Indexed OCR Text
Pages 381-400
وعن ابن عباس ﴿﴾ قال: كان النبي ◌َّهِ إذا أفطر قال: ((اللَّهمَّ [لك] صُمْنا، وعلى رِزِقِكَ أفطَرْنا، فَتَقبَّلْ مِنّا، إنَّك أنتَ السميعُ العليمُ))، رواه ابن السني(١). وعن عبدالله بن أبي ملیکة قال: سمعت عبدالله بن عمرو بن العاص قال: سمعتُ رسول الله وَّه يقول: ((إِنَّ للصَّائِمِ عندَ فِطْرِهِ لَدَعْوَةً ما تُرَدُّ»، قال ابن أبي مليكة: سمعتُ عبدَالله بن عمرو إذا أفطر يقول: اللهمَّ إني أسألُكَ برحمتك التي وَسِعَتْ كلَّ شيءٍ أنْ تغفر لي ذنوبي، رواه ابن ماجه وابن السني والحاكم في ((المستدرك)) وهذا لفظه(٢). وعن أبي هريرة ◌َظُه قال: قال رسول الله وَّةٍ: ((ثَلاثَةٌ لا تُرَدُّ دَعوتُهم، الصَّائِمُ حينَ يُفطِرُ، والإمامُ العادِلُ، ودَعوةُ المظلوم، يرفعُها اللهُ تعالى فوقَ الغَمامِ، ويفتحُ لها أبوابَ السَّماءِ، ويقولُ الرِبُّ ◌َّ: وعِزَّتي وجَلالِي لأَنْصُرَنَّكَ ولو بعدَ حِينٍ))، رواه أحمد والترمذي واللفظ له، وحسنه، [و]ابن ماجه، وابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحهما)) إلا أنهم قالوا: حتى يفطر(٣). = وبالإرسال أعله الحافظ المنذري. انظر: ((ضعيف أبي داود)) (٤٠٦). (١) رواه ابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (٤٨٠). وهو حديث ضعيف. انظر: ((إرواء الغليل)) (٩١٩). (٢) رواه ابن ماجه (١٧٥٣)، وابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (٤٨١)، والحاكم في ((المستدرك)) (١٥٣٥). وهو حديث ضعيف. انظر: ((إرواء الغليل)) (٩٢١). (٣) رواه الإمام أحمد في (المسند)) (٢/ ٣٠٤)، والترمذي (٢٥٢٦)، وابن ماجه (١٧٥٢)، وابن خزيمة في ((صحيحه)) (١٩٠١)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٣٤٢٨). ٣٨١ ورواه البزار مختصراً: ((ثَلاثٌ حَقٌّ على اللهِ أن لا يَرُدَّ لهم دعوةٌ، الصائِمُ حتَّى يُفطرَ، والمَظلومُ حتى يَنتصِرَ، والمسافرُ حتى يَرِجِعَ))(١). (١) رواه البزار (٨١٤٨)، من حديث أبي هريرة ظه. وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (٥٨٣). ٣٨٢ ٢٢٣- باب أَمْرِ الصَّائِ بِحِفْظِ لسانِهِ وَجَوَارِ حِهِ عَنِ المُخَالَفَاتِ والمُشَاتَمَةِ وَنَخوها ١٢٤٠ - عَنْ أَبي هُرِيرةَ ﴾، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِيهِ: ((إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمٍ أَحَدِكُمْ، فَلا يَرْفُثْ، وَلاَ يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ، أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صائِمٌ)) متفقٌ عليه. * قوله ◌َّفي: ((فلا يرفث ولا يصخب))، سبق في أول (باب الصوم). ١٢٤١ - وعنهُ، قالَ: قالَ النبيُّ وَّهِ: ((مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ اللهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» رواه البخاريُّ. · قوله: ((قول الزور)) : (ط): ((الزور)): الكذب والبهتان، و((العمل به))؛ أي: العملَ بمُقتضاه من الفواحش، ومما نهى الله عنه(١). (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٥٩٠). ٣٨٣ (قض): المقصود من إيجاب الصوم وشريعته ليس نفسَ الجوعِ والعطش، بل ما يتبعه من كسر الشهوات، وإطفاء ثائرة الغضب، وتطويع النفس الأمّارة للنفسِ المطمئنة، فإذا لم يحصل له شيء من ذلك؛ لم یکن له من صيامه إلا الجوعُ والعطش، ولم يُيالِ اللهُ بصومه، ولا ينظر إليه نظر قبول(١). * وقوله: ((فليس لله حاجة)): مجاز عن عدم الالتفات والقبول والميل إليه، نفى السببَ وأراد نَفْيَ المسبّب. (تو): المعنى: أن الله لا يبالي بعمله ذلك؛ لأنه أمسك عما أبيح له في غير حين الصوم، ولم يمسك عما حُرِّم عليه في سائر الأحايين. (ط): لما دلّ قوله تعالى: ((الصَّومُ لي وأنا أَجْزِي بِهِ)) (٢) على شدة اختصاص الصوم به من بين سائر العبادات، وأنه مما يُبالَى ويُحتفَل به؛ فَرَّعَ عليه قولَه: ((فَلَيْسَ للهِ حاجةٌ في أَنْ يترُكَ صاحبُهُ الطَّعامَ والشَّرابَ))(٣)، وهو من الاستعارة التمثيلية، شبه حالته ◌ّك مع المبالاة والاحتفال بالصوم بحالة من افتقر إلى أمر لا غنى له عنه، ولا يتقوم إلا به، ثم أدخل المشبه في جنس المشبه به، واستعمل في المشبه [ما] كان مستعملاً في المشبه به من لفظ الحاجة، مبالغة لكمال الاعتناء والاهتمام(٤). (١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٤٩٧). (٢) رواه البخاري (١٧٩٥)، من حديث أبي هريرة . ◌ُته (٣) رواه البخاري (١٨٠٤)، من حديث أبي هريرة ظ ته. (٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٥٩٠). ٣٨٤ دقة - خفف مصطف . ٢٢٤- باب في مسائل من الصومِ ١٢٤٢ - عَنْ أَبِي هُرِيرَةَ ﴾، عَنِ النبيِّ ◌َِّ، قالَ: ((إذا نَسِيَ أَحَدُكُمْ، فَأَكَلَ، أَوْ شَرِبَ، فَلْيُِّمَّ صَوْمَهُ؛ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ» متفقٌ عليه. * قوله اله: ((إنما أطعمه الله وسقاه)): (ط): ((إنما)) للحصر؛ أي: ما أطعمه ولا سقاه أحد إلا اللهُ، فدلّ هذا على أن النسيان من اللهِ ومِن لطفِه في حق عباده، تيسيراً عليهم، ورفعاً للحرج، وعلى هذا قضاء الصلاة بعد النسيان، انتهى(١). وفي بعض الروايات: ((فإِنَّما هو رِزقٌ ساقَهُ اللهُ إليهِ))(٢). (ن): فيه دلالة لمذهب الأكثرين: أن الصائم إذا أكل، أو شرب، أو جامع ناسياً لا يفطر، وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة وآخرون، وقال ربيعة ومالك: يفسد صومه، وعليه القضاء دون الكفارة، وقال عطاء، والأوزاعي، (١) المرجع السابق (٥ / ١٥٩٢). (٢) رواه الدارقطني في ((سننه)) (٢ / ١٧٨). ٣٨٥ والليث: يجب القضاء في الجماع دونَ الأكل والشرب، وقال أحمد: يجب في الجماع القضاء والكفارة، ولا شيء في الأكل(١). (ق): دليل مالك: أنه لم يتعرض فيه للقضاء، بل الذي تعرَّض له سقوطُ المؤاخذة عمن أفطر ناسياً، هذا عذر أصحابنا عن هذا الحديث، وفي ((الدار قطني)) مرفوعاً: ((إذا أَكلَ الصائِمُ ناسياً، أو شَربَ ناسياً؛ فإنما هو رِزقٌ ساقَهُ اللهُ إليهِ، ولا قضَاءَ عليهِ))، قال الدارقطني: إسناده صحيح، و[رجاله] كلهم ثقات(٢). ورواه ابن حبان والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم(٣)، وهو صحيح أيضاً، وهذه النصوص أيضاً لا تقبل ذلك الاحتمالَ، انتھی (٤). قال الرافعي في ((العزيز)): فإن كثر أكلُه؛ ففيه وجهان كالوجهين في بطلان الصلاة بالكلام الكثير؛ أي: فالأصح بطلانه؛ لأن النسيان في الكثير نادر(٥). قال القونوي: وضبطوا الكثيرَ بما زاد على لقمتين، كما أن الفعل الكثير في الصلاة ما زاد على خطوتين، وهذا كبطلان الصلاة بالكلام الكثير (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٨ / ٣٥). (٢) رواه الدار قطني في ((سننه)) (٢ / ١٧٨). (٣) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٣٥١٩)، والحاكم في ((المستدرك)) (١٥٦٩)، من حديث أبي هريرة راه . (٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٢٢١). (٥) انظر: ((الشرح الكبير)) للرافعي (٦ / ٤٠١). ٣٨٦ ناسياً دون القليل؛ إذ الاحترازُ عن الكثير سهل غالباً؛ لندرة النسيان فيه، فوقوعه يُشعِر بقلَّة التحقُّظ وبالتفريط فيه. قال النووي: الأصح هاهنا: لا يفطر، قال ابن الملقِّن: لعموم الأحاديث، ولأنه قد يستمر به النسيان حتى يأكل كثيراً، ويندر ذلك في الكلام في الصلاة، وأيضاً الصلاة ينقطع نظمها بذلك. قال في ((شرح المهذب)): المذهب المنصوص الذي قطع به الجمهور: أنه لا يفطر وجهاً واحداً، وقيل: وجهان(١). قال في ((شرح ابن الملقن)): الأصح: أنه إذا أكل كثيراً ناسياً لا يفطر، كما هو ظاهر إطلاق الشيخ. ١٢٤٣ - وعَنْ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ ﴿﴾، قَالَ: قلتُ: يَا رَسُولَ الله! أَخْبِرْنِي عَنِ الوُضُوءِ؟ قالَ: ((أَسْبِغ الوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابعِ، وَبَالِغْ فِي الاسْتِنْشَاقِ، إِلاَّ أَنْ تَكُونَ صَائِماً)) رواه أبو داودَ، والترمذيُّ، وقالَ: حديثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ. * قوله: ((أخبرني عن الوضوء)): (ط): التعريف فيه للعهد الذهني، وهو ما اشتهر بين المسلمين: أن الوضوء ما هو، فيكون الاستخبارُ عن أمر زائد على ما عرفه، فلذلك قال وَ له: (أَسْبِغِ الوُضُوءَ)؛ أي: كمالُه إيصالُ الماء من فوق الغُرَّة إلى تحت الحَنَكِ (١) انظر: ((المجموع)) للنووي (٦ / ٣٣٤). ٣٨٧ طولاً، ومن الأُذن إلى الأذن عرضاً، مع المبالغة في الاستنشاق والمضمضة، وأما في اليدين والرجلين؛ فإيصالُ الماء إلى [ما] فوقَ المرافق والكعبين، مع تخليل كلِّ واحد من أصابع اليدين [والرجلين]، فتأمل في بلاغة هذا الجواب الموجز، انتهى(١). وفيه: منعُ الصائم من المبالغة في المضمضة والاستنشاق، فإن بالغ وسبق الماء إلى جوفه؛ بطل صومه؛ لارتكابه المنهيَّ، وإلا فلا؛ لوصوله بغير اختياره، وقيل: لا يفطر مطلقاً، وقيل عكسُه. كذا حكاه في ((أصل الروضة)»(٢). والمختار في ((الروضة)): الجزمُ في المرة الرابعة في الإفطار؛ لأنها منھیُّ عنها. * فرع: سبق الماء عند غسل الفمٍ لنجاسة كسبق الماء في المضمضة، والمبالغةُ هنا للحاجة كالسَّبْقِ بلا مبالغة، قاله الرافعي في ((الكبير))، وجزم به في ((الصغير))(٣). ١٢٤٤ - وعَنْ عائشةَ رَضِيَ الله عَنْها، قالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَه يُدْرِكُهُ الفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ. متفقٌ عليه. (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٧٩٩). (٢) انظر: ((الشرح الكبير)) للرافعي (٣/ ٢٠٠). (٣) انظر: ((روضة الطالبين)) للنووي (٣٦٠/٢ - ٣٦١). ٣٨٨ * قولها: ((وهو جنب)): (غب): سُمِّيت الجنابةُ [جنابةً]؛ لكونها سبباً لتجنُّب الصلاة والطواف ونحوهما في حكم الشرع، انتهى(١). [قولها]: ((من أهله)»: المضاف محذوف للعلم به؛ أي: مُواقعة أهلِه، أو من جماع أهلِه. (ن): أجمع أهل العلم في هذه الأمصار على صحة صومِ الجنبِ، سواء كان من احتلام، أو جماع، وبه قال جماهير الصحابة والتابعين، وحُكيَ عن الحسن بن صالح بن حَيٍّ إبطالُه، وكان عليه أبو هريرة، والصحيح: أنه رجع عنه كما صرح [به هنا] في رواية لمسلم، وقيل: لم پرجع عنه، وليس بشيء. وحُكيَ عن طاوس وعروة والنخعي: إن علم بجنابته لم يصح، وإلا فيصح، وحُكيَ عن أبي هريرة. وحُكِيَ عن الحسن البصري والنخعي: أنه يُجزئه في صوم التطوع دون الفرض. وحُكيَ عن سالم بن عبدالله والحسن البصري والحسن بن صالح: يصومه ويقضيه، ثم ارتفع هذا الخلافُ، وأجمع العلماء بعد هؤلاء على صحته، وفي صحة الإجماع بعد الاختلاف خلاف مشهور لأهل الأصول، وحديثُ عائشة وأم سلمة عَّها حجةٌ على كلِّ مخالف؛ لأنه موافق للقرآن: ﴿فَالْقَنَ بَشِرُ وهُنَّ وَأَبْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمَّ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَقِّ يَتَبَيَّنَ لَكُالْخَيْطُ الْأَنْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، والمراد بالمباشرة الجماع، ولهذا (١) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ١٠٠). ٣٨٩ قال: ﴿وَأَبْتَغُواْ مَا كَتَبَ اَللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ومعلوم أنه إذا جاز الجماع إلى طلوع الفجر؛ لزم منه أن يصبح جنباً، ويصحَّ صومه؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّأَيِّقُواْ الْصِيَامَ إِلَى الَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فإذا دلّ القرآن، وفعلُ النبي ◌َِّ على جواز الصوم لمن أصبح جنباً؛ وجَبَ الجوابُ عن حديث أبي هريرة عن الفضل عن النبي وَله: ((مَن أدركَهُ الفجر جُنُباً فلا يَصُمْ))(١)، وجوابه من ثلاثة أوجه : أحدها: أنه إرشاد إلى الأفضل، فالأفضلُ أن يغتسل قبل الفجر، ولو خالف جاز، وهذا مذهبُ أصحابنا وجوابُهم عن الحديث، فإن قيل: كيف يقولون الاغتسال قبل الفجر أفضل، وقد ثبت عن النبي وَلجر خلافه؟ فالجواب: أنه * * فعله لبيان الجواز، ويكون [في] حقه حينئذٍ أفضلَ؛ لأنه يتضمن البيان للناس، وهو مأمور بالبيان، وهذا كما توضأ مرة مرة في بعض الأوقات بياناً للجواز، ومعلوم أن الثلاث أفضل، وهو الذي واظب عليه، وطاف على البعير لبيان الجواز، ومعلوم أن الطواف ماشياً أفضلُ، وهو الذي تکرر منه، ونظائره كثيرة. والجواب الثاني: لعله محمول على من أدركه الفجر مجامعاً، فاستدام بعد طلوع الفجر عالماً، فإنه يفطر، ولا صومَ له. والثالث: جواب ابن المنذر فيما رواه عن البيهقي: أن حديث أبي هريرة منسوخ، فإنه كان في أول الأمر حين كان الجماع محرَّماً في الليل بعد النوم، كما كان الطعام والشراب محرماً، ثم نسخ ذلك ولم يعلمه أبو هريرة، وكان (١) رواه مسلم (١١٠٩) من حديث أبي هريرة حظه. ٣٩٠ يفتي بما علمه، حتى بلغه الناسخ فرجع إليه، قال ابن المنذر: وهذا أحسن ما سمعتُ فیه(١). ◌ِّ، قَالَتًا: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّ﴾ ١٢٤٥ - وعَنْ عائشةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ يُصْبِحِ جُنُباً مِنْ غَيْرِ حُلْمٍ، ثُمَّ يَصُومُ. متفقٌ عليهِ. * قولها: ((من غير حلم)): (ن): هو بضم الحاء، و[بضم] اللام وإسكانها، وفيه دليل لمن يقول: يجوز الاحتلام على الأنبياء، وفيه خلاف، والأشهر امتناعه، قالوا: لأنه من تلاعب الشيطان، وهم منزهون عنه، ويتأولون هذا الحديثَ على أن المراد يصبح جنباً من جماع، ولا يجنب من احتلام؛ لامتناعه منه، ويكون قريباً من قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُّلُونَ النَّبِنَ بِغَيْرِ حَقٍ﴾ [آل عمران: ٢١]، ومعلوم أن قتلَهم لا یکون بحق(٢) . (ق): في قولها: (من غير حلم): فائدتان، إحداهما: بيان المشروعية كما قال: ((عَمْداً فَعَلْتُهُ يا عُمَرُ)). ثانيتهما: دفعُ توهُّم من يتوهم أن النبي ◌ّ كان يحتلم في منامه، فإن الحلم من الشيطان، والله قد عصمه منه(٣). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧/ ٢٢١ - ٢٢٢). (٢) المرجع السابق (٧ / ٢٢١ - ٢٢٢). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ١٦٧). ٣٩١ ٢٢٥- باب بيانِ فضلٍ صومِ المُحَرَّمِ وشعبانَ، والأشهرِ الحُرُمِ ١٢٤٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِّى: (أَفْضَل الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ: شَهْرُ اللهِ المحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلاةِ بَعْدَ الفَرِيضَةِ: صَلَاةُ اللَّيْلِ)) رواه مسلمٌ. * قوله ويتمفي: ((شهر الله المحرم)): (ط): أضاف الشهر إلى الله تعظيماً، وعطفَ ((المحرَّم)) عليه بياناً وتفخيماً له(١). (ق): هذا لأن المحرَّم أولُ السنة المستأنفة، التي [لم] يجىء بعدُ رمضانها، وكان استفتاحها بالصوم الذي هو أفضل الأعمال، والذي أخبر عنه ◌َ ل بأنه ضياء، فإذا استفتح السنة بالضياء؛ مشى فيه بقيَّتَها، انتهى(٢). هذا صريح بأنه أفضل الشهور للصوم، وسيأتي الجواب عن إكثار النبي ◌ّ من صيام شعبان دون المحرَّم قريباً. (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٦٠٥). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٢٣٥). ٣٩٢ فقول الطيبي رحمه الله: يريد به يوم عاشوراء، ويخصص هذا الفضل بهذا اليوم الواحد. * قوله ويفي: ((أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل)): (ن): فيه دليل لما اتفق عليه العلماء أن تطوع الليل أفضل من تطوع النهار، وفيه حجة لأبي إسحاق المروزي من أصحابنا ومن وافقه: أن صلاة الليل أفضلُ من السنن الراتبة، وقال أكثر أصحابنا: الرواتب [أفضل]؛ لأنها تشبه الفرائض، والأول أقوى وأوفق للحديث(١). (ط): للعلماء فيه مقال، ولعمري! إن صلاة الليل لو لم يكن فيها فضل سوى قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ الَّلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةٌ لَّكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، وقوله: ﴿ نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ إلى قوله: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] إلى غيرهما من الآيات؛ لكفاه تقدُّماً ومزيةً(٢). ١٢٤٧ - وعَنْ عائشةَ رَضِيَ الله عَنْهَا، قَالَتْ: لَمْ يَكُنِ النبيُّ ◌َه يَصُومِ مِنْ شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ، فَإِنَّ كَانَ يَصُومِ شَعْبَانَ كُلَّه. وفي روايةٍ: كَانَ يَصُومُ شَعبانَ إِلاَّ قَلِيلاً. متفقٌ عليهِ. * قولها: ((كان يصوم شعبان كله))، وفي رواية: ((كان يصوم (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٨ / ٥٥). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٦٠٥). ٣٩٣ شعبان إلا قليلاً»: الثاني تفسير للأول وبيان أن قولها: (کله)؛ أي: غالبه، وقيل: كان يصومه كلَّه في وقتٍ، ويصوم بعضه في سنة أخرى، وقيل: كان يصوم تارة من أوله، وتارة من آخره، وتارة بينهما، وما يُخْلِي منه شيئاً بلا صيام، لكن في سنين، و[قيل] في تخصيص شعبان بكثرة الصوم؛ لكونه يرفع فيه أعمال العباد، وقيل غير ذلك، فإن قيل: سبق أن أفضل الصوم بعد رمضان صوم المحرم، فكيف أكثر منه في شعبان دون المحرم؟ فالجواب: لعله لم يعلم فضلَ المُحرَّمِ إلا في آخر الحياة، قبل التمكن من صومه، أو لعله كان يعرض فيه أعذار تمنع من إكثار الصوم فيه، كسفر ومرض وغيرهما، قال العلماء: وإنما لم يستكمل غير رمضان؛ لئلا يُظَنَّ وجوبُه. ١٢٤٨ - وعَنْ مُجِيبَةَ البَاهِلِيَّةِ عَنْ أَبِيهَا أَوْ عَمِّها: أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللهِوَِّ، ثمَّ انطَلَقَ، فَأَتَاهُ بَعْدَ سَنَّةٍ، وَقَد تَغَيَّرَتْ حَالُهُ وَهَيْئَتُهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! أَمَا تَعْرِفُنِي؟ قَالَ: ((وَمَنْ أَنْتَ؟))، قالَ: أَنَا الْبَاهِلِيُّ الَّذِي جِثْتُكَ عامَ الأَوَّلِ. قَالَ: ((فَمَا غَيَّرَكَ، وَقَدْ كُنْتَ حَسَنَ الهَيئةِ؟))، قالَ: ما أَكلتُ طعَاماً منذُ فَارَقْتُكَ إِلاَّ بِلَيْلِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((عَذَّبْتَ نَفَسَكَ!))، ثُمَّ قَالَ: ((صُمْ شَهْرَ الصَّبرِ، وَيَوماً مِنْ كُلِّ شَهْرٍ))، قال: زِدْني؛ فإِنَّ بِي قَوَّةً، قَالَ: ((صُمْ يَوْمِيْنِ))، قالَ: زِدْني، قالَ: ((صُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ)، قالَ: زِدْني، قالَ: ((صُمْ مِنَ ٣٩٤ الحُرُمِ وَاترُكْ، صُمْ مِنَ الحُرُمِ وَاترُكْ، صُمْ مِنَ الحُرُم وَاتْرُْ))، وقالَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلاثِ، فَضَمَّهَا، ثُمَّ أَرْسَلَهَا. رواه أبو داودَ. و (شهرُ الصَّبِ)): رَمَضَانُ. * قوله ێ: ((عذبت نفسك)»، وفي بعض النسخ من ((سنن أبي داود)): ((لِمَ عَذَّبْتَ نَفْسَكَ؟))(١)، يستفاد منه أن من بعض فوائد مشروعية (٢). ١٢٥٣ - وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴾، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِّهِ: (َئِنْ بَقِيتُ إِلَى قابِلٍ، لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ) رواهُ مُسْلِمٌ. ، قوله: ((لأصومن التاسع)): (ن): لعل السبب في صوم التاسع مع العاشر أن لا يتشبه باليهود في إفراد العاشر، وفي الحديث إشارة] إلى هذا، وقيل: للاحتياط في تحصيل (١) رواه أبو داود (٢٤٢٨)، وإسناده ضعيف لجهالة مجيبة الباهلية. انظر: ((ضعيف أبي داود)» (٤١٩). (٢) سقطت اللوحة (٣٣٧) من الأصل، وسقط فيها (باب فضل الصوم وغيره في العشر الأُوَل من ذي الحجة)، وفيه حديث واحد، وكذلك أولُ (باب فضل الصوم يوم عرفة وعاشوراء وتاسوعاء)؛ إذ سقط منه شرح ثلاثة أحاديث من أوله، وما بين معكوفتين مستدرك من ((شرح صحيح مسلم)) للنووي؛ لأجل الفائدة، ولئلا ينقطع الكلام دون وضوح المعنى. هذا ولم نتمكن من إكمال ما بعد قوله: ((فوائد مشروعية))، وذلك لعدم وصولنا إلى المصدر المنقول منه . ٣٩٥ عاشوراء، والأول أولى(١). (ق): ظاهر قوله ◌َلجر: (لأصومن التاسع)): أنه كان عزم على أن يصوم التاسعَ بدل العاشرِ، وهذا الذي فهمه ابن عباس حين قال للذي سأله عن يوم عاشوراء: إذا رأيت هلال المحرم؛ فاعْدُدْ وأَصْبِحْ يومَ التاسع صائماً(٢)، وقيل: ليس فيه دليل على أنه يترك صومَ العاشر، بل وَعَدَ بأن يصوم التاسع مضافاً إلى العاشر، وفيه بُعدٌ عندنا، بل مساق الحديث مبني على أنه جواب عن سؤال سبق، وهو قولهم: إنه يوم يعظمه اليهود والنصارى، فقال ◌َله: ((إِذَا كانَ العامُ المُقبلُ صُمْنا التاسِعَ إِنْ شَاءَ الله)، وإنما قال ◌َ ﴿ هذا لحصول فائدة الاستئناف المتقدم، وکانت فائدته إصغاءهم لما جاء به، حتی یتبین لهم الرشد من الغي ﴿لَيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْبِى مَنْ حَى عَنْ بَيِّنَةٍ ﴾ [الأنفال: ٤٢]، ولمّا ظهر عنادهم كان يحب مخالفتهم فيما لم يؤمر به، وبهذا يرتفع التعارض المتوهم في كونه ي ﴿ كان يحب موافقة أهل الكتاب، وكان يحب مخالفتهم، فإن ذلك في وقتين وحالتين، لكن الذي استقر حاله عليه أنه كان يحب مخالفتهم؛ إذ قد وضح الأمر، وظهر الحق، ولو كره الكافرون(٣). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٨ / ١٣). (٢) رواه مسلم (١١٣٣). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ١٩٣ - ١٩٤). ٣٩٦ ٢٢٨- باب استحباب صوم ستةِ أیامٍ من شَؤَالٍ ١٢٥٤ - عَنْ أَبِي أيوبَ هُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَهِ قَالَ: ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتّاً مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ) رواهُ مُسْلِمٌ. * قوله ريفي: ((ثم أتبعه ستاً من شوال)»: (ن): ((ستاً) صحيح، ولو قال: ((ستة)) بالهاء جاز أيضاً، قال أهل اللغة: يقال: صمنا خمساً وستاً، وخمسة وستة، وإنما يلتزمون إثبات الهاء في المذكَّر إذا ذكروه بلفظه صريحاً، فيقولون: صمنا ستة [أيام]، ولا يجوز ست أيام، فإذا حذفوا الأيام(١) جاز الوجهان، ومنه قوله تعالى: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]؛ أي عشرة أيام، انتهى(٢). * وقوله: ((كان كصيام الدهر)) : رواه الطبراني وزاد: قال: قلت: لكلِّ يوم عشرة؟ قال: (نَعَمْ))(٣)، (١) في الأصل: ((الهاء)). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٨ / ٥٧). (٣) رواه الطبراني ((في المعجم الكبير)) (٣٩٠٢). ٣٩٧ قال المنذري: رواته رواة الصحيح. وعن ثوبان مولى رسول الله وَّه، عن رسول الله وَّهُ: ((مَنْ صَامَ سِتَةَ أيامٍ بعدَ الفِطرِ كانَ تَمَامَ السَّنَةِ، مَنْ جاءَ بالحَسنةِ فَلَهُ عَشْرُ أمثالِها))، رواه ابن ماجه، والنسائي ولفظه: ((جَعلَ اللهُ الحَسنةَ بعَشرِ أمثالِها، فَشَهِرٌ بعشرةٍ أشْهُرٍ، وستةُ أيامٍ بعدَ الفِطرِ تمامُ السَّنَةِ»(١). ورواه ابن خزيمة في «صحيحه»، ولفظه: «صِيامُ شهرِ رمضانَ بعَشرةِ أَشهرٍ، وصيامُ ستةِ أيامٍ بشهرَينٍ، فذلكَ صِيامُ السَّنَةِ»(٢). ورواه ابن حبان في ((صحیح)))(٣). ورواه الطبراني في «الأوسط»، ولفظه: ((مَنْ صامَ سِتَةَ أيامٍ بعدَ الفِطرِ مُتابِعةً فكأنَّما صامَ السَّنَ كُلَّها)) قال المنذري: إسناده فيه نظر (٤). ورواه في ((الأوسط)) أيضاً عن ابن عمر مرفوعاً: ((مَنْ صامَ رمضانَ وأَتْبِعَهُ سِتّاً منْ شَوالٍ خرجَ مِنْ ذُنوبِهِ كَيَومَ ولَدَتْهُ أُّه)»(٥)، ورُوِيَ عن ابن (١) رواه ابن ماجه (١٧١٥)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٢٨٧٤). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (١٠٠٧). (٢) رواه ابن خزيمة في ((صحيحه)) (٢١١٥). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (١٠٠٧). (٣) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٣٦٣٥). (٤) رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٧٦٠٧). وهو منكر بهذا اللفظ. انظر: ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (٦٠٧). (٥) رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٨٦٢٢). وهو حديث موضوع. انظر: ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (٦٠٨). ٣٩٨ عباس مرفوعاً: ((الصَّائِمُ بعدَ رمضانَ كالكَارِّ بعدَ الفارِّ))، أورده أبو زُرْعة الرازي . (ن): فيه دلالة صريحة لمذهب الشافعي وأحمد وداود وموافقيهم في استحبابِ صومِ هذه السِّتَّةِ، وقال مالك وأبو حنيفة: يكره ذلك. وقال مالك في ((الموطأ)): ما رأيت أحداً من أهل العلم يصومُها. قالوا: فيكره لئلا يُظنَّ وجوبُه، وإذا ثبتت السنة فلا تترك لترك بعضٍ الناس، أو أكثرِهم، أو كلِّهم، وقولهم: قد يُظنُّ وجوبُها ينتقض بصومِ عرفة وعاشوراء وغيرهما من الصوم المندوب، قال أصحابنا: والأفضل أن تصام الستة متوالية عَقِبَ يوم الفطر، فإن فرَّقها، أو أخَّرها جاز؛ لأنه يصدق عليه أنه أتبعه ستاً من شوال، انتهى(١). واستدل على أفضلية التوالي بين هذه الستة بما رُوِيَ عن أبي هريرة ◌َظ قال: قال رسول الله وَِّ: (مَنْ صامَ رَمضانَ وسِتةَ أيامٍ بعدَه لا يَفْصِلُ بَيْنهُنَّ فكأنَّما صامَ السَّنَ))(٢). وفي رواية أخرى عنه مرفوعاً: ((مَنْ صامَ سِتَةَ أيامٍ بعدَ الفِطرِ مُتتابعةً فكأنَّما صامَ السَّنَةَ)) رواه الطبراني في ((الأوسط))(٣). وعن ابن عمر ◌َ﴾ قال: من صام رمضان وستةَ أيام من أول ما يفطر حُسبت الأيامُ الستةُ التي صامها بسنةٍ من سِنِي الآخرة، وقال ابن عباس: (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٨ / ٥٦). (٢) رواه أبو نعيم في ((أماليه)) (٥). (٣) سلف قريباً. ٣٩٩ الأيام الستة متواليات، أَورَده في ((الكنز الخفي)). واختار ابن المبارك أن تكون ستة أيام من أول الشهر، وأيضاً فإن في التأخير آفات؛ إذ ربما عرض بعده مرضٌ، أو سفر ضروري، أو سفر إلى الدار الآخرة، فيتعسر التدارُكُ والتلافي. (ق): فإن قيل: فلزم على هذا مساواةُ الفرض للنفل [في] تضعيف الثواب، وهو خلاف المعلوم من الشرع، إذ قد تقدم فيه: أن أفضلَ ما تقرب به المتقربون إلى الله أداءُ ما افترض الله عليهم، وقد تقدم: أن صيامَ ثلاثة أيام من كل شهر صيامُ الدهر، وهذه الثلاثة تطوع بالاتفاق، فقد لزم مساواةُ الفرض للنفل في الثواب، فالجواب - على تسليم ما ذكر من أن ثواب الفرض أكثر -: أن نقول: إن صيام ثلاثة أيام من كل شهر إنما صار بمنزلة صيام سنة بالتضعيف؛ لأن المباشَرَ من أيامها بالصوم ثلاثةُ أعشارِها، ثم لما جُعلَ كلُّ يوم بمنزلة عشرةٍ كملت السنة بالتضعيف، وأما صومُ رمضان مع السنة؛ فيصح أن يقال: إنه بمنزلة سَنَّةٍ بُوشِرتْ بالصوم أيامُها، ثم ضُوعف كلُّ يوم من أيام الستة بعشرة، فتضاعف العددُ، فصارت هذه السنة بمنزلة عشر سنين بالتضعيف، وإنما صرنا إلى هذا التأويل؛ للحديث الصحيح في تفضيل الفرض على غيره، ولِمَا عُلم من الشرع من أن أكمل الثواب على القرب محدودٌ بعشرة، وأما أكثره فليس بمحدود؛ لقوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءٌ﴾ [البقرة: ٢٦١]، انتهى(١). أو يقال: لا يُحتاج إلى هذا التأويل البعيد؛ إذ المساواة بينهما منتفيةٌ، (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٢٣٦ - ٢٣٧). ٤٠٠