Indexed OCR Text

Pages 61-80

عبد الرحمن بن عوف، فحمد الله على موافقة اجتهادِه واجتهادٍ معظم الصحابة
نصَّ رسول الله وَ له .
وأما قول: إنه إنما رجع لحديث عبد الرحمن: فيحتمل أن سالماً لم
يبلغه أن عمر عزم على الرجوع قبل حديث عبد الرحمن.
ويحتمل: أنه أراد [لم يرجع] إلا بعد حديث عبد الرحمن(١).
* قوله: ((أني مصبح على ظهر)):
(ن): هو بإسكان الصاد؛ أي: مسافر راكب على ظهر الراحلة، راجع
إلى وطني، فأصْبِحُوا عليه، وتأهّبُوا له(٢).
(ق): أي: على ظهر طريق مرتحلاً، فأصبِحُوا عليه(٣).
: قوله: ((أفراراً من قدر الله)):
(ك): ((القضاء)): هو عبارة عن الأمر الكُلِّيِّ الإجمالي الذي حكم اللهُ
به في الأزل، و((القدر)): عبارة عن جزئياتِ ذلك الكُلِّيِّ، ومُفَصَّلاتِ ذلك
المُجْمَل، التي حُكِمَ بوقوعها واحداً بعد واحد في الإنزال.
قالوا: هو المراد بقوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَّابِتُهُ، وَمَا
نُنَزِّلُهُ: إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١](٤).
* قوله: «لو غيرك قالها):
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٢٠٩).
(٢) المرجع السابق (١٤ / ٢١٠).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٦١٧).
(٤) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢١ /١٦).
٦١

(ن): جواب (لو) محذوف، وفي تقديره وجهان ذكرهما صاحب
(التحرير)) وغيره:
أحدهما: لو غيرك قالها؛ لأذَّبْتُه؛ لاعتراضه عليَّ في مسألة اجتهادية
وافقني عليها أكثرُ الناس، وأكثر أهل الحَلِّ والعَقْد فيها .
والثاني: لو غيرك قالها؛ لم أتعجب، وإنما أتعجب من قولك أنت
ذلك، مع ما أنت عليه من العلم والفضل.
ثم ذکر له عمر دليلاً واضحاً من القیاس الذي لا شك في صحته،
وليس ذلك اعتقاداً منه أن الرجوع يَرُدُّ المقدورَ.
وإنما معناه: أن الله تعالى أمر بالاحتياط والحزم، ومجانبة أسباب
الهلاك، وإنْ كان كلٌّ واقعاً بقضاء الله وقدره السابق في علمه.
وقاس عمر ◌ُ على رَغْيِ العُدْوَتَيْنِ؛ لكونه واضحاً لا ينازع فيه أحد،
مع مساواته لمسألة النزاع.
ومقصود عمر: أن الناسَ لِي رَعِيَّةٌ استرعانيها اللهُ تعالى، فيجب عليَّ
الاحتياطُ لها، فإن تركته؛ نُسبتُ إلى العجز، واستوجبتُ العقوبةَ.
و((العدوة)) بضم العين وكسرها: جانبُ الوادي، و((الجَدْبة))، بفتح
الجيم، وإسكان الدال المهملة: هي ضد الخِصْبة.
وقال صاحب ((التحرير)): الجدبة هاهنا بسكون الدال وكسرها، قال:
والخصبة كذلك، انتھی(١).
* قوله: ((وكان عمر يكره خلافه)): الضمير راجع إلى أبي عبيدة؛
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٢١٠).
٦٢

أي: کان عمر څه معظُّماً لأبي عبيدة، معترفاً بوفور فضله وعلمه وورعه،
يكره أن يخالفه، ولكن الحق أَحَقُّ أن يُتَّبَعَ.
* قوله: ((نعم نفر من قدر الله)):
(ق): أي: لا مَحِيصَ للإنسان عما قدَّره الله، لكن أمرنا الله تعالى
بالتَّحَرُّز من المخاوف والمهلكات، وبجلب المنافع، ودفع المضار، والمقصِّر
في ذلك مَلُومٌ عادةً وشرعاً، منسوب إلى التفريط عقلاً وسمعاً، وإن زعم
أنه المتوكل على الله، المستسلم لأمر الله.
ولمّا بيَّن ذلك عمر بالمثال؛ لاح الحق، وارتفع الجدال، ثم لم يبرح
عمر من مكانه، حتى جاء الحق ببرهانه، فحدثهم عبد الرحمن [بما قاله في
ذلك النبيُّ وَ﴿]، فسُرَّ بذلك عمر سروراً ظهر لديه، فحمد الله، وأثنى
عليه، حيث توافق الرأي والسمع، وارتفع الجدال، وحصل الجمع، فرجع
إلى المدينة سالماً موفوراً، وإن كان في [سعيه] ذلك مصيباً مشكوراً(١).
١٧٩٢ - وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﴾، عَنِ النَّبيِّ وَ﴿ِ، قَالَ: ((إِذا
سَمِعْتُمُ الطَّاعُونَ بِأَرْضٍ، فَلاَ تَدْخُلُوهَا، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ، وَأَنْتُمْ
فِيهَا، فَلاَ تَخْرُجُوا مِنْهَا)) متفقٌ عليه.
* قوله في: ((إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليها)):
(ن): فيه منعُ القدوم على بلد الطاعون، ومنعُ الخروج منه فراراً، أما
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ /٦١٨).
٦٣

الخروج بعارض وغرض؛ فلا بأس به، هذا هو مذهب الجمهور.
قال الجمهور: قال القاضي: حتى قالت عائشة رضي الله عنها: الفرار
منه كالفرار من الزحف(١).
قال: ومنهم من جوز القدوم عليه، والخروج منه فراراً.
ورُوي هذا عن عمر بن الخطاب، وأنه ندم على رجوعه من سَرْغ.
وعن أبي موسى ومسروق والأسود: أنهم فروا من الطاعون.
وقال عمرو بن العاص: فِرُّوا من هذا الرِّجْزِ في الشِّعاب والأودية
ورؤوس الجبال (٢)
فقال معاذ: بل هو شهادة ورحمة(٣).
وتأول هؤلاء النهيَ على أنه لم ينه عن الدخولِ عليه، والخروج منه؛
مخافةَ أن يصيبه غيرُ المَقدُور، لكن مخافةَ الفتنةِ على الناس؛ لئلا يظنوا أن
هلاك القادم إنما حصل بقدومه، وسلامةَ الفارِّ إنما كانت بفراره.
قالوا: وهو من نحو النهي عن الطَّيَّرَةِ، والقرب من المجذوم، وقد
جاء عن ابن مسعود ظُه قال: الطاعون فتنة على المقيم والفارِّ(٤).
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٦ / ٨٢) من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعاً،
وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٤٢٨٢).
(٢) رواه مطولاً الإمام أحمد في ((المسند)) (٥ / ٢٤٨)، وابن جرير الطبري في ((تهذيب
الآثار)) (ص٨٩ - الجزء المفقود). ورجاله ثقات إلا أنه مرسل، كما ذكر محققو
((المسند)) (طبعة الرسالة).
(٣) قطعة من الخبر السابق.
(٤) رواه ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٨ / ٣٧٢).
٦٤

أما الفار فيقول: فررتُ فنجوتُ.
وأما المقيم فيقول: أقمتُ فمُثُّ.
وإنما فَرَّ من لم يأتِ أجَلُه، وأقامَ من حضر أجَلُه.
والصحيح: ما قدمناه من النهي عن القدومِ عليه، والفرارِ منه؛ لظاهر
الأحاديث الصحيحة.
قال العلماء: وهو قريب المعنى من قوله بَّهِ: ((لا تَتَمَّنَّوا لِقاءَ العَدوِّ،
واسأَلُوا اللهَ العافِيةَ، فإذا لَقِيتُمُوهُم؛ فاصبِرُوا))(١)، وفي هذا الحديث:
الاحترازُ من المكاره وأسبابها، وفيه: التسليم لقضاء الله تعالى وقدره عند
حلول الآفات، واتفقوا على جواز الخروج لشغل وغرض غيرِ الفرار،
ودليله صریح الأحاديث(٢).
(تو): النهي عن الخروج يحتمل: أنه أراد إذا خرج الأصِخَّاءُ ضاعتِ
المرضى ممن يتعهدهم، والموتى من التجهيز والتكفين والصلاة عليهم.
(ق): إنما نهى عن القدوم [عليه]؛ أخذاً بالحزم والحذر، والتحرُّزِ
من مواضع الضرر.
وإنما نهى عن الفرار منه؛ لأن المقيم لعله قد أخذ بحظه منه؛ لاشتراك
أهل ذلك الموضع في سبب ذلك المرض العام، فلا فائدة لفراره، بل يضيف
إلى ما أصابه من مساوئ الوباء مَشَقَّاتِ السفر، فيتضاعف الألمُ، ويكثر
الضرر، فيهلكون بكل طريق، ويطرحون في كل فجوة ومضيق.
(١) رواه البخاري (٢٨٠٤)، من حديث عبدالله بن أبي أوفى
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٢٠٥).
٦٥

ولذلك يقال: قلَّما فرَّ أحدٌ من الوبا فسَلِمَ، ويكفي من ذلك موعظة
قولُه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفُ حَذَرَ أَلْمَوْتِ فَقَالَ
لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ﴾ [البقرة: ٢٤٣].
قال الحسن: خرجوا حذراً من الطاعون، فأماتهم الله في ساعة واحدة،
وهم أربعون ألفاً.
وقالت طائفة أخرى: يجوز القدومُ على الوباء، والفرارُ منه، فإن عمر نظّ
ندم على رجوعه من سَرْغ، [وقال: اللهم؛ اغفر لي رجوعي من سرغ](١)،
وكتب إلى عامله بالشام بأنه [إذا] وقع عندكم الوباءُ؛ فاكتب إليَّ حتى
أخرج إلیه.
وكتب إلى أبو عبيدة في الطاعون يعزم عليه أن يقدم عليه؛ مخافةً أن
يصيبه الطاعون.
قالوا: الآجال محدودة لا يتقدم [شيء] عن وقته ولا يتأخر،
فالواجب صحة الاعتماد على الله، والتسليم لأمره.
فالقدوم على الوباء، والفرار سِيَّانِ بالنسبة إلى سابق الأقدار.
وتأول هؤلاء الحديث كما سبق(٢).
تكميل: قال أبو عمر بن عبد البر: لم يبلغني أن أحداً من حَمَلة العلم
فرَّ من الطاعون، إلا ما ذكر ابن المديني: أن علي بن زيد بن جدعان هرب
من الطاعون إلى السَّيَّالة، فكان يُجَمِّع كلَّ جمعة ويرجع، وكان إذا جمَّع؛
(١) ما بين معكوفتين من ((المفهم)) للقرطبي.
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٦١٣).
٦٦

صاحوا به: فرَّ من الطاعون، فمات بالسَّيالة(١).
وذكر أبو حاتم عن الأصمعي: أن بعض البصريين هرب من الطاعون،
فركب حماراً له، ومضى بأهله نحو سَفَوان، فسمع حادياً يحدو خلفَه:
ولا على ذي مَنْعَةٍ طَيَّارِ
لَن يُسْبَقَ اللهُ على حِمارِ
قَدْ يُصبحُ اللهُ أمامَ السَّارِي
أَو يأتِيَ الخَتْفُ على مِقْدارِ
(ن): في هذا الحديث فوائد كثيرة، منها: خروج الإمام بنفسه في
ولايته في بعض الأوقات؛ ليشاهد أحوالَ رعيته، ويُزيل ظلمَ المظلوم،
ويكشفَ كَرْبَ المكروب، ويَسُدَّ خَلَّةَ المحتاج، ويقمعَ أهلَ الفساد، ويخافَه
أهل البطالة والأذى والولاة، ويقيمَ في رعيته شعائرَ الإسلام، ويؤدبَ من
رآهم مُخِلِين بذلك.
ومنها: تلقِّي الأمراءِ ووجوهِ الناس الإمامَ عند قدومه، وإعلامُهم إياه
بما حدث في بلادهم من خير وشر ووباء ورخص وغلاء، وغير ذلك.
ومنها: استحباب مشاورة أهل العلم والرأي في الأمور الحادثة،
وتقديمُ أهل السابقة في ذلك.
ومنها: تنزيلُ الناس منازِلَهم، وتقديمُ أهل الفضل على غيرهم،
والابتداءُ بهم في المكارم.
ومنها: جواز الاجتهاد في الحروب ونحوها، كما يجوز في الأحكام.
ومنها: قَبولُ خبرِ الواحد؛ فإنهم قبلوا خبرَ عبدِ الرحمن.
(١) انظر: ((التمهيد)) لابن عبد البر (٦ / ٢١٥).
٦٧

ومنها: صحةُ القياس، وجوازُ العمل به.
ومنها: ابتداءُ العالِم بما عندَه من العلم، قبل أن يُسأَلَهُ، كما فعل
عبد الرحمن.
ومنها: اجتنابُ أسباب الهلاك.
ومنها: منعُ القدومِ على الطاعون، والفرارِ منه، انتهى(١).
ومنها: أن من خرج في سفر قُرْبةٍ يستحب له أن لا يرجع حتى يُتِمَّه؛
لقولهم: (خرجتَ لأمرٍ، ولا نرى أن ترجع عنه)(٢).
وقال رَ﴿ لعلي ظه، لما بعثه إلى خيبر، وتفل في عينيه وكان أرمد:
((اذْهَبْ ولاَ تَلْتَفِتْ حتَّى يَفْتَحَ اللهُ عَلِیكَ))، فلما ذهب غیرَ بعید؛ نادی ۔ ولم
يلتفت ـ: على ماذا أقاتلهم(٣)؟
ومنها: الضَّّةُ بالعلماء والصالحين، وأهلِ الخير والدين، وإرادةُ
طُولِ مُكثِهم في الدنيا، وإن تحقَّق أن المقدورَ كائن.
ورُوي: أن عمر ◌َُّه كتب إلى أبي عبيدة في طاعون عَمَواس يستقدمه
المدينةَ، فأجابه: دعني من عَزْمَتِكَ يا أمير المؤمنين، تريد أن تَستبقِيَ مَن
لیس بباقٍ؟!
ومنها: فضيلة المُعَمَّرين والمشايخ، الذين حَنَّكَتْهُم التجارِبُ، وأتت
عليهم الأهوال (٤).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٢١٢).
(٢) رواه البخاري (٥٣٩٧)، من حديث ابن عباس ظـ
(٣) رواه مسلم (٢٤٠٥ / ٣٣)، من حديث أبي هريرة ◌ُ.
(٤) في الأصل: ((الأموال)).
٦٨

وقيل: عليكم بآراء الشيوخ؛ فإنهم وإن فقدوا ذكاءَ الطبع، فقد مرَّتْ
على عيونهم وجوه العِبَر، وتَصَدَّت لأسماعِهم آثارُ الغِيَرِ .
وقیل:
إذا طَالَ عُمْرُ المَرْءِ فِي غَيرٍ آفَةٍ
أفادَتْ لَهُ الأيَّامُ في كَرِّها عَقْلا
(أحاديث تتعلق بهذا الباب)
عن جابر ظُه قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَّه يقول في الطاعون: ((الفَارُّ
مِنْهُ كالفَارِّ مِن الزَّحفِ، ومَن صبرَ فيهِ؛ كانَ له أجرُ شهيدٍ))، رواه أحمد،
والبزار، والطبراني(١)، قال المنذري: إسنادُ أحمدَ حَسَنٌ (٢).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله وَّرِ: ((لاَ تَفْنَى أَمَّتِي
إِلَّ بالطّعْنِ والطَّاعُونِ))، قلتُ: يا رسول الله؛ هذا الطعنُ قد عرفناه، فما
الطاعون؟ قال: ((غُدَّةٌ كُغُدَّةِ البَعيرِ، المُقِيمُ بها كالشَّهيدِ، والفَارُّ مِنها كالفَارِ
مِنَ الزَّحْفِ))، رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني(٣).
وفي رواية لأبي يعلى: أن النبيِ نَّهِ قال: ((وَخْزَةٌ تُصيبُ أمَّتِي مِنْ
أعدائِهِم مِنَ الجِنِّ، [غُدَّةٌ] كغُدَّةِ الإبلِ، مَنْ أقامَ عَليها كانَ مُرابِطاً، ومَنْ
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ٣٥٢)، والطبراني في ((المعجم الأوسط))
(٨٩٨٠).
(٢) انظر: ((الترغيب والترهيب)) للمنذري (٢ / ٢٢٢).
(٣) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٦/ ١٤٥)، وأبو يعلى في ((المسند)) (٤٤٠٨)،
والطبراني في «المعجم الأوسط)) (٥٥٣١). وإسناده حسن. انظر: ((صحيح الترغيب
والترهيب)) (١٤٠٨).
٦٩

أُصيبَ بهِ كان شهيداً، ومَن فرَّ منهُ كان كالفَارِّ مِنَ الزَّحْفِ»، رواه البزار(١)،
قال المنذري: إسناد الکلِّ حسن(٢).
وسبق في آخر (الباب الخامس والثلاثين بعد المئة) أقسامُ الشهداء،
وفي (الباب الثالث) فضيلةُ الصبر في الطاعون والوباء.
(١) ورواه أبو يعلى في ((المسند)) (٤٦٦٤).
(٢) انظر: ((الترغيب والترهيب)) للمنذري (٢ / ٢٢٢).
٧٠

٣٥٢ -
التغليظِ في تحريمِ السِّخرِ
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ
كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السّخْرَ﴾ الآية [البقرة: ١٠٢].
(الباب الثاني والخمسون بعد المئتين)
(في تغليظ تحريم السحر)
(م): ((السحر)) في اللغة: عبارة عما لَطُفَ وخَفِيَ سببُه، وفي الشرع:
مختَصِّ بكلِّ أمر يخفى سببُه ويتخيَّل على غيرِ حقيقة، ويجري مجرى
التمويه والخداع، ومتى أُطلق ولم يقيد؛ أفاد ذَمَّ فاعِله(١).
قوله تعالى: ﴿وَأَتَّبَعُواْ مَا تَثْلُواْ الشَّيَطِيْنُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَّ﴾ [البقرة:
١٠٢]، روى ابن جرير عن شَهْر بن حَوشَب قال: لمَّا سُلِبَ سليمانُ عليه
السلام مُلْكَه كانت الشياطين تكتب السحر في غيبة سليمان، فكتبت: من
أراد أن يأتي كذا وكذا؛ فليستقبل الشمس، وليقل كذا وكذا، ومن أراد أن
يفعل كذا؛ فليستدبر الشمس، وليقل كذا وكذا.
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٣/ ١٨٦).
٧١

فكتبته وجعلت عنوانه: هذا ما كتب آصفُ بنُ برخیا للملك سليمان
بن داود من ذخائر کنوز العلم، ثم دفنته تحت کرسیه، فلما مات سليمان
عليه السلام، قام إبليس خطيباً فقال: يا أيها الناس؛ إن سليمان لم يكن
نبياً، إنما كان ساحراً، فالتمسوا سحرَه في متاعه وبيوته، ثم دلَّهم على
المكان الذي دُفِنَ فیه.
فقالوا: والله لقد كان سليمان ساحراً، [هذا سحره]، بهذا تعبدنا،
وبھذا قهرنا .
وقال المؤمنون: بل كان نبياً مؤمناً.
فلمّا بعثَ اللهُ النبيَّ [محمداً وَّر، وذكر داود وسليمان، فقالت
اليهود: انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل، يذكر سليمان مع الأنبياء،
وإنما كان ساحراً يركب الريح، فأنزل الله رَّ: ﴿وَأَتَّبَعُواْ مَا تَثْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى
مُلْكِ سُلَيْمَنَّ ﴾ [البقرة: ١٠٢](١)، فمعنى الآية: واتبعتِ اليهودُ - الذين أوتوا
الكتاب بعد إعراضهم عن كتاب الله الذي بأيديهم - ما ترويه وتحدِثهُ
الشياطين على ملك سليمان، وعَدَّاه بـ (على)؛ لأنه ضَمَّن معنى (تتلو):
(تكذب).
الثعلبي: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَ﴾؛ أي: في ملكه وعهده، ﴿وَمَا كَفَرَ
سُلَيْمَنُ ﴾ بالسحر؛ فإن السحر كفر، ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُوا﴾(٢).
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١ / ٥١٨).
(٢) انظر: ((تفسير الثعالبي)) (١/ ٢٤٣).
٧٢

١٧٩٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿له، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ، قَالَ:
((اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ))، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! وَمَا هُنَّ؟ قَالَ:
((الشِّرْكُ باللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ،
وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَيِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ
المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلاَتِ»، متفقٌ عليهِ.
* قوله : ((اجتنبوا السبع الموبقات)): سبق في (الباب السبعين
بعد المئة).
٧٣

٣٥٣- بيان
النهي عن المسافرة بالمصحفِ إلى بلادِ الكُفارِ
إذا خيف وقوعه بأيدي العدوّ
١٧٩٤ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴾، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَ﴿ أَنْ
يُسَافَرَ بِالقُرْآنِ إلى أَرْضِ العَدُوِّ. متفقٌ عليه.
* قوله: ((نهى أن يسافر بالقرآن»:
(ط): الباء في ((بالقرآن)) زائدة، والقرآن أُقيم مُقام الفاعل، وليست
كما في قوله: ((لا تُسافِروا بالقرآنِ))(١)؛ فإنها حال، كما في قوله: دخلت
عليه بثياب السفر(٢) .
(ن): فيه النهي عن المسافرة بالمصحف إلى أرض الكفار؛ لما ورد
في رواية أخرى: ((مَخَافَةَ أنْ يَنالَهُ العَدُوُ))(٣)، فهذه هي العلة، لئلا ينتهكوا
حرمتَه، فإن أُمِنَتْ هذه العلة، بأن يدخل في جيش المسلمين الظاهر
عليهم؛ فلا كراهة، ولا مَنْعَ منه، هذا هو الصحيح، وبه قال أبو حنيفة،
والبخاري، وآخرون.
(١) رواه مسلم (١٨٦٩ / ٩٤)، من حديث ابن عمر پھا.
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٦٨٥).
(٣) رواه مسلم (١٨٦٩)، من حديث ابن عمر
٧٤

وقال مالك وجماعة من أصحابنا بالنهي مطلقاً.
وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة الجوازَ مطلقاً، والصحيح عنه ما سبق،
وهذه العلة المذكورة في الحديث من كلام النبي ◌َّر، وغلط بعض المالكية،
فزعم أنها من كلام مالك.
واتفق العلماء على: أنه يجوز أن يُكتَبَ إليهم كتابٌ فيه آية، أو آيات،
والحجة فیه کتاب النبي (قّ إلى هرقل.
قال القاضي: وكره مالك وغيره معاملةَ الكفار بالدراهم والدنانير
التي فيها اسم الله تعالی، وذِكْرُه سبحانه(١).
(ق): ظاهر هذا النهي تحريمُ السفر مطلقاً، فيستوي فيه الجيوش
والسرايا؛ سدّاً للذريعة(٢).
(شف): كان جميع القرآن محفوظاً عند جميع الصحابة، فلو مشى
[مَن عندَه] بعض القرآن به إلى أرض العدو ومات؛ لضاع ذاك القدر الذي
کان عنده .
(ط): ذهب في هذا إلى الكناية؛ لأن المصحف لم يكن في عهد النبي ◌َّ،
فنقول: لم لا يجوز أن يراد بالقرآن بعضُ ما نُسِخَ وَكُتِبَ في عهده ◌َلا؟ أو يكون
إخباراً عن الغيب(٣).
(حس): حمل المصحف إلى دار الكفر مكروهٌ، كما جاء في الحديث،
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ١٣).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٦٩٨).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٦٨٥).
٧٥

ويكره تنقيش الجُدُرِ والخشب والثياب بالقرآن، وذِكْرِ الله تعالى.
ورخص قوم في تحريق ما يجتمع عنده من الرسائل(١).
(١) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (٤ / ٥٤٩).
٧٦

٣٥٤- يا
تحريم استعمالٍ إناءِ الذهبِ وإناءِ الفضةِ
في الأكلِ والشربِ والطهارةِ وسائرٍ وجوهِ الاستعمالِ
١٧٩٥ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَمول
قَالَ: ((الَّذِي يَشْرَبُ في آنِيَةِ الفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَرَ جَهَنَّمَ"
متفقٌ عَلَيْهِ.
وفي روايةٍ لِمُسْلمٍ: ((إِنَّ الَّذِي يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ في آنِيَةِ الفِضَّةِ
وَالذَّهَب».
* قوله ويفي: ((الذي يشرب في آنية الذهب والفضة))، سبق في (الباب
الحادي بعد المئة).
١٧٩٦ - وعَنْ خُذَيْفَةَ ﴾، قالَ: إِنَّ النَّبيَّ لَهُ نَهَانَ عَنِ
الحَرِيرِ، وَالدِّبَاجِ، وَالشُّرْبِ في آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وقال: ((هُنَّ
لُهُمْ فِي الدُّنْيًا، وَهِيَ لَكُمْ فِي الآخِرَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وفي روايةٍ في ((الصَّحِيحَيْنِ)) عَنْ خُذَيْفَةَ عَ﴾: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِوَّهِ يقولُ: ((لا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ وَلا الدِّيَاجَ، وَلاَ تَشْرَبُوا
٧٧

في آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلا تَأْكُلُوا فِي صِحَانِهَا».
• قوله ويتلقى: ((لا تلبسوا الحرير ولا الديباج)): سبق في (الباب الثاني
بعد المئة).
١٧٩٧ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ سِيْرِينَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَسِ بْنِ مالكٍ
عِنْدَ نَفَرٍ مِنَ المَجُوسِ، فَجِيءَ بِفَالُوذَجٍ عَلى إِنَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ، فَلَمْ
يَأْكُلُهُ، فَقِيلَ لَهُ: حَوِّلْهُ: فَحَوَّلَهُ عَلى إِنَاءٍ مِنْ خَلَنْجِ، وَجِيءَ بِهِ، فَأَكَلَهُ.
رواه البيهقيُّ بإسنادٍ حَسَنٍ .
(الخَلَنْجُ)»: الجَفْنَةُ.
* قوله: ((فحوله علی إناء من خلنج)» بخاء معجمة.
٧٨

٣٥٥- باب
تحريم لبسِ الرجلِ ثوباً مُزَغْفَراً
١٧٩٨ - عَنْ أَنَسِ ﴿هِ، قَالَ: نَهَى النَّبِيُّنَّهِ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ.
متفقٌ عليه.
* قوله: «نھی أن يتزعفر الرجل»:
(ن): هذا دليلٌ لمذهب الشافعي وموافقيه في تحريم لبس المزعفر
على الرجل(١).
ـا، قالَ: رَأَى
١٧٩٩ ۔ وعَنْ عَبدِالله بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ
النَّبِيُّ ◌َّهِ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَينٍ، فَقَالَ: «أُمُّكَ أَمَرَّتْكَ بهذا؟))،
قلتُ: أَغْسِلُهُمَا؟ قال: (بَلْ أَحْرِتْهُمَا)).
وفي روايةٍ: فقالَ: ((إِنَّ هَذَا مِن ثِيَابِ الكُفَّارِ، فَلا تَلْبَسْهَا))
رواه مسلمٌ.
* قوله وقال : ((أمك أمرتك بهذا؟)):
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٧٩).
٧٩

(ن): أي: إن هذا من لباسهن وزِيِّهِنَّ وأخلاقهن، انتهى(١).
(ق): في رواية: ((إِنَّهما مِن لِباسِ الكُفَّارِ، فلا تَلْبَسْهُما))(٢)، فالظاهر:
أن علةَ النهي التشبهُ بالكفار، أو التشبهُ بالنساء، فهما علتان في المنع،
ويحتمل أن تكون العلة مجموعهما .
والأمرُ بالإحراق مبالغة في الزجر، ومن باب [جواز] العقوبة في
الأموال، ولم يُسْمَعْ بأحد قال بذلك(٣).
(ن): نظيرُ هذا أمرُ تلك المرأة التي لعنتِ الناقةَ بإرسالها، وأمرُ أصحابِ
بريرةَ ببيعِها، وأنكر عليهم اشتراطَ الولاء، وكل هذا عقوبة وتغليظ؛ لزجره
وزجرٍ غیره(٤).
(قض): قيل: أراد بالإحراق إفناءَ الثوبين ببيع أو هبةٍ، ولعله استعارةٌ
عنه للمبالغة والتشديد في النكير، وإنما لم يأذن في الغسل؛ لأن المُعَصْفَر،
وإن كان مكروهاً للرجال؛ فهو غير مكروه للنساء، فيكون غسله تضييعاً وإتلافاً
للمال، ويدل على هذا التأويل ما روي: أنه أتى أهله وهم يَسْجُرون التنورَ
فقذفها، ثم لما كان من الغد أتاه فقال: ((يا عبدَاللهِ، ما فَعَلْتَ))، فأخبره فقال:
((أَفَلَا كَسَوْتَهُما بعضَ أهلِكَ؛ فإنَّه لا بأسَ بِهِما للنِّساءِ))(٥).
(١) المرجع السابق (١٤ / ٥٥).
(٢) رواه مسلم (٢٠٧٧ / ٢٧)، من حديث عبد الله بن عمرو ﴾
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥/ ٣٩٩).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٥٦).
(٥) رواه أبو داود (٤٠٦٦).
٨٠