Indexed OCR Text
Pages 621-640
0 0 S C كَابَة ◌ِوَّ الله ◌َعَالِى وَشَار * قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرَّكُمْ وَاشْكُرُ واْ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾. [البقرة: ١٥٢]. * وقال تَعَالى: ﴿لَيْنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]. * وقَالَ تَعَالى: ﴿ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الإسراء: ١١١]. * وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَءَاخِرُ دَعْوَدُهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]. (الباب الثاني والأربعون بعد المئة) (في حمد الله وشكره) (نه): الحمد والشكر متقاربان، والحمد أعمُّهُما؛ لأنك تحمدُ الإنسانَ على صفاته الذاتية وعلى عطائِهِ ولا تشكرهُ على صفاتهِ، ومنه الحديث: ((رَأْسُ الحَمدِ الشُّكرُ، ما شكَرَ اللهَ عبدٌ لم يحمَدْهُ))، انتهى(١). قال أصحاب البيان: (الحمد): هو الثناء باللسان على الجميل، سواءٌ (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٤٣٧). ٦٢٣ تعلَّق بالفضائل أم بالفواضل، و(الشكر): فعل يُنبِئُ عن تعظيمِ المنعم بسبب الإنعام، سواءٌ كان ذكراً باللسان، واعتقاداً ومحبةً بالجَنَان، أو عملاً وخدمةً بالأركان، فموردُ الحمد هو اللسان وحده، ومتعلَّقُه يعمُّ النعمة وغيرها، وموردُ الشكر يعمُّ اللسانَ وغيرهُ، ومتعلَّقُه يكونُ النعمةَ وحدَها، فالحمدُ أعمّ باعتبار المتعلَّق وأخصُّ باعتبار المورد، والشكرُ بالعكس، ومن هذا تحقَّق تصادقُهما في الثناء باللسان في مقابلة الإحسان، وتفارقهما حيث صدقَ الحمدُ فقط على الوصف بالعلم والشجاعة، وصدقَ الشكرُ فقط على الثناء بالجَنَان في مقابلة الإحسان. وقال السهيلي: الفرق بين الحمد والمدح: أن الحمد يشترط أن يكون صادراً عن علم، وأن تكون تلك الصفات المحمودة صفات كمال، والمدح قد يكون عن ظنٍّ وصفةٍ مستحسنةٍ وإن كان فيها نقصٌ ما. * قوله تعالى: ﴿فَاذُّكُرُونِ أَذْكُرَكُمْ ﴾ [البقرة: ١٥٢]، قال مجاهد في قوله: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيَكُمْ﴾ [البقرة: ١٥١]: يقول: كما فعلت [بكم] ﴿فَذْكُرُونِيّ أَذْكُرَكُمْ ﴾ [البقرة: ١٥٢]، وقال الحسن البصري وأبو العالية والسُّدِّي والربيع بن أنس: إن الله يذكُرُ من ذكرَهُ، ويزيدُ من شكرَهُ، ويعذِّبُ من كفرَهُ، وقال مكحول: قلت لابن عمر عَ ﴾: قاتلُ النّفْسِ وشاربُ الخَمرِ والسَّارقُ والزَّاني يذكرُ اللهَ، وقد قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرَكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، قال: إذا ذكرَ اللهَ هذا؛ ذكرهُ اللهُ بَلعنتِهِ حتَّى يسكُتَ، وقال الحسن: اذكرُونِي فيما افترضْتُ عليكم؛ أَذكرْكُم فيما أُوجِبُ لكم على نفسي، وعن سعيد بن جبير : اذكرُونِي بطاعتي أَذكرْكُم بمَغْفِرتي، وفي رواية: برَحمَتِي، وقال ابن عباس ظلًّا: ذكرُ ٦٢٤ الله إِیاکُم ◌ُکثرُ من ذکرِكُم(١). وفي الحديث الصحيح يقول تعالى: ((مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفَسِهِ؛ ذَكرْتُهُ في نَفَسِي، ومَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ؛ ذَكرْتُهُ في مَلأٍ خَيرٍ منْهُ»(٢). (الثعلبي): روي عن النبي ◌َِّ: (مَنْ أَطَاعَ اللهَ؛ فَقَد ذكَرَ اللهَ وإِنْ قَلَّتْ صلاتُهُ وصيامُهُ وتلاوتُهُ للقرآن، ومَن عصى اللهَ؛ فقَد نَسِيَ اللهَ وإِنْ كَثُرَتْ صلاتُهُ وصيامُهُ وتلاوةُ القرآنِ))(٣)، وقال السدي: ليس من عبدٍ يذكرُ الله إلا ذكرَهُ اللهُ، لا يذكرُهُ مؤمنٌ إلا ذكرَهُ بالرحمَةِ، ولا يذكرُهُ كافرٌ إلاَّ ذكرَهُ بعذابٍ، وقال سفيان بن عيينة: بلغنا أن الله تعالى قال: ((أَعطَيتُ [عَبَادِي] ما لو أعطيتُهُ جبريل وميكائيلَ؛ كنتُ قد أجزَلْتُ لهُمَا، قلت: ﴿فَاذَكُونِي أَذْكُرَكُمْ﴾، وقلت لموسى: قل للظَّلمة: لا يذكرُونِي؛ فإني أذكرُ مَن ذكرَني، وإنَّ ذكرِي إِيَّهُم أَن العنَهُمْ))، انتھی (٤). قال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي: قال سمنون: الذِّكرُ أن ينسى كلَّ شيءٍ سوى مذكورِهِ؛ لاستغراقِهِ فيه، فتكونُ أوقاتُهُ كلُّها ذكرٌ، وأنشد : لاَ لأَنِّي أَنَسَاكَ أُكثِرُ ذكرًا كَ وَلكِنْ بِذَاكَ يَجرِي لِسَانِي قوله تعالى: ﴿وَأَشْكُرُواْ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]، عن زيد بن (١) انظر هذه الأقوال في ((تفسير ابن كثير)) (٢ / ١٢٥). (٢) رواه البخاري (٦٩٧٠)، ومسلم (٢٦٧٥)، من حديث أبي هريرة ظ ◌ُه. (٣) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٦٨٧). وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة الضعيفة» (٤٥٥٣). (٤) انظر: ((تفسير الثعلبي)) (٢/ ١٩). ٦٢٥ أسلم: أن موسى عليه السلام قال: يا رَبِّ؛ كيف أشكرُّكَ؟ قال له: ((تَذْكُرِي ولا تَنْسانِي، فإذَا ذَكَرَتَنِي؛ فَقْدِ شَكَرْتَنِي، وَإِذا نَسِيتَنِي؛ فقَدْ كَفَرْتَنِي)»(١). (م): الذکر قد یکون باللسان، وقد یکون بالقلب، وقد یکون بالجوارح، فذكرهم إياه باللسان: أن يحمدوه، ويسبحوه، ويقرؤوا كتابه، ونحو ذلك، وذكرهم إياه بقلوبهم على ثلاثة أنواع: أحدها: أن يتفكَّرُوا في الدلائل الدَّالةِ على ذاتهِ وصفاتهِ، ويتفكّروا في الجوابِ عن الشبهة القادحة فيها. وثانيها: أن يتفكّروا في الدلائل الدَّالةِ على كيفيةِ تكاليفهِ وأحكامهِ، وأوامره ونواهيهِ، ووعدهِ ووعيدهِ، فإذا عرَفُوا كيفيةَ التكليف، وعَرَفوا ما في الفعل من الوعد، وفي الشَّرك من الوعيد؛ سَهُلَ فعلُهُ عليهم. وثالثها: أن يتفكَّروا في أسرار مخلوقات الله حتَّى تصيرَ كلُّ ذرة من ذراتِ المخلوقات كالمرآة المجلَّوةِ المحاذية لعالم القدس، فإذا نظر العبدُ إليها؛ انعكس شعاعُ بصرهِ منها إلى عالمِ الجلالِ، وهذا المقامُ مقامٌ لا نهايةَ لهُ، وأما ذكرُهم إياهُ تعالى بجوارِحهم؛ فهي أن تكون جوارِحُهم مستغرقةً في الأعمال التي أمروا بها، وخاليةً عن الأعمال التي نُهُوا عنها، وعلى هذا الوجه سمَّى اللهُ الصلاةَ ذكراً بقوله: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، فصار الأمر بقوله: ﴿فَذَّكُرُونِيّ﴾ [البقرة: ١٥٢] متضمناً جميعَ الطاعات. * قوله تعالى: ﴿وَ إِذْ نَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَيِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ [إبراهيم: ٧]؛ أي: آذنَكُم وأعلَمَكُم بوعدهِ لكم، ويحتمل أن يكون معناه: وإذ أقسم (١) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (١٤٠٢، ١٤٠٤)، وفي الأصل: ((فقد ذكرتني))، والتصويب من ((تفسير ابن أبي حاتم)). ٦٢٦ ربّكُم وآلى بعزته وجلاله وكبريائه ﴿لَيِنِ شَكَرْتُمْ﴾ نعمة اللهِ ﴿لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ منها، ﴿وَلَيْنِ كَفَرُمْ﴾ النعمة؛ أي: سترتُمُوها وجحدتُمُوها ﴿إِنَّ عَدَابِى لَشَدِيدٌ﴾، وذلك بسلبِها عنهم وعقابِهِ إِيَّاهُم على كفرها، وفي الحديث: (إنَّ العبدَ ليُحرَمُ الرِّزْقَ بالذَّنبِ يُصيبُهُ)(١). وفي ((المسند)): أن رسول الله وَّهُ مَّ به سائلٌ فأعطاه تمرةً، فسخِطَها ولم يَقبَلْها، ثم مرَّ به آخرُ فأعطاها [إياه] فقبلها، وقال: تمرة من رسول الله وَّ، فأمرَ له بأربعينَ درهماً، أو كما قال(٢). (الثعلبي): قال ابن عيينة: الشكرُ بقاءُ النِّعمةِ، وثمرته الزيادة ومرضاة للرب، وقيل: الشكرُ قيدُ الموجودِ، وصيدُ المفقودِ(٣). (م): لا بدَّ في (تفعّل) من زيادة معنى ليس في (أفعل)؛ كأنه قيل: وإذ تأذنَ ربِكُم إيذاناً بليغاً تَنتَفِي عنده الشكوكُ، وتنزاحُ الشبه. [أما] الشكرُ: [فهو عبارة] عن الاعتراف بنعمة المنعم مع تعظيمه وتوطين النفس على هذه الطريقة، وأما الزيادة في النعمة: فهي أقسام: منها: النعم الروحانية، ومنها: النعم الجسمانية، أما النعم الروحانية: فهي أن الشاكر يكون أبداً في مطالعة أقسام نعم الله، وأنواع فضله وكرمه، ومن كثُر إحسانُه إلى الرجل أحبَّه الرجلُ لا محالةَ، فشغَل النفس بمطالعة أنواع (١) رواه ابن ماجه (٤٠٢٢)، من حديث ثوبان ﴿، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (١٤٥٢). (٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ١٥٤)، من حديث أنس به، قال الهيثمي في («مجمع الزوائد» (٣/ ١٠٢): فيه عمارة بن زاذان، وهو ثقة، وفيه كلام لا يضر، وبقية رجاله رجال الصحيح. (٣) انظر: ((تفسير الثعلبي)) (٥ / ٣٠٦). ٦٢٧ فضل الله، وإحسانه يوجب تأكد محبة العبد لله، ومقام المحبة أعلى مقامات الصديقين، ثم قد يترقى العبد عن ملك الحالة إلى أن يصير حبُّ المنعم شاغلاً له عن الالتفات إلى النعمة، ولا شك أن منبع السعادات وعنوانَ كلِّ الخيرات محبةُ الله ومعرفتهُ، فيثبت أن الاشتغال بالشکر یوجبُ مزيدَ النعم الروحانية، وأما مزيدُ النعم الجسمانية؛ فلأن الاستقرار دلّ على أن كل مَن كان اشتغالُهُ بشكر نعم الله أكثر؛ كان وصولُ النعم إليه أكثرَ، والسببُ في استجلاب الكفران العذابَ أن كفران النعمة لا يكون إلا عند الجهل بكون تلك النعمة نعمةً بالله، والجاهل جاهلٌ بالله، والجهل بالله من أعظم أنواع العقاب، وأيضاً كلُّ ما سوى الحق سبحانه فهو منقادٌ للحق طوعاً أو كرهاً، فكلُّ قلب حصل فيه نورُ معرفة الحق انقادَ لذلك القلب كلُّ ما سواه؛ لأن حضور ذلك النور في قلبه يستخدمُ كلَّ ما سواه بالطبع، وإذا خلا القلب عن ذلك النور؛ ضعُفَ وصار خسيساً، فيستخدمه كلُّ ما سواهُ، ويفتحُ عليه الآفات والمخافات في الدنيا والآخرة(١). * قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اَلَْمْدُ لِلَّهِ﴾ [الإسراء: ١١١]؛ أمر الله تعالى رسوله * أن يقول: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾؛ أي: على نعمه على عباده من النعم التي لا تعدُّ ولا تحصى، وعلى ما اتصف به من الأسماء الحسنى والصفات العلا(٢). * * قوله تعالى: ﴿وَءَاخِرُ دَعْوَدُهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾ [يونس: (١) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٩ /٦٨). (٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٠ / ٤١٨). ٦٢٨ ١٠]، هذا دليل على أن الله تعالى هو المحمود أبداً، المعبود على طول المدی، ولهذا حمد نفسه عند ابتداء خلقه واستمراره، وفي ابتداء کتابه، وعند ابتداء تنزيله حيث يقول: ﴿الْحَبْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِنَبَ ﴾ [الكهف: ١]، إلى غير ذلك من الأحوال، وأنه المحمود في الأول والآخر، وفي الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولهذا جاء في الحديث: ((إِنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ يُلهَمُونَ التَّسبِيحَ والتَّحمِيدَ كَمَا يُلهَمُونَ النَّفَسَ)) (١)، وإنما يكون كذلك لما يرونَ من تضاعفٍ نعمِ الله عليهم(٢). ١٣٩٣ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾: أَنَّ النبيَّ ◌َ﴿ أُنِيَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِقَدَحَيْنِ مِنْ خَمْرٍ وَلَبَّنٍ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا، فَأَخَذَ اللَّبَنَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ وَّ: (الحَمْدُ لِلهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ، لَوْ أَخَذْتَ الخَمْرَ، غَوَتْ أُمَّنُكَ)) رواهُ مسلمٌ. * قوله: «فنظر إليهما فأخذ اللبن»: (ن): هذه اللفظة وقعت مختصراً هاهنا، والمراد أنه وَّ ر أُتي بقدحين فقيل له: اختَر أيَّهما شئتَ كما جاء مصرحاً في (كتاب الإيمان) من رواية أبي هريرة، فألهمه الله سبحانه لما أراد من توفيق هذه الأمة والُّطف بها وقولُ جبريل: أصبتَ الفطرةَ، قيل في معناه أقوالٌ، المختارُ منها أن الله (١) رواه مسلم (١٩/٢٨٣٥)، من حديث جابر ظ (٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٧ / ٣٣٨). ٦٢٩ تعالى أعلمَ جبريل أنه اختار اللبن علامةً لكونه سهلاً طيباً، طاهراً سائغاً للشاربين، سليمَ العاقبة، وأما الخمر: فإنها أم الخبائث، وجالبة لأنواع من الشر في الحال والمآل. وقوله: ((الحمد لله))، فيه استحباب حمد الله تعالى عند تجدد النعمة وحصول ما کان الإنسان یتوقع حصوله، واندفاع ما کان یخاف وقوعه. وقوله: ((غوت أمتك))، معناه ظلمت وانهمكت في الشر(١). (ق): ((اللبن)) أول ما يغتذيه الإنسان، وهو قوت خلا من المفاسد، به قوامُ الأجسام، ودينُ الإسلام كذلك هو أول ما أخذ على بني آدم وهم كالذَّر، ثم هو قوتُ الأرواح، به قوامها وحياتها الأبدية، فصار اللبنُ عبارةً مطابقةً لمعنى دين الإسلام من جميع جهاته؛ أي: والخمر على النقيض من [ذلك في] جميع جهاته، وقد أعاذ الله نبيه ◌َّ﴿ عن الميل إليه طبعاً وشرعاً، ولهذا صوَّب الملكُ فعلَه ودعا له كما في رواية لمسلم: ((أَصَبْتَ أَصَابَ اللهُ بِكَ))(٢) ويحتمل أن يكون ذلك من باب التفاؤل والتشبيه لما كان اللبنُ أولَ شيءٍ يدخلُ جوفَ الصبي، ويشقُّ أمعاءه، فسمِّي ذلك فطرةً، ويفهم من نسبة الغواية إلى الخمر تحريمُهُ، ولكن ليس بصريح، ولذلك لم يكتفِ النبيُّ ◌َّه بمثل ذلك في التحريم حتى قدِمَ المدينةَ، وأنزِلَ التحريمُ بعد زمان(٣). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ١٨١). (٢) رواه مسلم (١٦٤ / ٢٦٤)، من حديث أنس ظُ (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٢٨٠). ٦٣٠ ١٣٩٤ - وَعَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ، قالَ: ((كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بـ: الحَمْدُ للهِ، فَهُوَ أَقْطَعُ)) حديثٌ حَسَنٌ، رواه أبو داودَ، وغیرُهُ. * قوله وَلافي: ((أمر ذي بال))؛ أي: حالٍ يهتمُّ به وأدخل الباء على قوله: ((الحمد لله)) لأنه أراد به هذه اللفظة، ولو كان المراد مطلق الحمد بأيِّ لفظ كان؛ لقال: بحمد الله، لكن ورد ((بحمد الله))(١)، وفي رواية: ((بالحمد»، وفي رواية: ((بذكر الله)(٢)، وفي رواية: ((ببسم الله الرحمن الرحيم))، أودعها كلَّها الحافظُ عبدُ القاهر الرهاويُّ في ((أربعينه))، فيحتمل أن يحمل المطلق على المقيد، أما رواية: ((ببسم الله الرحمن الرحيم)) إن صح: فظاهره أن يكون الحديثان مختلفين، فينبغي أن يبدأ بالتسمية والحمد. وقوله: ((أقطع))؛ أي: ناقص أبتر لا نظام له، بعيد عن النجاح، شبه بمقطوع اليد الذي لا يستطيع تناول ما يريد، وإنما كان كذلك؛ لأن جنس الإنس مشتركون في الاحتياج، ولا فرق بين المؤمن وغيره إلا بالاستعانة في الأمور بالله سبحانه وإنزال حوائجه به، فالمؤمنُ الذي عنَّ له أمرٌ تعلَّق قلبهُ به وغفل عن ذكر الله والاستعانة به فيه، يدلُّ على استيلاء الغفلة عليه. (١) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (١)، من حديث أبي هريرة ظه. وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٩٥٨). (٢) رواه الدارقطني في ((سننه)) (١/ ٢٢٩)، من حديث أبي هريرة ظه. وهو حديث ضعيف. انظر: ((إرواء الغليل)) (٢). ٦٣١ صَّى الله وَسَلّمُ كَابُ الصَّلاةِ عَلَى مَُّوَاللَِّ ٢٣٧/ ٢- باب الأمر بالصلاة عليه وفضلها وبعض صيغها * قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَئِكَتَّهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. (الباب الثالث والأربعون بعد المئة) (في الصلاة على النبي تَّر) (نه): معنى (صلِّ على محمد): عظِّمُهُ في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دعوته، وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بتشفُّعه في أمته، وتضعيف أجره ومَثُوبته، وقيل: [لما] أمر اللهُ بالصلاة عليه ولم نبلغ قدرَ الواجب من ذلك؛ أَحْلَنَاهُ على الله وقلنا: اللهمَّ؛ أنت صلِّ على محمد؛ لأنك أعلم بما يليق به(١). (ش): روى جُبير عن الضحاك قال: صلاةُ الله رحمةٌ، وصلاةُ الملائكة (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٥٠). ٦٣٥ الدعاءُ، وقال المُبَرد: والصلاةُ من الله الرحمةُ واستدعاءٌ للرحمة من الله تعالى، وهذا القول هو المعروف عند كثير من المتأخرين، وهو ضعيف لوجوه: أحدها: أنه سبحانه عطف الرحمة على الصلاة في قوله: ﴿أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ﴾ [البقرة: ١٥٧]، فاقتضى ذلك تغايرهما. الثاني: أن صلاة الله سبحانه خاصةٌ بأنبيائه وعباده المؤمنين، وأما رحمتُه: فوَسِعَت كل شيء، [فليست الصلاة مرادفة للرحمة، لكن الرحمة من لوازم الصلاة وموجباتها وثمراتها](١)، فمَن [فسَّرها بالرحمةِ؛ فقد] فسَّرها ببعض ثمرتها [ومقصودها]. الثالث: أنه لا خلاف في جواز الرحمة على المؤمنين، واختلف السلفُ والخلفُ في جواز الصلاة على غير الأنبياء. الرابع: أنه لو كانت الصلاة بمعنى الرحمة؛ لقامت مقامَها في امتثال الأمر، وأسقطت الوجوبَ عند من أوجبها إذا قال: ارحم محمداً وآلَ محمد، وليس الأمر كذلك. الخامس: أنه لا يقال لمن رحم غيره ورقَّ عليه: إنه صلى عليه، ويقال: إنه رحمه، وقد يرحم الإنسانُ بعضَ من يبغضُهُ ویعادیه. السادس: أن الصلاة لا بدَّ فيها من كلام، فهي ثناءٌ من المصلي على مَن يصلي عليه، وتنويهٌ به، وإشارةٌ لمحاسنه، بخلاف الرحمة. السابع: ثبت في ((صحيح مسلم)): ((أَنَّهُ مَنْ صلَّى على النَّبِّ ◌َِّ مرَّةً؛ (١) ما بين معكوفتين من ((جلاء الأفهام)) لابن القيم (ص: ١٥٩). ٦٣٦ صلَّى اللهُ عَلَيهِ بها عَشْراً) (١)، وهذا موافقٌ للقاعدة المستقِرَّة في الشريعة: أن الجزاء من جنس العمل، ومعلومٌ أن صلاة العبد عليه وَ﴿ ليست رحمةً من العبد؛ لتكون صلاةُ الله عليه من جنسها، وإنما هي ثناءٌ منه على الرسول ◌ِّته، وإرادةٌ من الله تعالى أن يُعليَ ذكرهُ، ويزيدَهُ تشريفاً وتعظيماً، فيصحُّ حينئذٍ ارتباطُ الجزاء بالعمل، ومشاكلته له، ومناسبته له؛ كقوله وَّجُ: ((مَنْ يسَّرَ على مُعسِرٍ؛ يَسَّرَ اللهُ عليهِ، ومَن سَتَر مُسلِماً؛ سَتَرُه اللهُ في الدُّنيا والآخرة، ومَن نَفَّسَ عَن مُؤمِنٍ كُرِبَةً مِن كُرَبِ الدُّنيا؛ نَّسَ اللهُ عنهُ كُرِبَةً مِن كُرَبٍ يوم القِيامَةِ، واللهُ في عَوْنِ العَبدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ))(٢)، ونظائره كثيرة. الثامن: أن أحداً لو قال: عن رسول الله رحمه الله؛ لبادَرتِ الأمةُ إلى الإنكار، وعدُّوهُ مبتدعاً غيرَ موقِّرٍ ولا مصلٍّ عليه، ولو كانت الصلاةُ هي الرحمةَ؛ لم يمتنع شيءٌ من ذلك. التاسع: أنه تعالى قال: ﴿لَّا تَجْعَلُواْ دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، فلا يقال: يا محمدُ، بل: يا رسول الله، يا نبي الله؛ فإذا كان هذا في خطابه؛ فكذا في مَغيبه، فلا يقال: ينبغي أن يجعل ما يدعا به له من جنس ما يدعو به بعضنا لبعض، ومعلوم أن الرحمة تدعا بها لكلِّ مسلم، بل ولغير الآدمي من الحيوانات؛ كما في دعاء الاستسقاء: ((اللهمَّ ارحم عبادَكَ وبلادَكَ وبهائمَكَ))(٣). (١) رواه مسلم (٣٨٤ / ١١)، من حديث عبدالله بن عمرو ـ (٢) رواه مسلم (٢٦٩٩ / ٣٨)، من حديث أبي هريرة ظل لته . (٣) رواه ابن عدي في ((الكامل في الضعفاء)) (٤ / ٣١٩)، من حديث عبدالله بن عمرو له. ورواه أبو داود (١١٧٦) بلفظ: ((اللهم اسقِ عبادك وبهائمك وانشر = ٦٣٧ العاشر: أن هذه اللفظة لا تعرف في اللغة الأصلية بمعنى الرحمة أصلاً، والمعروف عند العرب من معناها إنما هو الدعاء، والتبريك، والثناء، قال الأعشى: وَإِنْ ذُكِرَتْ صَلَّى عَلَيْهَا وَزَمْزَما لھَا حَارِسٌ لا يَبرَحُ الدَّهرَ بَيتَهَا أي: برَّك عليها ومدَحَها، قالوا: يجب حمل اللفظ على معناه المتعارف. الحادي عشر: أن يَسُوغ، بل يُستَحبُّ لكل أحد أن يقول: اللهمَّ؛ ارحمنِي، ولا يَسُوغ بأحد أن يقول: اللهمَّ؛ صلِّ عليَّ، بل الداعي بهذا معتدٍ، فعلم أنه ليس معناهما واحداً(١). * قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَئِكَتَّهُ يُصَلُونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، المقصود من هذه الآية: أن الله سبحانه أخبر عباده بمنزلة نبيِّهِ وَّ عنده في الملأ الأعلى بأنه يُثني عليه عند الملأ المقربين، وأن الملائكة تصلي عليه، ثم أمر تعالى أهلَ العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه، ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين: العلوي والسفلي جميعاً. (م): إذا صلى الله وملائكته عليه؛ فأيةُ حاجة إلى صلاتنا؟ نقول: الصلاة عليه ليس لحاجته إليها، وإلا؛ فلا حاجة إلى صلاة الملائكة مع صلاة الله عليه، وإنما هو لإظهار تعظيمه منا شفقةً علينا؛ ليثيبنا عليه، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مَرَّةً؛ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ عَشْرا)(٢). = رحمتك ... ))، وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح أبي داود)) (١٠٦٧). (١) انظر: ((جلاء الأفهام)) لابن القيم (ص: ١٥٨ - ١٦٦). (٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٥ / ١٩٦). ٦٣٨ ١٣٩٧ - وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ عَ﴾: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِوَّهِ يَقُولُ: (مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَةً، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً) رواهُ مسلم. * قوله ◌َليفي: ((عشراً): (ن): قال القاضي عياض: معناه رحمَه وضعَّف أجرهُ؛ کقوله تعالى: ﴿مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةٍ فَلَهُ، عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، قال: وقد تكون الصلاة على وجهها وظاهرها كلاماً تسمعه الملائكة؛ تشريفاً للمصلي وتکريماً له؛ كما جاء ((فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ؛ ذَكَرْتُهُ في مَلأٍ خَيْرٍ منهُمْ))(١) . ١٣٩٨ - وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: «أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ القِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلاَةٌ، رواه الترمذيُّ، وقالَ: حديثٌ حسنٌ. · قوله ميل: ((أولى الناس بي)): (ط): يعني أن أخص أمتي بي، وأقربهم مني، وأحقَّهم بشفاعتي، أكثرُهُم عليَّ صلاةً، من الوَلْي: القرب، وضمِّن معنى الاختصاص، فعدِّي بالباء(٢). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ١٢٨)، والحديث رواه البخاري (٦٩٧٠)، من حديث أبي هريرة . (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ١٠٤٢). ٦٣٩ ١٣٩٩ - وعَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ ﴿هِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِلَّى : (إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَّامِكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلاَةِ فِيهِ؛ فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ)»، فَقالُوا: يَا رَسُولَ الله! وَكَيْف تُعْرَضُ صَلاتُنَا عَلَيْكَ، وَقَدْ أَرَمْتَ؟! قَالَ: يَقُولُ: بَلِيتَ، قالَ: (إِنَّ اللّهَ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ)). رواه أبو داود بإسنادٍ صحیحٍ. * قوله : ((إنَّ من أفضل أيامكم يوم الجمعة))، سبق في (الباب الخامس والعشرين بعد المئة في فضل يوم الجمعة). * قوله لي: «فأكثروا علي من الصلاة فيه)): وَ لخل* يوم (ش): كان الصحابة يستحبون إكثار الصلاة على النبي الجمعة، قال محمد بن يوسف العابد، عن الأعمش، عن زيد بن وهب قال: قال ابن مسعود: يا زيد بن وهب؛ لا تدع إذا كان يوم الجمعة أن تصلي على النبي ◌َّرِ ألف مرة، تقول: اللهمَّ؛ صلِّ على محمدٍ النبيِّ الأميِّ، واعلم أن نبينا وَِّ سيدُ الأنام، ويومُ الجمعة سيدُ الأيام، فللصلاة عليه في هذا اليوم مزيةٌ ليست لغيره، مع حكمة أخرى وهي: أن كلَّ خير نالتهُ أمتهُ في الدنيا والآخرة فإِنَّما نالتهُ علی یده، فجمع الله به لأمته بین خير الدنيا والآخرة، وأعظمُ كرامة تحصلُ لهم إنما تحصل يوم الجمعة؛ فإن فيه بعثهم إلى منازلهم وقصورهم في الجنة، وهو يوم المزيد لهم إذا دخلوا الجنة، وهو عيد لهم في الدنيا، ويوم يُسعفهم الله فيه بطلباتهم وحوائجهم، ولا يردُّ سائلَهم، وهذا كلُّه إنما عرفُوه وحصل لهم بسببه وعلى يده، فمن ٦٤٠