أرسى بها الأرضَ، فكمل خلقُ الأرض بجبالها في يومين. وقوله: ((وخلق المكروه يوم الثلاثاء))؛ أي: ما يُكْرَه ممَّا يُهْلِك، أو يؤلم؛ كالسُّموم، والخِشَاش، والحيوانات المُضِرَّة، وقد ذكر هذا الحديثَ ثابتٌ في كتابه فقال: ((وخَلَقَ الثّقْنَ يومَ الثُّلاثَاءِ)) بدل: ((المكروه)). قال: و((التِّقْنُ)) ما يقوم به المَعاشُ، ويصلح به التدبير؛ كالحديد، وغيره من جواهر الأرض، وكل شيء يحصل به صلاحٌ؛ فهو تِقْزٌ، ومنه: إتقان الشيء وإحكامه(١). (ن): لا منافاة بين الروايتين، وكلاهما خلق يوم الثلاثاء. وقوله ((خلق النور في يوم الأربعاء)) هكذا هو في ((صحيح مسلم)): (النور) بالراء، ورواه ثابت بن قاسم: (النون) بالنون في آخره. وكذا رواه بعض رواة ((مسلم))، وهو: الحوت، ولا منافاة، وكلاهما خلق يوم الأربعاء، و((الأربعاء)): بفتح الهمزة وكسر الباء وضمها وفتحها، ثلاث لغات حكاهن صاحب ((المحكم))، وجمعه أربعاوات، وحُكي أيضاً: أرابيع(٢). (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧/ ٣٤٢). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ١٣٤). ٢٤٢ (ق): وفي رواية أخرى: (البحور) مكان (النور)، ورواية (البحور) ليست بشيء؛ لأن الأرض خلقت بعد الماء، وعلى الماء؛ كما قال تعالى: ﴿ وَهُوَ اَلَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ فِ سِنَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ﴾ [هود: ٧]؛ أي: قبل خلق السماوات والأرض، إلا أن يراد بالبحور الأنهار التي خلق [الله تعالى في] الأرض. والصحيح: رواية (النور)؛ يعني به: الأجرام النيِّرة؛ كالشمس، والقمر، والكواكب. ويتضمَّن هذا أنه تعالى خلق السماوات يوم الأربعاء؛ لأن هذه الكواكب في السماوات، ونورها ضوءُها الذي بين السماء والأرض. وتحقيق هذا: أنه لم يذكر في هذا الحديث نصاً على خلق السماوات، مع أنه ذكر فيه أيام الأسبوع كلَّها، وذكر ما خلق الله فيها، فلو خلق السماوات في يوم زائد على يوم الأسبوع؛ لكان خلق السماوات والأرض في ثمانية أيام، وذلك خلافُ المنصوص عليه في القرآن، ولا صائر إليه. وقد روي هذا الحديث في غير (كتاب مسلم)) بروايات مختلفة مضطربة، فلا تَعْتَمِدْ على ما تضمنته في ترتيب المخلوقات في تلك الأيام، والذي يُعتمد عليه: قوله تعالى ﴿قُلْ أَبِّتَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِلَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِی يَوْمَيْنٍ﴾ [فصلت: ٩] الآياتِ، فلينظر فيها مَن أراد تحقيقَ ذلك، وفيها أبحاثٌ طويلة ليس هذا موضعَ ذكرها(١). (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧/ ٣٤٣). ٢٤٣ ١٨٥٥ - وَعَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ خَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ﴾، قالَ: ((لَقَدِ انْقَطَعَتْ فِي يَدِي يَوْمَ مُؤْتَهَ تِسْعَةُ أَسْيَافٍ، فَمَا بَقِيَ في يَدِي إِلاَّ صَفِيحَةٌ يَمَانِيَّةٌ)) رواهُ البُخاريُّ. * قوله: ((لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف»: (ك): [(مؤتة))] بضم الميم وسكون الهمز وبالفوقانية، وقد تُسهّل الهمزة: موضعٌ على مرحلتين من بيت المقدس، و((الصفيحة)): السيف العريض، و((يمانية)) بتخفيف الياء على الأصح؛ أي: بقيت، ولم تنقطع، ولم تَنْدَقَّ، انتهى(١). وفيه جواز ذكر الأعمال الصالحة إذا أَمِن من نفسه الإعجابَ، وتضمَّن فائدة . قال ابن كثير الحافظ: غزوة مؤتة كانت في جُمادى الآخرة، سنة ثمان من الهجرة، استعمل عليهم النبيُّ نَّه زيد بن حارثة، فقال: إن أصيب زيد؛ فجعفر بن أبي طالب، وإن أُصيب جعفر؛ فعبدالله بن رواحة، فخرجوا، وهم ثلاثة آلاف، فلما حضر خروجُهم وذَّع الناسُ أمراءَ رسول الله ◌َل﴾، فبكى عبدُالله بن رواحة، فقالوا: ما يبكيك يا بن رواحة؟ فقال: لا والله؛ ما بي حُبُّ الدنيا، ولا صَبَابةٌ بكم، ولكني سمعت رسول الله ﴿ يقرأ آية من كتاب الله، يذكر فيها النارَ: ﴿وَإِن مِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١]، فلست أدري كيف لي بالصَّدَر بعد الورود؟! (١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٦ / ١٢١، ١٢٤). ٢٤٤ فقال المسلمون: صحبکم الله، ودفع عنکم، وردّكم إلينا صالحين. فقال عبدالله بن رواحة: وضَرْبةَ ذَاتَ فَرْغِ تَقْذِفُ الزَّبَدا لكنَّنِي أَسْأَلُ الرَّحْمَنَ مَغْفِرةً بِحَرْبَةٍ تَنْفُذُ الأَخْشَاءَ والكَبِدِا أَو طَعْنةٌ بَيَدَيْ حَزَّانَ مُجْهِزةٌ أَرْشَدَهُ اللهُ مِنْ غَازٍ وَقَدْ رَشَدا حتَّى يُقالَ إذا مَرُّوا على جَدَثِي ثم إن عبدَالله بن رواحة أتى رسول الله ◌َّز، فوذَّعه، ثم قال: في المُرْسَلِينَ ونَصْراً كالذِي نُصِرُوا فثَبَّتَ اللهُ ما آتَاكَ مِنْ حَسَنٍ فِرَاسَةً خَالَفَتْ فِيكَ الذِي نَظَرُوا إِنِّي تَفَرَّسْتُ فيكَ الخَيْرَ نَافِلةً والوَجْهَ مِنْهُ فَقَدْ أَزْرَى بِهِ القَدَرُ أَنْتَ الرَّسُولُ فمَنْ يُحْرَمْ نَوَافِلَهُ ثم خرج القوم، وخرج رسول الله وَّ﴿ يُشيِّعهم، حتى إذا وذَّعهم وانصرف؛ قال عبدالله بن رواحة : خَلَفَ السَّلامُ على امْرِئٍ وَدَّعْتُهُ في النَّخْلِ خَيْرٍ مُشَيِّعٍ وخَلِيلٍ ثم مضَوا حتى نزلوا مَعَانَ من أرض الشام، فبلغهم أن هِرَقْلَ قد نزل مَآبَ من أرض البلقاء في مئة ألف من الروم، ومئة ألف من المُسْتَعْرِبة. فلمَّا بلغ ذلك المسلمين؛ أقاموا على مَعَانَ ليلتين ينظرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله وَ ﴿ نخبره بعدد عدوِّنا؛ فإما أن يمدّنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمرٍ فنمضي له. فقال: فشجَّع الناس عبدُالله بن رواحة، وقال: يا قوم، إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون؛ الشهادةُ، وما نقاتل الناس بعدد، ولا قُوَّة، ولا كثرة، ٢٤٥ ما نقاتلهم إلا بهذا الدِّين الذي أكرمنا الله به، فانْطَلِقوا، فإنما هي إحدى الحُسنيين؛ إما ظُهورٌ، وإما شهادة. قال: فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحة، فمضی الناس حتى إذا كانوا بتُخوم البَلْقاء؛ لقيتهم جُموعُ هِرَقْلَ، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها: مُؤْتة، فالتقى الناسُ عندها. قال أبو هريرة: شهدت مُؤْتَةً، فلما دنا منا المشركون؛ رأينا [ما] لا قِبَلَ لأحد به من العُدَّة والسِّلاح والكُرَاعِ والدِّيباج والحرير والذهب، فبَرِقَ بصري، فقال لي ثابت بن أَقْرَمَ: يا أبا هريرة! كأنك ترى جموعاً كثيرة؟ قلت: نعم، قال: إنك لم تشهد معنا بدراً؛ إنا لم نْصَر بالكَثْرة، رواه البيهقيُّ(١). فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله ﴿ ﴿ حتى شاطَ في رِماح القوم. ثم أخذها جعفرٌ، فقاتل بها حتى إذا ألحمه القتال؛ اقتحم عن فرس له شقراء، فعقرها، ثم قاتل القوم حتى قُتل. وكان جعفرٌ أولَ المسلمين عقر في الإسلام، فقاتل وهو يقول: طَيِّةٌ وبَارِدٌ شَرَابُها يا حَبَّذا الجَنَّةُ واقْتِرَابُها عَلَيَّ إِنْ لاقَيْتُها ضِرَابُها والرُّومُ رُومٌ قَدْ دَنا عَذَابُها واستدل به مَن جوَّز قتل الحيوان خشية أن ينتفع به العدوُّ، كما يقول أبو حنيفة في الأغنام إذا لم تَتْبَع في السَّيْر، ويُخشى من لُحوق العدو لها: (١) رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٤ / ٣٦٢). ٢٤٦ إنها تُذبح وتُحرق؛ ليحال بينهم وبين ذلك، ولا يدخل ذلك في النهي عن قتل الحيوان عبثاً. قال ابن هشام: فحدثني مَن أثق به: أن جعفراً أخذ اللُّواء بيمينه، فقُطِعت، فأخذه بشِماله، فقُطِعت، فاحتضنه بعَضُدَيه حتى قُتل، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث يشاء. ويقال: إن رجلاً من الروم ضربه يومئذ ضَرْبة قطعه بنصفين، ثم أخذ عبدالله بن رواحة الراية تقدم بها وهو على فرسه، فجعل يَسْتَنْزِلُ نفسَه ویتردّد بعضَ الترُّد، ثم قال: لَتْزِلِنَّ أَوْ لِتُكْرَمِنَّهْ أَقْسَمْتُ يانَفْسُ لَتَنْزِنَّةْ مَالِي أَرَاكِ تَكْرَهِينَ الجَنَّةُ إِنْ أَجْلَبَ النَّاسُ وشَدُّوا الرَّنَّةُ هَلْ أَنْتِ إلَّ نُطْفَةٌ في شَنَّهُ قَدْ طَالَ مَا قَدْ كُنْتِ مُطْمَئِنَّةٌ وقال أيضاً: هَذا حِمَامُ المَوْتِ قَدْ صَلِیتِ يا نَفْسُ إِنْ لا تُقْتَلِي تَمُوتِي إِنْ تَفْعَلِي فِعْلَهُما هُدِیتِ وما تَمَنَّيْتِ فَقَدْ أُعْطِيتِ یرید صاحبيه؛ زيداً وجعفراً، ثم نزل، فلمّا نزل؛ فقاتل حتى قتل، ثم أخذ الرايةَ ثابتُ بن أَقْرَمَ، فقال: يا معشرَ المُسلمين؛ اصْطَلِحوا على رجل منكم، قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناسُ على خالد بن الوليد، وكان مَساءً، فلمَّا أصبح؛ غدا وقد جعل مُقدِّمتَه سَاقتَه، وسَاقتَه مُقدِّمتَه، ومَيْمَنتَه مَيْسرةً، ومَيْسرته مَيْمنةً. ٢٤٧ قال: فأنكروا ما كانوا يعرفون براياتهم وهيئتهم، وقالوا: قد جاءهم مددٌ، فرغبوا وانكشفوا مُنهزمین. قال: فقتلوا مَقْتلةً عظيمة لم يُقْتَلْها قومٌ، وهذا يوافق ما ذكره موسی بن عُقبة في ((مغازيه))، فقال: ثم اصطلح المسلمون على خالد، فذمَّ الله العدوّ، وأظهر المسلمون، بخلاف ما ذكره ابن إسحاق من أن خالداً إنما حاشى بالقوم حتى يتخلَّصوا من الروم، وعرب النصارى فقط، وموسى بن عُقبة والواقديُّ مُصرِّحان بأنهم هزموا جموعَ الروم والعرب الذين معهم، وهو ظاهر الحديث الصحيح: ((ففتح الله على يديه))، وهذا هو الذي رجحه، ومال إليه البيهقيُّ. قلت: ويحتمل الجمعُ بأن خالداً لمَّا أخذ الراية مساء؛ حاشى بالقوم المسلمين حتى خلَّصهم، ثم لما أصبح وحوَّل المَيْمَنة ميسرةً؛ هزمهم، ومجموع مَن استشهد من الصحابة في غزوة مُؤْتة اثنا عشر رجلاً، وهذا عظيمٌ جداً أن يقاتل جيشان متعاديان في الدِّين، أحدهما - وهو الفئة التي تقاتل في سبيل الله -: عِدَّتُها ثلاثة آلاف مقاتل، وأُخرى كافرة: عدَّتُها مئتا ألف مقاتل، مئة ألف من الروم، ومن نصارى العرب مئة ألف، ويتبارزون ويتصاولون، ومع هذا لا يقتل من المسلمين إلا اثنا عشر رجلاً، وقد قتل من المشرکین خلقٌ کثیر. هذا خالدٌ، وهو يقول: ((لقد اندقّت في يدي يومئذ تِسعةُ أسياف، وما صَبَرَت في يدي إلا صَفِيحَةٌ يَمَانِيةٌ))(١). (١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٩٤٤٣). ٢٤٨ فما ترى قد قتل بهذا الأسياف؟! دع غيره من الأبطال والشُّجعان من حملة القرآن، وهذا داخلٌ في قوله تعالى: ﴿قَدْكَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِى فِتَتَبْنِ الْتَّقَتّا فِئَةٌ تُقَتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْىَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ، مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِ اَلْأَبْصَرِ ﴾ [آل عمران: ١٣](١). * ١٨٥٦ - وَعَنْ عَمْرِو بِنِ العَاصِ هِ: أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهَِه يَقُولُ: ((إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ، فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَصَابَ، فَلَهُ أَجْرَانٍ، وإِنْ حَكَمَ وَاجْتَهَدَ، فَأَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ)) متفقٌ عليهِ. * قوله تعالى: ((فله أجران»: (ن): أجمع المسلمون على أن هذا الحديث في حاكم عالم أَهْلٍ للحُكم، فإن أصاب؛ فله أجران؛ أجرٌ باجتهاده، وأجرٌ بإصابته، وإن أخطأ؛ فله أجرٌ باجتهاده. وفي الحديث محذوفٌ تقديره: إذا أراد الحُكْمَ، فأما مَن ليس بأهل للحكم: فلا أجرَ له، بل هو آثم، ولا يَنْفُذُ حُكمُه، سواء وافق الحقَّ أم لا؛ لأن إصابته اتفاقية ليست صادرة عن أصل شرعيٍّ، فهو عاصٍ في جميع أحكامه، سواء وافق الصواب أم لا، وهي مردودة كلها، ولا يعذر في شيء من ذلك. وقد جاء في ((السنن)): ((القُضَاةُ ثَلاثةٌ: قَاضٍ في الجَنَّةِ، واثْنَانِ في (١) انظر: ((البداية والنهاية)) لابن كثير (٤/ ٢٤١ - ٢٤٨، ٢٥٩). ٢٤٩ النَّارِ؛ قَاضٍ عَرَفَ الحَقَّ فَقَضَى بِهِ، فَهُوَ فِي الجَنَّةِ، وقَاضٍ عَرَفَ الحَقَّ فقَضَى بخِلافِهِ، فَهُوَ فِي النَّارِ، وقَاضٍ قَضَى على جَهْلٍ، فهو في النَّارِ))(١). (خط): إنما يُؤجر المخطئ على اجتهاده في طلب الحق؛ لأن اجتهادَه عبادة، ولا يُؤجر على الخطأ، بل يوضع عنه الإثمُ فقط، وهذا فيمَن كان جامعاً الأدلة الاجتهاد، عارفاً بالأصول، عالماً وُجوهَ القياس، وهذا إنما هو في الفروع المُحْتَمِلة للوجوه المُختلفة دون الأُصول التي هي أركانُ الشريعة، وأُمَّهاتُ الأحكام التي لا تحتمل الوجوه، ولا مَدْخِلَ فيه للتأويل ؛ فإنَّ مَن أخطأ فيها؛ کان غیرَ معذور، وکان ◌ُكْمُه في ذلك مردوداً(٢). (ط): ((فاجتهد)) عطف على الشرط، على تأويل: أراد أن يحكم، فاجتهد، وقوله: ((فأصاب)) عطف على ((فاجتهد))، و((فله أجران)) جزاء للشرط(٣) . (ن): اختلف العلماء في أن كل مجتهد مُصِيبٌ، أم المُصِيبُ واحدٌ، وهو مَن وافق الحكم الذي عند الله، والآخَرُ مخطئ لا إثمَ عليه؛ لعُذره؟ والأصح عند الشافعيِّ وأصحابه: أن المُصِيبَ واحدٌ، وقد احتجَّت الطائفتان بهذا الحديث. (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ١٤)، والحديث رواه أبو داود (٣٥٧٣)، والترمذي (١٣٢٢ / م)، وابن ماجه (٢٣١٥)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٥٩٢٢)، من حديث بريدة . وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب» (٢١٧٢). (٢) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٤ / ١٦٠). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٥٩٤). ٢٥٠ أما الأولون: فقالوا: قد جعل للمُخْطِئ أجراً، فلولا إصابتُه؛ لم یکن له أجرٌ، وقد سبق في كلام الخطابيِّ جوابه. وأما الآخرون: فقالوا: سمَّاه مُخطئاً، ولو كان مُصِيباً؛ لم يُسَمَّ مخطئاً؛ لأنه محمولٌ على من أخطأ النصَّ، أو اجتهد فيما لا يُسَوَّغُ له الاجتهادُ، وهذا في الفروع. أما أصول التوحيد: فالمُصِيبُ فيها واحدٌ بإجماع مَن يُعتدُّ به، ولم يخالف إلا عبدُالله بن الحسن العَنْبريُّ، وداودُ الظاهريُّ، فصَوَّبا المجتهدين في ذلك أيضاً(١). (ط): مَن ذهب إلى الأول؛ لم يقل: إن كُلاَّ منهما مُصِيبٌ من كل الوجوه، بل إن أحدَهما مُصِيبٌ من وجه كونه آتيا بالعبادة، كما قاله الخَطَّابِيُّ، ومخطىء؛ لكونه لم يوافق الحُكْمَ الذي عند الله، يُؤيِّده ما حكى ابنُ الأثير في (الكامل)) في حُكم داودَ وسليمان عليه السلام في الحَرْث الذي نفشت فيه الغنمُ عن بعض العلماء: في الآية دليلٌ على أن المجتهد في الأحكام الفرعية مُصِيبٌ؛ فإنَّ داود عليه السلام أخطأ الحُكْمَ الذي عند الله تعالى، وأصابه سليمان، فقال تعالى: ﴿وَكُلًا ءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمَاً﴾ [الأنبياء: ٧٩]، يريد أن هذه الخاتمة كالتكميل لما سبق من توهُّم النقص في شأن نبيِّ الله داود عليه السلام، جيء بها جُبراناً له بذلك(٢). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ١٤). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٥٩٥). ٢٥١ ١٨٥٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ وَهِ قَالَ: ((الحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَأَبْرُدُوهَا بِالمَاءِ» متفقٌ عليه. * قوله قي: ((الحمى من فيح جهنم)): (ط): (الفيح): سُطوع الحَرِّ وفَوَرَانُهُ، وفيه وجهان: أحدهما: أنه تشبيهٌ، قال المُظْهِر: شبّه اشتعالَ حرارة الطبيعة في کونها مُذِییةً للبدن، ومُعَذِّبة له بنار جهنم، فکما أن النار تزال بالماء؛ كذلك حرارة الحُمَّی تزال بالماء البارد. ثانيهما: قال بعضهم: إن الحُمَّى مأخوذة من حرارة جهنم حقيقة، أرسلت إلى الدنيا؛ نذيراً للجاحدين، وبشيراً للمقربين؛ لأنها كفارةٌ لذنوبهم، وجابرةٌ عن تقصيرهم(١). (ط): ليست (من) بيانية حتى يكون تشبيها؛ لقوله تعالى: ﴿حَقَّ يَتَبَيَّنَ لَكُ الْخَيْطُ الْأَنْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فهي إما ابتدائية؛ أي: الحُمَّى نشأت وحصلت من فَيْح جهنم، أو تبعضية؛ أي: بعض منها، ويدل على هذا ما ورد في الصحيح: ((اشْتَكَتِ النَّارُ إلى رَبِّها، فقالت: أَيْ رَبِّ؛ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضاً، فَأَذِنَ لها بنَفَسَيْنٍ: نَفَسٌ في الشِّتَاءِ، ونَفَسٌ في الصَّيْفِ))(٢)، فكما أنَّ حرارة الصَّيْفِ أَثَرٌ من فَيْحِها؛ كذلك الحُمَّى(٣). (ن): ((فابردوها)» هو بهمزة وصل وبضم الراء؛ كما جاء في الرواية (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٩/ ٢٩٥٨). (٢) رواه البخاري (٣٠٨٧)، من حديث أبي هريرة ضـ (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٩ / ٢٩٥٨). ٢٥٢ الأخری: ((فأطفئوها)»(١)، وهو الصحیح المشهور في الروايات. وحكى القاضي عياضٌ أنه يقال بهمزة قطع وكسر الراء في لغة، قال الجَوْهرُّ: لغة رديئة(٢). قال الإمام أبو عبدالله المَازَرُّ: قد اعترض بعضُ مَن في قلبه مرضٌ من الأطِبَّاء على هذا الحديث؛ بأن استعمال المحموم الماءَ البارد مُخاطرةٌ قريبٌ من الهلاك؛ لأنه يجمع المَسامَ، ويحقن البُخارَ، ويعكس الحرارة إلی داخل الجسم، فیکون سبب التلف. فالجواب: أن هذا المعترض يقول على النبيِّ وَ ﴿ ما لم يقل به؛ فإنه وٍَّ لم يقل أكثرَ من قوله: ((فابردوها بالماء))، ولم يُبيِّن صفتَه وحالته، والأطِبَّاء يسلمون أن الحُمَّى الصَّفْراوية يُدبَّر صاحبُها بسَقْي الماء البارد الشديد البرودة، ويسقونه الثلج، ويغسلون أطرافه بالماء البارد، فلا يتعدَّى أنه وَّ أراد هذا النوع من الخُمَّى. وقد ذكر مسلم هنا في ((صحيحه)) عن أسماءَ رضي الله عنها: أنها كانت تُؤتى بالمرأة المَوْعُوكة، فتصُبُّ الماء في جَيْبها، وتقول: إنَّ رسولَ الله ◌َ﴿ قال: ((ابْرُدُوها بالمَاءِ (٣))، فهذه أسماء راويةُ الحديث - وقُرْبُها من النبيِّ ◌َّهِ معلومٌ - تأوَّلت الحديثَ على نحو ما قلناه، فلم يبق للمُلْحِد المعترض إلا اختراعُه الكذبَ، واعتراضُه، فلا يلتفت إليه. (١) رواه البخاري (٥٣٩١)، من حديث ابن عمر حلها. (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٩٨). (٣) رواه مسلم (٢٢١١/ ٨٢). ٢٥٣ (ق): هذا الاعتراض إن صدر عمَّن ارتاب في صدق النبي ◌َّ؛ فجوابه بالمعجزات الدالة على صدق قوله، وصواب فعله، فإن حصل له التصديق والإيمان، وإلا؛ فقد يفعل الله بالسَّيف والسِّنان ما لا يفعل بالبرهان، وإن صدر عن مُصدِّق له ومؤمن برسالته، وما أقلَّه فيمَن يتعاطى صَنْعةَ الأطباء! فيقال له: إنه ◌َّ﴿ أرشد إلى تبريد الحُمَّى بالماء، فله وجوهٌ، فليبحث عن ذلك الوجه، ويُجرِّب الوجوه التي لا ضرر فيها؛ فإنه سيظهر نفعُه قطعاً. وقد ظهر هذا المعنى في أمره للعائن بالغُسْل، وليس المقصودُ أن يغسلَ جمیعَ جسده، بل بعضه. وكذلك كانت أسماء رضي الله عنها تفعله، وتذكر اسم الله، فیکون من باب النُّشْرَة، ويجوز أن يكون ذلك من باب الطبِّ؛ فإنَّ الحُمَّيات الصَّفْراوية ينفع فيها غَسْلُ الأطراف بالماء البارد، وسَقْيُ الماء الشديد البرودة. ولئن سلَّمنا أنه أراد جميعَ جسد المَحموم؛ فلعله بعد أن تُقْلِعَ الحُمَّى، وتَسْكُنَ حرارتُها، فيكون ذلك في وقت مخصوص، وبعدد مخصوص، فيكون ذلك من الخواصِّ التي قد اطّلع عليها النبيُّ وَّ؛ كما روى ثابت بن قاسم أن رجلاً شكا إلى رسول الله وَِّ الحُمَّى، فقال: (اغْتَسِلْ ثلاثاً قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وقُلْ: باسْمِ اللهِ، اذْهَبِي يا أُمَّ مِلْدَم؛ فإن لم تَذْهَبْ؛ فاسْتَغْسِلْ سَبْعاً) (١). (خط): هذا مما غَلِط فيه بعضُ من يُنْسَب إلى العلم، فانغمس في (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥/ ٥٩٩)، والحديث أورده ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٢٢/ ٢٢٨). ٢٥٤ الماء لمَّا أصابته الحُمَّى، فاحتبست الحرارة في باطن بدنه، فأصابته عِلَّةٌ صعبة كاد يَهْلِك منها، فلما خرج من عِلَّته؛ قال قولاً فاحشاً لا يَحْسُن ذكره؛ وذلك لجهله بمعنی الحدیث، وذهابه عنه. وتبريد الحُمَّى الصَّفْراوية بسَقْي الماء الصادق البَرَدِ، ووضع أطراف المَحْمُوم فيه من أنفع العلاج، وأسرعه إلى إطفاء نارها، وكسر لَهِيبها، وإنما أمر بإطفاء الحُمَّى وتبريدها بالماء على هذا الوجه، دون الانغماس في الماء، وغَطِّ الرأس فيه. (ش): خطاب النبي ◌َ﴿ نوعان: عامٌّ لأهل الأرض؛ كعامَّة خطابه، وخاصٌّ ببعضهم؛ كقوله: ((لا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ لِغَائِطِ أَوْ بَوْلٍ، ولكن شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبوا))(١)، فهذا خطابٌ لأهل المدينة وما على سَمْتها؛ كالشام ونحوها، وليس بخطاب لأهل المشرق، ولا المغرب، ولا العراق، وكذلك قوله: ((ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ قِبْلَةٌ) (٢). إذا عرف هذا؛ فخطابه في هذا الحديث خاصٌّ بأهل الحجاز وما والاهم؛ إذ كان أكثر الحُمَّيات التي تَعْرِضُ لهم من نوع الحُمَّى اليومية العَرَضية الحادثة عن شِدَّة حرارة الشمس، وهذه ينفعها الماء البارد شُرْباً واغتسالاً؛ فإن الحُمَّى حرارة غريبة تشتعل في القلب، وتنبثُّ منه بتوسط الروح والدم في الشرايين والعروق إلى جميع البدن، فتشتعل فيه اشتعالاً (١) رواه أبو داود (٩)، من حديث أبي أيوب ظله. وهو حديث صحيح. انظر: ((إرواء الغلیل» (٢٩٣). (٢) رواه الترمذي (٣٤٢)، من حديث أبي هريرة به. وهو حديث صحيح. انظر: ((تخريج أحاديث المشكاة)) (٧١٥). ٢٥٥ يضُرُّ بالأفعال الطبيعية، وهي تنقسم إلى أقسام. فيجوز أن يكون مرادُ الحديث الحُمَّى العَرَضية؛ فإنها تَسْكُن على المكان بالانغماس في الماء البارد، وسَقْي الماء البارد المَثْلُوج، ولا يحتاج صاحبُها مع ذلك إلى علاج آخر؛ من استفراغ مادة، أو انتظار نُضْج. ويجوز أن يراد جميعُ أنواع الحُمَّيات، وقد اعترف فاضل الأطباء جَالِینُوس بأن الماء البارد ينفع فيها شرباً. وقوله: ((بالماء)) فيه قولان، أحدهما: أنه كلُّ ما هو ماء، وهو الصحيح. والثاني: أنه ماء زَمْزَمَ، واحتجَّ أصحابُ هذا القول بما رواه البخاري في (صحيحه)) عن أبي حمزة قال: كنتُ أُجالِسُ ابنَ عباس بمكة، فأخذتني الحُمَّى، فقال: أَبْرِدْها عنك بماء زَمْزَمَ، فإن رسولَ اللهِوَّه قال: ((الحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ؛ فَابْرُدُوها بالمَاءِ))، أو قال: ((بمَاءِ زَمْزَمَ) (١). وراوي هذا الحديث قد شَكَّ فيه، ولو جزم به؛ لكان أمراً لأهل مكة؛ إذ هو مُتَيسِّر عندهم، ولغيرهم ما عندهم من الماء، ثم اختلف من قال: إنه على عمومه، هل المراد به الصدقة بالماء أو استعماله؟ على قولين، فالصحيح: أنه استعماله، وأظن الذي حمل من قال: المراد الصدقة بالماء: أنه أشكل عليه استعمالُ الماء البارد في الحُمَّى، ولم يفهم وجهَه، مع أن لقوله وجهاً حسناً، وهو أن الجزاء من جنس العمل، فكما أخمد لهيبَ العطش عن الظمآن بالماء البارد؛ أخمد الله لهيبَ الحُمَّى عنه؛ جزاءً وفاقاً. (١) رواه البخاري (٣٠٨٨). ٢٥٦ ولكن هذا يؤخذ من فقه الحديث وإشارته، وأما المراد به: فاستعماله(١). (ط): أما ما روى الترمذي مُغْرِباً عن ثَوْبانَ: أن رسول الله وَّه قال: ((إذا أَصَابَ أَحَدَكُمْ الحُمَّى؛ فإنَّ الحُمَّى قِطْعَةٌ منَ النَّارِ؛ فَلْيُطْفِتْها عَنْهُ بِالمَاءِ، فَلْيَسْتَنْقِعْ فِي نَهَرِ جَارٍ، وَلْيَسْتَقْبِلْ جَرْيَتَهُ، فَقُولُ: باسْمِ الله، اللَّهُمَّ؛ اشْفِ عَبْدَكَ، وصَدِّقْ رَسُولَكَ، بعدَ صَلاةِ الصُّبْحِ قبلَ طُلوعِ الشَّمْسِ، ولْيَنْغَمِسْ فِيهِ ثَلاثَ غَمَسَاتٍ، ثَلاثةَ أَيَّامِ، فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي ثَلاثٍ، فخَمْسٌ، فَإِنْ لَم يَبْرَأْ فِي خَمْسٍ؛ فَسَبْعٌ، فَإِنْ لم يَبْرَأُ فِي سَبْعٍ؛ فِتِسْعٌ؛ فإنَّها لا تَكَادُ تُجَاوِزُ تِسْعاً بِإِذْنِ اللهِ ◌َ)(٢). فهذا خارجُ عن القواعد الطبية، داخلٌ في قسم المعجزات الخارقة للعادة، ألا ترى كيف قال في صدر الحديث: ((صَدِّق رَسُولَك))، وفي آخره: ((بإذْنِ اللهِ»، وقد شُوهد وجُرِّب، ووجد كما نطق به الصَّادِقُ المَصدوقُ صلوات الله عليه، وعلى مَن اقتفى أثَرَه(٣). (ش): هذا من الخطاب الخاصِّ، وينفع فعله في الصيف في البلاد الحارة على شرائط مخصوصة؛ فإن الماء في ذلك الوقت أبردُ ما يكون؛ لبعده عن مُلاقاة الشمس، ووُفور القُوى في ذلك الوقت؛ لما أفادهم النومُ، والسُّكون، وبرد الهواء، فيجتمع قوة القوى، وقوة الدواء - وهو (١) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (٤ / ٢٥). (٢) رواه الترمذي (٢٠٨٤). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٣٧٥). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢٩٥٩/٩). ٢٥٧ الماء البارد - على حرارة الحُمَّى العَرَضية، أو الغِبِّ الخالصة؛ أعني: التي لا ورمَ معها، ولا شيء من الأعراض الرَّديئة، والمواد الفاسدة، فيطفئها بإذن الله، لا سيما في أحد الأيام المذكورة في الحديث، وهي الأيام التي يقع فيها بُحْرَانُ الأمراض الحادة كثيراً، لا سيَّما في البلاد المذكورة؛ لرٍقَّةً أَخْلَاَط سكانها، وسُرعة انفعالهم عن الدواء النافع(١). ١٨٥٨ - وَعَنْهَا رَضِيَ الله عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ، قَالَ: ((مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ، صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» متفقٌ عَلَيْهِ. وَالمُخْتَارُ جَوَازُ الصَّوْمِ عَمَّنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ؛ لِهَذَا الحَدِيثِ، وَالمُرَادُ بِالوَلِيِّ: القَرِيبُ، وَارِثاً كَانَ أَوْ غَيْرَ وَارِثٍ. * قوله ټقي: «صام عنه وليه): (ن): اختلف العلماء فيمَن مات وعليه صوم واجب من رمضان، أو قضاء، أو نذر، أو غيره، هل یقضی عنه؟ وللشافعيِّ في المسألة قولان مشهوران: أظهرُهما: لا يُصام عنه، ولا يصِحُّ عن ميت أصلاً. والثاني: يستحب لوليِّه أن يصومَ عنه، ويصِحُ صومُه، ويَبْرَأُ به الميت، ولا يحتاج إلى إطعام عنه، وهذا القول هو الصحيح المُختار الذي (١) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (٤ / ٣٢). ٢٥٨ نعتقده، وهو الذي صحَّحه محققو أصحابنا الجامعين بين الفقه والحديث؛ لهذه الأحاديث الصحيحة والصريحة. وأما الحديث الوارد: «مَنْ ماتَ وعَلَيْهِ صِيَامٌ؛ أُطْعِمَ عَنْه)): فليس بثابت، ولو ثبت لکن الجمع بينه وبين هذه الأحادیث بأن یحمل على جواز الأمرين؛ فإن من يقول بالصيام، يجوز عنده الإطعامُ، فثبت أن الصواب المُتعيِّن تجويزُ الصيام، وتجويز الإطعام، والوليُّ مُخيَّر بينهما. والمراد بالوليِّ: القريبُ، سواءٌ كان عَصَبةً، أو وارثاً، أو غيرَهما. وقيل: المراد الوارث، وقيل: العَصَبة، والصحيح: الأوَّلُ. ولو صام عنه أجنبيٌّ، إن كان بإذن الولي؛ صحَّ، وإلا؛ فلا في الأصح، ولا يجب على الوليِّ الصومُ عنه، لكن يُستحبُّ، هذا تلخيص مذهبنا في المسألة . وممَّن قال به من السَّلَف: طاوسٌ، والحسن البصريُّ، والزُّهري، وقتادة، وأبو ثور، وبه قال اللَّيثُ، وأحمد، وإسحق، وأبو عُبيد في صوم النذر دون رمضان وغيره. وذهب الجمهور إلى أنه لا يصام عن ميت، لا نَذْر ولا غيره، حكاه ابن المنذر عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، ورواية عن الحسن البصري، والزُّهريِّ، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وتأوَّلوا الحديثَ على أنه يُطْعِمُ عنه وليُّه، وهذا تأويل ضعيف، بل باطل، وأيُّ ضرورة إليه؟ وأيُّ مانع يمنع من العمل بظاهره؟ مع تظاهر الأحاديث مع عدم المُعارض لها. قال القاضي وأصحابنا: وأجمعوا على أنه لا يُصلَّى عنه صلاة فائتة، ٢٥٩ وعلى أنه لا يُصام عن أحد في حياته(١). (حس): اتفق أهل العلم على أن مَن مات وعليه صلاة؛ فلا كفارة لها، وقال أصحاب أبي حنيفة: إنه يُطْعَم عنه، وقال قوم: يُصلَّى عنه(٢). ١٨٥٩ - وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الطَّفَيْلِ: أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا حُدِّثَتْ: أَنَّ عَبْدَالله بْنَ الزُّبَيْرِ ﴿﴾ قَالَ فِي بَيْعِ أَو عَطَاءٍ أَعْطَتْهُ عَائِشَةُ رَضِيَ الله تعالى عَنْهَا: واللهِ! لَتَنْتُهِيَنَّ عَائِشَةُ، أَوْ لأَحْجُرَنَّ عَلَيْهَا؛ قَالَتْ: أَهْوَ قَالَ هَذَا؟ قالُوا: نَعَمْ، قَالَتْ: هُوَ لله عَلَيَّ نَذْرٌ أَنْ لاَ أُكَلِّمَ ابْنَ الزُّبَيْرِ أَبَداً، فَاسْتَشْفَعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِلَيْهَا حِينَ طَالَتِ الهِجْرَةُ. فَقَالَتْ: لاَ والله! لاَ أُشَفِّعُ فِيهِ أَبَداً، وَلاَ أَتَحَنَّثُ إِلى نَذْرِي، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، كَلَّمَ المِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، وقَالَ لَهُمَا: أَنْشُدُكُمَا الله لَمَا أَدْخَلْتُمَانِي عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا؛ فَإِنَّهَا لاَ يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَنْذِرَ قَطِيعَتِي، فَأَقْبَلَ بِهِ المِسْوَرُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ حَتَى اسْتَأْذَنَا عَلَى عَائِشَةَ، فَقَالاَ: السَّلاَمُ عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، أَنَدْخُلُ؟ قَالَتْ عَائِشَةُ: ادْخُلُوا. قَالُوا: كُلُّنَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ، ادْخُلُوا كُلَّكُمْ، وَلاَ تَعْلَمُ أَنَّ مَعَهُمَا ابْنَ الزُّبَيْرِ، فَلَمَّا دَخَلُوا، (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٨ / ٢٥). (٢) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (٦ / ٣٢٧). ٢٦٠