Indexed OCR Text
Pages 601-620
العلماء دين يدان به، وفي الحديث الإلهي: ((مَنْ عادى لي ولياً فقد بارَزَنِي بالمُحاربَةِ)) (١)، وورثة الأنبياء سادات أولياء الله، وفيه تنبيه للعلماء على سلوك هدى الأنبياء، واتباع طريقهم في تبليغ العلم من الصبر على الأذى، واحتمال المكاره، ومقابلة إساءة الناس بالإحسان إليهم والرفق بهم، وفيه تنبيةٌ لأهل العلم وحضهم على تربية الأمة كما يربِّيِ الوالد ولده، فيربونهم بالتدريج والترقِّي من صغار العلم إلى كباره؛ فإن أرواح البشر بالنسبة إلى الأنبياء والرسل كالأطفال الصغار بالنسبة إلى آبائهم، وكل روح لم يربِّها الرسول لم تفلح أبداً، كما قيل: لبانَ هدیّ قد درَّ من نَدْي قدسِهِ ومَن لا يربِّهِ الرسولُ ویسقهِ ولا يتعدَّى طورَ أبناءِ جنسهِ فذاكَ لَقِيطٌ ما لهُ نِسْبةُ الوَلا انتھی(٢). قال الحافظ أبو حاتم بن حبان: في هذا الخبر بيانُ أن العلماءَ الذين لهم هذا الفضلُ همُ الذين يعلمون علمَ النبي ◌َّ دون غيره من سائر العلوم؛ لأن الأنبياء لم يورِّثوا إلا العلم، وعلم نبينا ◌َّ سنته (٣). * قوله تقدير: ((لم يورثوا ديناراً ولا درهماً): (ش): هذا من كمال الأنبياء وعظم نصحهم للأمم، وتمامُ نعمة الله (١) رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٦٠٩) من حديث أنس حظه. وهو حديث صحيح. انظر: ((السلسلة الصحيحة)) (٤ / ١٨٤). (٢) انظر: ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (١ / ٦٦). (٣) انظر: ((صحيح ابن حبان)) (١ / ٢٩٠). ٦٠١ عليهم وعلى أممهم أَنْ أزاحَ عنهم جميعَ العللِ، وحسمَ عنهم جميعَ الموادِّ التي توهم بعضَ النفوس أن الأنبياءَ من جنس الملوك الذين يريدون الدنيا من ذلك وملكها، فحماهم الله سبحانه وتعالى أتم الحماية، ثم لمَّا كان الغالبُ على الناس أنَّ أحدَهم يريدُ الدنيا لولدهِ من بعده، فتراهُ في الدنيا يسعى ويتعبُ ويحرمُ نفسه ويجمعُ الدنيا لولده = سدَّ هذه الذريعة عن الأنبياء والرسل، وقطع وهم الذي يقول: لعلَّه إن لم يطلب الدنيا؛ فقد يحصِّلُها لولده من بعده، فقال وَِّ: ((نَحنُ معاشِرَ الأنبياءِ لا نُورَثُ، ما تَركْناهُ فهو صدقةٌ))(١) وإنما ورثوا العلم، وأما قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُودٌ﴾ [النمل: ١٦]؛ فهو ميراث العلم والنبوة لا غير باتفاق أهل العلم، وهذا ظاهر لا ریب فیه؛ لأن داود عليه السلام کان له أولاد کثیرون، فلو كان الموروث هو المال؛ لم يختص به سليمان دون غيره، وأيضاً فإن كلام الله يصان عن الإخبار بمثل هذا؛ فإنه بمنزلة أن يقال: مات فلان وورثه ابنه، ومن المعلوم أن كل أحد يرثه ابنه، وليس في الإخبار بمثل هذا فائدة، وأيضاً فإن سياق ما قبل الآية وما بعدها يبيِّن أن المراد وراثة العلم والنبوة لا وراثة المال، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانِيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ اَلْمُؤْمِينَ (٥) وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٥ -١٦]، وإنما سیق هذا لبيان فضل سليمان وما خصّه الله به [من] كرامته وميراثه ما كان لأبيه من أعلى المواهب، وهو العلم والنبوة ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُِّينُ﴾ [النمل: ١٦] وكذلك قول زكريا عليه السلام: ﴿وَ إِنِّ خِفْتُ الْمَوَلِىَ مِن وَرَآءِى (١) رواه البخاري (٢٩٢٦)، ومسلم (١٧٥٩) من حديث أبي بكر ته دون قوله: ((نحن معاشر الأنبياء)). ٦٠٢ وَكَانَتِ امْرَأَتِى عَاقِرًا فَهَبْ لِى مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا ﴿ يَرِثُنِىِ وَبَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبِّ﴾ [مريم: ٥ -٦]، فهذا ميراث العلم والنبوة والدعوة إلى الله، وإلا فلا يُظَنَّ بنيٍّ كريم أنه يخاف عصبته أن يرثوه ماله، فيسأل الله تعالى ولداً يمنعهم ذلك الميراث، وقد نزه الله تعالى أنبياءه ورسله عن هذا وأمثاله، فبعداً لمن حرَّفَ كلامَ الله وردَّ على رسوله ◌َّهِ كَلاَمهُ، ويذكَرُ عن أبي هريرة ◌َظُه أنه مرَّ بالسوق يقوم في تجاراتهم وبياعاتهم، فقال: أنتم هاهنا وميراث رسول الله رَّ يقسم في المسجد، فقاموا سراعاً إلى المسجد، فلم يجدوا فيه إلا القرآنَ والذكرُ ومجالسَ أهل العلم، فقالوا: أين ما قلتَ يا أبا هريرة؟ فقال: هذا ميراث محمد رَّ يقسم بين ورثته، وليس بمواريثكم ولا دنياكم، أو كما قال(١). قوله : «فمن أخذه» : (ط): ((الفاء)) فيه سببية؛ أي: من ورث العلم ورث حظاً وافراً، ويجوز أن يكون الضمير في ((أخذه)) بمعنى اسم الإشارة؛ كما في قول الشاعر: فيه سوادٌ وبياضٌ وبلقْ كأنه في الجلد توليعُ البَهَقْ أي: كأنَّ ذلك، والمشار إليه جميع المذكورات(٢). (ش): ((بحظ وافر))؛ لأن أعظم الحظوظ وأجداها ما نفع العبد ودام نفعه، وليس هذا إلا حظه من العلم، فهو الحظّ الدائم النافع الذي إذا انقطعت الحظوظُ عن أصحابها؛ فهو موصولٌ له أبد الآبدين، وذلك أنه موصولٌ بالحي الذي لا يموت، فلذلك لا ينقطع ولا يفوت، وسائر (١) انظر: ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (١ / ٦٧). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٦٧٤). ٦٠٣ الحظوظ تنعدم وتتلاشى بتلاشي متعلقاتها، قال تعالى: ﴿وَقَدِ مْنَآ إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَلَهُ مَنْشُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]؛ فإن الغاية لما كانت منقطعة زائلة؛ تبعتها أعمالُهم، وقد روى هذا الحديث الوليد بن مسلم، عن خالد بن يزيد، عن عثمان بن أيمن، عن أبي الدرداء، وزاد في آخره ((ومَوتُ العَالِمِ مُصِيبةٌ لا تُجْبَرُ، ونَجمٌ طُمِسَ، ومَوتُ قبِيلةٍ أيسرُ من مَوتٍ عَالِمٍ))(١)، وهذا حديث حسن، ولما كان صلاحُ الوجود بأسره إنما يكون بوجود العلماء، ولولاهم؛ لكان الناسُ کالبهائم، بل أسوأ حالاً منها بکثیر = كان موتُ العالم مصيبةً لا يجبُرها إلا خلَفُ غيرِه له، وأيضاً فإن العلماء هم الذين يَسُوسُونَ العبادَ والبلادَ والممالكَ، فموتهم فسادٌ لنظام العالم، وتأمَّل إذا كان في الوجود واحدٌ قد فاق العالم في الغنى والكرم [وحاجتهم] إلى ما عنده شديدة، وهو محسنٌ إليهم بكل ما يمكن، ثم مات وانقطعت عنهم تلك المادة، فموتُ العالم أعظمُ مصيبةً من موت مثل هذا بكثير؛ فإن هذا یموت بموته أممٌ وخلائقُ، كما قيل: ولا شاةٌ تَمَوتُ ولاَ بَعِيرُ تعلَّمْ ما الرَّزيةُ فقدَ مالٍ يَمُوتُ بِمَوتِهِ بِشَرٌ كثيرٌ (٢) ولكِنَّ الرَّزيّةَ فقدُ حرِّ (حس): عن قتادة: بابٌ من العلم يحفظهُ الرجلُ لصلاح نفسهِ وصلاحٍ غيرهِ، أفضلُ من جهادِ حولٍ، وعن الثوري: ليس عملٌ بعد الفرائض أفضلَ (١) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٦٩٩). وهو حديث ضعيف جدًّا. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٤٨٣٨). (٢) انظر: ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (١ / ٦٣، ٦٨). ٦٠٤ من طلب العلم، وعنه: ما أعلمُ اليوم شيئاً أفضلَ من طلب العلمِ، قيل له: ليس لهم نية، قال: طلبُهم له نيةٌ، وعن الحسن قال: من طلب العلمَ يريدُ به ما عند الله؛ كان خيراً له ممَّ طلعَتْ عليه الشمسُ، وعن ابن وهب قال: كنتُ عند مالكِ قاعداً أسائلهُ فرآني أجمع كتبي لأقوم، قال مالك: أين تريد؟ قلت: أبادرُ إلى الصلاة، قال: ليس هذا الذي أنت فيه دونَ ما تذهبُ إليه إذا صحَّت فيه النيةُ، وما أشبه ذلك، وعن الشافعي قال: طلبُ العلم أفضلُ من صلاة النافلة(١). ١٣٨٩ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿ه، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِلَه يَقُولُ: (نَضَّرَ اللهُ امْرَأْ سَمِعَ مِنَّا شَيْئاً، فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ، فَرُبَّ مُبَلَّغِ أَوْعَى مِنْ سَامِع)). رواه الترمذيُّ، وقَالَ: حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. * قوله : ((نضر الله امراً سمع مقالتي)): (تو): (النضرة) الحسن والرونق، يتعدى ولا يتعدى، روي بالتخفيف والتشديد، والمعنى: خصّه الله بالبهجة والسرور؛ لما رزقَ بعلمه ومعرفته من القدر والمنزلة بين الناس في الدنيا، ونعمه في الآخرة حتی یری علیه رونق الرخاء ورفيف النعمة، وإنما خُصَّ حافظُ السنة ومبلغُها بهذا الدعاء؛ لأنه سعى في نضارة العلم وتجديد السنة، فجازاه في دعائه [له] بما يناسب حالهُ في المعاملة. (١) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١ / ٢٧٩). ٦٠٥ (خط): أجود اللغتين في ((نضر)) التخفيف(١). وقيل: ليس هذا من حسن الوجه، إنما معناه حسن الجاه والقدر في الخلق . (ك): ((ربَّ)) للتقليل، وكثر استعماله في التكثير بحيث غلب على الحقيقة، كأنها صارت حقيقة؛ وفيها عشر لغات: الراء مضمومة والباء مخففة، أو مشددة مفتوحة، أو مضمومة، أو مسكنة، والراء مفتوحة والباء مشددة، أو مخففة، وربت بتاء التأنيث والباء شديدة أو خفيفة، وهي حرف عند البصریین اسم عند الكوفيين. ومن خصائصها: أنها لا تدخل إلا على نكرة ظاهرة أو مضمرة، فالظاهرة يلزمها أن تكون موصوفة بمعرفة أو جملة. ومنها: أن الفعل الذي تسلطه على الاسم يجب تأخّرُهُ عنها، لأنها لإنشاء التقليل، ولها صدر الكلام، وفعله يجيء محذوفاً في الأكثر. ومنها: أن فعلها يجب أن يكون ماضياً، وهاهنا فعله محذوف، وهو نحو: کان، ووجد، ولقيت. و((مبلَّغ)) بفتح اللام؛ أي: مبلَّغ إليه، فحذف الجار والمجرور؛ كما يقال: المشترك، ويراد المشترك فيه، و((أوعى)) أفعل التفضيل من الوعي، وهو الحفظ، وقع صفة (لمبلَّغ)) و((سامع))؛ أي: مني، ولا بدَّ مِن هذا القيد لأن المقصود ذلك(٢) . (١) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٤ / ١٨٦). (٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢ / ٢٧). ٦٠٦ (ش): لو لم يكن في فضل العلم إلا هذا الحديث وحدَهُ لكفی به شرفاً؛ فإن النبي ټګ دعا لمن سمع كلامه ووعاه وحفظه وبلغه كما سمعه، وهذه مراتب العلم: أولها [وثانيها]: سماعه [وعقله]، فإذا سمعه؛ وعاه بقلبه؛ أي: عقَلَهُ واستقرَّ في قلبه كما يستقرُّ الشيء الذي یوعى في وعائه بحيث لا يخرج عنه، وكذلك عقله هو بمنزلة قيد البعير والدابة ونحوها؛ لئلا يشرُدَ ويذهَبَ، ولهذا كان الوعي والعقل قدراً زائداً على مجرد إدراك العلوم. المرتبة الثالثة: تعاهدُه وحفظُه حتى لا ينساه فيذهبَ. الرابعة: تبليغهُ إلى غيره وبُّهُ في الأمة؛ ليحصل به ثمرتهُ ومقصودهُ، فما لم يُبلَّغْ ويُبَثَّ في الأمة، فهو بمنزلة الكنز المدفون في الأرض الذي لا ينفق منه شيء، بل هو يعرض لذهابه وتلفه، فإن العلم ما لم ينفق منه بتعليم الناس، فإنه يوشك أن يذهب وينسى بالكلية، فإذا أنفق منها نما وزكا وزاد على الإنفاق، والأموال تنقص بالإنفاق. فمن قام بهذه المراتب الأربع؛ دخل تحت هذه الدعوة النبوية المتضمنة لجمال الظاهر والباطن، فإن النضرة هي [البهجة والحسن الذي يكساه الوجه من آثار الإيمان وابتهاج الباطن به، وفرح القلب وسروره والتذاذه به، فتظهرُ هذه] البهجةُ والسرورُ نضارةً على الوجه، ولهذا جمع الله سبحانه بين النضرة والسرور في قوله: ﴿وَلَقَّهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١]. وفي قوله: ((رب مبلغ أوعى من سامع)) تنبيهٌ على فائدة التبليغ، فقد يكون المبلَّغُ أوعى وأفهم له من المبلِّغ، أو أفقه منه فيحملها على أحسن ٦٠٧ وجوهها، ويستنبط فقهَها(١). (حس): اختلف في نقل الحدیث بالمعنى، فرخص فيه جماعة، قال واثلة بن الأسقع: إذا حدثناكم على معناه؛ فحسبكم، وإليه ذهب الحسن، والشعبي، والنخعي، وقال أيوب، عن ابن سيرين: كنت أسمع الحديث من عشرة واللفظ مختلف والمعنى واحد، وقال سفيان الثوري: إن قلت إني حدثتكم كما سمعت؛ فلا تصدقوني؛ فإنما هو المعنى، وقال وكيع: إن لم يكن المعنى واسعاً؛ فقد هلك الناس، وقد [ذهب] قوم إلى اتباع اللفظ، منهم ابن عمر، وهو قول القاسم بن محمد، وابن سيرين، ورجاء بن حيوة، ومالك بن أنس، وابن عيينة، وعبد الوارث، ویزید بن زُريع، ووُهيب، وبه قال أحمد ویحیی(٢). (ن): الرواية بالمعنى حرام عند جماعات من العلماء، وجائزة عند الأكثرين، إلا أن الأولى اجتنابها(٣). (ط): العزيمة: هي الاحتياط وأداء اللفظ بعينه، وعليه ظاهر هذا الحدیث من وجھین : أحدهما: نفس الدعاء؛ فإنه يُنبِئُ عن عدم التغيير؛ لأنه لو وضع موضع ((نضر الله)) رحم الله، أو غفر الله، أو ما شاكلهم؛ لفاتت المناسبة؛ فإن مَن حفظ ما سمعه ووعاه وأداه كما سمع من غير تغيير؛ كأنه جعل المعنى غضّاً طريّاً، ومن بدَّل وغيّر؛ فقد جعله مبتذلاً ذاوياً. (١) انظر: ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (١ / ٧١ - ٧٢). (٢) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١/ ٢٣٧ - ٢٣٨). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٨٢). ٦٠٨ ثانيهما: ما جاء في رواية الترمذي وأبي داود وغيرهم بدل قوله: ((فرب مبلغ ... إلى آخره): ((فَرُبَّ حَامِل فِقْهٍ غَيرُ فَقِيهِ، ورُبَّ حَامِلِ فِقْهِ إلى من هو أفَّقُه منهُ»(١)؛ فإن السامعَ أحدُ رجلين: إما أن لا يكون فقيهاً، فيجب عليه أن لا يغيره؛ لأنه غير عارف بالألفاظ المترادفة، فيخطئ فيه، أو يكون عارفاً بها لكنه غير بليغ، فربما يضع أحد المترادفين موضع الآخر، ولا يقف على رعاية المناسبات بين لفظ ولفظ؛ فإن المناسبةَ لها خواصُّ المعاني، لا يقف عليها إلا ذو دُرْبةٍ بأفانين النظم؛ لأنه يستنبط من ذلك اللفظ المغيّر أحكاماً وأسراراً لا يستنبطها غيره، وإن شئت؛ فتأمل حديث البراء بن عازب في قوله: ورسولك الذي أرسلت، فقال له وَلآت: (بَلْ قُلْ: وَنَبَيِّكَ))(٢)؛ ليختلف اللفظان، ويجمع له الثناءين من معنى النبوة والرسالة (٣). قال أبو ذَر الهروي(٤) في ((دلائل النبوة)): وهذا القسم من الفصاحة موجودٌ في القرآن والخطب وكلام البلغاء؛ فإن من سمع كلام غيره عرف صاحبه؛ كما هو مشهورٌ بين جرير والفرزدق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ٥ مَا ضَلَّ صَاحِبُّكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ١ - ٢] فتفكّر في ألفاظها وحسنِ مواقعها، هل تجدُ لفظَة لو أبدل مكانها غيرُها نابت منابها؟ إذ لو قيل: (١) رواه أبو داود (٣٦٦٠)، والترمذي (٣٦٥٦). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (٩٠). (٢) رواه البخاري (٢٤٤)، ومسلم (٢٧١٠). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٦٨٦). (٤) في الأصل: ((أبو الحسين)). ٦٠٩ والكوكب إذا سقط أو غرب أو أفل هل يغني عمّا (١) عليه النظمُ المعجز، فقس عليه الكلامَ النبوي؛ فإن لكل مقامِ مقالاً، ولكلِّ مع صاحبتها مَحالَّ، هذا وقد اتفق الفصحاء من علماء البيان أن للألفاظ أيضاً خواصَّ كما للأدوية، فإذا تحرىَّ الطبيبُ الحاذق تركيباً وعيَّن أوزان الأدوية وأعدادها؛ كالترياق الأكبر، فإذا غير أو بدل دواء بغيره؛ لم تحصل تلك الفائدة. وسمعت مشايخنا يقولون: في الأسماء التسعة والتسعين وتخصيص عددها فوائدُ لا ينبغي أن يزاد عليها ولا ينقص، ومن ثم أكدها بقوله والآن : ((مئةً إلاَّ واحِداً)، مثالها كوالد أوصى ولده: إني دفنت لك دفينةً في موضع كذا، فإذا خَطوتَ كذا وكذا خطوات؛ فزتَ بها، فالولد إن نقص من تلك الخطوات شيئاً أو زاد عليها؛ لم يفز بها. فإن قلت: في رواية الترمذي: ((رَحِمَ اللهُ عَبْداً سَمِعَ مقَالَتِي فوَعَاهَا، فأدَّاها كما سَمِعَها، فربَّ حَامِل فِقْهٍ غَيرُ فَقِهِ، ورُبَّ حَامِل فِقْهِ إلَى مَن هو أفقَهُ منهُ))، وألفاظ هذا الحديث مخالفة لقوله: «فربّ مبلَّغ أَوْعى له من سامع)). قلت: الحديث الأول عامٌّ بخلاف هذا، والمراد بقوله: ((شيئاً) عموم الأقوال والأفعال الصادرة من النبي ◌َّهم وأصحابه، يدل عليه صيغة ((منا)) بلفظ الجمع، ولهذا أوقع (امرأً) موقعَ (عبداً)، وهو أعم من العبد؛ إذ تخصيصه بالذكر بمعنى الاستكانة والمضي لأمر الله وأمر رسوله بلا امتناع، وعدم الاستنكاف من أداء ما سمع إلى من هو أعلم منه؛ فإن حقيقة العبودية مشعرة (١) في الأصل: ((علاما)). ٦١٠ بذلك، وكذا وضع ((مبلَّغ)) موضع ((فقيه))، وهو أعمُّ، والسامع أعم من حامل فقه، ولهذا وصفَ المبلَّغ إليه هنا بالوعي، ونسبه في ذلك الحديث إلى السامع. (حس): وفيه دليلٌ على كراهة اختصار الحديث لمن ليس بالمتناهي في الفقه؛ لأنه إذا فعل ذلك؛ فقد قطع طريق الاستنباط على من بعده ممن هو أفقه منه، وفي ضمنه وجوبُ التفقُّهِ والحثِّ على استنباطِ معنى الحديث واستخراجِ المكنون من سرِّه(١). ١٣٩٠ - وَعَنْ أَبِي هُرِيرَةَ ﴿ه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَمِ: (مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ، أُلْجِمَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ)) رَوَاهُ أَبو داودَ، والترمذيُّ، وَقَالَ: حديثٌ حَسَنٌ. * قوله يلاقي: ((بلجام من نار)): (ط): شبَّه ما يوضَعُ في فيهِ من النار بلجامٍ في فِي الدابة، وهو إنما كان جزاء إمساكه عن قول الحق، وخصصَ اللجام بالذكر؛ تشبيهاً له بالحيوان الذي سُخِّر ومنِعَ من قصد ما يريده؛ فإن العالم شأنه أن يدعو الناس إلى الحق ويرشدهم إلى الطريق المستقيم قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، لاسيما وقد سئل عما يضطرهُ إلى الجواب، فإذا امتنع؛ جُوزِي بما امتنع عن الاعتذار، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَغْنَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦]، (١) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١ / ٢٣٧). ٦١١ ويدخل في زمرة من يختم على أفواههم، وتَكلَّم أيديهم، وتشهد أرجلهم. (خط): خرج هذا على معنى مشاكلة العقوبة للذنب؛ كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِبَواْ﴾ [البقرة: ٢٧٥] الآية، وهذا في العلم الذي يلزمهُ تعليمهُ إياهُ، ويتعينُ فرضهُ عليه؛ كمن رأى كافراً يريد الإسلام يقول: علِّمُوني ما الإسلامُ، وما الدِّين؟ وكمن رأى رجلاً حديثَ عهدٍ بالإسلام لا يحسنُ الصلاةَ وقد حضرَ وقتُها يقول: علِّمْنِي کیفَ أُصلِّ، وکمن جاء مستغيثاً في حلال وحرام يقول: أَفْتُونِي وأَرشِدُوني؛ فإنه يلزم في هذه الأمور أن لا يمتنع عن الجواب، فمن فعل؛ كان آثماً مستحقاً للوعيد والعقوبة، وليس كذلك الأمر في نوافل العلم التي لا ضرورة بالناس إلى معرفتها . (حس): قال سفيان الثوري: ذاك إذا كتمَ سنة، وقال: لو لم يأتني أصحاب الحديث؛ لأتيتهم في بيوتهم، ومنهم من يقول: إنه علم الشهادة، انتھی(١). قال بعضهم: ليت شعري نبخل بالعلم لماذا، ونطوي عن المتعلم لأي وجه، أولا يعلم الكاتمُ للعلم البخيلُ به أنه فَضْلة عما علمَهُ السلفُ، وكم قد تناقلتهُ الأقلام والألسنة حتى وصل إليه، فهو فضالة الأولين، وخلف من الناس الدارجين، وروي أن الشافعي رحمه الله استعار من محمد بن الحسن الشیباني كتاباً فمنعه، فكتب إليه: فَقُلْ لمَنْ لم ترَ عينُ مَن رآهُ مثلهُ ومَن رآهُ وحدَهُ فقَد رأى مَن قبلَهُ (١) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١ / ٣٠٢). ٦١٢ العلمُ ينهى أهلَهُ أن يمنَعوهُ أهلَهُ لعلَّهُ يَبذلُهُ لأهلِهِ لعلَّهُ * ١٣٩١ - وعنهُ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ تَعَلَّمَ عِلْماً مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ الله ◌َتْ، لا يَتَعَلَّمُهُ إِلاَّ لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضاً مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ))؛ يَعْني : ريحَهَا. رواهُ أَبو داود بإسنادٍ صَحیحٍ. قوله: ((عرضاً): (نه): (العرض) بالتحريك: متاع الدنيا وحطامها، ومنه الحديث: ((الدُّنْيَا عَرَضٌ حَاضِرٌ، يَأْكُلُ منها البَرُّ والفَاجِرُ))(١). (ط): نكَّره؛ ليتناول جميع أنواع الأعراض، ويندرج فيه قليله و كثيره(٢). (تو): هذا الحديث وأمثاله يحمله كثير من الجهال لاسيما المبتدعة الضلال على المبالغة في تحريم الجنة على المختص بهذا الوعيد؛ كقوله: ما شممتُ قُتار قدره؛ للمبالغة في التبري عن تناول طعامه، وليس كذلك؛ فإن المختص بهذا الوعيد إن كان من أهل الإيمان؛ لا بدَّ وأن يدخل الجنةَ، عرفنا (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٦٨٢). (٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٢١٤)، والحديث رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣/ ٢١٦)، من حديث شداد بن أوس ظه. وهو حديث ضعيف. انظر: ((تخريج أحاديث المشكاة)) (٥٢١٧). ٦١٣ ذلك بالنصوص الصحيحة التي ثبت التواتر فيها أو في جنسها، ثم إن النبي وقوله [لم يقل]: ((لم يجد عرفها)) على الإطلاق، بل قيده بيوم القيامة، والناس أحوالهم فيه مختلفة، فإن الآمنين من الفزع الأكبر، المُتَلَقَّينَ بالبشرى والرضوان، وخاصة العلماء الذين لهم الدرجات العلا إذا وردوا يوم القيامة، يمَّونَ برائحة الجنة تقويةً لقلوبهم وأبدانهم، وتسليةً لهمومهم وأشجانهم، على مقدار حالهم في المعرفة والعبودية، وهذا البائس الذي تعلَّمَ العلمَ ليبتغيَ به الأعراضَ الفانيةَ يكونُ يومئذٍ كصاحب الأمراض الحادثة في تضاعيفٍ الدِّماغِ المانَعَةِ عن إدراك الروائح، لا يجد رائحةَ الجنة، ولا يهتدي إليها سبيلاً من الأمراض الكائنة في القلب، المخلَّةِ بالقوى الإيمانية. (ط): ((لا يتعلمه) حال إما من فاعل ((تعلم)) أو من مفعوله؛ لأنه تخصص بالوصف، ويجوز أن يكون صفة أخرى لـ (علماً)، وفيه أن من تعلم لرضا الله مع إصابة العرض الدنيوي لا يدخل تحت هذا الوعيد؛ لأن ابتغاء وجه الله تعالى يأبى إلا أن يكون متبوعاً غالباً، فيكون العرض تابعاً، قال الله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَاُلْآَخِرَةِّ﴾ [النساء: ١٣٤]، وفيه تقريع وتوبيخ للمريد؛ لأن من تَعلَّم العلمَ أو جَاهَدَ لينالَ عرضاً من أعراض الدنيا، يجب أن يوبَّخَ ويقال: ما هذه الدناءة؟ أرضيت بالخسيس الفاني وتركت الرفيع الباقي؟ ما لك لا تريدُ بذلك وجه الله تعالى ليمنحَكَ ما يريدُهُ ويتبعهُ هذا الخسيسُ أيضاً راغماً أنفهُ؛ كما ورد: «مَنْ كَانَ هَمُّهُ الآخِرَةَ؛ جمَعَ اللهُ شَمْلَهُ، وجعَلَ غناهُ في قَلبِهِ، وتَآتِیهِ الدُّنيا وهِيَ رَاغِمةٌ))، ووصف العلم بابتغاء وجه الله يجوز أن تكون للتفضلة والتمييز؛ فإن بعضاً من العلوم مما يستعاذُ منه، ويجوزُ أن يكون للمدح؛ ٦١٤ كما ورد: ((العُلُومُ ثَلاَئةٌ))، والوعيد من باب التغليظ والتهديد، وسمعت بعض العلماء الزاهدين يقول: مَن طلبَ الدنيا بالعلومِ الدُّنيويةِ كانَ أهونَ مِن أن يطلُّبها بغيرِها من العلوم، فهو كَمَنْ جرَّ جيفةً بآلةٍ من آلات الملاهي، وذاك كمَن جرَّها بأوراق تلك العلوم، ومثله ما روى الإمام أحمد في كتاب ((الزهد)) عن بعضهم: لأَن تطلبَ الدُّنيا بالدُّفِّ والمزاميرِ، خيرٌ من أن تطلُبها بدينِكَ(١). ١٣٩٢ - وعَنْ عبدِالله بْنِ عَمْرِو بنِ العاصِ ﴿﴾، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ يقولُ: ((إِنَّ اللهَ لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعاً يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عالماً، اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوساً جُهَّالاً، فَسُئِلُوا، فَأَفْتُوا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا، وَأَضَلُّوا)) متفقٌ عليهِ. * قوله وَلفيه: ((انتزاعاً)): (ط): هو مفعولٌ مطلق عن معنى ((يقبض))، نحو: رجع القهقرى، و((ينتزعه)) صفة مبنية للنوع، و((حتى)) هي التي تدخل على الجملة، وهي هنا للشرط والجزاء(٢). (ن): ((رؤوساً جُهَّالاً))، ضبطناه في ((البخاري)): ((رؤوساً)) بضم الهمزة (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٦٨٣). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٦٦٧). ٦١٥ والتنوين، جمع رأس، وضبطوه في ((مسلم)) بوجهين: أحدهما: هذا، والثاني : رؤساء جمع رئیس، وكلاهما صحیح، والأول أشهر، وفيه التحذير من اتخاذ الجهال رؤساء(١). (ق): فيه نصٌّ على أن رفع العلم لا يكون بمحوهِ من الصُّدورِ، بل بموتِ العلماءِ وبقاءِ الجَّالِ الذين يتعاطَونَ مناصبَ العلماءِ في الفُتيا والتعليمٍ، فيفتونَ بالجهل ويعلِّمونَهُ، فينتشرُ الجهلُ ويظهرُ، وقد ظهر ذلك ووجد على نحو ما أَخبر، وكان ذلك دليلاً من أدلَّةَ نبوتهِ خصوصاً في هذه الأزمان وقد ولي المدارسَ والفتيا كثيرٌ من الجهال والصبيان وحُرِمَ أهلُ ذلك الشأن، غيرَ أنه قد جاء في ((كتاب الترمذي)) عن جُبَيرِ بن نُفَيْرٍ، عن أبي الدرداء ما يدل على أن الذي يُرفَعُ هو العمل، قال أبو الدرداء: كنَّا مع النبي ◌َّرِ فشخَصَ ببصرِهِ إلى السَّماءِ ثم قال: ((هَذَا أَوَانٌ يُختَلسُ فيه العِلمُ مِنَ النَّاسِ، حتَّى لا يقدِرُوا منهُ علَى شَيْءٍ»، فقال زياد بن لبيد الأنصاري: وكيف يُختَلَسُ منَّا وقَد قرأنا القرآن؟ فوالله؛ لنقر أنَّهُ ولنُقُرِثنَّهُ نساءَنا وأبناءَنا، فقال: (( ثَكِلتكَ أمُّكَ يا زيادُ؟ إن كنْتُ لأعدنَّكَ من فُقْهَاءِ أَهلِ المَدِينَةِ، هَذِهِ التوراةُ والإنجيلُ عند اليهودِ والنَّصارى، فماذا تُغنِي عنهم؟)) قال: فلقيتُ عبادة بن الصامت، قلتُ: ألا تسمعُ ما يقولُ أخوكَ أبو الدَّرداء، فأخبرتهُ بالذي قال أبو الدرداء، قال: صدَقَ أبو الدَّرداءِ، إن شئتَ لأحدِّثنكَ بأوَّلِ علمٍ يُرفَعُ؛ الخشوع، يوشِكُ أن تدخُلَ المسجد الجامعَ فلا تری فیه رجلاً خاشعاً، قال: هذا حديث حسن غريب، وخرّجهُ النسائي من طرق (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ٢٢٤). ٦١٦ صحيحة(١)، وظاهر هذا الحديث: أن الذي يرفَعُ إنما هو العلمُ بالعمل لا نفسُ العلم، وهذا يخالف حدیث عبدالله بن عمرو؛ فإنه صریحٌ في رفع العلم. قلت: ولا تباعدَ بينهما؛ فإنه إذا ذهب العلم بموت العلماء؛ خلفَهم الجُهَالُ، فأفتوا بالجهلِ فَعُمِلَ بهِ، فذهب العلمُ والعملُ وإن كانتٍ المصاحفُ والكتبُ بأيد الناس كما اتفق لأهل الكتابين، لمَّ انقرضَ علماؤُهم خَلفَهم الجُهَّالُ، فحرَّفُوا وعمِلُوا بالجهل، وأفتَوا به، فارتفعَ العلمُ والعملُ، وبقِيَتْ أشخاصُ الكتب لا تُغنِي شيئاً، انتهى(٢). أنشد علي بن أحمد بن علي بن قريب، وكان ثقةً كثيرَ الفضائل: غَيرَ الَّذِينَ عَهِدتُ من عُلمَائِهَا لمَّا تبدَّلَتِ المَجَالسُ أَوجُهاً كانُوا ولاةَ صدُرِوهَا وقِيَامِهَا ورَأَيْتُها مَحفُوفةٌ بِسوَى الأُلى والعينُ قد شرَقَتْ بِجَارِي مَائِهَا أَنشَدتُ بَيْتاً سَائِراً مُتقدِّماً وأَرَى نَسَاءَ الحَيِّ غَيرَ نِسَائِهَا أمَّا الخِيامُ كأنَّها كَخِيَامِهِمْ ومن شعره أيضاً: بَلِيدٍ تَسمَّى بالفَقيِهِ المُدَرِّسِ تَصدَّرَ للَّدرِيسِ كُلُّ مُهَوِّسٍ بِبَيْتٍ قَدِيمٍ شَاعَ في كُلِّ مَجْلِسٍ فحُقَّ لأهلِ العِلْمِ أَن يَتَمثَّلُوا (١) رواه الترمذي (٢٦٥٣)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٥٩٠٩). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٧٠٥). ٦١٧ كُلاَها وحتَّى سَامَهَا كُلُّ مُفلِسٍ لَقَدْ هَزُلَتْ حَتَّى بَدَا مِن هُزَالِهَا كان أيوبُ السَّخْتِيانِي رحمهُ اللهُ كثيراً ما يتمثَّلُ: أبو جُبِيرةَ يُفْتِي وابنُ شَدَّادِ قَدْ أَبِرَدَ الأَمرُ حتَّى ظَلَّ مُحتبياً قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله: كان يُمحَى من القلوب في الأمم قبلنا، ثم عَصَمَ الله هذه الأمة، فجعَلَ ذهابَ العلم منها بموتٍ العلماءِ، وقدَّر جماعةٌ من العلماء أن ذهابَ العلم يكون بذهاب العمل به، وهو الذي ضرب به المثل أبو الدرداء، وفي حديث أبي عيسى، عن کعب بن مالك: ((مَن طلَبَ العِلْمَ لِيُجَارِيَ بهِ العُلماءَ، أو يُمَارِيَ بهِ السُّفَهاء، أو يَصرِفَ بهِ وُجوهَ النَّاسِ إليهِ؛ أدخلَهُ اللهُ النَّارَ) (١)، والمعنى فيه أن النية ركنُ العملِ، فإذا عُدِمَتْ؛ لم يكُنْ شيئاً(٢). (حس): قال تعالى: ﴿أَوَّلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ◌َأْتِ آلْأَرْضَ نَنَقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَاً﴾ [الرعد: ٤١]، قيل: هو موت العلماء، قال عبدالله بن مسعود: لا تقومُ السَّاعةُ حتَّى يُرفَعَ القرآنُ، ثمَّ يُفيضون في الشِّعر، وقال عبدالله بن عمرو بن العاص: لا تقومُ السَّاعةُ حتى يُرفَعَ القرآنُ من حيثُ نزلَ، لهُ دوٌّ كدويٌّ النحلِ، يقولُ الربُّ: ما لكَ؟ فيقول: ربِّ أُتلا ولا يُعمَلُ بي، انتهى(٣). قال ابن أبي جَمْرةَ الأزدي في هذا الحديث: إن الله سبحانه لمَّا (١) رواه الترمذي (٢٦٥٤). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (١٠٦). (٢) انظر: ((عارضة الأحوذي)) لابن العربي (١٠ / ١٢٠). (٣) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١ / ٣١٥). ٦١٨ جعل هذه الدار للتغير والذهاب؛ جعلَ كلَّ ما فيها بمقتضى الحكمة كذلك، وأجلُّ ما فيها العلمُ والإيمانُ، وهاهما يلحقهما النقصُ حتى يذهبا، فلحِقَت علَّةُ الدَّارِ سكَّانَها وما فيها، وفيه الترغيب في الزهد في هذه الدنيا؛ إذ هي وما فيها للنقص والذهاب، ففي ماذا الرغبة؟ وعلى ماذا التعب؟ وفيه أنه لا بدّ للناس من رؤوس بمقتضى الجملة، وفيه أن مَن أخذَ شيئاً على غير ما أحكمتهُ الشريعةُ لا يوجد لها فائدة، بل تنعكس [الفائدة بالضرر]؛ لأن العوامّ لم يتخذوهم رؤوساً إلا للإرشاد إلى ما يصلحُھم، فلمّا لم یکن فيهم الشروط؛ لم يعدهم إلا الضلال، وفيه دليل لمن يقول: بأن العالِمَ لا يلزمهُ التعليمُ قبل السؤال؛ لأن الفُتيا لم تقع حتى وقعَ السؤالُ(١). (١) انظر: ((بهجة النفوس)) لابن أبي جمرة (١ / ١٤٢ - ١٤٣). ٦١٩