Indexed OCR Text
Pages 161-180
* قوله {ل : ((لا توافقوا):
(ط): نهىٌّ الدَّاعِي، وعلةٌ للنهي؛ أي: لا تدعوا على أنفسكم وعلى
أولادكم كي لا توافقوا ساعة الإجابة فتندموا.
وقوله: ((فيستجيب)): نصب على أنه جواب للنهي، من قبيل: (لا تدنُ
من الأسد فيأكلَكَ) على مذهب الكسائي، ويحتمل أن يكون مرفوعاً؛ أي:
فهو یستجيب(١).
١٤٩٨ - وعَنْ أَبِي هُرِيرَةَ ◌َُهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ:
((أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ)) رواه
مسلمٌ .
* قوله : ((أقرب ما يكون العبد من ربه))، سبق في (الباب الرابع
والأربعين بعد المئة).
١٤٩٩ - وَعَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا
لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: قَدِ دَعَوْتُ رَبِّي، فَلَمْ يُسْتَجَبْ لي)) متفق عليه.
وفي روايةٍ لِمُسْلمٍ: ((لا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِثمٍ، أَوْ
قَطِيعَةِ رَحِمٍ، مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ))، قِيلَ: يَا رَسُولَ الله! مَا الاسْتِعْجَالُ؟
(١) المرجع السابق (٥ / ١٧٠٧).
١٦١
قَالَ: ((يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ، وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لي،
فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ، وَيَدَعُ الدُّعَاءَ».
* قوله ريقال: ((لا يزال يستجاب للعبد»:
(ق): يعني بالعبد: الصالح لقبول دعائه؛ فإن إجابة الدعاء لا بد لها من
شروط في الداعي، وفي الدعاء، وفي الشيء المدعو به، فمن شرط الداعي:
أن يكون عالماً بأن لا قادر على حاجته إلا الله، وأن الوسائط في قبضته،
ومسخرةٌ بتسخيره، وأن يدعو بنية صادقة وحضور قلب، وأن يكون مجتنباً لأكل
الحرام، وأن لا يملَّ من الدعاء، فيتركَهُ ويقول: قد دعوت فلم يستجب لي.
وشرط المدعو فيه: أن يكون من الأمور الجائزةِ الطَّلبِ والفعلِ
شرعاً؛ كما قال: ((ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم))، ثم الإثم كل ما يأثم به
من الذنوب، ويَدخُلُ في قطيعة الرحم جميعُ حقوق المسلمين ومظالمهم،
و((الرحم)) ضربان: رحم الإسلام، ورحم القرابة.
و((يستحسر)) يعني: يمل، يقال: حسَر البعيرُ يحسِر ويحسُر [حسراً و]
حسوراً: أعيا، وفائدة هذا استدامةُ الدعاء، وتركُ اليأس من الإجابة، ودوامُ
رجائها، واستدامةُ الإلحاح في الدعاء، فإن الله يحب الملحِّين عليه في
الدعاء، وكيف لا والدعاء مُّ العبادة، والقائل: قد دعوتُ فلم يستجب لي،
قانطٌ من رحمة الله، وفي صورة المُمتَنِّ بدعائه على ربه، ثم إنه جاهل
بالإجابة، فإنه يظنُّها إسعافَهُ في عين ما طلبه، وقد يكون فيه مفسدةٌ، فيصرفُه
عنه، فتكونُ إجابتهُ في الصرف.
وقد يعلمُ اللهُ أن تأخيرَهُ إلى وقت آخر أصلحُ للداعي، وقد يؤخِّره؛
١٦٢
لأنه سبحانه محبٌّ استماعَ دعائه، ودوامَ تضرُّعه، فيُكثرُ أجورهُ حتى يكون
ذلك أعظمَ وأفضلَ من غير المدعو به لو قضي له، وقد قال عليه الصلاة
والسلام: ((مَا مِنْ دَاعِ يَدعُو إِلَّ كانَ بينَ إِحدَى ثَلاَثٍ: إِمَّا أن يُستجاب له،
وإما أن يُؤخَّر له، وإما أن يُكفَّر عنه))(١)، ثم بعد هذا كله فإجابةُ الدعاء وإن
وردت من الشرع في مواضع مطلقة؛ فهي مقيدة بمشيئته؛ كما قال تعالى:
﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ﴾ [الأنعام: ٤١](٢).
(ط): ((ما لم يدع)) (ما) ظرف لـ (يستجاب)، بمعنى المدة، وكان من
حق الظاهر أن يجاء بالعاطف في قوله: ((ما لم يستعجل))، فتركه [العاطف]
على تقدير عامل آخر استقلالاً لكل من القيدين؛ أي: يستجاب ما لم يدع
بإثم، يستجاب ما لم يستعجل، فترك العاطف استئنافاً، كأنه لما سمع
المخاطب قوله: ((يستجاب ما لم يدع بإثم))، سأل هل الاستجابة مقصورة
على هذا القيد أم لا؟ فأجيب: لا، بل يستجاب ما لم يستعجل(٣).
١٥٠٠ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ظُهِ، قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللهِوَهِ: أَيُّ
الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: ((جَوْفَ اللَّيْلِ الآخِرِ، وَدُبْرَ الصَّلَوَاتِ
(١) رواه بهذا اللفظ الإمام مالك في ((الموطأ)) (١/ ٢١٧) عن زيد بن أسلم ظه قوله
وروى له ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٥ / ٣٤٣) شواهد مرفوعة من حديث أبي سعيد
الخدري ۆژه .
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٦٣).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٧٠٦).
١٦٣
المَكْتُوبَاتِ)) رواه الترمذيُّ، وقالَ: حديثٌ حسنٌ.
* قوله: «أيُّ الليل أسمع)) :
(تو): أي: أرجى للإجابة، وهو من السمع الذي يرد بمعنى الإجابة،
وذلك على سبيل الاتساع؛ لأن القول المسموع في الحقيقة ما يقترن على
القبول من السامع .
وقوله: ((جوف الليل الآخر))، وردت الرواية فيه بالرفع والنصب،
والرفع أكثر، فمن رفع، جعل المضاف إليه مكان المضاف المحذوف في
الإعراب؛ كقوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، والتقدير: دعاءُ
جوف الليل الآخر، ومن نصب، فعلى الظرف؛ أي: دعاء جوف، ويجوز فيه
الجرُّ على مذهب مَن يرى حذفَ المضاف وتركَ المضاف إليه على إعرابه،
ولم ترد به الرواية، و((الآخر)) على الأحوال الثلاث يتبع ((جوف)) في إعرابه .
(ط): ((جوف)) إنما يستقيم جواباً إذا أُضمِر في السؤال اسمُ الزمان
كما فعله صاحبُ ((النهاية)) حيث قال: (أيُّ الساعات أسمعُ)؛ أي: أوفقُ
لاستماع الدعاء، وأولى بالاستجابة، وهو من باب: نهارهُ صائم وليلهُ
قائمٌ، أو يُضمر في الجواب الدعاءُ كما صنع التُّورِبِشْتي حيث قال: (أَيُّ
الدعاء أسمعُ)، معناه: أقربُ إلى الإجابة، أو أسرعُ إجابةً(١).
١٥٠١ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ لَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَه
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣ / ١٠٦١).
١٦٤
قَالَ: ((مَا عَلَى الأَرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللهَ تَعالَى بِدَعْوَةٍ، إِلاَّ آتاهُ اللهُ
إِيَّاهَا، أَوْ صَرَفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا، مَا لَمْ يَدْعُ بِثْمٍ، أَوْ قَطِيعَةِ
رَحِمٍ))، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: إذاً نُكْثِرُ؟، قَالَ: ((اللهُ أَكْثَر).
رواه الترمذيُّ، وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَرَوَاهُ الحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةٍ أَبِي سَعِيدٍ، وَزَادَ فِيهِ: ((أَوْ يَدَّخِرُ لَهُ
مِنَ الأَجْرِ مِثْلَهَا)).
* قوله : «أو صرف عنه من السوء مثلها)):
(ط): فإن قلت: كيف مَثَّل جلب النفع بدفع الضر وما وجه التشبيه؟
قلت: الوجه [ما] هو السائل مفتقر إليه، وما [هو] ليس بمستغنٍ عنه.
١٥٠٢ - وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَهْ كَانَ يَقُولُ
عِنْدَ الكَرْبِ: ((لا إِلَهَ إِلَّ اللهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لا إِلَهَ إِلَّ اللهُ رَبُّ
العَرْشِ العَظِيمُ، لا إِلَهَ إِلَّ اللهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ، وَرَبُّ الأَرْضِ،
ورَبُّ العَرْشِ الكَرِيمُ)) متفقٌ عليهِ.
* قوله: ((كان يقول عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم)»:
(ن): هذا حديث جليل ينبغي الاعتناءُ به والإكثارُ منه عند الكرب
والأمور العظيمة، قال الطبري: كان السلف يدعون به ويسمونه دعاءَ الكرب.
فإن قيل : هذا ذكر وليس فيه دعاء؟ فجوابه من وجهين مشهورين :
١٦٥
أحدهما: أن هذا ذکر یستفتحُ فیه الدعاء، ثم يدعو بما شاء.
والثاني: جواب سفيان بن عيينة، فقال: أما علمت قوله تعالى: ((مَنْ
شَغَلَهُ ذِكْرِي عَن مَسأَلَتِي؛ أَعطَيتُهُ أفضَلَ ما أُعطِي السَّائِلِينَ))(١)، وقال الشاعر:
كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ(٢)
إِذَا أَثْنَى عَلَيكَ المَرءُ يَوْماً
(ق): هذا كلامٌ حسنٌ، وتتمیمُهُ أن ذلك إنما کان دعاءً لنكتتين:
إحداهما: كرمُ المُثنى عليه؛ فإنه اكتفى بالثناء عن السؤال؛ لسهولة
البَذْلِ عليه، وللمبالغة في كرم الخالق.
وثانيهما: أن المُثِي لمَّا آثرَ الثناءَ الذي هو [حق] المُثنى عليه على
حقِّ نفسه الذي هو حاجته؛ بُودِرَ إلى قضاء حاجته من غير إحواج إلى
إظهار مذلّة السؤال؛ مجازاةً له علی ذلك الإيثار.
وممَّا جاء منصوصاً عليه وسمِّي دعاءً وإن لم يكن فيه دعاءٌ ولا طلبٌ،
ما خرَّجه النسائي من حديث سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله وَ لّى:
((دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا بِهَا وهُو في بَطْنِ الحُوتِ: لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنتَ سُبحَانَكَ إِنِّي
كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ؛ فإنَّهُ لَن يَدْعُوَ بِهَا مُسلِمٌ فِي شَيءٍ إلاَّ اسْتُجِيبَ لَهُ)) (٣).
(١) رواه القضاعي في ((مسند الشهاب)) (٥٨٤). وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة
الضعيفة)) (٤٩٨٩).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٤٨).
(٣) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) (١٠٤٩٢). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح
الترغيب والترهيب)) (١٦٤٤).
١٦٦
٢٤٥ _ يا
كرامات الأولياءِ وفضلِھم
* قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَ خَوْفُ عَلَيَّهِمْ وَلَ هُمْ
يَحْزَنُونَ ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ (٢) لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَيَوَةِ
اُلُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِّ لَا نَبْدِيلَ لِكَلِمَتِ اَللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ﴾
[يونس: ٦٢ - ٦٤].
* وقَالَ تَعالى: ﴿وَهُزِىّ إِلَيْكِ بِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا
(٥)فَكُلِى وَاشْرَبِ﴾ [مريم: ٢٥ -٢٦].
* وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيَّهَازَّكِيَّا الْمِخْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا
قَالَ يَمَرِيُ أَى لَكٍ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللَّهَ يَزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ
حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧].
* وقالَ تَعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَ لْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّ اللهَ فَأْوُوا إِلَى
الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ، وَيُهَبِئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا ﴾ وَتَرَى
الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت ◌َّقْرِضُهُمْ ذَاتَ
الشِّمَالِ﴾ [الكهف: ١٦ - ١٧].
١٦٧
(الباب السادس والأربعون بعد المئة)
(في كرامات الأولياء)
(الكرامات) جمع كرامة، وهي: اسم من الإكرام والتكريم، وهي:
فعلٌ خارق للعادة غيرُ مقرون بالتحدي، وقد اعترف بها أهل السنة، واحتجُّوا
بحدوث الحبَل لمريم عليها السلام من غير فَحْلٍ، وحضور الرزق عندها من
غير سببٍ ظاهرٍ، وأيضاً ففي لُبْثِ أصحاب الكهف في الغار ثلاث مئة وأزيد
في النوم أحياءً من غير آفة، دليلٌ ظاهرٌ.
وأنكرها المعتزلة وقالوا: لو جاز ظهور الخارق في حقِّ الولي؛ لخرج
الخارق عن أن يكون دليلاً على النبوة.
وأجيب: بامتياز المعجزة عن الكرامة باشتراط الدعوة وعدم اشتراطها في
الكرامة.
* قوله تعالى: ﴿أَلَّ إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
[يونس: ٦٢]، يخبر تعالى أن أولياءه المؤمنين المتقين لا خوفٌ عليهم فيما
يستقبلونه من أهوال القيامة، ولا هم يحزنون على ما وراءهم في الدنيا.
وقال عبدالله بن مسعود وابن عباس وغير واحد من السلف: أولياءُ
الله الذين إذا رُؤُوا ذُكِرَ الله، وقد رواه البزار عن ابن عباس مرفوعاً(١)،
وروي عن سعيد مرسلاً(٢).
وروى ابن جرير عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّ: ((إنَّ من عِبَادِ
(١) رواه البزار (٢٧١٩). وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٢٥٥٧).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الأولياء)) (١٥).
١٦٨
اللهِ عِبَاداً يَغْبِطُهمُ الأنبياءُ والشُّهداءُ» قيل: مَن هم يا رسول الله، لعلَّنَا
نحبُّهم؟ قال: ((هُم قَومٌ تَحابُوا في الله من غَير أموالٍ ولا أَنسابٍ، وجوهُهُم
بِيضٌ على مَنابِرَ من نُورٍ، لا يَخافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ، ولا يَحزِنُونَ إذا حَزِنَ
النَّاسُ، ثم قرأ: ﴿أَلَّ إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾))،
ورواه أبو داود عن عمر بن الخطاب بمثله(١)، هذا أيضاً إسناد جيد، إلا أنه
منقطع .
وفي ((مسند أحمد)) عن أبي الدرداء عن النبي ◌َّ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِى
الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٣] قال: ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا المُسلِمُ
أو تُرَى لَهُ)(٢).
وفيه عن أبي ذرٍّ أنه قال: يا رسول الله، الرجل يعملُ العمل ويحمدهُ
الناسُ ويُثنونَ عليه بهِ؟ فقال رسول الله وَّ: ((تِلكَ عَاجِلُ بُشرَى [المؤمن])»،
ورواه مسلم(٣).
وقيل: المراد من ذلك بشرى الملائكة المؤمنَ عند احتصاره بالجنة
والمغفرة؛ كما قال تعالى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةُ الَّتَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ
وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ﴾ [فصلت: ٣٠].
(١) رواه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) (١١ / ١٣٢)، ورواه أبو داود (٣٥٢٧).
وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (٣٠٢٣).
(٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٦ / ٤٤٥). وهو حديث صحيح. انظر: ((السلسلة
الصحيحة)) (٤ / ٣٩١).
(٣) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥ / ١٥٦)، ومسلم (٢٦٤٢ / ١٦٦).
١٦٩
وقوله: ﴿لَا نَبْدِيلَ لِكَلِمَتِ اَللَّهِ﴾ [يونس: ٦٤]؛ أي: هذا الوعد
لا يُبدَّل ولا يُخلَفُ ولا يُغيَّر، بل هو مثبتٌ كائزٌ لا محالة (١).
[وقوله]: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [يونس: ٦٣]، إشارةٌ إلى كمال القوة النظرية،
﴿وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾، إشارةٌ إلى كمال القوة العملية.
وقال أبو بكر الأصم: أولياءُ الله هم الذين تولَّى الله هدايتهم بالبرهان،
وتولَّوا القيامَ بحقِّ عبوديةِ الله والدعوة إليه.
واعلم أن تركيب الواو واللام [والياء] يدل على معنى القرب، فوليُّ
كل شيء: هو الذي يكون قريباً منه، والقرب من الله إنما يكون إذا كان
القلبُ مستغرقاً في نور معرفة الله، فإن رأى؛ رأى دلائل قدرة الله، وإن
سمع؛ سمع آيات الله، وإن نطق، نطق بالثناء على الله، وإن اجتهد، اجتهد في
طاعة الله، فهذا الشخص يكون ولياً لله، وإذا كان كذلك؛ كان الله ولياً له
أيضاً، [كما قال تعالى]: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، ويجب أن
يكون الأمر كذلك؛ لأن القرب لا يحصل إلا من الجانبين.
وقوله: ﴿لَاخَوْفُ عَلَيَّهِمْ ﴾ [يونس: ٦٢]، الخوفُ إنما يكون في المستقبل
من المكاره، والحزن إنما يكون في الماضي.
قال بعض العارفين: إن الولاية عبارة عن القرب، [فوليُّ الله تعالى
هو الذي يكون في غاية القرب من الله](٢) و[هذا التقرير] قد فسرناهُ
باستغراقه في معرفة الله بحيث لا يخطر بباله شيء سوى الله، ففي هذه
الحالة تحصل الولاية التامة، وصاحبها لا يخاف شيئاً ولا يحزن، وكيف
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٧/ ٣٨٣).
(٢) ما بين معكوفتين من ((تفسير الرازي)) (١٧ / ١٠٢).
١٧٠
يعقل ذلك والخوف على الشيء والحزن عليه لا يحصل إلا بعد الشعور به،
[والمستغرق في نور جلال الله غافل عما سوى الله تعالى، فيمتنع أن يكون
له خوف أو حزن؟ ] وهذه درجة عالية، ومن لم يذقها؛ لم يعرفها، ثم إن
صاحب هذه الحالة ربما تزول عنه، وحينئذ يحصل له الخوف والحزن،
والرجاء والرغبة والرهبة بسبب الأحوال الجسمانية [كما يحصل لغيره].
وسمعت أن إبراهيم الخوَّاصَ كان في البادية ومعه صاحب له، فاتفق
في بعض الليالي ظهورُ حالة قوية، فجلس في موضعه وجاءت السباع
ووقفوا بالقرب [منه] وصاحبه تسلَّق على رأس شجرة؛ خوفاً منها، والشيخُ
[ما] كان فازِعاً، فلما أصبح وزالت تلك الحالة، ففي الليلة الثانية وقعت
بعوضةٌ على يده؛ فأظهر الجزع من تلك البعوضة، فقال له صاحبه: كيف
تليق هذه الحالة بما قبلها؟ فقال الشيخ: إنا إنما تحمَّلنا البارحةَ ما تحمَّلناهُ
بسبب قوة الوارد الغيبي، فلما غاب، فأنا أضعف خلق الله .
وقوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ [يونس: ٦٤]، قيل: هي الرؤيا الصالحة،
وظاهر الآية يقتضي أن لا تحصل هذه الحالة إلا لهم، [وذلك لأن ولي الله
هو الذي یکون مستغرق القلب والروح بذكر الله، ومن کان کذلك؛ فهو
عند النوم لا تبقى في روحه إلا معرفة الله وأما من يكون](١) متوزِّعَ الفكر
على أحوال هذا العالم الكدر المظلم؛ [فإنه] إذا نام؛ يبقى كذلك، فلا
جرم لا اعتماد على رؤياه .
والتفسير الثاني: أنها عبارة عن محبة الناس له، وذكرهم إياه بالثناء
(١) ما بين معكوفتين من ((تفسير الرازي)) (١٧ / ١٠٣).
١٧١
الحسن؛ لقوله بَّه: (تِلكَ عَاجِلُ بُشرَى المُؤمِنِ))(١)، والمباحثُ العقلية
تُقوِّي هذا المعنى، وذلك أن الكمال محبوبٌ لذاته لا لغيره، وكل مَنِ
اتصف بصفة من صفات الكمال؛ صار محبوباً لكل أحد، ولا كمال للعبد
أعلى وأشرف من كونه مستغرق القلب بمعرفة الله، مستغرق اللسان بذكر
الله، مستغرق الأعضاء والجوارح بعبودية الله، فإذا ظهرت عليه هذه
الحالة؛ صارت الألسنةُ جاريةً بمدحه، والقلوبُ مجبولةً على حبه، وكلما
كانت هذه الصفاتُ الشريفةُ أكثرَ؛ كانت هذه المحبةُ أقوى، وأيضاً فنور
معرفة الله مخدومٌ بالذات، ففي أيٍّ قلبٍ حضرَ، صارَ ذلك الإنسانُ مخدوماً
بالطبع .
والتفسير الثالث: أنها عبارة عن حصول البشرى لهم عند الموت قال
تعالى: ﴿وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ﴾ [فصلت: ٣٠].
وأما البشرى في الآخرة؛ فسلام الملائكة عليهم يقولون: ﴿سَلَمُّ عَلَيْكُمْ
بِمَا صَبَرْتُمْ﴾، وسلام الله عليهم؛ كما في قوله: ﴿سَلَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍ زَحِيمٍ ﴾ [يس:
٥٨]، ويندرج في هذا الباب بياض وجوههم، وإعطاء الصحائف بأيمانهم.
وقيل: إنه عبارة عما بشَّر الله عبادَهُ المتقين في كتابه، وعلى ألسنة
أنبيائه، من جنته وكريم ثوابه؛ لقوله تعالى: ﴿يُبَشِرُهُمْ رَبُهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ
وَرِضْوٍَ ﴾ [التوبة: ٢١]، ولفظ البشارة مشتق من خبر سارٍّ يَظهرُ أثرهُ في بشَرة
الوجه(٢).
* قوله تعالى: ﴿وَهُزِىّ إِلَيْكِ بِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًّا جَنِيًّا﴾ [ مريم:
(١) تقدم تخريجه .
(٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٧ / ١٠٤).
١٧٢
٢٥]؛ أي: خذي إليك بجذع النخلة، قال ابن عباس: كانت يابسة.
وقيل: مثمرة، قاله مجاهد(١).
(م): كان جذع نخلة يابسة في الصحراء ليس لها رأس، ولا ثمر،
ولا خضرة، وكان الوقت شتاء، والنخل لا يثمر إلا باللقاح، وإذا قطعت
رأسها؛ لم تثمر، فكأنه تعالى قال: إن الأنثى لا تلد إلا مع الذكر، فكذا
النخلة لا تُثمر إلا عند اللقاح، ثم إني أُظهر الرطب من غير اللقاح؛ ليَدُلَّ
على جواز ظهور الولد من غير ذكر، وهذه الأفعال الخارقة للعادات كرامة
لمريم عليها السلام(٢).
* قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيًّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَمَرْيَمُ
أَّ لَكٍ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِاللّهِ إِنَّ اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٣٧]، أخبر تعالى عن سيادة
مريم عليها السلام وجلالتها في محل عبادتها .
قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير في قوله ﴿رِزْقًا﴾ [آل عمران:
٣٧]: فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف.
وعن مجاهد: أي: علماً، أو قال: صحفاً فيها علم، والأول أصح.
وفيه دلالة على كرامات الأولياء، وفي السنة لهذا نظائر كثيرة: عن
جابر ◌َه: أن رسول الله وَل﴿ أقام أياماً لم يَطعَم طعاماً، حتى شقَّ عليه
ذلك، فطاف في منازل أزواجه، فلم يجد عند واحدة منهن شيئاً، فأتى
فاطمة فقال: ((يا بُنيَّة؛ هل عندك شيءٌ آكلُهُ؛ فإنِّي جائعٌ))، فقالت: لا والله
بأبي أنت وأمي؛ فلما خرج من عندها، بعثت إليها جارةٌ لها برغيفين وقطعة
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٩ / ٢٣٥).
(٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢١ / ١٧٣).
١٧٣
لحم، فأخَذتْهُ منها فوضعته في جَفْنَةٍ لها، وقالت: والله؛ لأُوثِرنَّ بهذا
رسولَ اللهَ بَّ على نفسي ومَن عندي، وكانوا جميعاً محتاجين إلى شُبْعَةِ
طعام، فبعثت حسناً - أو حسيناً - إلى رسول الله وَير، فرجع إليها، فقالت
له: بأبي أنت وأمي؛ قد أتى الله بشيء فخبََّتهُ لك، قال: ((هلُمِّي يا بُنيَّةُ»
قالت: فَأَتَيْتُهُ بالجَفْنة، فكَشَفَ عن الجَفْنة، فإذا هي مملوءةٌ خبزاً ولحماً،
فلما نظرتُ إليها؛ بُهِثُّ وعرفتُ أنها بركة من الله، فحمدتُ [الله] وصليتُ
على نبيه، وقدَّمتُهُ إلى رسول الله وََّ، فلمَّا رَآه؛ حمِدَ اللهَ وقال: ((مِنْ أَينَ
لَكِ هَذَا يَا بُنَّهُ؟)) قالت: يا أبت؛ ﴿هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَزُقُ مَن يَشَآءُ
◌ِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧]، فَحمد الله وقال: ((الحَمْدُ للهِ الَّذِي جعلَكِ
يا بُنيَّةُ شَبيِهِةً بِسَيِّدةِ نِسَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وكَانَتْ إذا رزَقَها اللهُ شَيْئاً فَسُئِلَتْ
عنه قالَتْ: ﴿هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧])»،
فبعث رسول الله وَ إلى علي ظه، ثم أكل وَّر وعلي وفاطمة، وحسن
وحسين، وجميع أزواج النبي ◌ّ، وأهل بيته جميعاً حتى شبعوا، قالت:
وبَقِيت الجَفْنَةُ كما هي، فأوسَعْت ببقيَّتِها على جميع الجيران، وجعل الله
فيها بركةً؟ وخيراً كثيراً، رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي(١).
(الثعلبي): قال الحسن: كان يَجِدُ عندها قوتَها، ولم ترضَع ثدياً
قط، وكان رزقها يأتيها من الجنة، فيقول لها زكريا: من أين لك هذا؟
قالت: هو من عند الله.
قال الحسن: تكلَّمت وهي صغيرة.
قال محمد بن إسحاق بن يسار: ثم أصابت بني إسرائيل أزمةٌ وهي
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٣ / ٥٣).
١٧٤
على ذلك من حالها، حتى ضعف زكريا عن حملها، [فخرج على بني
إسرائيل فقال: تعلمون - والله - لقد كَبِرت سنِّي وضعفْتُ عن حمل مريم
بنت عمران، فأيكم يكفلُها بعدي؟ قالوا: والله؛ لقد جهدنا وأصابنا من
السنة ما ترى، فتدافعوا بينهم، ثم لم يجدوا عن حملها](١) بداً، فتقارعوا
عليها بالأقلام، فخرج السهم على رجل نجَّارٍ من بني إسرائيل يقال له:
يوسف بن يعقوب، وكان ابنَ عمِّ مريم، فحملها .
قال: فعرفت مريم في وجهه شدة مؤنة ذلك عليه، فقالت له:
يا يوسف؛ إنَّ الله تعالى سيرزقنا، فجعل يوسف يرزق بمكانها منه، فيأتيها كلَّ
يوم من كسبه بما يصلحها، فإذا أدخله عليها وهي في الكنيسة؛ أَنْماهُ الله فكثُر،
فيدخل عليها زكريا فيرى عندها فضلاً من الرزق ليس بقدر ما يأتيها به
يوسف، فيقول: يا مريم، أنى لك هذا؟ قالت: ﴿هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ﴾ [آل عمران:
٣٧] .
* قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَ لْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [الكهف: ١٦]،
يُخبر تعالى عن أصحاب الكهف أنهم كانوا فتية شباباً.
قال مجاهد: في آذان بعضهم القِرَطة؛ يعني: الحَلَق، فألهمهم الله
رشدهم، وآتاهم تقواهم، والشبان أقبل للحقِّ، وأهدى للسبيل من الشيوخ
الذين قد عتوا وعَمُوا في دين الباطل، ولهذا كان المستجيبون لله ولرسوله
شباباً، وأما المشايخ من قريش: فعامتهم بقوا على دينهم، ولم يسلم منهم
إلا القليل (٢) .
(١) ما بين معكوفتين من ((معالم التنزيل)) للبغوي (٢ / ٣٢).
(٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٩ / ١٠٩).
١٧٥
: قال تعالى: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [الكهف: ١٤]؛ أي: صبّرناهم
على مخالفة قومهم ومدينتهم، ومفارقة ما كانوا فيه من العيش الرغيد؛
فإنهم كانوا أبناء ملوك الروم وساداتهم، وإنهم خرجوا في أعياد قومهم في
ظاهر البلد، وكانوا يعبدون الأصنام، وکان لهم ملك جبار عنيد یقال له:
دقيانوس، يأمر الناس بذلك، ويحثهم عليه، ويدعوهم إليه، فلما رأى
الفتية ما يصنعه قومهم؛ جعل كل واحد منهم يتخلّص من قومه، وينحاز
منهم ناحية، فجاء أحدهم وجلس تحت ظل شجرة، وجاء آخر فجلس
عنده، ثم آخر، ثم آخر حتى اجتمعوا، فإن الأرواح جنود مُجنَّدة، فما
تعارف منها ائتلف، [وما تناكر منها اختلف]، والناس يقولون: الجنسية
علة الضم .
و[الغرض أنه جعل] كل واحد منهم يكتم ما هو فيه عن أصحابه؛ خوفاً
منهم، ولا يدري أنهم مثله، حتى قال أحدهم: يا قوم؛ ما أخرجكم من
قومكم وأفردكم إلا شيء، فليظهر كل واحد منكم بأمره، فقال آخر: أمّا أنا؛
فإني رأيت ما قومي عليه، فعرفت أنه باطل، وإنما الذي يستحق أن يُعبد وحده
لا يُشرك به هو الله الذي خلق كل شيء، وقال آخر: وأنا والله وقع لي كذلك،
وقال آخر: كذلك، حتى توافقوا كلهم على كلمة واحدة، فاتخذوا لهم مَعْبداً
يعبدون الله فيه، فعرَف بهم قومُهم، فوَشُوا بهم إلى ملكهم، فاستحضرهم بين
يديه، فأجابوه بالحق، ودعوه إلى الله، ولهذا أخبر تعالى عنهم بقوله:
وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [الكهف: ١٤]، فيقال: إن ملكهم لمَّا دعوه إلى الله؛ أبى
عليهم، وتوعَّدهم، وأمر بنزع لباسهم عنهم، وأجَّلهم؛ لينظروا في أمرهم،
لعلَّهم يراجعون دينهم الذي كانوا عليه، وكان هذا من لطف الله بهم؛ فإنهم في
١٧٦
تلك النظرة توصلوا إلى الهرب بدينهم من الفتنة، فأخبر الله عنهم بذلك في
قوله: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ ﴾ [الكهف: ١٦]؛ أي: فارقتموهم بأديانكم في عبادتهم
غير الله، ففارِقُوهم أيضاً بأبدانكم.
﴿ فَأْوُِّاْ إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ﴾ [الكهف: ١٦]؛ أي: يبسط
عليكم رحمةً يستركم بها من قومكم، ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُ مِّنْ أَمْرِكُمْ ﴾ [الكهف: ١٦]
الذي أنتم فيه ﴿مِّرْفَقًا﴾ [الكهف: ١٦] ترتفقون به، فعند ذلك خرجوا هراباً
إلى الكهف، وكان بابه من الشمال؛ لأنه تعالى أخبر أن الشمس إذا دخلته
عند طلوعها؛ تزاور عنه ذات اليمين؛ أي: يتقلص الفيءُ يَمْنَةً.
﴿تَزَوَرُ﴾ [الكهف: ١٧]؛ أي:
قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة:
تميل، وذلك [أنها] كلما ارتفعت في الأرض؛ تقلَّص شعاعُها بارتفاعها،
حتى لا يبقى فيه شيء عند الزوال، ولهذا قال: ﴿وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ
الشِّمَالِ﴾ [الكهف: ١٧]؛ أي: تدخل إلى غارهم من شمال بابه، وهو من ناحية
الشرق، فدلّ على صحة ما قلناه، وهذا بيِّنٌ لمن تأمله، وكان له علم بمعرفة
الهيئة وسير الشمس والقمر.
وبيانه: أنه لو كان باب الغار من ناحية الشرق؛ لمَا دخل [إليه] منها
شيء عند الغروب، ولو كان من ناحية الغرب؛ لمَا دخلته وقت الطلوع،
بل بعد الزوال، ولم تزل فيه إلى الغروب، فتعين ما ذكرناه.
﴿وَهُمْ فِ فَجْوَةٍمِنَةٌ ﴾ [الكهف: ١٧]؛ أي: متَّسع بحيث لا تمسهم
الشمس؛ إذ لو أصابتهم؛ لاحترقت أبدانهم وثيابهم، قاله ابن عباس.
﴿مِنْ ءَايَتِ اللَّهُ ﴾ [الكهف: ١٧] حيث أرشدهم إلى ذلك الغار الذي
جعلهم فيه أحياء، والشمس والريح تدخل عليهم لتبقى أبدانهم سليمة،
١٧٧
ولمَّا ضرب على آذانهم النوم؛ لم تنطبق أعينُهم؛ لئلا يُسرع إليهم البلی،
ولهذا قال: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا﴾ [الكهف: ١٨]، وكانوا يُقلَّبون في العام
مرتين، قال ابن عباس: لو لم يُقلَّبوا؛ لأكلتهم الأرض(١).
١٥٠٣ - وَعَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ
أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا أَنَاساً فُقَرَاءَ، وأَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ مَرَّةً: ((مَنْ
كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ، فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ،
فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ، بِسَادِسِ))، أَوْ كَمَا قَالَ، وأَنَّ أَبَا بَكْرِ ضُهَ جَاءَ
بِثَلاثَةٍ، وَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ◌َّهِ بِعَشَرَةٍ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِّ وَِّ،
ثُمَّلَبِثَ حَتَّى صَلَّى العِشَاءَ، ثُمَّ رَجَعَ، فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ
مَا شَاءَ الله. قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: مَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ؟ قَالَ: أَوَ
مَا عَشَِّهِمْ؟ قَالَتْ: أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ، وَقَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِم، قَالَ:
فَذَهَبْتُ أَنَا، فَاخْتَبَأْتُ، فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ! فَجَدَّعَ وَسَبَّ، وَقَالَ: كُلُوا
لاَ هَنِيْئاً، وَاللهِ! لاَ أَطْعَمُهُ أَبَداً، قَالَ: وَايْمُ اللهِ! مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ
لُقْمَةٍ إِلَّ رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا حَتَّى شَبِعُوا، وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا
كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لإِمْرَأَتِهِ: يَا أُخْتَ بَني
فِرَاس! مَا هَذَا؟ قَالَتْ: لا وَقُرَّةٍ عَيني! لَهِيَ الآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١١٠/٩ - ١١٢).
١٧٨
بِثَلاَثِ مَرَّاتٍ! فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنَ
الشَّيْطَانِ؛ يَعني: يَمِينَهُ، ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً، ثُمَّ حَمَلَهَا إِلى النَّبِّ ◌َّه
فَأَصْبَحَتِ عِنْدَهُ. وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ، فَمَضَى الأَجَلُ، فَتَفَرَّقْنَا
اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلاً، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ، اللهُ أَعْلَمْ كَمْ مَعَ كُلِّ
رَجُلٍ، فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ.
وفي روايةٍ: فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ لاَ يَطْعَمُهُ، فَحَلَفَتِ المَرْأَةُ لاَ
تَطْعَمُهُ، فَحَلَفَ الضَّيْفُ - أوِ الأَضْيَافُ - أَنْ لاَ يَطْعَمَهُ، أَوْ يَطعَمُوه
حَتَّى يَطْعَمَهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذِهِ مِنَ الشَّيْطَانِ! فَدَعَا بِالطَّعَامِ، فَأَكَلَ
وَأَكَلُوا، فَجَعَلُوا لاَ يَرْفَعُونَ لُقْمَةً إِلَّ رَبَتْ مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا،
فَقَالَ: يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ! مَا هَذَا؟ فَقَالَتْ: وَقُرَّةٍ عَيْنِي! إِنَّهَا الآنَ
لِأَكْثَرُّ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ نَأْكُلَ، فَأَكَلُوا، وَبَعَثَ بِهَا إِلى النَّبِّ ◌َهِ فَذَكَرَ أَنَّه
أَكَلَ مِنْهَا .
وفي روايةٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: دُونَكَ أَضْيَافَكَ؛
فَإِنِّي مُنْطَلِقٌ إِلى النَّبِيِّ بَّهَ، فَافْرُغْ مِنْ قِرَاهُمْ قَبْلَ أَنْ أَجِيءَ،
فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَأَتَهِم بِمَا عِنْدَه، فَقَالَ: اطْعَمُوا؛ فَقَالُوا:
أَيْنَ رَبُّ مَنْزِلِنَا؟ قَالَ: اطْعَمُوا، قَالُوا: مَا نَحْنُ بِآكِلِينَ حَتَّى يَجِيءَ
رَبُّ مَنْزِلِنَا، قَالَ: اقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ؛ فَإِنَّهَ إِنْ جَاءَ ولَمْ تَطْعَمُوا،
لَنَلْقَيَنَّ مِنْهِ، فَأَبَوْا، فَعَرَفْتُ أَنَّه يَجِدُ عَلَيَّ، فَلَمَّا جَاءَ، تَنَخَيْتُ عَنْهُ،
١٧٩
فَقَالَ: مَا صَنَعْتُم؟ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحمَنِ! فَسَكَتُّ، ثمَّ
قَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحمَنِ! فَسَكَثُ، فَقَالَ: يَا غُنْثَرُّ! أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِنْ
كُنْتَ تَسْمَعُ صَوتي لمَا جِئْتَ! فَخَرَجْتُ، فَقُلْتُ: سَلْ أَضْيَافَكَ،
فَقَالُوا: صَدَقَ، أَثَانَ بِهِ. فَقَالَ: إِنَّمَا انْتُظَرْتُموني، وَاللهِ! لاَ أَطْعَمُهُ
اللَّيْلَةَ، فَقَالَ الآخَرُونَ: وَاللهِ! لاَ نَطْعَمُهُ حَتَّى تَطْعَمَهُ، فَقَالَ: وَيْلَكُم!
مَا لَكُمْ لاَ تَقْلُونَ عَنَّا قِرَاكُمْ؟ هَاتِ طَعَامَكَ، فَجَاءَ بِهِ، فَوَضَعَ يَدَه،
فَقَالَ: بِاسْمِ الله، الأُولى مِنَ الشَّيْطَانِ، فَأَكَلَ، وَأَكَلُوا. متفق عليه.
قوله: ((غُنْثَرَ) بِغينِ معجمةٍ مضمومةٍ، ثم نونٍ ساكنةٍ، ثم ثاءِ
مثلثةٍ، وهو: الغَبِيُّ الجَاهِلُ.
وقوله: ((فَجَدَّعَ))؛ أي: شَتَمَه، وَالجَدْعُ: القَطْعُ.
قوله: ((يَجِدُ عَلَيَّ)): هو بكسر الجيم؛ أَيْ: يَغْضَبُ.
قوله: ((أن أصحاب الصفة)) :
٠
(نه): هم فقراء المهاجرين، ومَن لم يكن له منزل يسكنه، فكانوا
يأوون إلى موضع مظلَّل في مسجد المدينة يسكنونه، انتهى(١).
* [قوله]: «فليذهب بثالث»:
(ن): هكذا هو [في] ((صحيح البخاري)) (٢)، وهو الصواب، وهو
الموافق لسياق باقي الحديث، و[للذي] وقع في ((مسلم)) [أيضاً وجه، وهو
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٣٧).
(٢) رواه البخاري (٥٧٧).
١٨٠