Indexed OCR Text

Pages 301-320

ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ آلْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ, عَلَى
اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]، وقوله: ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلَا تُحِبُونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ
لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]،
وقوله بَّه: ((مَا زَادَ اللهُ عَبْداً يعَفُو اللهِ إلاَّ عِزَّا))(١)، وقوله: ((تَعفُو عَمَّن
ظلَمَكَ، وتُعطِي من حرَمَكَ، وتَصِلُ مَن قَطَعكَ))(٢)، ونحوه كثير، ومع
ذلك فاختلف العلماء في المحاللة من الحقوق؟
فقال سعيد بن المسيب: لا أُحلل أحداً، ولم يُفرِّق بين الظالم
وغيره، وهذا الذي فهمه مالك عنه، وكان محمد بن سيرين، ومحمد بن
القاسم: يُحلِّلان الظالم وغيرَه، وفرَّق النخعي وآخرون بين الظالم فلم
يحلِّلوه، وبين غيره فحلَّلوه، وهو ظاهر قول مالك؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا
السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِّمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى: ٤٢].
وأيضاً فإن تحليل الظالم يُجرِّئه على الإكثار منها، وهو عونٌ له على
الإثم والعدوان.
وفرق بعض أصحابنا بين الأعراض وغيرها، فلم يحلِّلوا فيها؛
ليسارتها، ولتساهل الناس في نيلها، فاقتضى ذلك المبالغة في الردع عنها؛
مبالغةً في سدِّ ذريعة الأعراض، فإذا علم الذي يُريد أن يغتاب مسلماً أن
الغيبة وأعراض المسلمين لا يعفى عنها؛ امتنع من الوقوع فيها.
(١) رواه مسلم (٢٥٨٨)، من حديث أبي هريرة ◌َُّه، وعنده: ((بعفوٍ إلا عزَّا)).
(٢) رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٩٠٩) من حديث أبي هريرة نظر ته، وبنحوه
الإمام أحمد في («المسند» (٤ / ١٤٨) من حديث عقبة بن عامر قالله. وهو حديث
صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (٢٥٣٦).
٣٠١

ويردُّ على هذه التخصيصات سؤالاتٌ يطول الكلام بإيرادها والانفصال
عنها، والتمسكُ بالعموم هو الأصل المعلوم، لاسيما مع قوله وَلّ: ((أَيعجِزُ
أَحدُكُمْ أَن يَكُونَ كَأَبِي ضَمْضَمٍ، كانَ إِذَا أَصْبَحَ؛ يَقُولُ: اللهمَّ؛ إنِّي تَصدَّقتُ
بِعِرْضِي عَلَى عِبَادِكَ))(١)، ومع الأصل الكلي في حقوق بني آدم من جواز
تصرفهم فيها بالإعطاء، والمنع، والأخذ، والإسقاط.
* تفريع: القائلون بجواز التحلُّل اختلفوا هل تسقط عن الظالم مطالبةٌ
الآدمي فقط ولا تسقط عنه مطالبةُ الله، أو يسقط الجميعُ؟ فيه قولان(٢).
(ط): إذا تعدَّى المظلوم؛ يكون عليهما الإثم، إلا إذا تجاوز غاية
الحدِّ، فيكونُ إثمُ القولين عليه(٣).
(حس): من أربى الربا، مَن سبَّ سُبَتين بسُبَّةٍ(٤).
١٥٦٣ - وعَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ◌َّهِ يَقُولُ: ((مَنْ قَذَفَ
مَمْلُوكَهُ بِالزِّنَاَ، يُقامُ عَلَيْهِ الحَدُّ يَوْمَ القِيَامَةِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ كَمَا قالَ))
متفقٌ عليه.
(١) رواه أبو داود (٤٨٨٦) من حديث عبد الرحمن بن عجلان عن النبي حصّل، وروي
متصلاً من حديث أنس به، وهو حديث ضعيف، وكذا المرسل. انظر:
((إرواء الغليل)) (٢٣٦٦).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٦٦).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١١٤).
(٤) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١٣ / ١٣٣).
٣٠٢

* قوله تقرير: ((يقام عليه الحد يوم القيامة)):
(ن): فيه إشارة إلى أنه لا حد على قاذف العبد في الدنيا، وهذا
مجمع عليه، لكنه يعزَّر قاذفُهُ؛ لأن العبد ليس بمُحصن، وسواء في هذا
كله مَن هو كامل الرِّق [وليس فيه سبب حرية]، والمدبّر، والمكاتب، وأم
الولد، ومَن بعضه حرٌّ، هذا في حكم الدنيا، وأما في الآخرة؛ فيستوفي له
الحدَّ من قاذفه؛ لاستواء الأحرار والعبيد في الآخرة(١).
(ق): فيه دلالة على تحريم قذف المملوك، لكن لا يحدُّ قاذفُهُ في
الدنيا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَزَمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَآءَ فَاجْلِدُ وهُمْ﴾
[النور: ٤]؛ فإن الإحصان يُمكن حمله على الإسلام والحرية والعفة على
قول مَن يرى أن اللفظ المشترك يُحمل على جميع محامله؛ ولأن العبد
ناقص عن درجة الحر، فلا يُحدُّ الحر بقذفه كما لا يُقتل به.
وقد ذهب قوم: إلى أن الحر يُحدُّ إذا قذف العبد، والحجة عليهم كل
ما ذكرنا من الحديث، والقرآن، والقياس(٢).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ١٣٢).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٣٥٠).
٣٠٣

٢٥٩- باب
تحريمِ سَبِّ الأَمواتِ بغيرِ حَقِّ ومصلحةٍ شرعيةٍ
وَهُوَ التَّحْذِيرُ مِنَ الاقْتِداءِ بِهِ فِي بِدْعَتِهِ، وَفِسْقِهِ، وَنَحْوٍ ذَلِكَ؛
وَفِيه الآيَةُ، وَالأحاديثُ السَّابِقَةُ في البابِ قَبْلَهُ.
١٥٦٤ - وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ٍِّ :
(لاَ تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ؛ فَإِنَّهُمْ قَد أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا)) رواه البخاريُّ.
* قوله ◌َّاج: ((لا تسبوا الأموات؛ فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا))،
فيُستفادُ منه الردع البليغ عن التعرض لعرض الأموات، فإن كان صالحاً؛ فقد
وصل إلى النعيم المقيم، وقرّت عینهُ بما یأتیه من الرب الرحيم، وإن كان غير
ذلك؛ فيكفيه ما هو فيه، ويُذكر أن الذي يتعرض لعرض الأموات يقول له
الشيطان: مسكين ابن آدم؛ استراح من أذِيَّتي وشرِّي ولم يسترح من شرك.
وفي (سنن أبي داود)) و((الترمذي)) عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَلّه :
(أُذكَرُوا محَاسِنَ مَوتاكُم، وكُفُوا عن مَسَاوِيهِم)) (١).
(١) رواه أبو داود (٤٩٠٠)، والترمذي (١٠١٩). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف
الجامع الصغير)» (٧٣٩).
٣٠٤

٣٦٠- باب
النهي عن الإيذاء
قال الله تعالى: ﴿ وَاُلَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ
بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواْ فَقَدٍ أُخْتَمَلُواْ بُهْتَنَّا وَإِثْمَا قُّبِينًا ﴾ [الأحزاب: ٥٨].
* قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ بِغَيْرِ مَا
اُكْتَسَبُوا﴾ [الأحزاب: ٥٨]، سبق في (الباب الثامن والأربعين).
١٥٦٥ _ وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﴿﴾، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ،
وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ)) متفقٌ عليه.
* قوله ◌َّخر: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه))، سبق في
(الباب السابع والأربعين بعد المئة).
١٥٦٦ - وعنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ
يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، وَيُدْخَلَ الجَنَّةَ، فَلْنَأْتِهِ مَنِيَتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ
٣٠٥

وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ» رواه
مسلمٌ.
وَهُوَ بَعْضُ حَدِيثٍ طويلٍ سَبَقَ فِي بَابِ طَاعَةِ وُلاَةِ الأُمُورِ .
* قوله ◌َا: ((من أحبّ أن يزحزح عن النار))، سبق في (الباب الثمانين).
٣٠٦

٣٦١-با
النهي عن التباعُضِ والتقاطُعِ والتدابُرِ
* قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: ١٠].
* وقال تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ ﴾ [المائدة:
٥٤].
* وقال تعالى: ﴿ُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِدَاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ
﴾ [الفتح: ٢٩].
بینہم
* قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، سبق في (الباب
الثاني والعشرين).
قوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [المائدة: ٥٤]، سبق في (الباب
السابع والأربعين).
١٥٦٧ - وَعَنْ أَنَسِ رَهِ: أَنَّ النبيَّ ◌َِّ قَالَ: ((لاَ تَبَاغَضُوا،
وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَلاَ تَقَاطَعُوا، وَكُونُوا عِبَادَ الله إِخْواناً،
وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوقَ ثَلاثٍ)) متفقٌ عليه.
٣٠٧

* قوله المدير: ((لا تحاسدوا))، سبق في (الباب [السابع] والعشرين).
* قوله وي: ((لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث)):
(ن): فيه تحريم الهجر بين المسلمين أكثر من ثلاث ليالٍ وإباحتها في
الثلاث، الأول بنص الحديث، والثاني بمفهومه.
قالوا: وإنما عفا عنها في الثلاث؛ لأن الآدمي مجبول على الغضب،
وسوء الخلق، ونحو ذلك، فعفا عن الهجر في الثلاث؛ ليذهب ذلك
العارض .
وقيل: إن الحديث لا يقتضي إباحة الهجرة في الثلاثة، وهذا على
مذهب من يقول: لا يحتج بالمفهوم، ودليل الخطاب(١).
وسيأتي بقية هذا الحديث في (الباب السبعين بعد المئة).
(نه): هذه الهجرة فيما يكون بين المسلمين من عَتَب، ومَوْجِدة،
وتقصير يقع في حقوق العشرة دون ما كان من ذلك في جانب الدين؛ فإن
هجرة أهل الأهواء والبدع دائمة على مرِّ الأوقات ما لم تظهر منهم التوبةُ،
والرجوعُ إلى الحق؛ فإنه ◌ََّ لمَّا خاف على كعب بن مالك وأصحابه النفاقَ
حين تخلَّفوا عن غزوة تبوك، أمر بهجرانهم خمسين يوماً، وهجر نساءه
شهراً، وهجرت عائشة ابن الزبير مدة، وهجر جماعة من الصحابة جماعة
منهم وماتوا متهاجرین(٢) .
(تو): ولمَّا اعتلَّ بعيرُ صفية، قال رسول الله وَ لاَ لزينب: ((أَعطِهَا
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١١٧).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٥ /٢٤٤).
٣٠٨

بَعيِراً))، وكان عندها فضل ظَهْرٍ، فقالت: أنا أعطي تلك اليهودية؟! فغضب
رسول الله وَّ﴾، فهجرها ذا الحجة، والمحرَّم، وبعضَ صفر.
قلت: ولم نجد في السنة مدة الهجران عن المسلم أبلغ من هذا.
(ط): تخصيص (أخاه) بالذكر، إشعاراً بالعلِّية، والمراد به أخوة
الإسلام، ويفهم منه أنه إن خالف هذه الشريطة وقطع هذه الرابطة؛ جاز
هجرانه فوق ثلاثة(١).
(خط): يجوز للوالد أن يغضب على ولده، وللزوج أن يغضب على
زوجته، ومن كان في معناهما؛ كالوالدة، وجميع الأصول، والسيد، فوق
ثلاثة أيام، انتهى.
أنشد أبو الفضل محمد السالاني في حدود نيف وثمانين وخمس مئة :
فَاسْتَفْتِ فِيهَا ابْنَ أَبِي خَيْئَمَةٌ
يَا سَيِّدِي عِنْدَكَ لي مَظْلِمةُ
قَالَ عَنِ الضََّّاكِ عَنْ عِكْرِمَةٌ
فَإِنَّهُ يَرويِهِ عَن جَدِّهِ
نَبَيِّنا المَبْعُوثِ بالمَرْحَمَةُ
عَنِ إِبْنِ عَبَّاسِ عَنِ المُصْطَفَى
فَوْقَ ثَلاَثٍ رَبُّنَا حَرَّمَهْ
إِنَّ صُدُودَ الإِلْفِ عَنْ إِلْفِهِ
أَسْرَفْتَ فِي الهُجْرَانِ فِينَا فَمَهْ
وأَنْتَ مُذْ شَهْرٍ لَنَا هَاجِرٌ
١٥٦٨ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَِّ قالَ: ((تَفْتَحُ
(١) انظر ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٠٩).
٣٠٩

أَبْوَابُ الجَنَّةِ يَوْمَ الاثْنَيَّنِ، وَيَوْمَ الخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لاَ يُشْرِكُ
بِاللهِ شَيئاً، إِلاَّ رَجُلاً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقالُ: أَنْظِرُوا
هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا! أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحًا!)) رواه مسلمٌ.
وفي روايةٍ له: ((تُعْرَضُ الأَعْمَالُ فِي كُلِّ يَومٍ خَمِيسٍ وَاثْنَيْنِ))،
وَذَكَرَ نحْوَهُ.
* قوله ◌َّيقة: ((تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين، ويوم الخميس)): خصَّ
الله هذين اليومين بفتح أبواب الجنة فيهما، وبمغفرة الله لعباده، وبأنهما
تُعرض فيهما الأعمال على الله تعالى؛ كما جاء في الحديث: ((تُعْرَضُ
أَعْمَالُ العِبَادِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّتَيْنِ: يَوْمَ الاثْنَيْنِ، ويَومَ الخَمِيسِ))(١)، وهذه
الذنوب التي تُغفر هي الصغائر، ومع ذلك فرحمةُ الله وسِعت كلَّ شيء،
وفضلُهُ كلَّ ميتٍ وحيٍّ .
ومقصودُ هذا الحديث التحذيرُ من الإصرار على بغض المسلم،
وتحريمُ استدامة هجره ومُشَاحنتِهِ، والأمرُ بمواصلتِهِ .
وفتحُ أبواب الجنة محمولٌ على ظاهره، ولا ضرورة تُحوج إلى تأويله،
ويكون فتحُها تأهلاً وانتظاراً من الخزنة لروح من يموت في ذينك اليومين ممَّن
غُفرت ذنوبهُ، أو يكون فتحُها علامةً للملائكة على أن الله تعالى غفَر في ذينك
اليومين للموحدين.
(ن): قال الباجي: معنى فتحها: كثرة الصفح، والغفران، ورفع
(١) رواه مسلم (٢٥٦٥ / ٣٦).
٣١٠

المنازل، وإعطاء الثواب الجزيل(١).
(ق): وفيه حجة لأهل السنة على قولهم: إن الجنة والنار قد خُلقتا.
وعرضُ الأعمال المذكور إنما هو نقلُه من صحف الكرام الكاتبين
إلى محلٌّ آخر، ولعله اللوح المحفوظ؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّاكُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا
كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩].
قال الحسن: إن الخزنة تستنسخ الحفظة من صحائف الأعمال،
ويكون هذا العرض في هذين اليومين للأعمال الصالحة مباهاةً بصالح
أعمال بني آدم على الملائكة، كما يُباهي الله بأهل عرفة، ويكون هذا
العرض لتعلم الملائكةُ المقبولَ من الأعمال من المردود؛ كما جاء في
الحديث: ((إِنَّ المَلاَئِكَةَ تَصعَدُ بِصَحَائِفِ الأَعمَالِ، فَتَعرِضُهَا عَلَى اللهِ
فَيَقُولُ: ضَعُوا هَذَا، واقْبَلُوا هَذَا، فَتَقُولُ المَلاَئِكَةُ: وَعَزَّتِكَ؛ مَا رَأَينا إلاَّ
خَيْراً، فَيَقُولُ اللهُ: إِنَّ هَذَا كَانَ لغَيْرِي، ولاَ أَقبَلُ منَ العَمَلِ إِلَّ مَا ابْتُغِيَ بهِ
وَجِهِي))(٢)، والله أعلم بحقيقة ذلك(٣).
(ن): ((الشحناء)»: العداوة، كأنه شحن قلبه بُغضاً له؛ أي: ملأه(٤).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٢٢).
(٢) رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٢٦٠٣) من حديث أنس ظنه. وهو حديث
ضعيف جدًّا. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٦٦٠).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٤٠).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٢٢).
٣١١

٢٦٢ _ يا
٠
تحريم الحسد
وَهُوَ تَمَنّ زَوالِ النِّعْمَةِ عَنْ صاحِبِها، سَواءٌ كَانَتْ نِعْمَةَ دِيْنٍ،
أَوَ دُنْيا.
قالَ الله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ ءَاتَنهُمُ اللَّهُ مِن
فَضْلِهِ، ﴾ [النساء: ٥٤].
وفيهٍ حَديثُ أَنَسِ السَّابقُ في البابِ قَبْلَهُ.
(باب في تحريم الحسد)
(ق): المضارع: (تحسُد) بالضم؛ وفيه لغةٌ: (يحسِد) بالكسر؛ حَسَداً
بالتحريك، وحسادة، وحسدتُكَ على الشيء، وحسدتُكَ الشيءَ بمعنىّ(١).
قال الغزالي: (الحسد) حَدُّه: كراهةُ النعمة، وحبُّ زوالها من المنعَم
عليه، فإذا أنعم الله على أخيك بنعمة؛ فلك فيها حالتان:
إحداهما: أن تكره تلك النعمة وتحبّ زوالها، وهذه الحالة تسمَّى حسداً.
الثانية: أن لا تحب زوالها، ولكنك تشتهي لنفسك مثلها، وهذا
(١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٣ / ١٨٩).
٣١٢

يسمى غبطة(١).
* قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: ٥٤]:
(الثعلبي): ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ﴾، يعني اليهود، ﴿النَّاسَ﴾ [النساء: ٥٤]،
قال قتادة: يعني العرب، حسدَتْهُم على النبوة، وما أكرمَهم الله تعالى به من
محمد(٢) .
وفيهِ حَديثُ أَنَسِ السَّابقُ في البابِ قَبْلَهُ.
١٥٦٩ - وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَهِ: أَنَّ النبيَّ نَِّ قَالَ: ((إِيَّاكُمْ
وَالحَسَدَ؛ فَإِنَّ الحَسَدَ يَأْكُلُ الحَسَنَتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الخَطَبَ، أَوْ
قَالَ: العُشْبَ)) رواه أبو داودَ.
* قوله وما: ((الحسد يأكل الحسنات)):
(تو): تمسّك به مَن يرى إحباطَ الطاعات بالمعاصي؛ كالمعتزلة،
وأجيب عنه من وجهين :
أحدهما: أن الحسد يُذهب حسناته، ويُتلفها عليه؛ بأن يحمله على
أن يفعل بالمحسود من إتلاف مال، وهتك عرض، وقتل نفس ما يقتضي
صرفَ تلك الحسنات بأسرها في عرضه؛ كما في الحديث: ((إنَّ المُفلِسَ
منَ يَأْتِي يَومَ القِيَامَةِ بصَلاَةٍ وزَكَاةٍ وصِيَامٍ وقِيَامِ، ويَأْتِي قَد شتَمَ هَذاَ، وقَذَفَ
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦/ ٥٣٢).
(٢) انظر: ((تفسير الثعلبي)) (٣/ ٣٢٩).
٣١٣

هَذَا، وَكَلَ مَالَ هَذَا، وسَفَكَ دَمَ هَذَا، وضَرَبَ هَذَا، فيُعطى هذا من
حسَّنَاتِهِ وهَذَا مِن حسَنَاتِهِ، فِإِنْ فَنِيتْ حسَنَتُهُ قَبَلَ أَنْ يَقْضِيَ ما عَلَيْهِ؛ أُخِذَ
مِن خَطَايَاهُمْ فِطُرِحَتْ عَلَيهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ))(١)، لإحباط الطاعات
بالمعاصي، وإلا؛ لم يكن يبقى لهذا الآتي المتعاطي لتلك الكبائر حسنة
يقضي بها حق خصمه.
والوجه الآخر: أن التضعيف في الحسنات يُوجد على حسب
استعداد العبد وصلاحه في دينه، فمهما كان مرتكباً للخطايا، نقص من
ثواب عمله فيما يتعلق بالتضعيف ما يُوازي انحطاطَهُ في المرتبة بما اجْترَحَهُ
من الخطايا، مثل أن يُقدَّر أن ذا رَهَق عملَ حسنة فأثيب عليها عشراً، ولو
لم يكن رَهَقُه؛ لأنيب أضعاف ذلك، فهذا الذي نقص من التضعيف بسبب
ما ارتكبه من الذنوب، هو المراد من الإحباط .
(ط): يمكن أن يقال: إن الأكل هنا استعارة لعدم القبول، وإن تلك
الحسنات الصادرة عنه مردودة عليه، وليست بغائبة في ديوان أعماله الصالحة
حتى تحبط؛ كمَن صلى في دار مغصوبة، وبهذا يَحسن وجهُ تشبيهه بالنار،
فإن النار عند اشتعالها والتهابها، لا تترك من الموقود شيئاً إلا أفنته، فشُبهت
الأعمالُ الصادرةُ عنه عند ارتكابه الحسدَ بالحطب الجَزْل الذي يَشتعِلُ فيه النارُ
في الإفناء والإعدام؛ مبالغةً وزجراً للحاسد، فالأكل في النار أيضاً استعارة أو
مشاكلة؛ لوقوعه في صحبة قوله ((يأكل الحسنات))، ونظيره قوله وَّ: ((مَن أَتَى
عزَّافاً فَسأَلَهُ عَن شَيءٍ لم تُقْبَلْ لَهُ صَلاتُهُ أَرْبَعِينَ لَيلَةً))(٢)، ونظائره كثيرة، فإذا لم
(١) رواه مسلم (٢٥٨١) من حديث أبي هريرة وظيفته.
(٢) رواه مسلم (٢٢٣٠) من حديث بعض أزواج النبي وَّر .
٣١٤

يثبت في ديوانه كيف يحبط؟ انتهى(١).
قال الإمام الغزالي في بيان القدر الواجب في نفي الحسد عن القلب:
اعلم أن المُؤذي مَمقُوتٌ، ومَن آذاك لا يُمكنك أن لا تُبغضه غالباً، وتُدرك
في نفسك تفرقةً بين حسن حاله وسوء حاله، ولا يزال الشيطان ينازعك إلى
الحسد له، لکن إن قوي ذلك فیك حتى بعثك إلى إظهار الحسد بقول، أو
فعل؛ فأنت حسودٌ عاصٍ بحسدك، وإن كَفَفْتَ ظاهركَ بالكلية إلا أنك
بباطنك تُحب زوال النعمة؛ فأنت أيضاً حسودٌ عاصٍ؛ لأن الحسد صفة
القلب لا صفةُ الفعل، قال تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِ صُدُورِهِمْ حَاجَةٌ مِّعَّآ
أُوتُواْ﴾ [الحشر: ٩]، وقال تعالى: ﴿وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ ﴾ [النساء: ٨٩]،
وقال: ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَّةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾ [آل عمران: ١٢٠].
نعم، هذا الحسد ليس معصية مظلمة يجب الاستحلال منها، بل هو
معصية بينك وبين الله تعالى، فأما إذا كففَتَ ظاهركَ، وألزمتَ على ذلك
قلبَكَ؛ كراهةَ ما يترشَّح منه بالطبع من حبِّ زوال النعمة، حتى كأنك
تَمقُتُ نفسَكَ على ما في طبعها، فتكونُ تلك الكراهةُ من جهة العقل في
مقابلة الميل من جهة الطبع= فقد أدَّيتَ الواجبَ عليك، ولا يَدخل تحت
اختيارك في الغالب أكثرُ من هذا، فأما تغيير الطبع حتى ليستوي عنده
المؤذي والمحسن؛ فهذا مما لا يُطاوع الطبعُ عليه ما دام ملتفتاً إلى حظوظ
الدنيا، إلا أن يصير مستغرقاً بحب الله تعالى(٢).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢١٤).
(٢) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٣/ ١٩٩).
٣١٥

٢٦٣- باب
النهيِ عنِ التجسُسِ
والتَّسَمُّعِ لكَلامِ مَن یکره استماعَهُ
قَالَ الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّسُواْ﴾ [الحجرات: ١٢].
* وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَاَلْمُؤْمِنَتِ بِغَيْرِ
مَا أَكْتَسَبُواْ فَقَدٍ أُخْتَمَلُواْ بُهْتَنَّا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨].
(الباب الحادي والستون بعد المئة)
(في النهي عن التجسس، والتسمع لكلام من يكره استماعه)
* قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُواْ﴾ [الحجرات: ١٢]، التجسس غالباً يطلق
في الشر، ومنه الجاسوس، وأما التحسس - بالمهملة -، فيكون غالباً في
الخير، كما قال تعالى إخباراً عن يعقوب عليه السلام: ﴿أَذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ
مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ [يوسف: ٨٧]، وقد يستعمل كلٌّ منهما في الشر؛ كما ثبت
في الصحيح: أن رسول الله وَّل قال: ((لا تَجَسَّسُوا، ولاَ تَحسَّسُوا، ولاَ
تَبَاغَضُوا، ولاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوانا)(١).
وقال الأوزاعي: التجسس: البحث عن الشيء، والتحسس: الاستماع
(١) رواه البخاري (٥٧١٧)، من حديث أبي هريرة تصلُه.
٣١٦

إلی حدیث قوم وهم له كارهون أن یتسمع إلى أبوابهم.
وفي ((سنن أبي داود)): عن زيد قال: أُتي ابن مسعود رُهُ، فقيل:
هذا فلان تقطرُ لحيتُهُ خمراً، فقال عبدالله : إنا قد نُهينا عن التجسس، ولكن
إن ظهر لنا شيءٌ نأخذ به(١).
وفي ((مسند الإمام أحمد): عن دُخَين قال: قلت لعُقبة: إن لنا جيراناً
يشربون الخمر، وأنا داع لهم الشُّرَطَ فيأخذهم؛ قال: لا تفعل، ولكن
عِظْهم، وتَهدَّدهُم، قال: ففعل، فلم ينتهوا، قال: فجاءه دُخَين فقال: إني
نَهِيتُهم فلم يَنتَهوا، وإني داعٍ لهم الشُرطَ فيأخذهم، فقال له عقبة: ويحك
لا تفعل! فإني سمعت رسول الله وَله يقول: ((مَنْ سَتَر عَورَةَ مُؤْمِنٍ؛ فَكَأنَّمَا
اسْتَحْيَا مَوؤُدَةً مِن قَبرِها»، رواه أبو داود والنسائي من حديث الليث بن سعد
بنحوه(٢) .
وفي ((سنن أبي داود)) من حديث معاوية قال: سمعت رسول الله إله
يقول: ((إِنَّكَ إِنِ اتَّبَعْتَ عَورَاتِ النَّاسِ؛ أَفَسَدْتَهُمْ أَو كِدْتَ أَن تُفسِدَهُم))،
فقال أبو الدرداء: كلمةٌ سمعها معاوية من رسول الله وَّ نفعه الله بها(٣).
وفيه أيضاً من حديث أبي أمامة عن النبي ◌َِّ: ((إِنَّ الأَمِيرَ إِذَا ابْتَغَى
(١) رواه أبو داود (٤٨٩٠). وهو حديث صحيح الإسناد. انظر: ((صحيح سنن أبي
داود» (٣ / ٩٢٥).
(٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٤ / ١٥٣)، وأبو داود (٤٨٩٢)، والنسائي في
((السنن الكبرى)) (٧٢٨٣). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الترغيب والترهيب))
(١٤٠١).
(٣) رواه أبو داود (٤٨٨٨). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب))
(٢٣٤٢) .
٣١٧

الرِّيبَةَ في النَّاسِ؛ أَفسدَهُم))(١).
(م): ((لا تجسسّوا)) إتمامٌ لما سبق؛ لأنه قال: ﴿اَجْتَنِبُواْ كَثِيرًا مِّنَ اُلَّنِّ﴾
[الحجرات: ١٢]، فهم منه أن المعتبر اليقين، فيقول القائل: أنا أكشف عن
حال فلان حتى أعلمه يقيناً، وأطَّلِع على عيبه مشاهدةً، فأكونُ قد اجتنبتُ
الظنَّ، فقال تعالى: ولا تتبعوا الظن ولا تجتهدوا في طلب التعين من
معائب الناس(٢).
· قوله تعالى: ﴿وَاُلَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَاَلْمُؤْمِنَتِ﴾ [الأحزاب:
٥٨]، سبق في الباب (الثامن والأربعين).
*
١٥٧٠ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّهِ قَالَ: ((إِيَّاكُمْ
وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ، وَلاَ تَحَسَّسُوا، وَلاَ تَجَسَّسُوا،
وَلاَ تَنَافَسُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا
عِبَادَ الهِ إِخْوَاناً كَمَا أَمَرَكُمْ. المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لاَ يَظْلِمُهُ، وَلاَ
يَخْذُلُهُ، وَلاَ يَحْقِرُهُ، التَّقْوِى هَاهُنَا، التَّقْوَى هَاهُنا))، وَيُشِيرُ إلى
صَدْرِهِ، (بِحَسْبٍ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ، كُلُّ المُسْلِمِ
عَلَى المُسْلِمٍ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَعِرْضُهُ، وَمَالُهُ، إِنَّ اللهَ لاَ يَنْظُرُ إِلى
(١) رواه أبو داود (٤٨٨٩). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب))
(٢٣٤٣).
(٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٨ / ١١٥).
٣١٨

أَجْسَادِكُمْ، وَلاَ إِلى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ)).
وفي روايةٍ: ((لاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَجَسَّسُوا، وَلاَ
تَحَسَّسُوا، وَلاَ تَنَاجَشُوا، وكُونُوا عِبَادَ الله إخْوَاناً)).
وفي روايةٍ: ((لا تَقَاطَعُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ
تَحَاسَدُوا، وكُونُوا عِبَادَ الله إخواناً).
وفي روايةٍ: ((لاَ تَهَاجَرُوا، وَلاَ يَيَعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» .
رواه مسلمٌ بكلِّ هذه الروايات، وروى البخاريُّ أكثَرَها.
* قوله مل *: ((فإن الظن أكذب الحديث»:
(ن): قال الخطابي: هو تحقيق الظن وتصديقه دون ما يَهجِسُ في
النفس؛ فإن ذلك لا يُملك.
ومراد الخطابي أن المحرَّم من الظن ما يَستمِر صاحبُهُ علیه، ويستقر
في قلبه دون ما يَعرِض في القلب ولا يَستقر؛ فإن هذا لا يُكلَّف به.
ونقل القاضي عن سفيان أنه قال: الظنُّ الذي يأثم به هو ما ظنّه
وتكلّم به، فإن لم يتكلم؛ لم یأثم.
قال: وقال بعضهم: يحتمل أن المرادَ الحكمُ في الشرع بظنٍّ مجرَّدٍ
من غير بناء على أصل ولا نظر واستدلال، وهذا ضعيف أو فاسد،
والصواب الأول(١).
(ق): (الظن): هو التهَمة، ومحلُّ التحذير والنهي إنما هو تهمَة لا
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١١٩).
٣١٩

سبب لها [يُوجبها]؛ كمن يتهم بالفاحشة، أو بشرب الخمر [ولم يظهر
عليه] ما يقتضي ذلك.
ودليل كون الظن هنا بمعنى التهمة قولُه بعد هذا: ((ولاَ تَجسَّسُوا ولاَ
تَحسَّسُوا))، وذلك أنه إذا وقع له خاطرُ التهمة ابتداءً فيريدُ أن يتجسسَ خبرَ
ذلك؛ لتحقيق ما وقع له من تلك التهمة، فنهي عن ذلك، وفي الحديث:
((إِذَا ظَنْتَ؛ فَلاَ تَحقَّقْ))(١).
* قوله: ((ولا تحسسوا وتجسسوا)):
(ن): الأول بالحاء، والثاني بالجيم، فبالحاء: الاستماع لحديث
قوم، وبالجيم: البحث عن العورات.
وقيل بالجيم: التفتيش عن بواطن الأمور، وأكثر ما يقال في الشر.
والجاسوس: صاحب سرِّ الشر، والناموس: صاحب سرِّ الخير.
وقيل: بالجيم أن تطلبَهُ لغيرك، وبالحاء أن تطلبَهُ لنفسك، قاله
ثعلب(٢).
(ق): التنافس في الخير مأمور به، قال تعالى: ﴿وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ
اٌلْمُنَنَفِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]، وكأن المنافسة هي الغبطة، وقد أبعد مَن فسرها
بالحسد، لاسيما في هذا الحديث؛ فإنه قد قرن بينها وبين الحسد في سياق
واحد، فدلَّ على تغايرهما(٣).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٣٤).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١١٩).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٣٥).
٣٢٠