Indexed OCR Text
Pages 41-60
١٤٢٢ - وعَنْ مُعاذٍ ﴿: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ أَخَذَ بِيَدِهِ، وقالَ: ((يا مُعَاذُ! واللهِ! إنِّي لأُحِبُّكَ))، فقالَ: ((أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لا تَدَعَنَّ في دُّرِ كُلِّ صَلاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ)) رواه أبو داودَ بإسنادٍ صحيحٍ . قوله: ((اللهمَّ، أعني على ذكرك))، سبق في (الباب السادس والأربعين). ٠ ١٤٢٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ أَرْبَعِ؛ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ القَبْرِ؛ وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ المَسيح الدَّجَّالِ)) رواه مسلمٌ. * قوله مثل : ((فتنة المحيا والممات)): (ن): قيل: المراد بـ ((فتنة الموت)): فتنة القبر، ويحتمل أن يراد به الفتنة عند الاحتضار (١). (ط): قال الشيخ أبو النجيب السُّهْرَوَرْدي رحمه الله: يريد بفتنة المحيا الابتلاء مع زوال الصبر والرضا، والوقوع في الآفات، والإصرار على الفساد، وترك متابعة طريق الهدى، وبـ ((فتنة الممات)): سؤال منكر (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥ / ٨٥). ٤١ ونكير مع الحيرة والخوف، وعذاب القبر وما فيه من الأهوال والشدائد(١). * قوله: ((ومن شر فتنة المسيح الدجال)) : (نه): سمي الدجال مسيحاً؛ لأن عينه الواحدة ممسوحة، ويقال: رجل ممسوح الوجه ومسيح، وهو أن لا يبقى على أحد شِقَّي وجههِ عينٌ ولا حاجبٌ إلا استوى، وقيل: لأنه يمسح الأرض؛ أي: يقطعها، وقال أبو الهيثم: إنه المِسِّيح بوزن سِكِّيت؛ لأنه مُسح خلقُه؛ أي: شُئِه، وليس بشيء، وأما المسيح ابن مريم عليه الصلاة والسلام؛ فسمِّي به لأنه كان لا يمسح بيده ذا عاهة إلا برأ، وقيل: لأنه كان أمسح الرِّجْل لا أخمص له، وقيل: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن، وقيل: لأنه كان يمسح الأرض؛ أي: يقطعها، وقيل: المسيح الصديق، وقيل: هو بالعبرانية مشیحاً، فعُرِّب(٢). (ن): كما قالوا موسى، وأصله موشى، أو ميشى بالعبرانية، فعلى هذا لا اشتقاق له، وذهب أكثر العلماء إلى أنه مشتق، فحكي عن ابن عباس ﴿﴾ أنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برأ، وقيل: لمسح زكريا إياه، وقيل: لأنه مسح بالبركة حين ولد، وقيل: لأن الله تعالى مسحه؛ أي: خلقه خلقاً حسناً، والدجال: المُموِّه، يقال: دجَل فلانٌ: إذا مؤَّه، ودجَل الحقَّ بباطله؛ أي: غطّاه(٣). (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ١٠٤٩). (٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ٣٢٦). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٢٣٤). ٤٢ ١٤٢٤ - وعَنْ عَلِيٍّ ﴾، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ، يَكُونُ مِنْ آخِرٍ ما يَقُولُ بَيْنَ النَّشَهُّدِ وَالتَّسْليمِ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وما أَسْرَفْتُ، وما أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ المُقَدِّمُ، وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، لا إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ)) رواهُ مسلم. * قوله: ((ما قدمت وما أخرت)»: (ط): أي: جميع ما فرَط مني (١). (ن): ((أنت المقدم وأنت المؤخر)): معناه تُقدِّم مَن شئت بطاعتك وغيرها، وتُؤْخِّر مَن شئت عن ذلك كما تقتضيه حكمتك، وتعز مَن تشاء، وتذل من تشاء(٢). (مظ): أي: أنت تُوفُّق بعضَ العباد للطاعات، وتخذِل بعضَهم عن النصرة والتوفيق، أو المعنى: أنت الرافع والخافض(٣). ١٤٢٥ _ وعَنْ عائشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َلول يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِك، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي)) متفقٌ عليهِ. (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٩٩٠). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٦٠). (٣) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٢ / ١٢١). ٤٣ (ن): قوله ◌َ﴾: ((اللهمَّ؛ اغفر لي)) مع أنه مغفورٌ [له]، هو من باب العبودية، والإذعان، والافتقار إلى الله تعالى(١). * قوله: [يتأول القرآن](٢)، سبق في (الباب الثاني عشر). (ن): معنى يتأول القرآن يعمل ما أمر به في قوله تعالى: ﴿فَسَيِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ، كَانَ تَوَابًا﴾ [النصر: ٣]، وكان ◌َُّ يقول هذا الكلام البديع في الجزالة، المستوفي بما أمر به في الآية، وكان يأتي به في الركوع والسجود؛ لأن حالة الصلاة أفضل من غيرها، وكان يختارها لأداء هذا الواجب الذي أمر به؛ ليكون أكمل(٣). (قض): ((يتأول القرآن)) جملة وقعت حالاً عن الضمير في (يقول)؛ أي: يقوله متأولاً للقرآن؛ أي مبيناً ما هو المراد من قوله تعالى: ﴿فَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ﴾ [النصر: ٣]، آتياً بمقتضاه، يقال: أوَّل الكلام وتأوَّل: إذا فسَّره وبيَّن المراد منه، مأخوذ من آل إذا رجع، كأنَّ المفسر يصرفُ الكلام عن سائر الوجوه المحتملة إلى المَحْمِل الذي أوَّل عليه(٤). (ط): الأظهر أن هذا التأويل بمعنى العاقبة ومآل الأمر؛ كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَةً, ﴾ [الأعراف: ٥٣]؛ أي: عاقبة أمره وما يؤول إليه [من] تبيّن صدقه، وظهور ما صدق به من الوعد والوعيد، فتنزيل الحديث على الآية أن يقال: إنه ◌َّهَ لمَّا أُمِر بقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ٢٠٢). (٢) سبق هذا اللفظ برقم (١١٤) في (الباب الثاني عشر). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ٢٠١). (٤) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٢٩٣). ٤٤ وَأَسْتَغْفِرْهُ ﴾ [النصر: ٣]؛ صدَّقه بقوله، وأظهرَ ما يقتضي مآل أمر الله تعالى من ج الامتثال وحصول المأمور به، كما قال تعالى: ﴿ وَلَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهٌِ﴾ [الزمر: ٣٣]؛ أي: الذي جاء بالقرآن وتحرَّى العمل به، وقد وافق هذا القول ما ذهب إليه الشيخ محيي الدين [حيث] قال: [معنى ((يتأول القرآن)»: يعمل ما أمر به في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ. كَانَ تَوَابًا﴾ [النصر: ٣](١)، و]التسبيحُ التنزيهُ، و(سبحان الله) منصوب على المصدر، يقال: سبَّحتُ الله تسبيحاً وسبحاناً، معناه: براءةً وتنزيهاً من كل عيبٍ وصفةٍ وحدوثٍ، وقوله: ((وبحمدك))؛ أي: ويحمدك سبَّحتُكَ لا بحولي وقوَّتي، ففيه شكر الله تعالى على هذه النعمة، والاعتراف بها، والتفويض إلى الله تعالى، وأن كل الأفعال له، فقوله: ((وبحمدك)) إما حال من فاعل الفعل الذي أُنِيب المصدرُ منابَه، و((اللهم ربنا» معترضٌ، وإما عطفُ جملة على جملة، وعلى هذا قوله: ((سبحان الله وبحمده))(٢). ١٤٢٦ - وعَنْها: أَنَّ رَسُولَ الله ◌ِِّ كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: ((سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الملائِكَةِ وَالرُّوحِ)) رواه مسلمٌ. * وقوله ێ: (سبوح قدوس)): (نه): يرويان بالضم والفتح، والفتح أقيس، والضم أكثر استعمالاً، (١) ما بين معكوفتين من ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ١٠١٤). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ١٠١٤). ٤٥ وهو من أبنية المبالغة، والمراد منهما التنزيه (١). (تو): معناهما: الطاهر من كل عيب، البليغُ في النزاهة عن كل ما يُستقبح، ولم يأت من الأسماء على هذا الوزن بضم الأول إلا سبوح قدوس، و((الروح): قیل: هو جبريل، خصّ بالذکر تفضيلاً له على سائر الملائكة، وقيل: الروح صنف من الملائكة، ويحتمل أنه أراد بالروح الذي به قوام كل حي، غير أنا إذا اعتبرنا النظائرَ من التنزيل لقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الزُُّعُ وَالْمَلَتِكَةُ ﴾ [النبأ: ٣٨]، وقوله: ﴿نَزَّلُ الْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر: ٤] = فالوجهان المبدوء بهما أشبهُ بنظم الكتاب، وأحقُّ بالإخبار . (ن): وقيل: ((القدوس)): المبارك، وقال القاضي: قيل فيه: سبوحاً قدوساً على أُسبِّح سبوحاً، أو أذكر، أو أعظم، وأعبد، و((الروح)) قيل: هو ملك عظيم، وقيل: خلق لا تراهم الملائكة، كما لا نرى نحن الملائكة ويحتمل أن يكون جبريل عليه السلام(٢). ١٤٢٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس ◌َ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِلَّهِ قَالَ: ((فَأَمَّا الزُّكُوعُ، فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَا السُّجُودُ، فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ)) رواه مسلمٌ. (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢/ ٣٣٢). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ٢٠٥). ٤٦ · قوله ودي: ((فعظموا فيه الرب)» : (ن): أي: سبِّحوهُ ونزِّهوهُ ومجِّدوهُ، واستحبَّ الشافعي وغيره في الركوع: سبحان ربي العظيم، وفي السجود: ربي الأعلى، ويكرر كلَّ واحد منهما ثلاثَ مرات، ولو اقتصر على تسبيحة واحدة فقال: سبحان الله؛ حصل [أصل] سنة التسبيح، لكن ترك كمالها وأفضلها . واعلم أن التسبيح في الركوع والسجود سنةٌ غيرُ واجبٍ، هذا مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة والجمهور، ومذهب أحمد وطائفة من أئمة الحديث وجوبه؛ لظاهر الحديث في الأمر به، ولقوله ◌َّه: ((صَلُّوا كمَا رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي))، وأجاب الجمهور: بأنه محمول على الاستحباب، واحتجوا بحديث المسيء صلاته؛ فإن النبي وَِّ [لم] يأمره به(١). (قض): فإن قلت: لم أوجبتم القراءة والذكر في القيام والقعود ولم توجبوا في الركوع والسجود؟ قلت: لأنهما من الأفعال العادية، فلا بدَّ من ممِّيزِ يصرفُهما عن العادة، ويُمخِّضُهما للعبادة، وأما الركوع والسجود: فهما بذاتيهما مخالفان للعادة، ويدلاَّن على غاية الاستكانة، فلا يفتقران إلى ما يقاربُهما فيجعلهما طاعةً(٢). (ن): ((قمن)) بفتح القاف وفتح الميم وكسرها، لغتان مشهورتان، فمَن فتح هو عنده مصدر لا یثنی ولا یجمع، ومن کسر فھو وصف یثنی ويجمع، وفيه لغة [ثالثة]: (فقَمِين)، بزيادة ياء وفتح القاف وكسر الميم، (١) المرجع السابق (٤ / ١٩٧). (٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٢٩٥). ٤٧ ومعناه: حقيق وجدير، وفيه الحث على الدعاء في السجود، فيستحب أن يجمع في سجوده بين التسبيح والدعاء (١). ١٤٢٨ - وعَنْ أَبِي هُرِيرةَ ﴿ُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَهْ قَالَ: (أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ؛ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ» رواه مسلمٌ. قوله : ((أقرب ما يكون العبد من ربه)» : (ن): معناه أقرب ما يكون من رحمة ربه وفضله، وفيه الحث على الدعاء في السجود، وفيه دليل لمن يقول: إن السجودَ أفضلُ من القيام وسائر أركان الصلاة، وإليه ذهب ابن عمر رائها، وحكاه الترمذي والبغوي عن جماعة، وذهب الشافعي وجماعة إلى أن طول القيام أفضل، والثالث: أنهما سواء، وتوقف أحمد(٢). وسبقت هذه المسألة بشواهدها في (الباب السابع والعشرين بعد المئة). (ط): ((هو ساجد)) حال سدت مسد الخبر، نظيره: ضربي زيداً قائماً، والعرب التزمت حذفَ خبر هذا المبتدأ، وتنكير (قائماً)، وجعلت المبتدأ عاملاً في مفسر صاحب الحال، ويشهد بأن (كان) المقدرة تامة، و(قائماً) حال من فاعلها، التزامُ العرب تنكير (قائماً) وإيقاعُ الجملة (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ١٩٧). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ٢٠٠). ٤٨ الاسمية المقرونة بواو الحال موقعَهُ، والتركيب من الإسناد المجازي، أسند القرب إلى الوقت، وهو للعبد مبالغة. فإن قلت: أين المفضل ومتعلق أفعل في الحديث؟ قلت: محذوف، وتقديره: أن للعبد حالتين في العبادة حال كونه ساجداً لله تعالى وحال كونه ملتبساً بغير السجود فهو في حالة السجود أقرب إلى ربه من نفسه في غير تلك الحالة، ويدل عليه فيما نقل: الناسُ بزمانهم أشبهُ منهم بآبائهم؛ أي: الناس في فسادهم واقترافهم رذائل الأخلاق، أشبهُ بزمانهم من أنفسهم بآبائهم في الصورة والهيئة، وفي اقتنائهم مكارم الأخلاق(١). * ١٤٢٩ - وعنهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ : (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ: دِقَّهُ وَجِلَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وَعَلَانِيَتَه وَسِرَّهُ» رواهُ مسلمٌ. * قوله ﴿: «دقَّ وجلَّه» : (ن): ((دقه وجله))؛ أي: قليله وكثيرَه(٢). (نه): صغيره و کبیرَه(٣). (ط): قيل: إنما قدم الدق على الجل؛ لأن السائل يتصاعد في (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠٢٥/٣ - ١٠٢٦). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ٢٠١). (٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٢٨٨). ٤٩ مسألته، ولأن الكبائر إنما تنشأ في الغالب من الإصرار على الصغائر وعدم المبالاة بها، فكأنها وسائل إلى الكبائر، ومن حق الوسيلة أن تقدم إثباتاً(١). ١٤٣٠ - وعَنْ عَائشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا، قَالَتْ: افتَقَدْتُ النَّبِيَّ ◌َهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَتَحَسَّسْتُ، فَإِذَا هُوَ رَاكِعٌ - أَوْ: سَاجِدٌ - يَقُولُ: ((سُبْحَانَكَ وبِحَمْدِكَ، لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ)). وفي روايةٍ: فَوَقَعَت يَدِي عَلَى بَطْنٍ قَدَمَيْهِ، وَهُوَ فِي المَسْجِدِ، وَهما مَنْصُوبَتَانِ، وَهُوَ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ إِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وبِمُعَافاتِكَ مِنْ عُقوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ)) رواهُ مسلمٌ. * وقولها: «فوقعت يدي على بطن قدمه)): (ن): استدلَّ به مَن يقول: إن لمس المرأة لا ينقض الوضوء، وهو مذهب أبي حنيفة وآخرين، وقال مالك والشافعي وأحمد والأكثرون: ینقض، واختلفوا في تفصيل ذلك، وأجيب عن هذا الحديث بأن الملموس لا ينتقض على قول الشافعي، وعلى قول من قال: ينتقض وهو الراجح عند أصحابنا، يحملُ هذا اللمس على أنه فوق حائل، وقولها: ((وهما منصوبتان)): فيه أن السنة نصبهما في السجود(٢). (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ١٠٢٣). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ٢٠٣). ٥٠ * قوله إيلاف: «أعوذ برضاك من سخطك)»: (ن): قال الإمام أبو سليمان الخطابي: في هذا المعنى اللطيف فائدة، وذلك أنهُ استعاذ بالله وسأله أن يجيره برضاه من سخطه، الرضا والسخط [ضدان] متقابلان، وكذا المعافاة والمعاقبة، فلما صار إلى ما لا ضد له - وهو الله سبحانه - استعاذ به منه لا غير، ومعناه استغفار من التقصير في بلوغ الواجب من حقِّ عبادته والثناء عليه(١). (نه): في رواية بدأ بالمعافاة ثم بالرضا، وإنما ابتدأ بالمعافاة من العقوبة؛ لأنهما من صفات الأفعال؛ كالإماتة والإحياء، والرضا والسخط من صفات الذات، فبدأ بالأدنى مترقياً إلى الأعلى، ثم لمَّا ازداد يقيناً وارتقاءً؛ ترك الصفات، وقصَر نظرَه على الذات، فقال: ((أعوذ بك منك))، ثم لمَّا ازداد قرباً؛ استحيا معه من الاستعاذة على بساط القرب، فالتجأ إلى الثناء فقال: ((لا أحصي ثناء عليك))، ثم علم أن ذلك قصور فقال: ((أنت كما أثنيت على نفسك))، وأما على الرواية الأولى؛ فإنما قدم الاستعاذة بالرضا على السخط؛ لأن المعافاة من العقوبة تحصلُ بحصول الرضا، وإنما ذكرها؛ لأن دلالةَ الأول تضميرٌ، فأراد أن يدلَّ عليها دلالةً مطابقةً، فكنَّى عنها أولاً ثم صرح بها ثانياً، ولأن الراضي قد يعاقب للمصلحة أو لاستيفاء حق الغير(٢). (ن): ((لا أحصي ثناء عليك))؛ أي: لا أطيقه ولا آتي عليه، وقيل: (١) المرجع السابق (٤ / ٢٠٤). (٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٢٣٢). ٥١ لا أحيط به، وقال مالك رحمه الله: معناه لا أحصي نعمتَكَ وإحسانَكَ والثناءَ بهما عليك وإن اجتهدتُ في الثناء عليك(١). (ط): قال الراغب: ((الإحصاء)): التحصيل بالعدد، يقال: أحصيت كذا [وذلك]، من لفظ الحصى، واستعمال ذلك فيه من حيث إنهم كانوا يعتمدون عليها بالعدِّ كاعتمادنا فيه على الأصابع، قال رَّهِ: ((اِستَقِيُموا ولَن تُحصُوا))(٢)؛ أي: لن تحصلوا ذلك، ووجه تعذر إحصائه وتحصيله هو أن الحق واحدٌ والباطل كثيرٌ، بل الحقُّ بالإضافة إلى الباطل كالمرمى من الهدف، فإصابة ذلك شديدة(٣) . (ن): ((أنت كما أثنيت على نفسك)) اعترافٌ بالعجز عن تفصيل الثناء، وأنه لا يقدر على حقيقته، ورد الثناء إلى الجملة دون التفصيل والإحصاء والتعيين، فوكَل ذلك إلى الله سبحانه المحيطِ بكل شيء جملةً وتفصيلاً، كما لا نهاية لصفاته لا نهاية للثناء عليه؛ لأن الثناء تابع للمثنى عليه، وكل ثناء أُثني عليه وبه إن كثر وطال وبُولغ فيه؛ فقدرُ الله أعظمُ، وسلطانُهُ أعزُّ، وصفاتُهُ أكبرُ وأكثرُ، وفضلُهُ وإحسانُهُ أوسعُ وأسبغُ (٤). (ط): (ما) في ((ما أثنيت)) يجوز أن تكون موصوفةً، وأن تكون موصولة؛ كقوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَاسَوَّنَهَا﴾ [الشمس: ٧]؛ أي: الحكيم الباهر (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ٢٠٤). (٢) رواه ابن ماجه (٢٧٧). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٩٥٢). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ١٠٢٤ - ١٠٢٥). (٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ٢٠٤). ٥٢ الحكمة سوَّى هذه النفسَ العجيبةَ الشأنِ، والكاف بمعنى مثل، كالمثل في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقوله: ﴿فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلٍ مَآ ءَامَنتُم بِهِ،﴾ [البقرة: ١٣٧]؛ أي: أنت الذات التي لها صفات الجلال والإكرام، ولها العلم الشامل والقدرة الكاملة، تعلم بالعلم الشامل صفات جلالك وإكرامك، وتقدر بقدرتك الكاملة أن تُحصي ثناء نفسك، فنفى في قوله: ((لا أحصي ثناء عليك)) القدرة والعلم عن نفسه عجزاً واعترافاً بالقصور، وأثبتهما في قوله: ((أنت كما أثنيت على نفسك)) لله دَك إعظاماً وإجلالاً له، وذلك أن صفات الجلال والإكرام لا نهاية لها، ولا تدرك ولا تطاق إلا بعلم وقدرة لا نهاية لهما، وهذا الثناء يجوز أن يكون بالقول كما في قوله: ﴿اَلْعَمْدُ لِلَّهِرَبِ الْعَلَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) مَلِكِ يَوْمِ الَّذِينَ ﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤]، وبالفعل كما في قوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]، قالوا: ما أثنى الله على نفسه تعالى فهو في الحقيقة إظهار فعله محمدةً لنفسه من بث آلائه، وإظهار نعمائه، بمحكمات أفعاله(١). ١٤٣١ - وعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﴿هِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَقالَ: ((أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكْسِبَ في كُلِّ يَوْم أَلَّفَ حَسَنَةٍ؟))، فَسَأَلَهُ سَائِلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ: كَيْفَ يَكْسِبُ أَلْفَ حَسَنَةٍ؟ قَالَ: ((يُسَبِّحُ مِئَةَ تَسْبِيحَةٍ، فَيُكْتَبُ لَهُ أَلْفُ حَسَنَةٍ، أَوْ يُحَطُّ عَنْهُ أَلْفُ خَطِيئَةٍ)) رواه مسلمٌ. (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ١٠٢٥). ٥٣ قالَ الحُمَيْدِيُّ: كَذَا هُوَ فِي كِتَابِ مُسلِمٍ: ((أَوْ يُحَطُّ). قَالَ البَرْقَانِيُّ: ورواهُ شُعْبَةُ، وأبو عَوَانَةَ، وَيَحْبَى القَطَّانُ، عَنْ مُوسَى الَّذِي رواهُ مسلمٌ مِنْ جِهَتِهِ، فقالُوا: ((وَيُحَطَّ)) - بِغَيْرِ أَلِفٍ -. · قوله خلف: «أو يحط)): (ن): هكذا هو في عامة نسخ مسلم ((أو يحط)) بـ (أو) وفي بعضها بالواو، و کذا الحميدي(١). (ق): إسقاط الألف صحيح روايةً ومعنىّ؛ لأن الله تعالى جمع ذلك كله لقائل تلك الكلمات، ولو صحَّت رواية الألف؛ لحُمِلت على المذهب الكوفي: أن (أو) تکون بمعنى الواو(٢). (ط): يختلف معنى الواو [و(أو)] إذا أريد بهما أحد الأمرين، وإذا أريد التنويع؛ فهما سيَّان في القصد، سبق في (الباب الثالث عشر)(٣). ١٤٣٣ - وَعَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الحَارِثِ رَضِيَ الله عَنْهَا: أَنَّ النبيَّ ◌َِّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ وَهِيَ في مَسْجِدِهَا، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحِى وَهِيَ جَالِسَةٌ، فقالَ: ((مَا زِلْتِ عَلَى الحَالِ الَّتِي فَارَقْتُّكِ عَلَيْهَا؟))، قَالَتْ: نَعَمْ: فَقَالَ النَّبيُّ ◌َِّ: (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٢٠). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٢٤). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٢١). ٥٤ (لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ اليَوْمِ، لَوَزَنَّهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَاءَ نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدادَ كَلِمَاتِهِ) رواه مسلمٌ . وفي روايةٍ لَهُ: ((سُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللهِ رِضَاءَ نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللهِ زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ». وفي رواية الترمذي: ((أَلَا أُعَلِّمُكِ كَلِمَاتٍ تَقُولِينَهَا؟ سُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللهِ رِضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللهِ رِضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللهِ رِضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللهِ زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللهِ زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللهِ زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ، سُبْحَانَ اللهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ، سُبْحَانَ اللهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ)) . * قوله: «في مسجدها» : (ط): أي: موضع سجودها للصلاة، ((بعد أن أضحى))؛ أي: دخل في الضحى، و((أربع كلمات)) نصب على المصدر؛ أي: تكلمت بعد مفارقتك أربع كلمات(١). (تو): ((لوزنتهن))؛ أي: ساوتهن؛ أي: لو قُوبلت بما قلتِ لساوتهن، ويحتمل أن يراد به الرجحان؛ أي: رَبَتْ عليهن في الوزن، كما تقول : حاجَجْتُه (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطّيبي (٦ / ١٨٢٢). ٥٥ فحججته؛ أي: غلبت عليه بالحجة، أعاد الضمير إلى ما يقتضيه المعنى لا إلى لفظة (ما) في قوله: ((ما قلتِ))، وفيه [تنبيه] على أنها كانت كلمات كثيرة، و(اليوم) في قوله: ((منذ اليوم)) مجرور، وهو الاختيار، و((سبحان الله)) نصب على المصدر، تقول: سبَّحتُ الله تسبيحاً، ثم جعل (سبحان) في موضع التسبيح، و((عدد ما خلق)) أيضاً نصب على المصدر، وكذلك البواقي، والمعنى سبَّحتهُ تسبيحاً يبلغُ عددَ خلقه، و«زنةَ عرشه))؛ أي: ما يوازنه في القدر والوزانة، و((رضا نفسه))؛ أي: ما يقع منه سبحانه موقع الرضا، أو ما يرضاه، و((المداد)): مصدر، تقول: مددت الشيء أمده مدداً ومداً، وقيل: یحتمل أن یکون جمع مد بالضم؛ أي: مکیال، فإنه يجمع على مداد، و((كلماته): قيل: كلامه، وقيل: يراد به القرآن، وذكر العدد على المجاز مبالغة في الكثرة؛ لأنها لا تعدُّ ولا تنحصر، ويحتمل أن يراد بهما عدد الأذكار، وعدد الأجور عليها(١). (ن): ((مداد)) بكسر الميم معناه: مثلها في العدد، وقيل: مثلها في أنها لا تنفد، وقيل: في الكثرة؛ لأنه ذكر أولاً [ما يحصره] العدُّ [الكثير] من عدد الخلق، ثم زنة العرش، ثم ارتقى إلى ما هو أعظم من ذلك وعبَّر عنه بهذا؛ أي: ما لا يحصيه عدٌّ كما لا تحصى كلمات الله(٢). (ق): ((وزنة عرشه)): وزنه الذي لا يعلم مقداره إلا الله، و((رضا نفسه))؛ يعني: أنَّ رضاهُ عمَّن رضي عنهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين لا ينقطع ولا ينقضي، ونبَّه ◌َّ على أن ذكرَ الله بهذه الكلمات (١) المرجع السابق، الموضع نفسه . (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٤٤). ٥٦ ينبغي أن يكون بحيث لو تمكن من تسبيح الله وتحميده عدداً لا يتناهى ولا ينحصر؛ لفعل ذلك؛ ليحصل له من الثواب ما لا يدخل في حساب(١). (ط): ((أربع كلمات)) يقتضي تقدير الناصب في كل من المنصوبات؛ إذ الكلمات خمس، كأنه قيل: سبحان الله وبحمده عدد خلقه، سبحان الله وبحمده رضا نفسه، وهلم جراً، وصرح في القرينة الأولى بالعدد، وفي الثانية بالزنة، وعدل في الثالثة والرابعة عنهما؛ ليؤذن بأنهما لا يدخلان في جنس المعدود والموزون، ولا يحصرُهما المقدارُ لا حقيقةً ولا مجازاً، فيحصل الترقي حينئذٍ من عدد الخلق إلى رضا الله، ومن زنة العرش إلى مداد الكلمات(٢) . ١٤٣٤ - وعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﴾، عَنِ النَّبِّ وَّه قَالَ: ((مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لاَ يَذْكُرُهُ، مَثَلُ الحَيِّ وَالمَبِّتِ)» رواهُ البخاريُّ. ورواه مسلمٌ، فقالَ: ((مَثَلُ البَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللهُفِيهِ، وَالبَيتِ الَّذِي لاَ يُذْكَرُ اللهُ فِيهِ، مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ)). · قوله عليه: ((مثل الذي يذكر ربه» : (ط): شبّه الذاكرَ بالحيِّ الذي يَزِينُ ظاهرَهُ بنور الحياة وإشراقها فيه، (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٥٣). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٢٣). ٥٧ وبالتصرف التام فيما يريد، وباطنه بنور العلم والفهم والإدراك، كذلك الذاكر يَزِنُ ظاهرَهُ بنور العمل والطاعة، وباطنه بنور العلم والمعرفة، فقلبه مستقرٌّ في حضيرة القدس، وسرُّه في مَخدَع الوصل، وغير الذاكر عاطلٌ ظاهرهُ، وباطلٌ باطنهُ (١). (مظ): أي: الحي تحصل منه طاعةٌ بخلاف الميت، والذاكر ربَّهُ هو الحي على الحقيقة، ولأن الحيَّ مَن له تلذُّذُ وحياةٌ، [والتلذذ] والحياة الحقيقي هو ذكر الله وطاعته؛ لأن الذكر يحيي القلب، ويوجب للذاكر الجنة ولقاء الله، وهذه الأشياء هي الحياة الحقيقية(٢). (ن): فيه الندب إلى ذكر الله تعالى، وفيه جواز التمثيل، وفيه أن طول العمر في الطاعة فضيلة وإن كان الميت ينتقل إلى خير؛ لأن الحيَّ سيلحق به ويزيد عليه بما يفعله من الطاعات(٣) . (ش): في رواية مسلم جُعلَ بيتُ الذَّاكِرِ بمنزلة بيت الحيِّ، وبيتُ الغافل بمنزلة الميتِ، وهو القبرُ، وفي رواية البخاري جُعِلَ الذَّاكِرُ بمنزلة الحيِّ، والغافلُ بمنزلة الميتِ الحيِّ، فتضمن اللفظان أن القلب الذاكرَ كالحيِّ في بيوت الأحياء، والغافلَ كالميت في بيوت الأموات، ولا ريب أن أبدان الغافلين قبورُ قلوبهم، وقلوبُهم فيها كالأموات في القبور؛ كما قيل : وأَجسامُهُم قبل القُبورِ قُبورُ ونِسيانُ ذِكْرِ اللهِ مَوتُ قُلُوبِهِم (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٧٢٢). (٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ١٣٣). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٦٨). ٥٨ وأَرواحُهُم في وَحْشَةٍ من جُسُومِهِم * فليسَ لَهُم حتَّى النُّشُورِ نُشُورُ (١) ١٤٣٥ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قال: ((يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ، ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلاٍ، ذَكَرْتُهُ فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ) متفقٌ عليهِ. * قوله تعالی: «أنا عند ظن عبدي بي» : (تو): الظن لما كان كالواسطة بين الشك والشك؛ استعمل تارة بمعنى اليقين، وذلك إذا قويت أماراتُهُ، وتارة بمعنى الشك إذا ضعفت أماراته، وبمعناهما ورد التنزيل، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَقُوا رَبِهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]؛ أي: يوقنون، وقال تعالى: ﴿وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَالَا يُرْجَعُونَ ﴾ [القصص: ٣٩]؛ أي: توهموا، وقوله: ((أنا عند ظن عبدي بي))؛ أي: يقينِه بِي في الاعتماد عليَّ والاستيثاقِ بوعدي. (قض): ((الظن)): هو الاعتقاد الراجح بأحد النقيضين، وهو كالواسطة بين العلم والشك، والظن في هذا الحديث يصح إجراؤه على ظاهره، والمعنى: أنا عند ظن عبدي بي أعامله على حسب ظنه، وأفعل به ما يتوقعه مني، والمراد هو الحثُّ على تغليبِ الرجاء على الخوف وحسنِ الظنِّ بالله، (١) انظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (٢ / ٤٣٠). ٥٩ كما قال ◌َّه: ((لاَ يَمُوتَنَّ أحدُكُم إلاَّ وهو يُحسِنُ الظَّنَّ باللهِ)(١)، ويجوز أن يفسّر بالعلم، والمعنى: أنا عند يقينِهِ بي وعلمِهِ بأنَّ مصيرَهُ إليَّ وحسابَهُ عليَّ، وأن ما قضيتُ من خير أو شر فلا مردّ له، ولا مُعطِي لما منعتُ، ولا مانع لما أعطيتُ؛ أي: إذا تمكّن العبد في مقام التوحید، ورسخ في الإيمان والوثوق، قرب منه، ورفع دونه الحجاب بحيث إذا دعاه؛ أجاب، وإذا سأله؛ استجاب، كما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال عن الله تعالى: ((عَلِمَ عَبدِي أنَّ لهُ ربًّ يَغْفِرُ الذَّنبَ ويَأْخُذُهُ بِهِ، غفَرَتُ لَهُ)) (٢). (ق): قيل: معناه ظن الإجابة عند الدعاء، وظن القبول عند التوبة، وظن قبول الأعمال عند فعلها على شروطها؛ تمسكاً بصادق وعدِهِ، وجزيلٍ فضلِهِ، فأما مَن عمل وظنَّ أن الله لا يقبلها: فذلك هو اليأسُ من رَوْح الله، والقنوطُ من رحمته، وهو من الكبائر، ومَن ظنَّ الرحمة والمغفرة مع الإصرار على المعصية، فذلك محضُ الجهل والغِرَّة، وقد قال ◌َّهِ: ((الكَيِّسُ مَن دَانَ نفسَهُ وعمِلَ لمَا بعدَ المَوتِ، والعَاجِزُ مَن أتبعَ نفسَهُ هَواهَا، وتمَنَّى على الله))(٣)، والظنُّ تغليبٌ، فلو خلا عن السبب المغلِّب؛ لم يكن ظناً، بل غِرَّة وتمنِّياً(٤). (١) رواه مسلم (٢٨٧٧ / ٨١). (٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ١٤)، والحديث رواه البخاري (٧٠٦٨)، ومسلم (٢٧٥٨) من حديث أبي هريرة ◌ُه . (٣) رواه الترمذي (٢٤٥٩)، من حديث شدَّاد بن أوس ◌َلُه. وهو حديث ضعيف. انظر: (ضعيف الجامع الصغير)) (٤٣٠٥). (٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٥). ٦٠