Indexed OCR Text
Pages 601-620
٣١٦- باب النهي عن قولِ الإنسان: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كذا ١٧٣١ - عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ﴾، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهَِ صَلاةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْسِيَّةِ فِي إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبِّكُمْ؟))، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي، وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنا بِفَضْلِ الله وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بي، كَافِرٌ بالكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَاَ بِنَوْءِ كَذا وَكذا، فَذلكَ كَافِرٌ بي، مُؤْمِنٌ بالكَوْكَبِ)) متفقٌ عليه. وَالسَّماءُ هُنَا: المَطَرُ. * قوله: ((بالحديبية» : (ن): فيها لغتان: تخفيف الياء، وتشديدُها، التخفيف هو الصحيح المختار، وهو قول الشافعي، وأهلِ اللغة، وبعضٍ المحدثين. والتشديدُ قولُ الكسائيِّ، وابنٍ وهب، وجماهير المحدثين. واختلافهم في (الجعرانة) كذلك في تشديد الراء وتخفيفها، و((إثر)) ٦٠١ بكسر الهمزة، وإسكان الثاء، وبفتحِهما جميعاً، لغتان مشهورتان(١). (ق): (إثر) الشيء: بعدَه وعقبَه، و(السماء) هنا: المطر، سُمِّي بذلك؛ لأنه من السماء ينزل، وحقيقة السماء: كلُّ ما عَلَاكَ فأظلَّكَ. وقوله: (فلما انصرف)؛ أي: انصرف من صلاته، وفرغ منها، ظاهره: أنه لم یکن یثبت في مکان صلاته بعد سلامه، بل کان ینتقل عنه، ویتغیر عن حالته، وهو [الذي] يستحبُّه مالك للإمام في المسجد(٢). (ط): ((كانت من الليل)): صفة ((سماء))، وأنَّث الراجعَ؛ اعتباراً للفظ، وفي ((أصبح)) ضمير الشأن، و((من)) للتبعيض، وهو مبتدأ، وما بعده خبر له، والجملة خبر ((كانت)) مبنية للضمير، ويحتمل: أن يكون اسمه «مؤمن بي))، و«من عبادي)) خبره، و ((من) فيه بيانية، وفيه قَلْبٌ من حيث المعنى، كقوله: عرضتُ الناقةَ على الحوض. فإن قلت: ما معنى [قوله: ((من عبادي] مؤمن بي، وكافر))؟ قلت: فيه تأنيب وتعيير لهم؛ أي: كونهم من عبادي منافٍ لكفران النعمة، واختلافهم في ذلك كقوله تعالى: ﴿وَجْعَلُونَ رِزْقَّكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢](٣). (الكشاف): قيل: نزلت في الأنواء، ونسبتهم السُّقيا إليها، والرزق: المطر. يعني: وتجعلون شكر ما يرزقكم الله من الغيث أنكم تُكَذِّبون بكونه (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٦٠). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٥٨). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٩ / ٢٩٩٠). ٦٠٢ من الله، حيث تنسبونه إلى النجوم(١). (ن): النَّوءُ: فيه كلام طويل لخَّصه الشيخ أبو عمرو بن الصلاح، فقال: النوء في الأصل: ليس هو نفس الكوكب؛ فإنه مصدر ناء النجم ينوء نوءاً؛ أي: سقط وغاب. وقيل: نهض وطلع. وبيان ذلك: أن ثمانية وعشرين نجماً معروفةَ المطالع في أزمنة السَّنَةِ كلِّها، وهي المعروفة بمنازل القمر الثمانية والعشرين، يسقط في كلِّ ثلاث عشرة [ليلة] منها نجم في المغرب مع طلوع الفجر، ويطلع آخر مقابلَه في المشرق من ساعته، فكان أهل الجاهلية إذا كان عند ذلك مطر ينسبونه إلى الساقطِ الغاربِ منها. وقال الأصمعي: إلى الطالع منها. قال أبو عبيد: ولم أسمع أن النَّوءَ السقوطُ، إلا في هذا الموضع، ثم إن النجم نفسَه قد يسمى نوءاً؛ تسميةً للفاعل بالمصدر. قال أبو إسحاق الزجاج: الساقطة في المغرب: هي الأنواء، والطالعة في المشرق: هي [البَوارِحُ](٢). (ق): (النوء) لغة: النهوض بثِقَلٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿لَنَنُوَأُ بِالْمُصْبَةِ أُوْلِىِ الْقُوَّةِ﴾ [القصص: ٧٦]؛ أي: لَتْقِلُهم عندَ النهوض بها(٣). (ن): اختلف العلماء فيمن قال: (مطرنا بنوء كذا) على قولين: (١) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٤ /٤٦٨). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٦١). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٦٠). ٦٠٣ أحدهما: هو كفر بالله سبحانه، سالِبٌ لأصل الإيمان، مُخرِجٌ من مِلَّة الإسلام، قالوا: وهذا فيمن قال ذلك معتقداً أن الكوكب فاعل مدبِّرِ مُنشِئ للمطر، كزعم أهل الجاهلية، ومن اعتقد هذا فلا شك في كفره، هذا قول الشافعي. والجماهير قالوا: ولو قال: (مطرنا بنوء كذا) معتقداً أنه من الله وبرحمته، وأن النوء ميقات له وعلامةٌ، اعتباراً بالعادة، فهذا لا يكفر. والأظهر: أنه مكروه كراهة تنزيه؛ لأنها كلمة مترددة بين الكفر وغيره فيُساء الظن بصاحبها، ولأنها شعار الجاهلية ومن سلك مسلَكَهم. والقول الثاني: أن المراد كفران نعمة الله؛ لاقتصاره على إضافة الغيث إلى الكوكب، وهذا فيمن لا يعتقد تدبيرَ الكواكب، ويؤيد هذا التأويل رواية مسلم: ((أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرٌ و[منهم] كافِرٌ) (١)، وفي رواية أخرى: ((ما أَنْعَمْتُ على عِبادِي مِنْ نِعْمَةٍ إلاَّ أصْبَحَ فريقٌ مِنْهُم بها كافِرِينَ))(٢)، فقوله: (بها) يدل على أنه كفر النعمة(٣). (ق): ((كافر بالكوكب))؛ أي: مصدق بأن المطر خَلْقِي، لا خَلْقُ الكوكبِ، أَرحمُ به عبادي، وأتفضَّلُ عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُنَزِلُ اُلْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى: ٢٨] (٤). (١) رواه مسلم (٧٣/ ١٢٧)، من حديث ابن عباس ظـ (٢) رواه مسلم (١٢٦/٧٢)، من حديث أبي هريرة. (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٦٠). (٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٦٠). ٦٠٤ ٣١٧- باب تحريم قولِه لمسلم: يا كافرٌ ١٧٣٢ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَ﴾، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: ((إذا قَالَ الرَّجُلُ لأَخِيهِ: يَا كَافِرُ! فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا، فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وإلاَّ رَجَعَتْ عَلَيْهِ)) مُتفقٌ عليه. * قوله ميل: ((إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر)): (ق): في رواية لمسلم: ((أيُّما رَجلِ قالَ لأَخِيهِ: كافرٌ))(١) صوابه: تقييد ((كافر)) بالتنوين، على أن يكون خبر مبتدأ محذوف؛ أي: أنت كافر، أو هو [كافر]. وربما قيده [بعضهُم] (كافرُ) بغير تنوين، فجعله منادىّ مفرداً محذوفَ حرفِ النداء، [وهذا خطأ]؛ إذ لا يحذف [حرف النداء] مع النكرات، ولا مع المبهَمات، إلا فيما جرى مجرى المثل، نحو: أَطْرِقْ كَرَا، وافْتَدِ مَخْنُوقُ. وفي حديث موسى عليه السلام: ((ثَوبِي حَجَرُ)) (٢)، وهو قليل. (١) رواه مسلم (٦٠)، من حديث ابن عمر ظـ (٢) رواه البخاري (٣٢٢٣)، من حديث أبي هريرة ٦٠٥ وأصل الكفر: التغطية والستر، ومنه سمي الزارع كافراً، وعليه قوله تعالى: ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَانُهُ﴾ [الحديد: ٢٠]؛ أي: الزرّاع. وقال الشاعر : فِي لَيلةٍ كَفَرِ النُّجُومَ غَمَامُها أي: ستر وغطى، والكفر الشرعي: هو جحد المعلوم منه ضرورة شرعية، وقد جاء فيه الكفر بمعنى جحد المنعم، وترك الشكر على النعم، وترك القيام بالحقوق. ومنه قوله ﴿ للنساء: ((تَكْفُرْنَ العَشِيرَ))(١). وقوله: ((باء))؛ أي: رجع بإئمها ولازَمَ ذلك. قال الهروي: وأصل البواءِ اللزومُ، ومنه: ((أَبُوءُ بِنِعْمَتِكَ عَليَّ))(٢)؛ [أي]: أُقِرّ بها، وأُلزِمُها نفسي. وقال غيره: أي : رجع بشرٌّ. والهاء في ((بها)) راجع إلى التكفيرة الواحدة التي هي أقلُّ ما يدل عليها لفظ: ((كافر)). ويحتمل: أن يعود إلى الكلمة، ويعني بهذا: أن المَقُول له: ((كافر)) إن كان كافراً؛ فقد صدق القائل له ذلك، وإن لم يكن كذلك؛ رجعت للقائل مَعَرَّةُ ذلك القول وإثمُه. و((أحدهما)) هنا يعني به: المَقُول له على كل وجه؛ لقوله: ((إن كان (١) رواه البخاري (٢٩٨) من حديث أبي سعيد الخدري ظه (٢) رواه البخاري (٥٩٤٧)، من حديث شداد بن أوس عظاته. ٦٠٦ كما قال))، وأما القائل فهو المَعنيُّ بقوله: ((وإلا رجعت علیه))، وبيانه ما في حديث أبي ذر الذي يليه(١). (ن): هذا الحديث مما عدّه بعض العلماء من المشكلات، من حيث إن ظاهره غيرُ مُرادٍ، وذلك أن مذهب أهلِ الحقِّ: أنه لا يُكفّر المسلم بالمعاصي کالقتلِ، وقولِهِ لأخيه: (يا كافر) من غير [اعتقاد] بطلان دين الإسلام. فقيل في تأويله أوجه: أحدها: أنه محمول على المُستحِلِّ لذلك، فعلى هذا «باء بها))؛ أي: بكلمة الكفر، وكذا ((حارَ عليه))، وهو بمعنى: رجعت عليه؛ أي: رجع علیه الكفر، فباءَ، وحارَ، ورجعَ بمعنیّ واحدٍ. ثانيها: معناه: رجعت عليه نقيصته لأخيه، ومعصية تكفيره. وثالثها: أنه محمول على الخوارج المكفِّرين للمؤمنين، وهذا ضعيف؛ لأن المذهب الصحيح المختارَ، الذي قاله الأكثرون: أن الخوارج لا يُكَفَّرون كسائر أهل البدع. ورابعها: معناه: أن ذلك يؤول به إلى الكفر، وذلك كما قالوا: إن المعاصي بريد الكفر، ويخاف على المكثر منها أن تكون عاقبةُ شؤمِها المصيرَ إلى الكفر . ويؤيده ما جاء في رواية: ((إذا قالَ لأَخِيهِ: يا كافِرُ؛ وَجَبَ الكُفْرُ عَلى أَحَدهما))(٢). خامسها: معناه: فقد رجع عليه تكفيره، لا حقيقة الكفر؛ لكونه جعل (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٥٢)، والحديث رواه مسلم (٦١ / ١١٢). (٢) رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (١١١) من حديث ابن عمر طولها. ٦٠٧ أخاه المؤمن كافراً، فكأنه كَفَّر نفسَه، إما لأنه كَفَّر من هو مثلُه، وإما لأنه كفَّر من لا يُكفِّره إلا كافرٌ يعتقدُ بطلانَ دینِ الإسلام(١). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٤٩). ٦٠٨ 3 ٣١٨- باب النهي عن الفُحشِ وبَذاءِ اللّسانِ ١٧٣٤ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿ه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّلٍ: (لَيْسَ المُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلا اللَّعَّانِ، وَلا الفَاحِشِ، وَلا البَذِيِّ)) رواه الترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ. ١٧٣٥ - وعن أنسٍ ﴿ه قال: قالَ رسولُ اللهِوَلِ: ((مَا كَانَ الفُحْشُ فِي شَيْءٍ إلاَّ شَانَةً، وَمَا كَانَ الحَيَاءُ فِي شَيْءٍ إلاَّ زَانَهُ»، رواه الترمذي وقال: حديث حسن. قوله : ((ليس المؤمن بالطعان))، سبق في (الباب السادس والخمسين بعد المئة)، وسبق الحياءُ في (الباب الرابع والثمانين). ٦٠٩ ٣١٩- باب كراهةِ التقعيرِ في الكلامِ بالتشدُّقِ، وتكلُّفِ الفصاحةِ، واستعمالٍ وَخشِيِّ اللغة، ودقائقِ الإعرابِ في مخاطبة العوامِّ ونحوهم ١٧٣٦ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﴿ه: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ: ((هَلَكَ المُتَنَطِّعُون))، قَالَهَا ثَلاثاً. رَواه مُسلم. ((المُتَنَطَّعُونَ)): المُبَالِغُونَ في الأُمُورِ. * قوله : ((هلك المتنطعون))، سبق في (الباب الرابع عشر). * * ١٧٣٧ - وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((إِنَّ الله يُبْغِضُ البَلِيغَ مِنَ الرِّجَالِ الَّذِي يَتَخَلَّلُ بِلِسَانِهِ كَمَا تَتَخَلَّلُ البَقَرَةُ». رَوَاهُ أبو داودَ، والترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ. * قوله: «یتخلل بلسانه»: (نه): هو الذي يتشدَّق في الكلام، ويُفخِّم به لسانَهَ ويَلُّفُّه كما تلفُّ البقرة الكلأ بلسانها لفّاً( ١). (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٧٣). ٦١٠ (تو): ضرب للمعنی مثلاً بما يشاهده الراؤون من حال البقر؛ ليكون أثبتَ في الضمائر، وذلك أن سائر الدواب تأخذ من نبات الأرض بأسنانها، والبقر بلسانها، فضرب بهذا المثل لمعنيين : أحدهما: أنهم لا يهتدون من المآكل إلاَّ إلى ذلك سبيلاً، كما أن البقرة لا تتمكن من الاحتشاش إلا بلسانها. والآخر: أنهم في معناهم(١) ذلك كالبقرة التي لا تستطيع أن تميز في رَغْيِها بين الرُّطَبَةِ والشَّوكة، وبين الحلو والمُرِّ، بل تَلُفُّ الكلَّ بلسانها لفّاً، فكذا هؤلاء الذين يتخذون ألسنتهم ذريعةً إلى مآكلهم، لا يميزون بين الحق والباطل، ولا بين الحلال والحرام، سمّاعون للكذب، أكَّالون للشُّحت. * ١٧٣٨ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﴿﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِعَهْ قَالَ: (إنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلِيَّ، وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِساً يَوْمَ القِيَامَةِ، أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاقاً، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ، وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي يَوْمَ القِيَامَةِ، الثَّرْثَارُونَ، وَالمُتَشَدِّقُونَ، وَالمُتَفَيْهِقُونَ)) رواه الترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌّ، وقد سبق شرحُهُ في باب: حُسْنِ الخُلقِ. • قوله تعالى: ((إن من أحبكم إلي)): أفعلُ التفضيلِ إذا أضيف على أن المراد به زائدٌ على المضاف إليهم (١) غير واضحة في الأصل، وفي ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧/ ٣١٠٦)، و((مرقاة المفاتيح)) للقاري (٤٥/٩): ((مغزاهم))، وما أثبتناه يستفاد من قوله قبلُ: ((ضرب للمعنى)) . ٦١١ في الخصلة التي هو وهم متشاركون فيها؛ جاز فيه الإفراد والتذكير في الحالات كلِّها، ومطابقتُه لما هو وصف له لفظاً ومعنىّ، وقد جُمع الوجهان في الحديث فأفرد ((أحب)) و((أبغض)) وجمع ((أحاسنكم)). (نه): ((الثرثارون)): هم الذين يكثرون الكلام تكلُّفاً وخروجاً عن الحق، والثرثرة: كثرة الكلام وترديدُه. و ((المتشدقون)): هم المتوسِّعون في الكلام من غير احتياط واحتراز. وقيل: أراد بالمتشدق: المستهزئ بالناس يلوي شِدْقَه بهم وعليهم، و((المتفيهقون)): هم الذين يتوسّعون في الكلام، ويفتحون به أفواههم، مأخوذ من الفَهْق، وهو الامتلاء والاتساع، يقال: أفْهَقْتُ الإناءَ [فَفَهقَ] يَفْهَقُ فَهْقاً، وبئر مِفْهاقٌ: كثيرة الماء، وقيل: هذا من التكبر والرعونة(١). وزاد في ((الفائق)(٢) و((النهاية))(٣) على هذا: ((المُوَطَُّونَ أَكْنافاً، الَّذِين يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُون))، قالا: وهذا مَثَلٌ، وحقيقتُه من التَّوطِئة، وهي التمهيد والتذليل. وفراش وطيء؛ أي: لا يؤذي جَنْبَ النائم. و((الأکناف)): الجوانبُ، أراد الذین جوانبهم وطیئة، يُتمكَّن فيها من مصاحبتهم ولا يتأذى (٤). (ن): يكره التقعير في الكلام بالتَّشَدُّقِ، وتكلُّف السَّجْع والفصاحة، (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١/ ٢٠٩) و(٢/ ٤٥٣، ٤٨٢). (٢) انظر: ((الفائق)) للزمخشري (٤ / ٦٨). (٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٥/ ٢٠٠). (٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١٠٦). ٦١٢ والتَّصنُّع بالمقدمات التي يعتادها المتفاصحون، وزخارف القول، فكلُّ ذلك من التكلف المذموم، وكذلك تحري دقائق الإعراب، ووَحْشِيِّ اللغة في مخاطبة العوام، بل ينبغي أن يقصد في مخاطبته إياهم لفظاً يفهمونه فهماً جَليّاً، ولا يدخل في الذم تحسينُ ألفاظ الخُطب والمواعظ، إذا لم يكن فيها إفراط وإغراب؛ لأن المقصود منها تهييج القلوب إلى طاعة الله تعالى، ولِحُسْنِ اللفظ هذا أثرٌ ظاهر (١). (١) انظر: ((الأذكار)) للنووي (ص: ٢٩٦). ٦١٣ ٣٢٠- باب كراهة قوله: خَبئت نفسي ١٧٣٩ - عن عائشةَ رضي الله عنها، عن النبيِّ وَّةِ، قال: (لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: خَبَُّتْ نَفْسِي، وَلكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسي)) متفق عليه. قالَ العُلَمَاءُ: مَعْنَى (خَبْئَتْ): غَثَتْ، وَهُوَ مَعْنَى (لَقِسَتْ) وَلَكِنْ كَرِهَ لَفْظَ الخُبْثِ. * قوله: ((لقست)): (نه): أي: غَثَتْ، واللَّقْس: الغثيان، واللَّقِسُ أيضاً: السيىء الخُلُقِ، وقيل: الشحيح، ولقست نفسه إلى الشيء: إذا حرصت عليه ونازعته إليه(١). (ن): قال ابن الأعرابي معناه: ضاقت، إنما كره النبي نَّه لفظَ الخُبْثِ؛ لبشاعة الاسم، وعلَّمَهم الأدبَ في الألفاظ، واستعمالَ أحسنها، وهجرانَ أخبثها . (١) انظر: النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ٢٦٤). ٦١٤ فإن قيل: فقد [قال] النبي ◌َّ﴾ في الذي ينام عن صلاة الصبح: (خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلانَ)(١)، قال القاضي وغيره: جوابه: أن النبي ◌َّ يخبر هناك عن صفةٍ غيرِهِ، وعن شخص مُبهَمٍ، مذمومٍ الحال، لا يمتنع إطلاق هذا اللفظ عليه(٢). (تو): وكم مثل ذلك في السنن، نهى عن لعن المسلم أشدَّ النهي، ثم قال: ((لَعَنَ اللهُ مَن تَوَلَّى غيرَ مَوالِيه))(٣)، وأمثال ذلك مما كان القصدُ فيه الوعيدَ والزجرَ، لا للعن المسلم بعينه، والمنهي [عنه] إضافةُ المؤمن الخُبْثَ إلی نفسه. (ق): من أوضح ما في هذا الباب: قوله وَّلفي حين سئل عن العقيقة فقال: (([لا] أُحِبُّ العقوق، ولكِنْ إذا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَنْسُكَ عَن ولَدِهِ بِشاةٍ؛ فَلْيَفْعَلْ)) (٤)، فكره اسم العقوق. (١) رواه البخاري (١٠٩١)، من حديث أبي هريرة ضه. (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ٨). (٣) رواه البخاري (٣٠٠١)، ومسلم (١٣٧٠) من حديث علي ـ (٤) رواه أبو داود (٢٨٤٢) والإمام أحمد في ((المسند)) (٢/ ١٨٢ - ١٨٣) من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص ظه، ورواه الإمام مالك في ((الموطأ)) (٢ / ٥٠٠)، والإمام أحمد في ((المسند)) (٥/ ٣٦٩)، من حديث رجل من بني ضمرة عن أبيه. وهو حديث صحيح. انظر: ((السلسلة الصحيحة)) (٤ / ٢١٣). ٦١٥ ٣٢١- باب كراهةِ تسميةِ العنبِ: كَرْماً ١٧٤٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ُهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لاَ تُسَمُّوا العِنَبَ: الكَرْمَ؛ فَإِنَّ الكَرْمَ المُسْلِمُ)) متفقٌ عليه. وهذا لفظُ مسلمٍ. وفي رِوَايَةٍ: ((فَإِنَّمَا الكَرْمُ قَلْبُ المُؤْمِنِ)). وفي رواية للبخاريٍّ ومسلِمٍ: (يَقُولُونَ: الكَرْمُ، إِنَّمَا الكَرْمُ قَلْبُ المُؤْمِنِ)). · قوله ◌َليفي: ((لا تسموا العنب كرماً): (ن): يقال: رجل كرم، وامرأة كرم، ورجلان کرم، ورجال کرم، ونِسوة كرم، كلَّه بفتح الراء وإسكانها بمعنى: كريم، وَصْفٌ بالمصدر، كضَيف وعَدْل، و(الحبلة): بفتح الحاء المهملة، وبفتح الباء وإسكانها: هي شجرة العنب. وكانت العرب تطلق لفظ الكرم على شجرة العنب، وعلى الخمر المُتَّخذ من العنب، سَمَّوها كرماً؛ لأنها متخذة منه، ولأنها تحمل على الكرم والسخاء، فكره الشرع إطلاقَ هذه اللفظة على العنب وشجره؛ ٦١٦ لأنهم إذا سمعوا اللفظة، ربما تذكَّروا بها الخمر، واهتاجت نفوسهم إليها، فوقعوا فيها، أو قاربوا ذلك، وقال: إنما يستحق هذا الاسمَ الرجلُ المسلم، أو قلبُ المؤمن؛ لأن الكَرْمَ مشتقٌّ من الكَرَم، بفتح الراء، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَّكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، فسمى قلب المؤمن كَرْماً؛ لما فيه من الإيمان والهدى، والنور والتقوى، والصفاتِ المُستحِقَّة لهذا الاسم، وكذلك الرجل المسلم (١). قول المازَري: سبب الكراهة تهييج النفوس إليها فيه نظر، لأن محل النهي إنما هو تسميةُ العنبِ الكَرْمَ، وليست العِنبَّةُ مُحرَّمةً، وإنما المُحرَّمةُ الخمرُ، ولم تسمَّ الخمرُ عنباً حتى يُنهى عنه، وإنما العنب هو الذي یسمی خمراً، باسم ما يؤول إليه، كما في التنزيل: ﴿إِنِّ أَرَِّ أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] وإنما مَحمل الحديث عندي مَحمِلُ قولِه عليه السلام: (لَيسَ المِسكينُ بالطّوَّافِ عَلِيكم))(٢)، و((لَيسَ الشَّدِيدُ بالصُّرَعَةِ))(٣)؛ أي: الأحقُّ باسم الكرم المسلمُ، أو قلبُ المسلم؛ لما حواه من العلوم والفضائل. وقوله: ((لا تسموا)): على جهة الإرشاد لما هو الأولى في الإطلاق، انتھی . قال في ((الفائق)): أراد أن يقرِّر ويشدِّد ما في قوله تعالى: ﴿إنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] بطريقة أنيقة، ومسلك لطيف، فبَصَّر (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ٤). (٢) رواه البخاري (١٤٠٩)، ومسلم (١٠٣٩) من حديث أبي هريرة . (٣) رواه البخاري (٥٧٦٣)، من حديث أبي هريرة څه. ٦١٧ أن هذا النوع من غير الأَنَاسيِّ، المُسمَّى بالاسم المشتق من الكرم، أنتم أَحِقَّاءُ بأن لا تؤهّلُوه بهذه التسمية، ولا تسلِّموها له، غيرةً للمسلم التقي، ورفعةً لمنزلته أن يُشارَك فيما سماه الله به، وليس الغرضُ حقيقةَ النهي عن تسمية العنب كرماً، ولكنَّ الغرضَ بيانُ أن المُستحِقَّ للاسم المشتَقِّ من الكرمِ المسلمُ، ونظيرُه في الأسلوب قولُ الله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةٌ﴾ [البقرة: ١٣٨](١). (ط): النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفرَ، يسمونه بالمَعْمُودِيَّة، ويقولون: هو تطهير لهم، فقيل للمسلمين: ﴿قُولُواْ ءَامَنَا بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾؛ أي: قولوا: صبغنا الله بالإيمان صِبْغَتَه، ولم يصبغ صبغتَكم التي هي النجاسة، لا الطهر، فهو من باب المشاكلة(٢). (١) انظر: ((الفائق)) للزمخشري (٣/ ٢٥٧). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٠٩٠). ٦١٨ ٣٢٢- باب النهي عن وصفِ محاسنِ المرأةِ لرجلٍ، إلا أن يحتاج إلى ذلك لغرضٍ شرعيِّ؛ كنكاحھا، ونحوه ١٧٤٢ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿ه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّنْ: (لا تُبَاشِرِ المَرْأَةُ المَرْأَةَ، فَتَصِفَهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا» متفقٌ عليه . قوله : ((لا تباشر المرأة»: ٠ (ط): (البشرة): ظاهرُ جِلْدِ الإنسان، والمباشرةُ: الملامسةُ، وأصله مِن لَمْسِ البشرةِ البشرةَ، والمَعْنِيُّ به في الحديث: النظر مع اللَّمْس، فتنظر إلى ظاهرها من الوجه والكفين، وتَجُسُّ باطنَها باللمس، وتَقِفُ على نعومتها وسِمَنِها، وقوله: ((فتنعتها)): عطف على (تباشر)، والنَّفْيُ مُنْصَبٌّ عليهما معاً، فتجوز المباشرة بغيرِ التَّوصِيفِ(١). (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧ / ٢٢٦٨). ٦١٩ ٣٢٣- باب کراهةٍ قولِ الإنسانِ في الدعاء : اللَّهُمَّ اغفرْ لي إن شئتَ، بل يجزمُ بالطلبِ (الباب الثاني والعشرون [بعد المئتين]) (في كراهة قول الإنسان: اللهم اغفر لي إن شئت) ١٧٤٣ - وعن أبي هريرةَ ﴿ه: أنَّ رسولَ اللهِ وَخِ، قال: (لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، لِيَعْزِمِ المَسْأَلَةَ، فَإِنَّهُ لاَ مُكْرِهَ لَهُ)). متفق عليه. وفي رواية لمسلم: ((وَلَكِنْ لِيَعْزِمْ وَلْيُعَظِمِ الرَّغْبَةَ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ» . ١٧٤٤ - وعن أنس ﴾ قال: قال رسولُ اللهِ وَ هِ: ((إذا دَعَا أحَدُكُمْ فَلْيَعْزِمِ المَسْأَةَ، وَلاَ يَقُولَنَّ: اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ، فَأَعْطِي، فَإِنَّهُ لاَ مُسْتَكْرِهَ لَهُ)). متفق عليه. * [قوله ◌َير: ((لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت))]: (ق): إنما نهى عن هذا القول؛ لأنه يدل على فتور الرغبة، وقلة الاهتمام بالمطلوب، فكأنَّ هذا القول يتضمّن: أن هذا المطلوب إن ٦٢٠