Indexed OCR Text

Pages 561-580

كِتَابُ الْعَالِ

كِتاب العَالِ
* قال الله تعالى: ﴿وَقُل رَبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].
وقَالَ تَعَالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[الزمر: ٩].
* وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ
ج
٠٠
[المجادلة: ١١].
دَرَجَتْ ﴾
* وقَالَ تَعَالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اَللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمُواْ﴾ [فاطر: ٢٨].
(الباب الحادي والأربعون بعد المئة)
(في العلم)
هو الاعتقاد الثابت الجازم المطابق للواقع.
* قوله تعالى: ﴿وَقُل رَبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، أي: زدني منك علماً،
ولم يزل ◌َّهم في زيادة حتى توفَّه الله تعالى، ولهذا جاء في الحديث: أن الله رَّ
تابعَ الوحيَ على رسوله، حتى كان الوحيُّ أكثرَ ما كان يومَ توفِّي ◌َِّ، وكان
دعاؤه بَّهُ: ((اللهمَّ؛ انفَعْنِي بما علَّمْتَنِي، وعلِّمِي ما يَنفَعُنِي، وزِدْنِي علماً،
٥٦٣

الحمدُ للهِ على كلِّ حالٍ، وأعوذُ باللهِ من حالِ أهلِ النَّارِ))، رواه البزار (١).
، قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]:
(م): هذا تنبيه عظيم على فضيلة العلم، وصدر الآية مُشعرٌ بأن من
لا يعملُ بعلمه فهو غيرُ عالمٍ(٢).
وسبق هذه الآية في (الباب الرابع والأربعين).
* قوله تعالى: ﴿يَرْفَعَ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْمِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَحَتٍ﴾
[المجادلة: ١١ ] :
هذا يتعلق بما قبله؛ أي: لا تعتقدوا أنه إذا تفسَّحَ أحدٌ منكم لأخيه إذا
أقبل، وإذا أمر بالخروج فخرج، أن يكون ذلك نقصاً في حقه، بل هو رفعةٌ
ورتبةٌ عند الله، والله لا يضيع ذلك له، بل يجزيه بها في الدنيا والآخرة؛ فإنه
من تواضعَ لأمر الله رفع الله قدرَهُ، ونشر ذكرهُ.
روى الإمام أحمد أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بن الخطاب
بعسفان، وكان عمر ◌ُه استخلفه على أهل مكة، فقال له عمر: مَنِ استَخلفْتَ
على أهلِ الوادِي؟ قال: استَخلفْتُ عليهم ابنَ أبزى، رجلٌ من موالينا، فقال
عمر: استخلفْتَ عليهم مولى؟ قال: يا أميرَ المؤمنينَ! إنه قارئٌ لكتاب الله،
عالمٌ بالفرائض، قاضٍ، فقال عمر: إن نبيكم رَّهِ قد قال: ((إنَّ اللهَ يَرفَعُ بهذا
الكِتَابِ قَوْماً ویضَعُ بهِ آخرِيِنَ))(٣).
(١) رواه البزار في ((مسنده)) (٩٤١٤).
(٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٦ /٢١٩).
(٣) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (١ / ٣٥)، ورواه مسلم (٨١٧).
٥٦٤

(م): يرفع الله المؤمنين بامتثال أوامره وأوامر رسوله، والعالمين منهم
خاصة درجات، والمراد به الرفعة في درجات الثواب ومراتب الرضوان،
ولا شبهة أن علم العالم يقتضي لطاعاته من المنزلة ما لا يحصل للمؤمن؛ لأنه
يقتدى به، ولعلمه بكيفية الاحتراز من الشبهات، والحرام، ومحاسبة النفس،
وكيفية الخشوع، والتذلل في العبادة، وكيفية التوبة وأوقاتها، وفي الوجوه
کثرة، لكنه كما تعظم منزلة أفعاله من الطاعات وفي درجات الثواب، فكذلك
يعظم عقابه فيما يأتيه من الذنوب؛ لمكان علمه، حتى لا يمتنع في كثير من
صغائر غيره أن يكون كبيراً منه(١).
* قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوُاْ﴾ [فاطر: ٢٨]: أي: إنما
يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به؛ لأنه كلما كانت المعرفة به أتم، والعلم
به أكمل؛ كانت الخشية له أعظم وأكثر، قال سعيد بن جبير: الخشية: هي
التي تحول بينك وبين معصية الله، وعن ابن مسعود: ليس العلم عن كثرة
الحديث، ولكن العلم من الخشية، قال سفيان الثوري عن ابن حبان التيمي،
عن رجل قال: كان يقال: العلماء ثلاثة: عالمٌ بالله عالمٌ بأمر الله، وعالمٌ بالله
ليس بعالمٍ بأمر الله، وعالمٌ بأمر الله ليس بعالمٍ بالله، فالعالم بالله وبأمر الله :
الذي يخشى الله، ويعلم الحدود والفرائض، والعالم بالله ليس بعالم بأمر الله:
الذي يخشى الله ولا يعلم الحدود والفرائض، والعالم بأمر الله ليس بعالم
بالله: الذي يعلم الحدود والفرائض ولا يخشى الله.
(م): الخشية بقدر معرفة المَخشيِّ، والعالم يعرف الله فيخافه ويرجوه،
وهذا دليل على أن العالم أشرف درجة من العابد، قال تعالى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٩ / ٢٣٥).
٥٦٥

عِندَ اَللَّهِأَنْقَنَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، والتقوى بقدر العلم لا بقدر العمل(١).
(قض): وتقديم المفعول؛ لأن المقصود حصر الفاعلية، ولو أخَّر؛
انعكس الأمر (٢).
(حس): قال رَّهِ: (مَا بَالُ أَقوامٍ يتنزَّهُونَ عنِ الشَّيءِ الَّذِي أَصْنَعهُ؟
فَواللهِ إنِّي لأعلَمُهُم باللهِ، وأَشدُّهُم لَهُ خَشْيَةً)) (٣)، وقال مسروق: كفى
بخشية الله علماً، وكفى بالاغترار بالله جهلاً، وقال الشعبي: إنما العالمُ مَن
خشي الله .
١٣٧٦ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ ﴾، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((مَنْ
يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْراً، يُفَقُّهْهُ في الدِّينِ)) متفقٌ عليهِ.
* قوله تليفزي: ((من يرد الله به خيراً):
(ك): ((يرد الله)) بضم الياء مشتق من الإرادة، وهي عند الجمهور:
صفة مخصصة لأحد طرفي المقدور بالوقوع، وقيل: إنها اعتقاد النفع
والضر، وقيل: ميلٌ يتبعهُ الاعتقادُ، وهذا لا يصحُّ في الإرادة القديمة.
وقوله: ((خيراً): أي: منفعة، وهي اللذة، أو ما يكون وسيلة إلى
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٦ / ٢٠).
(٢) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (٤ / ٤١٨).
(٣) رواه البخاري (٥٧٥٠) من حديث عائشة رضي الله عنها، وانظر: ((شرح السنة))
للبغوي (١ / ٢٠٠).
٥٦٦

اللذة، وفائدةُ التنكير في (خير) التعميمُ؛ لأن النكرة في سياق الشرط كالنكرة
في سياق النفي، والمعنى: من يرد الله به جميع الخيرات أو التعظيم؛ إذ
المقام يقتضي ذلك، نحو:
له حاجبٌ عن كلِّ أمرٍ يشينُه(١)
(نه): (الفقه) في الأصل: الفهم، يقال: فقِهَ الرجلُ بالكسر يفقَه
فقهاً: إذا علم، وفقُهَ بالضم يفقُه: إذا صار فقيهاً عالماً، وقد جعله العرف
خاصاً بعلم الشريعة، وتخصيصاً بعلم الفروع [منها]، ومنه حديث سلمان:
أنه نزل على نبطيّة بالعراق فقال لها: هل هاهنا مكانٌ نظيفٌ أصلِّي فيه؟
فقالت: طهِّر قلبكَ وصلِّ حيثُ شئتَ، فقال: فقِهتُ وفطِنتُ للحقِّ
والمعنى الذي أرادت(٢).
(تو): (الفقه): هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد، ويسمى
العلم بأحكام الشريعة فقهاً، والفقيه: هو الذي علم ذلك، واهتدى إلى
استنباط ما خفي عليه.
(ط): إنما خصَّ علم الفروع بالفقه؛ لأنه علمٌ مستنبطٌ بالقوانين،
والأدلة، والأقيسة، والنظر الدقيق، بخلاف علم اللغة والنحو والصرف(٣).
(ك): فإن قلت: أُّ المعنيين في الفقه يناسب المقام؟
قلت: المعنى اللغوي؛ ليتناول فهم كل علم من علوم الدين، قال
الحسن البصري: الفقيه: الزاهدُ في الدنيا، الراغبُ في الآخرة، البصيرُ
(١) انظر: ((الكواكب الدراري) للكرماني (٢ / ٣٧).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٤٦٥).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٦٦٠).
٥٦٧

بأمر دينه، المداومُ على عبادة ربه، انتهى (١).
قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله: مجالسُ الفقه أفضلُ من مجالس ذکر
اسم الله بالتسبيح والتكبير والتحميد؛ لأنها دائرةٌ بين فرض عين أو فرض
كفاية، والذكر المجرد تطوعٌ محضٌ، وقد دخل بعضُ السلف مسجد البصرة
فرأى فيه حلقتين في أحدهما قاصٌّ وفي الأخرى فقيةٌ، فصلى ركعتين
واستخار الله في الجلوس إلى أحدهما، فنعِسَ، فرأى في نومه كأن قائلاً يقول
له: قد سویت بینهما، فإن شئت أریناك مقعد جبريل عليه السلام من فلان؛
يعني الفقيه الذي يعلم العلم.
وكان زيد بن أسلم من جلَّة العلماء بالمدينة، وكان له مجلس في
المسجد يذكر فيه التفسير والحديث والفقه، وغير ذلك، فجاء إليه رجل
فقال: إني رأيت بعضَ أهل السماء وهو يقول لأهل هذا المجلس: هؤلاء
في روضات الجنات آمنون، ثم أراه أنزل على أهل المجلس حيلاً ناظرياً
فوضعه بین أیدیھم.
وجاء إليه رجل فقال: إني رأيت النبي ◌َّهِ وأبا بكر وعمر خرجوا من
هذا الباب، والنبي ◌َِّ يقول: ((انطَلِقُوا إلى زيدٍ نجالسُهُ ونسمعُ من حديثِهِ))،
فجاء حتى جلس إلى جنب زيد، فلم يبق زيدٌ بعد هذه الرؤيا إلا قليلاً حتى
مات، انتھی.
* بقية هذا الحديث: ((وإنَّما أنا قاسمٌ واللهُ يُعطِي)) :
(قض): أي: أنا أقسم بينكم، فألقي إلى كل أحد ما يليق به، والله
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢ / ٣٧).
٥٦٨

سبحانه يوفق من يشاء منكم لفهمه، والتفكر في معناه، والعمل بمقتضاه(١).
(تو): أشار بقوله: ((إنما قاسم)) إلى ما يلقي إليهم من العلم والحكمة،
ويقوله: ((والله يعطي)) إلى الفهم الذي يهتدى به إلى خفيات العلوم في كلمات
الكتاب والسنة، وذلك أنه لمَّا ذكر الفقه في الدين وما فيه من الخير؛ أعلمهم
أنه لم يفضل في قسمة ما أوحي إليه أحداً من أمته على الآخر، بل سوَى في
البلاغ، وعدل في القسمة، وإنما التفاوت في الفهم، وهو واقع في طريق
العطاء، ولقد كان بعض الصحابة يسمع الحديث فلا يفهم منه إلا الظاهر
الجلي(٢)، ويسمعه الآخرُ منهم أو من القرن بعدهم فيستنبط منه مسائلَ كثيرةً،
﴿ذَلِكَ فَضْلُ اَللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءٌ ﴾ [الحديد: ٢١].
وقد وجدتُ بعضَ العلماء المتبحرةِ في علم البيان قد حملَ قولهُ هذا
على ما كان يقسمهُ فيهم من الأموال؛ لئلا يكون في قلوبهم سخطةٌ وتنكرٌ
عن التفاضل في القسمة؛ فإنه بأمر الله، والله معطيه، فالحديث محتمل
للتأويلين، وذهبنا إلى التأويل الثاني، فيكون فيه إشارة إلى أن الخير في
الفقه، فينبغي أن يحرص عليه لا على المال الذي نعته كذا وكذا.
(ط): الواو في قوله: ((وإنما أنا قاسم)) للحال من فاعل (يفقهه)، أو
من مفعوله، وإذا كان الثاني؛ فالمعنى أن الله تعالى يعطي كلاّ ممن أراد أن
يفقهَهُ استعداداً لدرك المعاني على ما قدَّره، ثم يلهمُني بإلقاء ما هو لائق
باستعداد كل واحد، وعليه كلام القاضي، وإذا كان الأول، فالمعنى ما
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ١٤٦ - ١٤٧).
(٢) في الأصل: ((الخفي)).
٥٦٩

ذكره التوربشتي(١).
(ك) فإن قلت: (إنما) مفيد للحصر، فمعناه: ما أنا إلا قاسم، فكيف
يصُ وله صفات أخرى؛ مثل كونه بشيراً ونذيراً؟
قلت: الحصر إنما هو بالنسبة إلى اعتقاد السامع، وهذا ورد في مقام
كان السامع معتقداً كونه معطياً، فلا ينفي إلا ما اعتقده السامع، لا كل صفة
من الصفات، وحينئذٍ إن اعتقد أنه معط لا قاسم؛ فيكون من باب قصر
القلب؛ أي: ما أنا إلا قاسم؛ أي: لا معطٍ، وإنِ اعتقد أنه قاسم ومعطِ أيضاً؛
فيكون من قصر الإفراد؛ أي: لا شركة في الوصفين، بل أنا قاسم فقط.
وقوله: ((والله يعطي)) تقديم لفظة (الله) عليه مفيد للتقوية عند السكاكي،
ولا يحتمل التخصيص؛ أي: الله يعطي لا محالة، وأما عند الزمخشري؛
فيحتمله أيضاً، وحينئذٍ يكون معناه: أن الله يعطي لا غيره.
فإن قلت: [هل يصح] أن يكون (والله يعطي) جملة حالية؟ قلت:
نعم، فإن قلت: ما معنى الحصر حينئذٍ؟
قلت: الحصر بإنَّما دائماً هو في الجزء الأخير، فيكون معناه: ما أنا
قاسم إلا في حال إعطاء الله لا في حال غيره، وأما فائدة حذف مفعول
(يعطي)؛ فهو جعلهُ كالفعل اللازم؛ إعلاماً بأن المقصود منه بيان إيجاد
هذه الحقيقة؛ [أي: حقيقة] الإعطاء، لا بيان المفعول؛ أي: المعطى (٢).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٦٦١).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢ / ٣٧).
٥٧٠

١٣٧٧ - وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ٍِّ:
(لا حَسَدَ إِلَّ فِ اثْتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالاَ، فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ
فِي الحَقِّ، ورَجُلٌ آتاهُ اللهُ الحِكْمَةَ، فَهُوَ يَقْضِي بِهَا، وَيُعَلِّمُهَا)).
متفقٌ علیهِ.
والمرادُ بالحسَدِ: الغِبْطَةُ، وَهُوَ أَنْ يَتَمَنَّى مِثْلَهُ.
* قوله ◌َّفي: ((لا حسد إلا في اثنين))، سبق في (الباب الستين).
١٣٧٨ - وَعَنْ أَبِي مُوسَ ◌َُهِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: (مَثَلُ
مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنَ الهُدَى والعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضاً؛
فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتِ المَاءَ، فَأَنْبَتَتِ اَلَكَلَأَ والعُشْبَ
الكَثيرَ، وكانَ مِنْها أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الماءَ، فَنَفَعَ اللهُ بِهِا النَّاسَ،
فَشَرِبُوا مِنْهَا، وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنْهَا أُخْرَى، إِنَّمَا
هِيَ قِيْعَانٌ، لاَ تُمْسِكُ مَاءً، وَلا تُنْبِتُ كَلاَ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ في
دِينِ اللهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ
بِذَلِكَ رَأْساً، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» متفقٌ عليهِ.
* قوله : ((مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم)) :
(قض): (المثل): الصفة العجيبة الشأن؛ أي: صفة ما بعثني الله به من
٥٧١

الأمر العجيب الشأن كصفة غيث(١).
(تو): مثل الشيء إذا انتصب وتصور، وأصل المثول الانتصاب،
والممثل المصور، والمثل: عبارةٌ عن قول في شيء يشبهُ قولاً في شيء
آخر بينهما مشابهةٌ، ليبين أحدُهما الآخرَ ويصورهُ.
(نه): ((الهدى)): الرشاد والدلالة، يؤنث ويذكر، يقال: هداهُ اللهُ
للدين هدىّ، وهديتهُ الطريقَ وإلى الطريق هدايةً؛ أي: عرَّفتهُ (٢).
(ك): ((الهدى)) الدلالة الموصلة إلى البغية، و((العلم)): هو صفة توجب
تمييزاً لا يحتمل متعلقه النقيضَ، وجمع بينهما نظراً إما [إلى] أن الهدى بالنسبة
إلى الغير؛ أي: التكميل، والعلم بالنسبة إلى نفس الشخص؛ أي: الكمال،
وإما [إلى] أن الهدى هو الدلالة، والعلم هو المدلول(٣).
(ن): ((الغيث)): هو المطر(٤).
(ط): إنما اختير الغيث على سائر أسماء المطر؛ ليؤذن باضطرار
الخلق إليه حينئذٍ، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ﴾
[الشورى: ٢٨](٥).
(تو): إنما ضرب المثل بالغيث للمشابهة التي بينه وبين العلم؛ فإن
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ١٢٤).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٥ / ٢٥٢).
(٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢ / ٥٥).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ٤٦).
(٥) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٦١٦).
٥٧٢

الغیث یحيي البلد الميت، والعلم يحيي القلب الميت، وقد کان الناس في
الزمن الأول قبل المبعث - وهم على فترة من الرسل - قد امتحنوا بموت
القلب ونضوب العلم، حتى أصابهم الله برحمة من عنده، فأفاض عليهم
سجالَ العفو السماوي، فأشبهَتْ حالُهم مَن توالت عليه السنونُ، وأخلفتهم
المحامل حتى تداركهم الله بلطفه، وأرخت عليهم السماء عَزَاليها، ثم كان
حظُّ كلٍّ فريق من تلك الرحمة على ما ذكره من الأمثلة والنظائر.
(ق): ((الطائفة)) من الشيء: قطعة منه، ومن الناس: الجماعة(١).
(ن): ((طائفة طيبة)) هكذا هو في جميع النسخ، ووقعت في البخاري:
((نقية)) بنون مفتوحة، ثم قاف مكسورة، وياء مثناة مشددة، وهو بمعنى طيبة.
ورواه الخطابي ((ثغبة)) بالثاء المثلثة، والغين المعجمة، والباء الموحدة،
وهو مستنقع الماء في الجبال والصخور، قال القاضي وصاحب ((المطالع)):
هذه الرواية غلط من الناقلين وتصحيف، وإحالة للمعنى؛ لأنه إنما جعلت
هذه الطائفة الأولى مثلاً لما ينبت، والثغبة لا تنبت(٢).
(ك): ((قبلت)) من القبول، وفي بعضها: (قيلت) بالياء أخت الواو
مشددة، قال الأصيلي: إنه تصحيف، وقال غيره: معناه جمعت، يقال:
يقيل الماء في الموضع المنخفض: إذا اجتمع فيه، وهذا ليس بشيء؛ لأنه
ذكر بعد هذه الطائفةَ الممسكة، وقيل: قيَّلت معناه: شربت، يقال: قيلت
الإبل: إذا شربت قائلة، وهذا ليس بشيء؛ إذ الحديث لا يخصّ شرب
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٨٢).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ٤٧).
٥٧٣

القائلة، والأظهر ما قاله الأصيلي(١).
(ن): العشب والكلأ والحشيش كلها اسم للنبات، لكن الحشيش
مختصُّ باليابس، والعشب والكلأ - مقصوراً - مختصان بالرطب، والكلأ
بالهمزة يقع على اليابس والرطب(٢).
(ك): عطف العشب على الكلأ من باب الخاص على العام، والتخصيص
بالذكر لفائدة الاهتمام به لشرفه(٣) .
(ن): ((الأجادب)) بالجيم والدال المهملة: هي الأرض التي لا تنبت
كلاّ، وقال الخطابي: هي الأرض التي تمسك الماء فلا يسرع فيه النضوب،
قال ابن بطال وصاحب ((المطالع)) وآخرون: هو جمع جدب علی غیر قياس،
وقال بعضهم: أحادب، بالحاء المهملة والدال، وليس بشيء، وقال بعضهم:
أجارد، بالجيم والراء والدال، قال: وهو صحیح المعنى إن ساعدته الرواية،
قال الأصمعي: والأجارد من الأرض: ما لا ينبت الكلأ، معناه: أنها جردة
بارزة لا يسترها النبات، وقال بعضهم: إنها إخاذات، بالخاء والذال
المعجمتين وبالألف، جمع إخاذة، وهي الغدير الذي يمسك الماء، وذكر
صاحب ((المطالع)) هذه الأوجه التي ذكرها الخطابي فجعلها روايات(٤).
* وقوله: ((سقوا):
[(ك)]: قال أهل اللغة: سقى وأسقى بمعنىّ، لغتان، وقيل: سقاه:
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢ / ٥٥ - ٥٦).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ٤٦).
(٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢ / ٥٦).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ٤٦ - ٤٧).
٥٧٤

ناوله ليشرب، وأسقاه: جعل له (١) سقياً، و((رعوا)) بالراء من الرعي، هكذا هو
في مسلم، ووقع في البخاري: ((وزرعوا))، كلاهما صحيح، و((القيعان))
بكسر القاف جمع قاع، وهو الأرض المستوية والملساء، وقيل: التي لا نبات
فيها، وهذا هو المراد في الحديث، ((الفقه)): الفهم، يقال منه: فقه بكسر
القاف يفقه بفتحها فقهاً؛ كفرح يفرح فرحاً، والفقه الشرعي يقال: منه فقه
بالضم، وقال ابن دُريد: بالكسر كالأول، والمراد هنا هذا الثاني، فيكون
مضموم القاف على المشهور، وعلى قول ابن دُريد بكسرها(٢).
(مظ): ((لم يرفع بذلك رأساً)؛ أي: تكبِّر، يقال في ذلك، ويقال:
إنه لم يلتفت إليه من غاية تكُّره، واكتفى بذكر الهدى عن ذكر العلم؛ لأن
نفيَ قبوله مستلزمٌ لنفي قبول العلم(٣) .
(ن): معناه الأرض ثلاثة أنواع، وكذلك الناس :
فالنوع الأول: ينتفع بالمطر، فيحيا بعد أن كان ميتاً، وينبت الكلأ،
فينتفع به الناس والدواب وغيرها، كذلك النوع الأول من الناس يبلغه
الهدى والعلم فيحفظه، فيحيا قلبه ويعمل به، ويعلمه غيره، وينتفع وينفع .
والنوع الثاني: من الأرض ما لا تقبل الانتفاع في نفسها، لكن فيها
فائدة، وهي إمساك الماء لغيرها، فينتفع بها الناس والدواب، وكذلك النوع
الثاني من الناس، لهم قلوب حافظة، لكن ليس لهم أفهام ثاقبة، ولا رسوخ
(١) في الأصل: ((جعله)).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢ / ٥٦).
(٣) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (١ / ٢٥٢).
٥٧٥

لهم في العلم يستنبطون به المعاني والأحكام، وليس عندهم اجتهاد في
الطاعة والعمل به، فهم يحفظونه حتى يأتي طالب محتاج متعطش لمَا
عندهم من العلم، أهلٌ للنفع والانتفاع، فيأخذه منهم، فينتفع به، فهؤلاء
نفعوا بما بلغهم.
والنوع الثالث: من الناس ليس لهم قلوبٌ حافظةٌ، ولا أفهامٌ وأعينٌ،
فإذا سمعوا العلم؛ لا ينتفعون به، ولا يحفظونه لنفع غيرهم(١).
(ق): لا يقال تشبيهُ القسم الثاني بهذه الأرض التي أمسكت على
غيرها ولم تشرب في نفسها، يقتضي أن لا تكون عملت بما لزمها من
العلم، ولا من الدين، ومن لم يقم بما وجب عليه من أمور الدين، فلا
ينسب إلى العلماء، ولا إلى المسلمين؛ لأنا نقول: القيام بالواجبات ليس
خاصاً بالعلماء، بل يستوي فيها العلماء وغيرهم، ومن لم يقم بواجبات
عمله، كان من الطائفة الثالثة التي لم تشرب ولم تمسك؛ لأنه لم يعمل بما
وجب عليه، فلم ينتفع بعلمه، ولأنه عاص، فلا يصحُّ الأخذ منه(٢).
(مظ): ذكر في تقسيم الأرض ثلاثة أقسام، وفي تقسيم الناس باعتبار
قبول العلم قسمين: أحدهما: ((من فقه في دين الله))، والثاني: ((من لم
يرفع بذلك رأساً)؛ يعني تكبِّر ولم يقبل الدين، وإنما ذكره كذلك؛ لأن
القسم الأول والثاني من أقسام الأرض کقسم واحد من حيث إنه ينتفع به،
والثاني لا ينتفع به، وكذلك الناس قسمان: أحدهما: من يقبل العلمَ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ٤٧).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٨٣ - ٨٤).
٥٧٦

وأحكامَ الدين، والثاني: من لا يقبلهما، وفي الحقيقة الناس ثلاثة أقسام:
منهم من يقبل العلم بقدر ما يعمل به، ولم يبلغ درجة الفتوى والتدريس
وإفادة الناس، فهو القسم الأول، ومنهم من يقبل من العلم بقدر ما يعمل
به، وبلغ درجة الفتوى والتدريس وإفادة الناس فهو القسم الثاني، ومنهم
من لا يقبل العلم، وهو القسم الثالث(١).
(ط): اتفق الشارحون على الوجه الثاني، وظاهر الحديث ينصر
الأول؛ لأن الوجه الأول من التمثيل مركب من أمرين، وذلك أن «أصاب
منها طائفة)) معطوف على ((أصاب أرضاً))، والضمير في ((منها)) يرجع إلى
مطلق الأرض المدلول عليه بقوله: ((أرضاً)، ثم قسمت الأرض الأولى
بحرف التعقيب في ((فكانت)) وعطف ((كانت)) على ((كانت)) قسمين، فيلزم
اشتمال الأرض الأولى على الطائفة الطيبة وعلى الأجادب، والثانية على
عكسها، فالواو في ((وكانت)) ضمت وتراً إلى وتر، وفي ((أصابت)) شفعاً
إلى شفع، نظيره قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ﴾ وَلَا الظُّلُمَتُ وَلَا
النُّورُ ﴾ وَلَا اَلِظِلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ [فاطر: ١٩ - ٢١]، وقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ
وَالْمُسْلِمَتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، عطف الإناث على
الذكور، وعطف الزوجين، فهاهنا عطف كانت على كانت، ثم عطف
أصاب على أصاب، فعلى هذا قد ذكر في الحديث الطرفان: الغالي في
الاهتداء، والغالي في الضلال، فعبر عمن قبل هدى الله والعلم بقوله: ((من
فقه في دين الله)) إلى آخره، وكنَّى عمَّن أبى قبولهما بقوله: ((لم يرفع بذلك
رأساً، ولم يقبل هدى الله))؛ لأن الثاني عطف تفسيري للأول، وترك
(١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (١ / ٢٥٢).
٥٧٧

الوسط، وهو قسمان: أحدهما: الذي انتفع بالعلم في نفسه فحسب،
والثاني: الذي لم ينتفع هو بنفسه، لكن نفع الغير(١).
(ك): يحتمل لفظ الحديث تثليث القسمة في الناس كمّاً، وذلك بأن
يقدر قبل لفظة ((نفعه)) كلمة (من) بقرينة عطفه على ((من فقه))؛ كما في قول
الشاعر :
أَمَنْ يَهْجو رَسولَ الله منکم
ويَمْدُخُهُ ويَنْصُرُه سَواءُ
إذا تقديره: ومن يمدحه، وحينئذٍ يكون الفقيه بمعنى العالم باللفظ
مثلاً، وفي مقابلة الأجادب، والنافع في مقابلة النقية، على اللَّف والنَّشْر
الغير المرتبين، ومن لم يرفع في مقابلة القِيعان.
فإن قلت: لمَ حذفت لفظة (من)؟ قلت: إشعاراً بأنهما في حكم
شيء واحد، وفي كونه ذا انتفاع في الجملة، كما جعل للنقية والأجادب
[حكماً واحداً، وكرر لفظة (مثل) في من لم يرفع؛ لأنه نوعٌ آخر مقابلٌ لما
تقدم، وفي الحديث تشبيهات متفرقة باعتبار الأجزاء؛ كتشبيه ما بعثه الله
بالغيث الكثير، وكتشبيه أنواع الناس بأنواع الأرض ونحوهما، والأول: من
تشبيه المعقول المحسوس، والثاني: تشبيه المحسوس بالمحسوس،
ويحتمل أن يكون تشبيهاً واحداً من باب التمثيل؛ أي: تشبيه صفة العلم
الواصل إلى أنواع الناس من جهة اعتبار النفع وعدمه بصفة المطر المصيب
إلى أنواع الأرض من تلك الجهة.
وقوله: ((مثل من فقه في دين الله))، تشبيه آخر ذكر كالنتيجة للأول،
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٦١٧).
٥٧٨

ولبيان المقصود منه(١).
(ن): في هذا الحديث ضرب الأمثال، وفضل العلم والتعلم، وشدة
الحث عليها، وذم الإعراض عن العلم(٢).
(ط): وفيه إشعار بأن الاستعدادات ليست بمكتسبة، بل هي
مواهب ربانية يختصّ بها من يشاء، وكمالها أن يفيض الله وك عليها من
المشكاة النبوية، فإذا وجد من يشتغل بغير الكتاب والسنة وما والاهما؛
علم أن الله لم يرد به خيراً، فلا يعبأُ باستعداده الظاهر، وأن الفقيه هو
الذي علِم وعمِل ثم علَّم، وفاقدُ أحدها فاقدُ هذا الاسم، وأن العالم العامل
ينبغي أن يفيد الناس بعمله كما يفيدهم بعلمه، ولو أفاد بالعمل فحسب؛ لم
يحظ عنه بطائل؛ كأرض معشبة لا ماء فيها، فلا يمرأ مرعاها، ولو
اقتصر على القول؛ لأشبه السقي مجرداً عن الرعي، فيشبه آخذه
المستسقي، ولو منعهما معاً كان كأرض ذات ماء حماها بعض الظلمة عن
مستحقيها(٣).
١٣٧٩ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ◌َهِ: أَنَّ النَّبيَّنَّهِ قَالَ لَعَلِيٍّ.
((فَوَاللهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِن حُمُرِ النَّعَمِ، مُتَّفَقٌ
علیهِ .
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢ / ٥٨).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ٤٨).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٦١٨).
٥٧٩

* قوله : ((خير لك من حمر النعم))، سبق في (باب الدلالة على
الخير).
١٣٨٠ - وَعَنْ عبدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ ﴿﴾: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َه
قَالَ: (بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَّةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا حَرَجَ،
وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً، فَلْيَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) رواه البخاريُّ.
* قوله ميلر: ((بلغوا عني)):
(ط): یحتمل وجهین:
أحدهما: أن يراد اتصال السند بنقل العدل الثقة عن مثله إلى منتهاه؛
لأن التبليغ من البلوغ، وهو انتهاء الشيء إلى غايته.
وثانيهما: أداء اللفظ كما سمعه من غير تغيير، والمطلوب في الحديث
كلا الوجهين؛ لوقوع ((بلغوا عني)) مقابلاً لقوله: ((وحدَّثوا))، وليس في
التحديث ما في التبليغ من الحرج والتضييق، ويعضد هذا التأويل الآية
والحديث، أما الآية؛ فقوله: ﴿وَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبٌِّ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ
◌َا بَلَغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]؛ أي: وإن لم تبلغ كما هو حقه؛ فما بلغت ما
أمرت، وأما الحديث؛ فقوله بَّهِ: ((نَضَّرَ اللهُ امراً سَمِعَ مَقَالتِي فَوَعَاهَا فَأَدَّاها
كمَا سَمِعَها ... ))، الحديث(١)، وقوله: (ولو آية))؛ أي: ولو علامة، وفيه
(١) رواه الترمذي (٢٦٥٨) من حديث ابن مسعود ﴿ه. وهو حديث حسن صحيح.
انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (٨٩).
٥٨٠