Indexed OCR Text

Pages 241-260

والإخلاص: استواء الغيب والشهادة، واللسان والقلب، والاختلاف
والتفاوت في شيء من ذلك مماذقة في المودة، وهو دَخَل في الدين،
ووليجة في طريق المؤمنين.
ومن لا يقدر من نفسه على هذا؛ فالانقطاع والعزلة أولى به من
المؤاخاة والمصاحبة؛ فإن حق الصحبة ثقيل لا يطيقه إلا محقق، فلا جرم
أجره جزيل لا يناله إلا موفّق(١).
(١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٢ / ١٨١).
٢٤١

٢٤٨- باب
بيانِ ما يُباحُ من الغيبةِ
اعْلَمْ: أَنَّ الغَيبَةَ تُبَاحُ لِغَرَضٍ صَحيحٍ شَرْعِيٍّ لاَ يُمْكِنُ الوُصُولُ
إِلَيْهِ إِلاَّ بِهَا، وهُوَ ستَّةُ أَسْبَابٍ :
الأَوَّلُ: النَّظَلُّمُ، فَيَجُوزُ للْمَظْلُومِ أَنْ يَتَظَلَّمَ إِلى السُّلْطَانِ،
وَالقَاضِي، وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ لَهُ وِلاَيَةٌ، أَوْ قُدْرَةٌ عَلى إِنْصَافِهِ مِنْ
ظَالِمِهِ، فَيَقُوْلُ: ظَلَمَنِي فُلانٌ بِكَذا.
الثّاني: الاسْتِعَانَةُ عَلَى تَغْيِيرِ المُنْكَرِ، وَرَدِّ العاصي إِلى
الصَّوَابِ، فَيَقُولُ لِمَنْ يَرْجُو قُدْرَتَهُ عَلَى إزالةِ المُنْكَرِ: فُلانٌ يَعْمَلُ
كَذَا، فازْجُرْهُ عنهُ، ونَحْوَ ذَلِكَ، وَيَكُونُ مَقْصُودُهُ التَّوَصُّلَ إِلَى إِزَالَةٍ
المُنْكَرِ، فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ، كَانَ حَرَاماً.
الثَّالِثُ: الاسْتِفْتَاءُ، فَيَقُولُ لِلْمُفْتِي: ظَلمني أَبِي، أَوْ أَخِي، أَوْ
زَوْجِي، أَوْ فُلانٌ بِكَذا، فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ وَمَا طَرِيقي في الخلاَصِ مِنْهُ،
وَتَحْصِيلٍ حَقِّي، وَدَفْعِ الظُّلْمِ؟ ونَحْوَ ذَلِكَ، فَهَذَا جَائِزٌ لِلْحَاجَةِ،
ولكِنَّ الأَحْوَطَ والأَفْضَلَ أَنْ يَقُولَ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ، أَوْ شَخْصٍ،
٢٤٢

أَوْ زَوْجٍ، كَانَ مِنْ أَمْرِهِ كَذَا؟ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الغَرَضُ مِنْ غَيْرِ تَعْبِينٍ،
وَمَعَ ذَلِكَ، فَالثَّعْيِنُ جَائِزٌ؛ كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي حَديثِ هِنْدٍ إِنْ شَاءَ الله
تعالی.
الرَّابعُ: تَحْذِيرُ المُسْلِمِينَ مِنَ الشَّرِّ، وَنَصِيحَتُهُمْ، وذلِكَ مِنْ
وُجُوهٍ :
منها: جَرْعُ المَجْرُوحِينَ مِنَ الرُّوَاةِ والشُّهُودِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ
بِإِجْمَاعِ المُسْلِمِينَ، بَلْ واجِبٌ لِلْحَاجَةِ.
ومنها: المُشَاوَرَةُ في مُصاهَرَةٍ إِنْسَانٍ، أَوْ مُشَارَكَتِهِ، أَوْ إِيدَاعِهِ،
أَوْ مُعَامَلَتِهِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، أَوْ مُجَاوَرَتِهِ، وَيَجِبُ عَلَى المُشَاوَرِ أَنْ لاَ
يُخْفِيَ حَالَهُ، بَلْ يَذْكُرُ المَسَاوِىءَ الَّتِي فِيهِ بِنِيَّةِ النَّصِيحَةِ.
ومنها: إِذَا رَأَى مُتَفَقِّهاً يَتَرَدَّهُ إِلَى مُبْتَدِعٍ، أَوْ فَاسِقٍ يَأْخُذُ عَنْهُ
العِلْمَ، وخَافَ أَنْ يَتَضَزَّرَ المُتَفَقِّهُ بِذَلِكَ، فَعَلَيْهِ نَصيحَتُهُ بِيَانِ
حَالِهِ، بِشَرْطِ أَنْ يَقْصِدَ النَّصِيحَةَ، وهَذَا مِمَّا يُغْلَطُ فِيهِ. وَقَدْ يَحْمِلُ
المُتَكَلِّمَ بِذَلِكَ الحَسَدُ، ويُلَبِّسُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَيُخَيِّلُ إِلَيْهِ
أَنَّهُ نَصِيحَةٌ، فَلْيُتَفَطَّنْ لِذَلِكَ.
ومنها: أَنْ يَكُونَ لَهُ وِلاَيَّةٌ لاَ يَقُومُ بِهَا عَلَى وَجْهِهَا: إِمَّا بِأَنْ
لاَ يكونَ صالِحاً، وَإِمَّا بِأَنْ يَكُونَ فاسِقاً، أَوْ مُغَفَّلاً، ونَحْوَ ذَلِكَ،
فَيَجِبُ ذِكْرُ ذَلِكَ لِمَنْ لَهُ عَلَيْهِ وِلايَةٌ عامَّةٌ؛ ليُزِيلَهُ، وَيُوَلَّيَ مَنْ
٢٤٣

يَصْلُحُ، أَوْ يَعْلَمَ ذَلِكَ مِنْهُ؛ لِيُعَامِلَهُ بِمُقْتَضَى حالِهِ، ولا يَغْتَرَّ بِهِ،
وَأَنْ يَسْعَى فِي أَنْ يَكُثَّهُ عَلَى الاسْتِقَامَةِ، أَوْ يَسْتَبْدِلَ بِهِ.
الخَامسُ: أَنْ يَكُونَ مُجَاهِراً بِفِسْقِهِ، أَوْ بِدْعَتِهِ؛ كالمُجَاهِرِ
بِشُرْبِ الخَمْرِ، ومُصَادَرَةِ النَّاسِ، وأَخْذِ المَكْسِ؛ وجِبَايَةِ الأَمْوَالِ
ظُلْماً، وتَوَلِّي الأُمُورِ الباطِلَةِ، فَيَجُوزُ ذِكْرُهُ بِمَا يُجَاهِرُ بِهِ، وَيَحْرُمُ
ذِكْرُهُ بِغَيْرِهِ مِنَ العُيُوبِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ لِجَوازِهِ سَبَبٌ آخَرُ مِمَّا ذَكَرْنَهُ.
السَّادِسُ: التَّعْرِيفُ، فَإِذا كَانَ الإنْسَانُ مَعْروفاً بِلَقَبٍ؛
كالأَعْمَشِ والأَعْرَجِ، والأَصَمِّ، والأَعْمَى؛ والأَحْوَلِ، وَغَيْرِهِمْ،
جَازَ تَعْرِيفُهُمْ بِذَلِكَ؛ وَيَحْرُمُ إِطْلاَقُه عَلَى جِهَةِ الََّقُّصِ؛ ولَوْ
أَمْكَنَ تَعرِيفُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ، كانَ أَوْلَی.
فهذه سِتَّةُ أسباب ذكَرَهَا العلماءُ، وأَكْثَرُها مُجَمَعٌ عَلَيْهِ.
(باب ما يباح من الغيبة)
ذكر المؤلف أنها تباح لستة أسباب، وقد جمعها الشيخ الإمام مجد
الدين الفيروزي آبادي في بيت، فقال:
إلاَّ لِسِنَّةُ أَحْوَالٍ كَمَا سَتَرَى
لم تُسْتَبَحْ غِيبَةٌ فِي حَالَةٍ أَبَداً
إِزَالَةِ الظُّلْمِ وانْصَحْ وَاحْكِ مَا ظَهَرا
اسْتَفْتِ عَرِّفْ تَظَلَّمْ تَسْتَعِينُ عَلى
٢٤٤

٢٤٩ - يا
تحريم النميمةِ
وهي نقلُ الكلامِ بينَ الناسِ على جهةِ الإفسادِ
، قال الله تعالى: ﴿هَمَّاٍ قَّشَآٍَ بِنَمِيمٍ﴾[ن: ١١].
* وقال تعالى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ق: ١٨].
(الباب التاسع والأربعون بعد المئة)
(في تحريم النميمة)
وهي نقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد.
(غب): (النم): إظهار الحديث بالوشاية، وأصل النميمة الهمس،
والحركة الخفية .
ومنه: أسكَتَ اللهُ نَامَتَه؛ أي: ما يَنُمُّ عليه من حركة، والنَّمَّام: نَبَّت
تنمُ علیه رائحته(١).
* قوله تعالى: ﴿هَمَّازٍ مَّشَآٍَ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١]: قال ابن عباس وقتادة:
يعني بالهمز الاغتياب.
(١) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٥٠٦).
٢٤٥

﴿مَّشَآءٍ بِنَمِيمٍ﴾؛ يعني: الذي يمشي بين الناس، ويحرش بينهم،
وينقل الحديث لفساد ذات البين.
وفي ((مسند الإمام أحمد)) عن أسماء بنت يزيد بن السَّكَن أن النبي وَيه
قال: ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخِيَارِكُمْ؟)) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((الَّذِينَ إِذَا
رُؤُوا؛ ذُكِرَ اللهُ وَ))، ثم قال: ((أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِشِرَارِكُمْ؟ المَشَّاؤُونَ بِالنَّمِيمَةِ،
المُفْسِدُونَ بينَ الأَحِبَّةِ، البَاغُونَ لِلِبُرَّاءِ العَنَتَ)) (١).
* قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ﴾ [ق: ١٨]: سبق في (الباب
السابع والأربعين بعد المئة).
١٥٣٦ - وعَنْ حُذَيْفَةً عَظَهَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ: ((لاَ يَدْخُلُ
الجَنَّةَ نَمَّامٌ)) متفقٌ عليه.
* قوله ميمي: ((لا يدخل الجنة نمام)):
(ن): في رواية: (قَتَّات) بفتح القاف وتشديد التاء المثناة من فوق،
يقال: نم الحديث يِنِقُّه ينُقُّه بكسر النون، وضمها نما والرجل نمَّام، وَقَتَّه
يَقُتُّه بضم القاف قتّاً، وهما بمعنىّ(٢).
(نه): قتَّ الحديثَ: إذا زوَّره وهيََّه وسَوّاه.
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٤ / ٨٩)، والحديث رواه الإمام أحمد في ((المسند))
(٤٥٩/٦). وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (١٨٦١).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١١٢).
٢٤٦

وقيل: النمام: هو الذي يكون مع القوم يتحدثون، فينم عليهم.
والقتات: هو الذي يتسمع على القوم، وهم لا يعلمون، ثم ينم(١).
(ن): وفي هذا الحديث التأويلان المتقدمان في نظائره:
أحدهما: يُحمل على المستحِلِّ بغير تأويل مع العلم بالتحريم.
[والثاني: لا يدخلُها دخولَ الفائزين] (٢).
قال الإمام أبو حامد الغزالي: اعلم أن النميمة إنما تطلق في الأكثر
على من ينم قولَ الغير إلى المقولِ فيه، كما يقول: فلان يتكلم فيك بكذا،
قال: وليست النميمة مخصوصة بهذا، بل حدُّ النميمة كشفُ ما يُكرَه كشفُه
سواءٌ كرهه المنقول إليه، أو المنقول عنه، أو ثالث، وسواء كان الكشف
بالكتابة، أو بالرمز، أو بالإيماء.
فحقيقة النميمة: إفشاء السر، وهَتْكُ السِّتر عما يُكره كشفُه، ولو رآه
يخفي مالاً لنفسه، فذكره فهو نميمة.
قال: وكُلُّ مَن حُمِلتْ إليه نميمةٌ، وقيل له: فلان يقول فيك كذا،
فعليه ستة [أمور]:
الأول: أن لا يصدِّقَه؛ لأن النمام فاسق.
الثاني: أن ينهاه عن ذلك، وينصحَه، ويُقَبِّح له فعله.
الثالث: أن يُبْغِضَه في الله تعالى؛ فإنه بغيض عند الله، ويجب بغضُ
من أبغضه الله.
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ١١).
(٢) ما بين معكوفتين من ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١١٣).
٢٤٧

الرابع: أن لا يظن بأخيه الغائبِ السوءَ.
الخامس: أن لا يحمله ما حكي له على التجسُّس، والبحث عن ذلك.
السادس: أن لا يرضى لنفسه ما نهى النمامَ عنه، فلا یحکيَ نمیمته،
فيقول: فلان يحكي كذا، فيصيرَ به نماماً، ويكون آتياً ما نهى عنه. هذا
كلام الغزالي.
وكل هذا المذكور في النميمة إن لم يكن فيها مصلحة شرعية، فإن
دعت حاجة إليها؛ فلا منع منها، وذلك كما إذا أخبره بأن إنساناً يريد الفتك
به أو بأهله، أو بماله، أو أخبر الإمام، أو من له ولاية بأن إنساناً يسعى بما
فيه فتنة، ويجب على صاحب الولاية الكشف عن ذلك بإزالته.
فكل هذا، وما أشبهه ليس بحرام، وقد يكون بعضه واجباً، وبعضه
مستحباً على حسب المواطن، انتهى(١).
قال الغزالي: النميمة مبنية على الكذب، والحسد، والنفاق، وهي
أثافي الذل، فينبغي أن يبغض النمام، ولا يوثق به وبصداقته(٢).
وحكي أن حكيماً زاره [بعض إخوانه]، فأخبره عن غيره بخبر،
فقال: أبطأت زيارتي، ثم أتيتني بثلاث جنايات بغَّضتَ إليَّ أخي، وشغلْتَ
قلبي الفارغ، واتَّهمتَ نفسَك الأمينة(٣).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١١٣).
(٢) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٣/ ١٥٨).
(٣) المرجع السابق (٣ / ١٥٦).
٢٤٨

١٥٣٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ عَ﴿﴾: أَنَّ رَسُولَ الله ◌َّهُ مَزَّ بِقَبِرَيْنِ،
فقال: ((إِنَّهُمَا يُعَذَّبانِ، وما يُعَذَّبانِ فِي كَبِيرٍ! بَلَى إِنَّهُ كَبِيرٌ: أَمَّا
أَحَدُهمَا، فَكَانَ يَمْشِي بِالَّمِيمَةِ، وَأَمَّا الآخَرُ، فَكَانَ لاَ يَسْتَتِرُ مِنْ
بَوْلِهِ» متفقٌ عليه، وهذا لفظُ إِحدى رواياتِ البخاريِّ.
قالَ العُلَمَاءُ: مَعْنَى: ((وَمَا يُعَذَّبَانِ في کبیرٍ))؛ أي: کبیرٍ في
زَعْمِهِما، وقيلَ: كَبِيرٌ تَرْكُهُ عَلَيهِما.
* قوله يف: ((وما يعذبان في كبير)):
قال ابن بطال: يعني عندكم، وهو كبير عند الله كقوله تعالى:
﴿وَحْسَبُونَهُ هَيِّنَا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥].
(حس): يعني لا يُعذَّبان في أمر كان يَكْبُر، ويشُقُّ عليهما الاحترازُ
منه؛ إذ لا يشق الاستتار من البول، وترك النميمة، ولم يُرِدْ أنهما غيرُ كبيرٍ
في أمر الدين(١).
(ن): أي: ليس بكبير في زعمهما، أو ليس بكبير عليهما.
وذكر القاضي عياض تأويلاً ثالثاً؛ أي: ليس بأكبر الكبائر.
قلت: فعلى هذا يكون المراد بهذا الزجر والتحذير لغيرهما؛ أي:
لا يتوهم أحد أن التعذيب لا يكون إلا في أكبر الكبائر، والموبقات، فإنه
يكون في غيرهما(٢).
(١) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١ / ٣٧١).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ٢٠١).
٢٤٩

(نه): وکیف لا یکون کبیرة، وإنهما يعذبان فیه، انتھی(١).
* وقوله وَيهى: ((بلى إنه كبير))، وفي رواية للبخاري: ((وَإِنَّه لَكَبِيرٌ))(٢)
مزيل لجميع الإشكال.
(ن): ((لا یستتر) فیه ثلاث روايات: یستتر بتائین مثنّاتین، و(یستنزه)
بالزاي والهاء، و(يستبرئ) بالباء الموحدة والهمزة بعد الواو، وهذه الثالثة
في ((البخاري))(٣) وغيره، وكلُّها صحيحة.
ومعناه: لا يجتنبه، ولا يحترز منه.
وسبب كونهما كبيرين أن عدم التنزُّه من البول يلزم منه بطلان الصلاة،
وتركها كبيرة بلا شك، والمشي بالنميمة والسعي بالفساد من أقبح القبائح،
لا سيما مع قوله ◌َّقر: ((كان يمشي»، بلفظ (كان) التي [هي] للحالة المستمرة
غالباً، والله أعلم.
وفي هذا الحديث إثبات عذاب القبر، وهو مذهب أهل الحق خلافاً
للمعتزلة، وفيه نجاسة الأبوال؛ للرواية الثانية: ((لاَ يَستَنْزِهُ))، وفيه غلظ
تحريم النميمة (٤)
(ق): وفيه دليل على أن القليل من سائر النجاسة نجس، وهو مذهب
مالك، ولم يتحققوا في شيء من ذلك إلا في دم الحيض خاصة، واختلف
أصحابنا في مقدار اليسير، فقيل: هو قدر الدرهم، وقيل: قدر الخنصر،
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ١٤٢).
(٢) رواه البخاري (٥٧٠٨).
(٣) هي رواية ابن عساكر، انظر: ((صحيح البخاري - اليونينية)) (١ / ٥٤).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ٢٠٢).
٢٥٠

وجعل أبو حنيفة قدرَ الدرهم من كل نجاسة معفواً عنه، قياساً على
المخرجين.
وقال الثوري: كانوا يرخِّصون في القليل من البول، وفيه أن إزالة
النجاسة واجبة، وقد ورد في الحديث: ((استَنزِهُوا منَ البَولِ، فإِنَّ عامَّةً
عَذَابِ القَبرِ منهُ)(١).
وقد حمل الشافعيُّ البولَ على العموم، وتمسّك به في نجاسة جميع
الأبوال وإن كان بول ما يؤكل لحمه، ولمالك وأصحابه أدلة مذكورة في
کتبهم(٢).
(حس): وفيه دليل على أنه يستحب قراءة القرآن عند القبور؛ لأنها
أعظم من كل شيء بركة وثواباً، انتهى(٣).
دليلهم آخر هذا الحديث: ثم أخذ جريدةً رطبةً فشقَّها بنصفين، ثم
غرز في كل قبر واحدة وقال: ((لعلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُما ما لَم يَيْبَسا))(٤).
(ن): قال العلماء: هو محمول على أنه وجهلل سأل الشفاعة لهما،
فأجيبت شفاعته بالتخفيف عنهما إلى أن ييبسا.
وقد ذكر مسلم رحمه الله في آخر الكتاب في الحديث الطويل؛
حديث جابر في صاحبي القبرين: ((فأُجِيبَتْ شَفَاعَتِي أَنْ يُرفعَ ذلكَ عَنُهما ما
(١) رواه الدارقطني في ((سننه)) (١ / ١٢٨). وهو حديث صحيح لغيره. انظر: ((صحيح
الترغيب والترهيب)» (١٥٨).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٥٥٢).
(٣) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١ / ٣٧٢).
(٤) رواه البخاري (٢١٥)، من حديث ابن عباس ◌ِّ
٢٥١

دامَ القَضِيبانِ رطبين))(١).
وقيل: يحتمل أنه ﴿ ﴿ كان يدعو لهما تلك المدة.
وقيل: لكونهما يسبحان ما دام رطبين وليس لليابس تسبيح، وهذا مذهب
أكثر المفسرين، قالوا في قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبْحُ بِدِهِ ﴾ [الإسراء: ٤٤]
معناه: إن من شيء حيٍّ، ثم [قالوا]: حياةُ كل شيء بحَسَبه، فحياة الخشب ما
لم بيبس، وحياة الحجر ما لم يقطع، وذهب المحققون [من المفسرين وغيرهم
إلى أنه على عمومه، ثم اختلف هؤلاء هل](٢) يسبح حقيقة أم فيه دلالة على
الصانع، فيكون مسبحاً منزِّهاً بصورة حاله؟
والمحققون على أنه يسبح حقيقة، وإذا كان العقل لا يُحيل جعل
التمییز فيها وجاء النص به؛ وجب المصیر إليه.
واستحبَّ العلماءُ قراءة القرآن عند القبر لهذا الحديث؛ لأنه إذا كان
يُرجى التخفيفُ لتسبيح الجريد، فتلاوة القرآن أولى.
وقد ذكر البخاري في ((صحيحه)): أن بريدة بن الحُصَيب الصحابي
أوصى أن يُجعل في قبره جريدتان(٣)، ففيه أنه ظُه تبرَّك بفعل مثل فعل
النبي ◌َّ، وقد أنكره الخطابي(٤).
(خط): ((لعله يخفف)) ذلك من ناحية التبرك بأثر النبي ◌َّر، ودعائه
بالتخفيف عنهما، فكأنه سير جعل مدة بقاء النداوة فيهما حداً لما وقعت به
(١) رواه مسلم (٣٠١٢).
(٢) ما بين معكوفتين من ((شرح مسلم) للنووي (٣/ ٢٠٢).
(٣) انظر: ((صحيح البخاري)) (١ / ٤٥٧).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ٢٠٢).
٢٥٢

المسألة من تخفيف العذاب عنهما، وليس ذلك من أجل أن في الجريد
الرطب معنى ليس في اليابس، [والعامة في كثير من البلدان
تفرش](١) الخوص في قبور موتاهم، وأراهم ذهبوا إلى هذا، وليس لما
تعاطوه من ذلك وجهٌ ألبتة، انتهى(٢).
روى الطبراني عن جابر ظُه قال: مرَّ نبي الله وَُّ على قبور [نساء]
من بني النجار هلكوا في الجاهلية، فسمعهم يعذَّبون في البول والنميمة(٣).
ثم قال أبو موسى المديني: هذا حديث حسن وإن كان إسناده ليس
بالقوي؛ لأنهما لو كانا مسلمين؛ لما كان لشفاعته لهما إلى أن ييبسا معنى،
لكنه لمَّا رآهما يُعذَّبان؛ لم يستجز من عطفه ولطفه أن يحرمَهما من ذلك،
فشفع لهما إلى المدة المذكورة.
(١) ما بين معكوفتين من ((معالم السنن)) للخطابي (١ / ٢٠).
(٢) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (١ / ١٩).
(٣) رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٤٦٢٨)، ولم يذكر البول. وهو حديث منكر
بذكر النساء والنميمة. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٦٩٤٦). وقد نبه الألباني رحمه الله
إلى سقوط لفظة ((نساء)) وزيادة لفظة ((البول)) في (الفتح)) قال: ((فلا أدري أهو سهو
منه (يعني: من ابن حجر)، أم من أبي موسى المديني الذي نقله عنه، أم هي رواية
وقعت له، ولکنه لم یذکر من خرجها».
قلنا: وعلى هذا تكون النكارة بذكر النساء والبول والنميمة، وأما الرواية الصحيحة
فقد خرجها من حديث جابر مسلم (٢٨٦٧)، والإمام أحمد في ((المسند)) (١٤١٥٢)،
ولفظ أحمد: ((دخل النبي ◌َّ يوماً نخلاً لبني النجار، فسمع أصوات رجال من بني
النجار ماتوا في الجاهلية يعذبون في قبورهم، فخرج النبي سيّ فزعاً، فأمر أصحابه
أن يتعوذوا من عذاب القبر. وانظر: ((السلسلة الصحيحة)) (١ / ٢٤٢).
٢٥٣

١٥٣٨ - وعَنِ ابنِ مَسْعُودٍ ﴿: أَنَّ النبيَّ ◌َلْ قَالَ: ((أَلَا أُنَُكُمْ
ما العَضْهُ؟ هِيَ النَّمِيمَةُ، القَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ)) رواه مسلمٌ.
((العَضْهُ)): بفَتْح العينِ المُهْمَلَةِ، وإِسْكَانِ الضَّادِ المُعْجَمَةِ،
وبالهاءِ على وزنِ الوجهِ، ورُوي: ((العِضَةُ)) بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الضَّادِ
المُعْجَمَةِ عَلى وَزْنِ العِدَةِ، وهِيَ: الكَذِبُ، والبُهْتَانُ، وعَلى الرِّواية
الأولى: العَضْهُ مصدرٌ، يقال: عَضَهَهُ عَضْهاً؛ أَيْ: رَماهُ بِالعَضْهِ.
* قوله تعالى: ((العضه)): القالة بين الناس.
(ن): ((العضه)) على الوجهين:
أحدهما: بكسر العين وفتح الضاد المعجمة، على وزن العِدَة والزِّنِةِ.
والثاني: (العضه) بفتح العين وإسكان الضاد، على وزن الوَجْه.
وهذا الثاني هو الأشهر في روايات بلادنا، والأشهر في كتب الحديث
وغريبه، والأول أشهر في كتب اللغة.
ونقل القاضي أنه رواية أكثر شيوخهم، تقديرُ الحديث - والله أعلم -:
ألا أُنبئكم ما العضه الفاحش الغليظ التحريم(١)؟
(ق): قرأته بفتح العين وإسكان الضاد وبالهاء، وهو مصدر عضهه
[يعضهه] عضهاً: إذا رماه بكذب وبهتان، وروي بكسر العين والتاء
المنقلبة في الوقف هاء، وهو أصوب؛ لأن العضه: اسم والنميمة اسم،
فصح تفسير الاسم بالاسم، والعضه مصدرُه، ولا يحسن تفسير المصدر
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٥٩).
٢٥٤

بالاسم، فالرواية الثانية [أولى].
قال الكسائي: العضه: الكذب والبهتان، وجمعها عضون، مثل عزةٍ
وعزين، فقد تبين بهذا أنها اسم، وفسر [ر3َّ] العضه بالنميمة؛ لأن النميمة
لا تنفك عن الكذب والبهتان غالباً(١).
(نه): ((القالة بين الناس))؛ أي: كثرة القول وإيقاع الخصومة بين
الناس بما يحكى للبعض عن البعض (٢).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٩٠).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ١٢٣).
٢٥٥

٣٥٠- باب
النهيِ عَنْ نَقْلِ الحديثِ وكلامِ الناسِ
إِلى ولاة الأمورِ إِذا لم تدعُ إليهِ حاجةٌ؛
كَخَوفٍ مفسدةٍ ونحوها
* قال الله تعالى: ﴿وَلَ نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَاُلْعُدْوَنِ﴾ [المائدة: ٢].
* وفي الباب الأحاديثُ السابقةُ في الباب قبلَهُ.
(الباب الخمسون بعد المئة)
(في النهي عن نقل الحديث وكلام الناس إلى ولاة الأمور)
* قوله تعالى: ﴿وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدّوَنِ﴾ [المائدة: ٢]، نهى عبادَه
عن التناصرِ على الباطل، والتعاونٍ على المآثم والمحارم.
قال ابن جرير: ﴿اَلْإِثْمِ﴾: ترك ما أمر الله بفعله، ﴿وَالْعُدْوَنِ﴾: مجاوزة
ما حدَّ الله في دينكم، وفرض عليكم في أنفسكم وفي غيركم(١).
روى الطبراني من حديث أوس بن شرحبيل: أن رسول الله وَالله قال:
(مَنْ مَشَى مِعَ ظَالِمٍ لِيُعينَهُ وهُو يَعلَمُ أَنَّهُ ظَالِمٌ؛ فقَدْ خَرِجَ منَ الإِسلام)) (٢).
(١) انظر: ((تفسير الطبري)) (٦ / ٦٦).
(٢) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٦١٩). وهو حديث ضعيف جدًّا. انظر : =
٢٥٦

١٥٣٩ - وعنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿ُهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِّى:
((لا يَُلِّغْنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي عَنْ أَحَدٍ شَيْئاً؛ فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ
إِلَيْكُم وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْر)) رواهُ أبو داودَ، والترمذيُّ.
* قوله وَلجر: ((شيئاً)، عامٌّ في الأقوال والأفعال مما يكرههُ ويُورِث
الغشَّ في صدره - صلوات الله عليه - من أحد من أصحابه؛ لقوله: ((إنِّي
أَخرُجُ إِليكُم وأنا سَلِيمُ الصَّدرِ)).
= ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (١٣٦٢).
٢٥٧

٢٥١- باب
ذَمِّ ذِي الوجهینِ
: قال الله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اَللَّهِ
وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّئُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾
[النساء: ١٠٨].
(الباب الحادي والخمسون بعد المئة)
(في ذم ذي الوجهين)
* قوله تعالى: ﴿ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾
[النساء: ١٠٨]، هذا إنكارٌ على المنافقين في كونهم يَستَخفُونَ بقبائِحهم من
الناس؛ لئلا ينكروا عليهم، ويُجاهِرون الله وهو مطَّلِعٌ على سرائرهم، انتهى(١).
ووجه مناسبة الآية لترجمة الباب: أن أخلاقَ المنافقين وأفعالَهم الملعونةَ
مذمومةٌ، وذو الوجهين أيضاً يَستخفي من الناس ولا يَستخفي من الله.
١٥٤٠ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّن :
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٤ / ٢٦٥).
٢٥٨

((تَجِدُونَ النَّاسَ مَعادِنَ: خِيَارُهُمْ في الجَاهِلِيَّةِ خِيارُهُمْ فِي الإِسْلامِ
إِذَا فَقُهُوا، وَتَجِدُونَ خِيَارَ النَّاسِ فِي هَذَا الشَّأْنِ أَشَدَّهُمْ لَهُ كَرَاهِيَةً،
وَتَجِدُونَ شَرَّ النَّاسِ ذَا الوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هُؤُلاءٍ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلاءِ
بِوَجْهٍ» متفقٌ عليه.
* قوله ميل: «تجدون الناس معادن)»:
(ق): (المعادن): جمع معدن - بكسر الدال ــ لأنه موضع العَدْن؛ أي:
الإقامة اللازمة، ومنه جنات عدن، وسمي المعدن بذلك؛ لأن الناس يقيمون
فيه صيفاً وشتاء، قاله الجوهري، وهذا مثَل، وجاء في حديث آخر: ((النَّاسُ
مَعادِنٌ كمَعَادِنِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ))(١)، ووجهُ التمثيل: أن المعادن مشتملةٌ على
جواهر مختلفة: النَّفيسِ والخسيسٍ، وكل من المعادن يُخرج ما في أصله،
وكذلك الناس كلٌّ منهم يَظهر عليه ما في أصله؛ فمَن كان ذا شرف وأصل في
الجاهلية فأسلم، لم يزدهُ الإسلامُ إلا شرفاً، فإن تفقَّه في دين الله، فقد وصل
إلى غاية الشرف؛ إذ قد اجتمعت له أسباب الشرف كلها(٢).
(ن): ((فقهوا)) بضم القاف على المشهور، وحكي كسرها؛ أي: صاروا
فقهاء وعلماء. وقوله: ((في هذا الأمر)): قال القاضي: يحتمل أن يُراد به
الإسلام؛ كما كان من عمر بن الخطاب، وخالد بن الوليد، وعمرو بن
العاص، وعكرمة بن أبي جهل، وسُهيل بن عمرو رُّه، وغيرهم من مُسلِمةِ
الفتح، كان يكره الإسلام كراهة شديدة، ثم لمَّا دخل فيه؛ أخلصَهُ وأحبَّهُ
وجاهَدَ فيه حقَّ جهاده، ويحتمل أن يكون المراد بالأمر والشأن هنا الولايات؛
(١) رواه مسلم (٢٦٣٨ / ١٦٠) من حديث أبي هريرة رق ◌ُه.
(٢) انظر: ((المفهم))، للقرطبي (٦ / ٤٧٧).
٢٥٩

لأنه إذا أُعطيها من غير مسألة أعين عليها(١).
(ق): إنما يكون من يكره الولايات من خير الناس إذا كانت كراهتُهُ لها
لعلمه بعظم حقوقها، وصعوبة العدل فيها، ولخوفه مطالبة الله تعالى بالقيام
بذلك كله، ولذلك قال فيها: ((نِعمَتِ المُرْضِعَةُ، وبِئْسَتِ الفَاطِمَةُ)) (٢)، وكفى
بذلك قوله ◌َّهِ: (مَا مِنْ أَميرِ عَشَرَةٍ إِلاَّ يُؤْتَى به يَومَ القِيامَةِ مَغْلُولاً، حتَّى يفُكَّهُ
العَدْلُ أو يُوبِقهُ الجَورُ))(٣)، انتهى(٤).
في بعض الروايات: «تَجِدُونَ من خَيرِ النَّاس أَشدَّهُم کَرَاهِیةً لِهَذَا
الأَمرِ حتَّى يقَعَ فيهِ)(٥).
(ط): ((حتى يقع فيه)) يحتمل وجهين :
أحدهما: أن تكون غاية (تجدون)؛ أي: تجدون خير الناس أشد
كراهة حتى يقع فيه، فحينئذ لا يكون خيرهم.
ثانيهما: أنها غاية (أشد)؛ أي: يكرهه حتى يقع فيه، فحينئذ يعينه الله
تعالى عليه فلا يكرهه، والأول أوجه؛ لقوله: ((يقع فيه))(٦).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ٧٩).
(٢) رواه البخاري (٦٧٢٩) من حديث أبي هريرة ته.
(٣) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٢ / ٤٣١). وهو حديث حسن صحيح. انظر:
((صحيح الترغيب والترهيب)) (٢١٩٨).
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٤٧٨).
(٥) رواه البخاري (٣٣٠٥)، ومسلم (٢٥٢٦) من حديث أبي هريرة ظُه.
(٦) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٥٦٨).
٢٦٠