Indexed OCR Text
Pages 281-300
والآيتان بعده سبق قريباً.
* وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِاَلْمِرْصَادٍ﴾ [الفجر: ١٤]، سبق في (الباب
الخامس).
* قوله تعالى: ﴿ وَاُلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢]، قيل: هو
الشرك، وقيل: الكذب، والفسق، واللغو، والباطل، وقيل: هو اللهو
والغناء، وقيل: عبادة الأوثان، وقيل: هي مجالس اللهو والغناء، وقيل:
شرب الخمر(١).
(ن): المراد به شهادة الزور والكذب متعمداً على غيره، ودليله ما
ثبت في «الصحيحين)) من حديث أبي بكرة(٢).
*
١٥٥٠ - وعَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ إِ: ((أَلَا
أُنَُّكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟))، قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((الإِشْرَاكُ
بِاللهِ، وعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ))، وكَانَ مُتَّكِئاً فَجَلَسَ، فقال: ((أَلَا وقَوْلُ
الزُّورِ!))، فما زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنا: لَيْتَهُ سَكَتَ. متفقٌ عليه.
قوله ◌َل: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر))، سبق في (الباب الحادي
والأربعين).
= الترغيب والترهيب)) (١٣٨٢).
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٠ / ٢٣٠).
(٢) رواه البخاري (٢٥١١)، ومسلم (٨٧).
٢٨١
٣٥٦- باب
تحریپ لغنِ إنسانٍ بعینِهِ، أو دائّةٍ
(الباب السادس والخمسون بعد المئة)
(في تحريم لعن إنسان بعينه أو دابة)
١٥٥١ - عَنْ أَبِي زَيْدٍ ثَابِتِ بْنِ الضَّخَّاكِ الأَنْصَارِيِّ
وهو من أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((مَن حَلَفَ
عَلى بَمينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلاَمِ كَاذِباً مُتَعَمِّداً، فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ
قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ، عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيما
لاَ يَمْلِكُهُ، وَلَعْنُ المُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ» متفقٌ عليه.
* قوله تعالى: ((من حلف على ملة غير الإسلام»:
(قض): الحلف بغير الإسلام مثل أن يقول الرجل: إن فعل كذا؛
فهو يهودي، أو بريء من الإسلام.
وقوله: ((فهو كما قال))، ظاهره أنه يختلُّ بهذا الحلف إسلامهُ ويصيرُ
كما قال، ويحتمل أن يعلّق ذلك بالحنث، لما روى بُرَيدَة أنه مَ ◌ّ قال: ((مَنْ
قَالَ: إِنِّي بَرِيءٌ مِنَ الإِسلاَمِ، فَإِن كَانَ كَاذِباً فَهُوَ كَمَا قَالَ، وإنْ كَانَ صَادِقاً
٢٨٢
فَلَنْ يَرجِعَ إلى الإسْلاَمِ سَالِماً)) (١)، ولعل المرادَ المبالغةُ في التهديد،
والمبالغةُ في الوعيد، لا الحكمُ بأنه صار يهودياً أو بريئاً من الإسلام، فكأنه
قال: فهو مستحقٌّ لمثل عذاب ما قال، ونظيره قوله وَّهِ: ((مَنْ تَركَ صَلاةٌ
فَقَدْ كَفَرَ))(٢)؛ أي: استوجب عقوبة من كفر .
وهذا النوع من الكلام هل يسمى في عرف الشرع يميناً؟ وهل تتعلق
الكفارة بالحنث فیها؟
فذهب النخعي، والأوزاعي، والثوري، وأصحاب أبي حنيفة،
وأحمد، وإسحاق إلى أنه يمينٌ تجب الكفارة بالحنث فيها، وقال مالك،
والشافعي، وأبو عبيد: إنه ليس بيمين، ولا كفارة فيه، لكنَّ القائلَ به آئمٌ
صدقَ أو كذبَ، وهو قول أهل المدينة، ويدل عليه أنه مَّ رتب عليه الإثم
مطلقاً ولم يتعرض لكفارة (٣).
(ن): فيه بيان لغلظ تحريم هذا الحلف.
وقوله: ((كاذباً)، ليس المراد به التقييد والاحتراز من الحلف بها صادقاً؛
لأنه لا ينفكُّ الحالف بها عن كونه كاذباً، وذلك لأنه لا بد أن يكون معظماً لما
حلف به، فإن كان معتقداً عظمتُه بقلبه؛ فهو كاذب في ذلك، وإن كان غير
معتقد ذلك؛ فهو كاذب في الصورة، لكونه عظَّمه بالحلف به، وإذا علم أنه لا
(١) رواه أبو داود (٣٢٥٨). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب))
(٢٩٥٥).
(٢) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (١٤٦٣) بلفظ: ((الصلاة))، من حديث بريدة نظ ◌ُله .
وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (٣٠٦).
(٣) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ٤٣٨).
٢٨٣
ينفكُ عن كونه كاذباً، حمل التقييد بكاذباً على أنه لبيان صورة الحالف،
ویکون التقیید خرج علی سبب، فلا یکون له مفهوم، ویکون من باب قوله:
﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِحَقِّ﴾ [آل عمران: ١١٢]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا
أَوْلَدَكُمْ مِّنْ إِمْلَقٍ ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وقوله تعالى: ﴿وَرَبَِّبُكُمُ الَّتِى فِى
حُجُورٍ كُم﴾ [النساء: ٢٣]، وقوله: ﴿أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوْةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء:
١٠١]، ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَنَيَتِّكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدَّنَ تَحَصُّنَا﴾ [النور: ٣٣].
ثم إن كان الحالف به معظُّماً لما حلف به مجلً له؛ كان كافراً، وإن
لم يكن معظّماً له، بل كان قلبُهُ مطمئناً بالإيمان؛ فهو كاذب في حلفه بما لا
يحلف به، ومعاملته إياه معاملة ما يحلف به، [ولا يكون كافراً] خارجاً عن
ملة الإسلام.
ويجوز أن يُطلق عليه اسمُ الكفر ويُرادَ به كفرُ الإحسان وكفرُ نعمة الله
تعالى؛ فإنها تقتضي أن لا يحلف هذا الحلف القبيح.
وقال الإمام أبو عبد الرحمن عبدالله بن المُبارك فيما وردَ من مثْلِ هذا
مما ظاهرُهُ تكفيرُ أرباب المعاصي: إن ذلك على جهة التغليظ والزجر عنه،
وهذا معنى مَليحٌ، لكن ينبغي أن يُضم إليه ما ذكرناه من كونه كافرَ النعم(١).
* قوله ◌َيج: ((من قتل نفسه بشيء؛ عذب به يوم القيامة))، وهذا كما
في الحديث: ((مَنْ قَتَلَ نفسَهُ بحَدِيدَةٍ؛ فحَدِيدَتُهُ في يدِهِ يَتوجّأ بها في بَطِنِهِ
فِي نَارِ جَهَّنمَ خَالِداً مُخلَّداً فيها أبداً، ومَنْ شَرِبَ سُمّاً فقتَلَ نفسَهُ، فَهُو
يَتَحسَّهُ فِي نَارِ جَهِنَّمَ خَالداً مُخلَّداً فيها أبداً، ومَنْ تَردَّى من جَبَلٍ فَقتَلَ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٢٦).
٢٨٤
نفسَهُ، فَهُو يَتردَّى فِي نَارِ جَهَنَّم خَالِداً مُخلَّداً فيها أبداً)(١).
(ن): قیل فيه أقوال:
أحدها: أنه محمول على من فعل ذلك مستحلاً مع علمه بالتحريم،
فهذا كافر، وهذه عقوبته.
والثاني: أن المرادَ بالخلود طولُ المدة والإقامة المتطاولة، لا حقيقةُ
الدوام؛ كما يقال: خلَّد اللهُ ملكَ السُّلطانِ .
والثالث: أن هذا جزاؤه، لكن تكرّم اللهُ سبحانه فأخبر أنه لا يُخلِّد في
النار مَن مات مسلماً (٢).
* قوله ميّقى: ((ليس على رجل نذر فيما لا يملكه)):
(قض): معناه أنه لو نذر عتقَ عبد لا يَملكُه، أو التضحية بشاة غيره،
أونحو ذلك؛ لا يلزمه الوفاء به وإن دخل [ذلك] في ملكه.
وفي رواية: ((ولاَ نَذْرَ فيما لاَ يَملِكُ))(٣)؛ أي: لا صحَّةَ لهُ ولا عبرةَ به(٤).
* قوله مثل: ((لعن المؤمن كقتله)):
(ن): الظاهر أن المراد أنهما سواء في أصل التحريم وإن كان القتل
أغلظ، هذا هو الذي اختاره المازَري، وقيل غير هذا مما ليس بظاهر (٥).
(١) رواه البخاري (٥٤٤٢)، من حديث أبي هريرة نظـ
◌ُته
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٢٥).
(٣) رواه ابن ماجه (٢١٢٤)، من حديث عمران بن الحصين فِ
(٤) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢/ ٤٣٩).
(٥) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٢٥).
٢٨٥
(قض): ((كقتله))؛ أي: في التحريم أو العقاب، والضمير للمصدر
الذي دلَّ عليه الفعل؛ أي: فلعنه كقتله(١).
(ق): الظاهر أن لعن المؤمن كبيرةٌ من الكبائر لهذا الحديث، انتهى (٢).
قال الإمام الغزالي رحمه الله: اللعن: عبارة عن الطرد والإبعاد من
الله، وذلك غير جائز إلا على من اتصف بصفة تبعده من الله، وهو الكفر
والظلم، بأن يقول: لعنة الله على الكافرين والظالمين، وينبغي أن يتبع فيه
لفظ الشرع؛ فإن في اللعن خطراً؛ لأنه حكمٌ على الله بأنه أبعد الملعونَ،
وذلك غيبٌ لا يَطّلع عليه غيرُ الله، فكل شخص ثبت كفره شرعاً فتجوز
لعنته؛ كقولك: فرعون وأبو جهل لعنهما الله، ولا يقال: فلانٌ لعنه الله،
وهو يهودي مثلاً؛ لأنه ربما يُسلِم.
فإن قلت: يُلعن؛ لكونه كافراً في الحال، كما يقال للمسلم: رحمه
الله؛ لكونه مسلماً في الحال وإن كان يتصور أن يرتد؛ فاعلم أن معنى قولنا:
رحمه الله؛ أي: ثبتَهُ على الإسلام الذي هو سبب الرحمة، ولا يقال: ثبّتَ اللهُ
الكافرَ على ما هو سبب اللعنة؛ فإن هذا سؤال الكفر، وهو في نفسه كفر، فإذا
عرفت هذا في الكافر؛ فهو في فلان الفاسق والمبتدع أولى، فلعن الأعيان فيه
خطر؛ لأن الأحوال تتقلب.
روي أنه ◌َّ كان يلعن الذين قتلوا أصحاب بئر معونة في قنوته شهراً،
فنزل: ﴿لَيْسَ لَكَمِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ أَوْ يَتُوبَ عَلَّهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨](٣)؛
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ /٤٣٩).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٧٩).
(٣) رواه البيهقي في ((معرفة السنن والآثار)) (٢ / ٧٤). وانظر حديث أبي =
٢٨٦
يعني: أنهم ربما يتوبون، فمن أين تعلم أنهم ملعونون؟
وشرب نُعَيمانُ الخمرَ فحُدَّ مرات، فقال بعض الصحابة: لعنه اللهُ ما
أكثرَ ما يُؤتى به، فقال ◌َِّ: ((لاَ تَكُنْ عَوناً للشَّيطانِ على أَخِيكَ))، فهذا يدلُّ
على أن لعنَ فاسقٍ بعينه غير جائزٍ .
وعلى الجملة: في لعنة الأشخاص خطرٌ، فليُتجنّب، ولا خطر في
السكوت عن لعن إبليس .
فإن قلت: هل تجوز لعنة يزيدَ، لكونه قاتلَ الحسين ◌َه أو آمراً به؟
قلت: هذا لم يثبت أصلاً، فلا يجوز أن يُقال: إنه قتله أو أمر به ما لم
يثبت، فضلاً عن اللعنة؛ لأنه لا تجوز نسبة مسلم إلى كبيرة من غير تحقيق.
فإن قلت: فهل يجوز أن يقال: قاتل الحسين ظه لعنه الله، أو الآمر
به لعنه الله؟
قلت: الصواب أن يقال: قاتل الحسين إن مات قبل التوبة؛ لعنه الله؛
لأنه يحتمل أن يكون مات بعد التوبة .
والوحشي قاتلُ حمزةَ ◌َّه قتلَه وهو كافرٌ، فتاب عن الكفر والقتل
جميعاً، والقتل كبيرة لا تنتهي إلى رتبة الكفر.
وإنما أوردنا هذا؛ لتهاون الناس باللعنة، وإطلاق اللسان بها،
والمؤمنُ ليس بلغَانٍ، وفي السكوت سلامةٌ(١).
= هريرة رضاه عند مسلم (٦٧٥).
(١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٣/ ١٢٤).
٢٨٧
١٥٥٢ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةََ﴿هُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قالَ: ((لاَ
يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أَنْ يَكُونَ لَغَّاناً)) رواه مسلمٌ.
١٥٥٣ - وعن أبي الدرداءِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((لاَ
يَكُونُ اللَّعَانُونَ شُفَعَاءَ، وَلاَ شُهَدَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ)) رواه مسلم.
* قوله ويلي: ((لا ينبغي لصديق أن يكون لعاناً)، وقوله: ((لا يكون
اللعانون [شفعاء ولا] شهداء» :
(ن): فيه الزجر عن اللعن، وأن مَن تخلَّق به، لا يكون فيه من هذه
الصفات الجميلة؛ لأن اللعنة في الدعاء هي الإبعاد من رحمة الله، وليس
الدعاء بهذا من أخلاق المؤمنين الذين وصفهم الله تعالى بالرحمة بينهم
والتعاون على البر والتقوى، وجعلهم كالبنيان يشدُّ بعضُهم بعضاً،
وكالجسد الواحد، وأن المؤمن يُحب لأخيه ما يحب لنفسه، ولهذا جاء في
الحديث ((لَعْنُ المُؤْمِنِ كَقتِلِه))(١)؛ لأن القاتل يقطعه عن منافع الدنيا، وهذا
يقطعه عن نعيم الآخرة ورحمة الله تعالى.
وقيل: لعن المؤمن كقتله في الإثم، وهذا أظهر.
وأما قوله: ((لا يكونون شفعاء ولا شهداء))؛ فمعناه: لا يشفعون يوم
القيامة حين يَشفع المؤمنون في إخوانهم الذين استَوجَبُوا النارَ.
وفي قوله: ((ولا شهداء))، ثلاثة أقوال :
أصحها وأشهرها: لا يكونون شهداء يوم القيامة على الأمم بتبليغ رسلهم
(١) رواه البخاري (٥٧٥٤) من حديث ثابت بن الضحاك ـ
◌ُنه
٢٨٨
إليهم الرسالات.
والثاني: لا يكونون شهداء في الدنيا؛ أي: لا تُقبل شهادتُهم لفسقهم.
والثالث: لا يُرزقون الشهادةَ، وهي القتل في سبيل الله.
وإنما قال: (لعاناً)، [(ولا يكون اللَّعانون شفعاء)] بصيغة التكثير ولم
يقل: لاعناً واللاعنون؛ لأن الذم في الحديث إنما هو لمن كثُر منه اللعن لا
لمرة ونحوها، ولأنه يخرج منه اللعن المباح، وهو الذي ورد الشرع به،
وهو لعنة الله على الظالمين، واليهود، والنصارى، والواصلة، والواشمة،
وشارب الخمر، وآكل الربا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهدیه، والمصوِّرین،
ومن انتمى إلى غير أبيه، وتولَّى غيرَ مواليه، أو غيَّر منارَ الأرض، وغيرهم
ممن هو مشهور [في الأحاديث الصحيحة](١).
* قوله رقم: ((لا ينبغي لصديق أن يكون لعاناً):
(ط): ((لا ينبغي لصديق)) حكم مرتَّب على الوصف المناسب، وذلك
أن هذه الصفة تالية صفة النبوة، قال الله تعالى: ﴿فَأُؤْلَكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِم
مِّنَ النَّبِنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّلِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩]، والأنبياء إنما بعثوا
رحمة للخلق، مقرِّبين البعيدَ إلى الله تعالى ورحمته، واللاعنُ طاردٌ لهم
وطالبٌ لبعدهم منها، فاللعنة منافية لحاله، ولذلك لا يكونون شهداء ولا
شفعاء(٢).
(ق): لا يفهم من نسبتنا الصدِّيقيةَ لغير أبي بكر ظُه مساواة غيره له
في صدِّيقيّته؛ فإن ذلك باطل، لما علم أنه أفضل الناس بعد رسول الله وَّ،
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٤٨).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠/ ٣١١٤).
٢٨٩
لكن المؤمنون الذين ليسوا بلعَّانين لهم حظّ من تلك الصديقية، ثم هم
متفاوتون فيها على حسب ما قسم لهم منها(١) .
*
١٥٥٥ - وعَنِ ابْنِ مسعودٍ حَظُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّه:
(لَيْسَ المُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلاَ اللَّعَّانِ، وَلا الفَاحِشِ، وَلاَ البَذِيِّ)
رواه الترمذيُّ، وقَالَ: حديثٌ حسنٌ.
* قوله ◌َّى: ((ليس المؤمن [بالطعَّان ولا اللغَّان]»:
(نه): أي: وقَّعاً في أعراض الناس بالذم والغيبة ونحوهما، وهو
فعَّال؛ مِن طعن فيه وعليه بالقول يطعن - بالفتح والضم -: إذا عابه،
انتھی(٢).
* ((الفاحش البذيء))، سبق في (الباب الثالث والسبعين).
*
١٥٥٧ - وعَنْ عِمْرَانَ بْنِ الحُصَين ◌َ، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ وَهُ
فِي بَعْضٍ أَسْفَارِهِ، وَامْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ عَلى نَقَةٍ، فَضَجِرَتْ، فَلَعَنَنَّهَا،
فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ: ((خُذُوا مَا عَلَيْها، وَدَعُوها؛ فَإِنَّها
مَلْعُونَةٌ)). قَالَ عِمرَانُ: فَكَأَنِّي أَرَاهَا الآنَ تَمْشِي فِي النَّاسِ مَا يَعْرِضُ
لَهَا أَحَدٌ . رواه مسلمٌ.
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٨٠).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ١٢٧).
٢٩٠
١٥٥٨ - وعَنْ أَبِي بَرْزَةَ نَضْلَةَ بْنِ عُبَيْدِ الأَسْلَمِيِّ ◌َ﴾، قَالَ:
بَيْنَمَا جَارِيَّةٌ عَلَى نَاقَةٍ عَلَيْهَا بَعْضُ مَتَاعِ القَوْمِ، إِذْ بَصُرَتْ بِالنَّبِّ ◌ََِّه
وَتَضَايَقَ بِهِمُ الجَبَلُ، فقالَتْ: حَلْ، اللَّهُمَّ الْعَنْهَا، فَقالَ النَّبِيُّ ◌َّهُ:
((لا تُصَاحِبْنَا نَقَةٌ عَلَيْهَا لَعْنَةٌ)) رواه مسلمٌ.
قوله: ((حَلْ)) - بفتح الحاءِ المُهْمَلَةِ، وَإِسكانِ اللَّم -، وَهِيَ:
كَلِمَةٌ لِزَجْرِ الإِبِلِ.
واعْلَمْ: أَنَّ هَذَا الحديثَ قَدْ يُسْتَشْكَلُ مَعْنَاهُ، وَلاَ إِشْكَالَ فِيهِ،
بَلِ المُرَادُ: النَّهِيُّ أَنْ تُصَاحِبَهُمْ تِلْكَ النَّاقَةُ، وَلَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ عَنْ بَيْعِهَا
وَذَبْحِهَا، وَرُكُوبِهِا فِي غَيْرِ صُحْبَةِ النّبِيِّ نَِّ، بَلْ كُلُّ ذَلِكَ وَمَا سِوَاهُ
مِنَ التَّصَرُّفاتِ جَائِزٌ لا مَنْعَ مِنْهُ، إِلاَّ مِنْ مُصَاحَبَتِهِ نَّهِ بِهَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ
التَّصَرُّفاتِ كُلَّهَا كَانَتْ جَائِزَةً، فَمُنِعَ بَعْضٌ مِنْهَا، فَبَقِيَ البَاقِي عَلى مَا
كَانَ. والله أعْلَمُ.
* قوله ◌َّه: «خذوا ما عليها فإنها ملعونة)) :
(ق): حمله بعض الناس على ظاهره فقال: أَطَلَعَ اللهُ نبيه عليه الصلاة
والسلام على أن هذه الناقة قد لعنها، وقد استجيب لصاحبتها فيها، فإن أراد
حقيقة اللعن؛ فهذا باطل؛ إذ الناقة ليست بمكلفة، وأيضاً إنها لم يصدر منها ما
يوجب لعنها، وإن أراد أن هذه اللعنة إنما هي عبارة عن إبعاد هذه الناقة عن
مالكتها، وعن استخدامها إياها؛ فتلك اللعنةُ إنما تَرجع لصاحبتها؛ إذ قد حيل
بينها وبين مالها، ومُنعت الانتفاع به، لا للناقة؛ لأنها قد استراحت من نقل
٢٩١
الحمل وكدِّ السير.
ومعنى ترك الناس لها: أنهم لم يُؤْوها إلى رحالهم، ولم يَستعملوها
في حمل أثقالهم، فأما أن يتركوها في غير مرعى، ومن غير علف حتى
تهلك: فليس في الحديث ما يدل عليه، ثم هو مخالف لقاعدة الشرع في
الأمر بالرفق بالبهائم والنهي عن تعذيبها .
وإنما كان هذا منه وَّ؛ تأديباً لصاحبتها، وعقوبةً لها بما دعت عليها
به .
ويستفاد منه جواز العقوبة في المال لمن جنى فيه بما يناسب ذلك(١).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٨٠).
٢٩٢
٢٥٧- باب
جوازِ لعنِ بعضِ أصحابِ المعاصيِ غيرِ المُعَيَّنِينَ
: قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].
* وقال تعالى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَ الظَّالِمِينَ﴾
[الأعراف: ٤٤].
وَثَبتَ في ((الصَّحِيح)): أَنَّ رَسُولَ اللهِ ◌ّهِ قَالَ: ((لَعَنَ اللهُ الوَاصِلَةَ
وَالمُسْتَوْصِلَةَ)).
وَأَنَّهُ قَالَ: ((لَعَنَ اللهُ آكِلَ الرِّبَا)).
وَأَنَّهُ قَالَ: ((لَعَنَ اللهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الأرْضِ))؛ أَيْ: حُدُودَهَا.
قوله ◌َّى: ((لعن الله من غيَّر منار الأرض)).
وَأَنَّهُ قَالَ: ((لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ البَيْضَةَ)).
وَأَنَّهُ قالَ: (لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ)).
((وَلَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ) .
وأَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثاً، أو آوَى مُحْدِثاً، فَعَلَيْهِ
٢٩٣
لَعْنَةُ اللهِ والملائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)).
وَأَنَّهُ قَالَ: ((اللَّهُمَّ الْعَنْ رِعْلاً وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ؛ عَصَوا اللهَ
وَرَسُولَهُ))، وَهَذِهِ ثَلاَثُ قَبَائِلَ مِنَ العَرَبِ.
وَأَنَّهُ قَالَ: ((لَعَنَ اللهُ اليَهودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِم مَسَاجِدَ)).
وَأَنَّهُ ((لَعَنَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، والمُتَشَبِّهَاتٍ مِنَ
النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ».
وَجَميعُ هذِهِ الألفَاظِ في الصحيحِ، بَعْضُهَا في «صحِيحَي
البخاري ومسلم))، وَبَعْضُها في أَحَدِهِمَا، وَإِنَّمَا قَصَدْتُ الاختِصَارَ
بِالإِشَارَةِ إِلِيهَا، وَسَأَذْكرُ مُعْظَمَهَا في أبوابها مِنْ هَذَا الكِتَابِ - إِنْ شاءَ
الله تعالی ۔۔
* قوله {يَّي: ((لعن الله الواصلة والمستوصلة))، سيأتي في (الباب الثامن
والثمانين بعد المئة).
* وقوله ريج: ((لعن الله آكل الربا))؛ سيأتي في (الباب التاسع والسبعين
بعد المئة).
٢٩٤
٢٥٨- باب
تحريمِ سَبِّ المسلمِ بغيرِ حَقِّ
قال الله تعالى: ﴿ وَاُلَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ
بِغَيْرِ مَااكْتَسَبُواْ فَقَدٍ أُخْتَمَلُواْ بُهْتَنًا وَإِثْمَا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾ [الأحزاب: ٥٨].
(الباب الثامن والخمسون بعد المئة)
(في تحريم سب المؤمن)
روى الترمذي الحكيم في ((النوادر)) من حديث أنس مرفوعاً: ((إِذَا
تَسَابَتْ أُمْتِي؛ سَقَطَتْ مِن عَيْنِ اللهِ)(١).
قال: السِّباب بَدْؤه من الكِبْر والاستحقار للمسلمين، والحسد والبغي
والتنافس في أحوال الدنيا، وهذا يُسقط من عين الله، والساقط من عينه قد
خرج من رعايته وكلاءته، فليستعدَّ للخذلان في نوائب الدين والدنيا، وله
في كل نائبة ورطة حتى تؤديه إلى الورطة الكبرى.
ومَن سقط من عينه؛ لم يُبال في أي وادٍ هلكَ، وأيِّ شيطانٍ سَباهُ فذهب
به، هذا في السباب، فكيف بما هو أعظم منه؟(٢)
(١) رواه الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) (٢ / ٢٧٠). وهو حديث ضعيف.
انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٥٩٧).
(٢) انظر: ((نوادر الأصول)) للحكيم الترمذي (٢ / ٢٧١ - ٢٧٢).
٢٩٥
* قوله تعالى: ﴿ وَاُلَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٨]، الآية،
سبق ذكرها في (الباب الثامن والأربعين).
١٥٥٩ - وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ◌َُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّه:
((سِباب المُسْلِمِ فُسوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ)) متفقٌ عليه.
* قوله رقيق: ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)):
(ن): (السب): الشتم والتكلم في غير عرض الإنسان بما يعيبه،
و((الفسق)) في اللغة: الخروج عن الطاعة، فسبُّ المسلم بغير حق حرامٌ
بإجماع الأمة، وفاعله فاسق كما أخبر به وَل ـ
وأما قتاله بغير حق؛ فلا يكفر به عند أهل الحق كُفراً يَخرج به عن
الملة إلا إذا استحلَّه، فإذا تقرَّر هذا؛ ففي تأويل هذا الحديث أقوال:
أحدها: أنه من المستحل.
والثاني: أن المراد كفر الإحسان، أو النعمة، أو أخوة الإسلام،
لا كفر الجحود.
الثالث: أنه يؤول إلى الكفر بشؤمه.
والرابع: أنه كفعل الكفار، ثم إن الظاهر من قتاله المقاتلة المعروفة.
قال القاضي: ويجوز أن يكون المراد المشادَّةَ والمدافعةَ(١).
(ك): ((سباب)): يحتمل أن يكون على أصل باب المفاعلة، وأن
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٥٤).
٢٩٦
يكون بمعنى السب؛ أي: الشتم، وهو مضاف إلى المفعول.
فإن قلت: السباب والقتال كلاهما سواء في أن فاعلهما يفسق ولا
يكفر، فلمّ قال في الأول: فسوق، وفي الثاني: كفر؟
قلت: لأن الثاني أغلظ، أو لأنه بأخلاق الكفار أشبه(١).
(ط): معنى الحديث راجع إلى قوله بَّهُ: ((المُسلِمُ مَنْ سَلِمَ
المُسلِمُونَ مِن لسَانِهِ وَيدِهِ))(٢)، وقد تقرر أن المراد بالمسلم هنا الكامل في
الإيمان، المؤدي لحقوقه بحسب استطاعته، فالنسبة إلى الكفر في الحديث
إشارةٌ إلى نقصان إيمانه تغليظاً(٣).
(حس): فيه دليل على المرجئة الذين لا يرون الطاعة من الإيمان،
ويقولون: إن الإيمان لا يزيد بالطاعة ولا ينقص بالمعصية، فإنه وَلّ أشار
بقوله: ((قتاله كفر)) إلى أن ترك القتال من الإيمان، وأن فعله ينقص
الإيمان (٤).
١٥٦٠ - وعَنْ أَبِي ذَرِّ ◌َ﴿ه: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِوَهُ يقولُ:
(لاَ يَرْمي رَجُلٌ رَجُلاً بِالفِسْقِ أَوِ الكُفْرِ، إِلَّ ارتَدَّتْ عَلَيْهِ، إِنْ لَمْ
يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ)) رواهُ البخاريُّ.
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ١٨٩).
(٢) رواه البخاري (١٠)، من حديث عبدالله بن عمر و چئا.
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١١٢).
(٤) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١٣ / ١٢٩).
٢٩٧
• قوله : ((إلا ارتدت عليه)):
(ط): لا بد للرجوع والعود من الثني، فإذا قال القائل لصاحبه:
يا كافر؛ فإن صدَق؛ رجع إليه كلمة الكفر الصادر عنه مقتضاها، وإن كذب
واعتقد بطلان دين الإسلام؛ رجعت هذه الكلمة الصادرة إلى القائل(١).
(ن): هذا الحديث مما عدَّه بعض العلماء من المشكلات من حيث
إن ظاهره غيرُ مراد، وذلك أن مذهب أهل الحق أنه لا يكفر المسلم
بالمعاصي؛ كالقتل والزنا، وكذا قوله لأخيه: كافر من غير اعتقاد بطلان
دين الإسلام.
فقيل : في تأويل الحدیث أوجه:
أحدها: أنه محمول على المستحل لذلك.
والثاني : رجعت عليه نقيصتُهُ لأخيه، ومعصيةُ تكفيره.
والثالث: أنه محمول على الخوارج المُكفِّرين للمؤمنين، وهذا
ضعيف؛ لأن المذهبَ الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون: أن الخوارج
کسائر أهل البدع لا يكفرون.
والرابع: أنه يؤول إلى الكفر، وذلك أن المعاصي كما قالوا: بريد
الكفر، ويخاف على المكثر منها أن تكون عاقبةُ شؤمها المصيرَ إلى
الكفر .
والخامس: معناه فقد رجع عليه تكفيرهُ، فليس الراجعُ عليه حقيقةً
الكفر، بل التكفيرُ؛ لكونه جعل أخاه المؤمن كافراً، فكأنه كفَّر نفسه؛ إما
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١١٣).
٢٩٨
لأنه كفَّر مَن هو مثله، وإما لأنه كفَّر مَن لا يُكفِّره إلا كافر يعتقد بطلان دين
الإسلام(١).
١٥٦١ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَظُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَِّ قَالَ:
(المُتَسَابَانِ مَا قَالا فَعَلَى البَادِي مِنْهُمَا حَتَّى يَعْتَدِيَ المَظْلُومُ)) رواه
مسلمٌ .
* قوله يقال : ((ما قالا فعلى البادئ»:
(ق): ((المستبان)) تثنية مستب، من السبِّ: وهو الشتم والذم، وهو
مرفوع بالابتداء، و((ما)) موصولة، وهي في موضع رفع بالابتداء أيضاً،
وصلتها ((قالا))، ((فعلى البادئ)) خبر (ما)، ودخلت الفاء على الخبر؛ لما
تضمنه الاسم الموصول من معنى الشرط، نحو قوله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ
اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، و(ما) وخبرها خبر المبتدأ الأول الذي هو (المستبان).
ومعنى الكلام: أن المبتدئ بالسب هو المختص بإثم السب؛ لأنه
ظالم به؛ إذ هو مبتدئ والثاني منتصر، فلا إثم عليه ولا جناح؛ لقوله
تعالى: ﴿ وَلَمَنِ أُنْتَصَرَ بَعْدَ تُظُلْمِهِ، فَأُوْلَكَ مَا عَلَيْهِم مِّنِ سَمِيلٍ ﴾ [الشورى: ٤١]، لكن
السبَّ المنتصرَ به وإن كان مباحاً، فعليه إثمٌ من حيث هو سبٌّ، لكنه عائد
إلى الجاني الأول، لأنه أحوجَ المنتصرَ إليه، وتسبَّبَ فيه، فيرجعُ إثمُهُ عليه
ويَسلمُ المنتصرُ ما لم يكن منه عدوان إلى ما لا يجوز، إما بزيادة سبِّ آخرَ،
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٥٠).
٢٩٩
أو بتكرار مثل ذلك السبِّ، وما ذكرناه من جواز الانتصار إنما هو فيما إذا
لم يكن القول كذباً أو بهتاناً، فلا يجوز أن يتكلم بذلك لا ابتداء ولا
قصاصاً، وكذا لو كان قذفاً، فلو ردّه؛ كان كلُّ واحد منهما قاذفاً للآخر،
وكذلك لو سبَّ المبتدئ أبا المسبوب أو جدَّه؛ لم يجز له أن يردّ ذلك؛
لأنه سبٌّ لمن لم يَجْن عليه، فيكون الردُّ عدواناً لا قصاصاً.
قال بعض علمائنا: إنما يجوز الانتصار فيما إذا كان السبُّ مما يجوز
سبُّ المرء به عند التأديب، كالأحمق، والجاهل، والظالم؛ لأن أحداً لا
يَنفك عن بعض هذه الصفات إلا الأنبياء والأولياء، فهذا إذا كافأه بسبِّهِ؛
فلا حرج عليه ولا إثم .
* تنبيه: ظاهرُ قوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ اُنْتَصَرَ بَعْدَ نُظُلْمِهِ، فَأُوْلَكَ مَا عَلَهِم مِّن
سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] أنَّ الانتصار مباحٌ، وعليه يدل هذا الحديث، لكن قوله
تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْىُ هُمْ يَنْنَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩] مدحٌ من الله للمنتصر،
والمباح [لا يمدح] عليه، واختلف العلماء في ذلك:
فقال السدي: إنما مدح الله مَن انتصر ممن بُغي عليه من غير زيادة
على مقدار ما فُعل به؛ يعني إذا اتقى اللهَ في انتصاره ولم يَفعل ما كانت
الجاهلية عليه من الزيادة .
وقال غيره: إنما مدح الله مَن انتصر من الظالم الباغي المُعلن بظلمه،
الذي يعمُّ ضرره، فالانتقام منه أفضل، والانتصار عليه أولى، قال معناه
إبراهيم النخعي .
ولا خفاء في أن العفوَ عن الجناة، وإسقاطَ المطالبة عنهم بالحقوق،
مندوبٌ إليه، مُرغَّبٌ فيه على الجملة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ
٣٠٠