Indexed OCR Text
Pages 341-360
وذكر صاحب ((الفردوس)): من حديث ابن عباس عن النبي والي:
(للجنَّةِ بابٌ يُقال له: بابُ الفرحِ، لا يَدخلُ منهُ إِلَّ مَن فَرَّحَ الصِّبيانَ))(١).
* قوله: ((ما على من دعي)):
(مظ): (ما) نفيٌّ، و(مِنْ) في: ((مِنْ ضَرورة)) زائدةٌ؛ أي: ليس ضرورة
على مَن دُعي من تلك الأبواب، إذ لو دُعي من باب واحد؛ لحصل مرادُه،
وهو دخول الجنة، مع أنه لا ضرورة علیه في أن يُدعى من جميع الأبواب،
فهل يدعى أحد من جميع الأبواب؟ انتهى(٢).
وفي رواية لمسلم: ((ذَاكَ الَّذِي لاَ تَوَى عَلَيْهِ)(٣)، بفتح التاء المثناة
فوقُ، مقصوراً؛ أي: لا هلاكَ.
(ط): هذه الرواية تستدعي أن يُؤوَّل قولُه: ((من ضرورة)) إلى ضررٍ،
والمقام يقتضيه؛ لأن قوله: ((وللجنة أبواب)) وارد على سبيل الاستطراد
لقوله: ((دعي من أبواب الجنة)) فخصَّ كلَّ بابٍ بمَن أكثرَ نوعاً من العبادة،
فلما سمع الصديق ظه؛ رغب في أن يُدعى من كل الأبواب، وقال: ليس
على [مَن دُعي] مِن تلك الأبواب ضررٌ وتوى، بل له تكرمة وإعزاز، فهل
أحد [منا] يختص بتلك الكرامة؟ فأجيب: (نَعَم ... إلى آخره)) (٤).
(١) رواه الديلمي في ((مسند الفردوس)) (٤٩٨٥) وهو حديث منكر. انظر: ((السلسلة
الضعيفة)) (٧١١٣).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٢ / ٥٣١).
(٣) رواه مسلم (١٠٢٧ / ٨٦).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٥٤١).
٣٤١
(ك): أي: يدعى من كلِّها إكراماً وتخييراً له من الدخول من أيِّها أراد؛
الاستحالة الدخول من الكل معاً، أقول: يحتمل أن تكون الجنة كالقلعة التي
[لها] أسوار محيطٌ بعضها ببعض، على كل سور باب، فمنهم من يُدعى من
الباب الأول فقط، ومنهم من يتجاوز عنه إلى الباب الداخلي، وهلم جراً(١).
(ط): وقريب منه ما رُوِيَ أن أبا الدرداء كان يغرس غرساً وهو شيخ،
فقيل له: فأجاب: وما عليّ أن يكون لي أجرها، ويأكل منها غيري.
هكذا ينبغي أن يؤول؛ لأن سؤاله : (فهل أحد يدعى من تلك
الأبواب) بعدَما سمع قولَه: ((من أنفق زوجين دعي من أبواب الجنة)) لا يستقيم
إلا بهذا التأويل؛ لأن أبا بكر به علم من ذلك أن أحداً قد يُدعى من جميع
الأبواب، ولما كان السؤال عن الاختصاص؛ طابقَه الجوابُ بقوله: ((أَرجُو أنْ
تكُونَ مِنْهُم))(٢).
(ن): فيه منقبة لأبي بكر ◌ُه، وفيه: جواز الثناء على الإنسان في وجهه
إذا لم يخف عليه فتنة بإعجاب وغيره، انتهى(٣).
١٢١٧ - وعن أَبِي أُمَامَة ◌َ﴾ِ، عن النبيِّوَِّ، قَالَ: ((مَنْ
صَامَ يَوْماً في سَبيلِ اللهِ جَعَلَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ خَنْدَقاً كما بَيْنَ
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٩ / ٨٣).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٥٤٢).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١١٧).
٣٤٢
السَّمَاءِ والأَرْضِ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
١٢١٨ - وعَنْ أَبِي سَعيدٍ الْخُدْرِيَِّ﴾، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِِّ:
((مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوماً في سَبيلِ الله، إِلَّ بَاعَدَ اللهُ بِذلكَ اليَوْمِ وَجْهَهُ
عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفاً». متفقٌ عليه.
* قوله يتيح: ((من صام يوماً في سبيل الله)):
(ن): فيه فضيلة الصيام [في سبيل الله]، وهو محمول على من لا يتضرر
[به]، ولا يُفوِّت به حقاً، ولا يختلُّ به قِتاله، ولا غيرُه من مهمات غزوه،
ومعناه: المباعدة من النار، والمعافاة منها(١).
(شف): ويُحتمل أن يكون معناه: من صام يوماً لله ولوجهه.
(مظ): يعني: من جمع بين مشقةِ الصوم، ومشقة الغزو؛ يكون له هذا
التشريف، هذا إذا اتَّفق الغزو في البلد، وأما لو كان في السفر؛ فمحمول على
ما إذا لم يلحقه ضعف(٢).
(نه): ((الخريف)): الزمان المعروف ما بين الصيف والشتاء، ويراد به
السنة؛ لأن الخريف لا يكون في السنة إلا مرة واحدة، فإذا انقضى الخريف
انقضت السنة(٣) .
(ط): إنما خصَّ الخريف بالذكر دون سائر الفصول؛ لأنه زمان بلوغ
(١) المرجع السابق (٨/ ٣٣).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ٤٣).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٢٤).
٣٤٣
الثمار، وحصاد الزروع، وحصول سعة العيش(١).
(ق): ((سبعين)) على جهة المبالغة في البعد عن النار، وكثيراً ما يجيء
السبعون كنايةً عن التكثير، كقوله تعالى: ﴿إِن تَسْتَغْفِرُ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً ﴾ [التوبة:
٨٠]، والخريف: فعيل بمعنى المفعول؛ أي: مُخْتَرَفٌ، وهو الزمان الذي
تُخْتَرَفُ فيه الثمار، و ((في سبيل الله)): في طاعته، يعني بذلك: قاصداً به وَجْهَ
الله تعالی(٢).
١٢١٩ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴿ه، عَنِ النَّبِيِّوَِّ، قالَ: ((مَنْ
صَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً واحْتِساباً، غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)) متفقٌ
عليه .
* قوله يطلق: ((من صام رمضان)):
(ك): فإن قلت: هل يكفي أقلُّ ما ينطلق عليه اسم الصوم، مثلُ يومٍ
واحد؟ قلت: لا يقال في العرف: صام رمضان، إلا إذا صام كلَّه، والسياق
ظاهر، فإن قلت: المعذور - كالمريض - إذا ترك الصوم فيه، ولولا العذر
لصامه، هل يدخل تحت هذا الحكم؟ قلت: نعم، كما أن المريض إذا
صلى قاعداً للعذر له صلاة القائم(٣).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٦١١).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٢١٧).
(٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ١٥٩).
٣٤٤
(مظ): ((إيماناً واحتساباً)؛ يعني بالإيمان: الاعتقادَ بحَقِّيّة فرضيّة صومِ
هذا الشهر، لا الخوف والاستحياء من الناس من غير اعتقادٍ بتعظيم هذا
الشهر(١).
(خط): ((احتساباً)؛ أي: عزيمةً، وهو أن يصومه على معنى الرغبة
في ثوابه، طَيِّبَةَ نفسُه بذلك، غيرَ مستثقِلٍ لصيامه، ولا مُستطيلٍ لأيامه(٢) .
(نه): ((احتساباً))؛ أي: طلباً لوجه الله وثوابه، والاحتسابُ من
الحَسْبِ، كالاعتداد من العَدِّ، وإنما قيل لمَن ينوي بعمله وجهَ الله: احتسبه؛
لأن له حينئذٍ أن يعتدَّ عملَه، فجعله في حال مباشرة الفعل كأنه معتدٌّ به،
والاحتسابُ في الأعمال الصالحات وعند المكروهات: هو البِدارُ إلى طلب
الأجر وتحصيله بالتسليم والصبر، أو باستعمال أنواع البر، والقيامُ به على
الوجه المرسوم فيها(٣).
(ك): فإن قلت: كلٌّ من اللفظين يغني عن الآخر، إذ المؤمن لا يكون
إلا محتسِباً، والمحتسِبُ لا يكون إلا مؤمناً، فهل غيرَ التأكيد فيه فائدةٌ، أم لا؟
قلت: المُصَدِّق للشيء ربما لا يفعله مخلصاً، بل للمراءاة ونحوها، أو الفائدةُ
التأكيدُ، ونِعْمَ الفائدةُ(٤).
(١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ٨).
(٢) انظر: ((أعلام الحديث)) للخطابي (١ / ٤٤).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٣٨٢).
(٤) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ١٥٩).
٣٤٥
١٢٢٠ - وعنهُ : أَنَّ رَسُولَ اللهِوَهِ قالَ: ((إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ،
فُتّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَت أَبْوَابُ النَّارِ، وصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ)»
متفقٌ عليه.
· قوله في: ((إذا جاء رمضان)):
(ن): فيه دليل للمذهب الصحيح المختار الذي ذهب إليه البخاري
والمحققون: أنه يجوز أن يُقال: (رمضانُ) من غير (شهر) بلا كراهة، وفيه
ثلاثة مذاهب :
قالت طائفة: لا يقال: رمضان، على انفراده بحال، وإنما يقال:
شهرُ رمضان، وهذا قول أصحاب مالك، وزعم هؤلاء أن رمضانَ اسمٌ من
أسماء الله، فلا يُطلَق على غيره إلا بقید.
وقال أكثر أصحابنا وابن الباقلاني: إن كان هناك قرينةٌ تصرفه إلى الشهر؛
فلا كراهة، وإلا فيكره، قالوا: يقال: صُمنا رمضانَ، ويكره: جاء رمضانُ،
وأحب رمضان، ونحو ذلك.
والمذهب الثالثُ مذهبُ المحققين: أنه لا كراهة في إطلاقه بقرينة
ودونَها، والمذهبان الأَوَّلان فاسدان؛ لأن الكراهة إنما تثبت بنهي الشرع، ولم
يثبت فيه نھيٌّ، وقولهم: إنه اسم من أسماء الله ليس بصحيح، ولم يصح فيه
شيء، وإن كان قد جاء فيه أثر ضعيف، ولو ثبت أنه اسم لم يلزم منه كراهةٌ،
وهذا الحديث صريح في الردِّ على المذهبين، وله نظائر(١).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٨٧).
٣٤٦
* قوله: «فتحت أبواب الجنة)):
(ن): قال القاضي: يحتمل أنه على ظاهره، وحقيقته: أن التفتيح،
والتغليق، والتصفيد علامةٌ لدخول الشهر، وتعظيمٌ لحرمته، ويكون التصفيد
ليمتنعوا من إيذاء المؤمنين والتهويش عليهم، وقال: يحتمل أن يكون المرادُ
المجازَ، ويكون إشارةً إلى كثرة الثواب والعفو، وأن الشياطين يَقِلُّ إغواؤهم
وإيذاؤهم، فيكونون كالمُصفَّدين، ويكون تصفيدهم عن أشياء دون أشياء،
ولناسٍ دون ناس، ويؤيد هذا قول مسلم في رواية له: ((فُتِحَتْ أَبْوَابُ
الرَّحْمَةِ)(١)، وجاء في الحديث الآخر: ((صُفِّدَتْ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ))(٢)، قال:
ويحتمل أن يكون فتحُ أبواب الجنة عبارةً عما يفتحه الله تعالى لعباده من
الطاعات في هذا الشهر، التي لا تقع في غيره عموماً، كالصيام، والقيام، وفعل
الخيرات، والانكفاف عن كثير من المخالفات، وهذه أسباب لدخول الجنة
وأبوابٌ لها، وكذلك تغليق أبوابِ النار، وتصفيدُ الشياطين عبارةٌ عما ينكفُّون
عنه من المخالفات، ومعنى صُفِّدت: غُلِّلَتْ، والصفَد، بفتح الفاء: الغُلُّ(٣).
(ق): فإن قيل: نرى الشرور والمعاصي تقع في رمضان كثيراً، فلو
كانت الشياطين مصفودة؛ لما وقع شر؟ فالجواب من وجوه:
أحدها: تُغلُّ عن الصائمين الصومَ الذي حُوفظ على شروطه، أما من
(١) رواه مسلم (١٠٧٩ / ٢).
(٢) رواه الترمذي (٦٨٢)، من حديث أبي هريرة ظه. وهو حديث حسن. انظر:
((صحيح الجامع الصغير)) (٧٥٩).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٨٨).
٣٤٧
لم يحافظ عليه فلا يُغلُّ [عن] فاعله الشيطانُ.
الثاني: لو سلمنا أنها مصفدة عن كل صائم، لكن لا يلزم من تصفيد
جمع الشياطين أن لا يقع شر؛ لأن لوقوع الشر أسباباً أُخَرَ غيرَ الشياطين،
وهي النفوس الخبيثة، والعادات الرَّكِيكة، والشياطين الإنسية.
الثالث: أن يكون هذا الإخبار عن غالب الشياطين، والمَرَدَةُ منهم،
والمقصودُ تقليلُ الشرور، وهذا موجود في شهر رمضان، فإنَّ وقوع
الشرور والفواحش فيه قليلٌ بالنسبة إلى غيره من الشهور، انتهى(١).
قال ابن حبان في «صحيحه)): ذكرُ البيان بأن الله جل وعلا إنما يُصفِّدُ
الشياطينَ في شهر رمضان مَرَدَتَّهُم دونَ غيرهم، وساق الحديث عن أبي
هريرة عن النبي ◌َّهِ: ((إِذا كانَ أوَّلُ ليلةٍ من شهرِ رَمَضانَ صُفِّدتِ الشياطينُ
مَرَدَةُ الجزِّ، وغُلِّقتْ أبوابُ النارِ، فلم يَنْفَتِحْ منها بابٌ، وفُتِّحَتْ أبوابُ
الجنَّةِ، فلم يُغْلَقْ منها بابٌ، ويُنادي منادٍ: يا باغِيَ الخيرِ أَقْبِلْ، ويا باغِيَ
الشَّرِ أَقْصِرْ، ولهِ عُتقاءُ مِن النارِ، وذلكَ كلَّ ليلةٍ))(٢)، رواه الحاكم مصححاً
على شرطيهما(٣).
(ط): أي: يا طالب الثواب أَقْبِلْ، هذا أوانُك، [فإنك] تعطى ثواباً
كثيراً بعمل قليل، وذلك لشرف الشهر، ويا من يشرع ويسعى في المعاصي
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١٣٦/٣).
(٢) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٣٤٣٥). وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الجامع
الصغیر)» (٧٥٩).
(٣) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (١٥٣٢).
٣٤٨
تُبْ وارجع إلى الله، هذا أوان قَبولِ التوبة، ((ولله عتقاء من النار)) لعلك
تكون من زُمرتهم، والإشارة بقوله: ((وذلك)) إما للبعيد، وهو النداء، أو
القريب، وهو (لله عتقاء))(١).
١٢٢١ - وعنهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قالَ: ((صُوْمُوا لِرُؤْيَتِهِ،
وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غَبِيَ عَلَيْكُمْ، فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ)
متفقٌ عليه. وهذا لفظُ البخاريِّ.
وفي روايةٍ مسلمٍ: ((فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَصُومُوا ثَلاثِينَ يَوْماً).
* قوله تاجر: ((صوموا لرؤيته)):
(ن): المراد: رؤيةُ بعض المسلمين، ولا تشترط رؤيةُ كلِّ إنسان، بل
يكفي جميعَ الناس رؤيةُ عدلين، وكذا عَدْلٌ على الأصح، هذا في الصوم،
وأما الفطر؛ فلا يجوز بشهادة عدلٍ واحد على هلال شوال عند جميع
العلماء، إلا أبا ثور فجوَّزه بعَدْلٍ(٢).
(ط): اللام في ((لرؤيته)) [للوقت] كما في قوله: ﴿ أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ
الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]؛ أي: وقتَ دُلُوكها، بيّته حديث أبي البختري: مَدَّه
للرؤية، قال القاضي عياض: أطال مدَّتَه إلى الرؤية، وقولك: جئته لثلاث
خلون من شهر کذا .
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٥٧٦).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٩٠).
٣٤٩
والضمير راجع إلى الهلال، وإن لم يجرِ له ذكرٌ؛ لدلالة السياق عليه،
كقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]؛ أي: لأبوي
الميت(١).
(نه): ((غَبِيَ))؛ أي: خفي، ورواه بعضهم بضم الغين، وتشديد الباء
المكسورة لما لم يُسَمَّ فاعله، وهما من الغَباءِ شِبْهُ الغَبْرةِ في السماء(٢).
* قوله {ل: ((فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)»:
(ن): يعني: إذا غَبِيَ الهلالُ آخرَ شعبان، وفي رواية: ((صُومُوا
ثلاثِينَ يوماً)(٣)؛ أي: إذا غَبِيَ الهلال آخرَ رمضان (٤).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٥٧٩).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٣٤٢).
(٣) رواه مسلم (١٠٨١ / ١٧)، من حديث أبي هريرة عظ ◌ُه.
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٨٦).
٣٥٠
٣١٨- با
الجودِ وفعلِ المعروفِ،
والإكثار من الخیرِ في شهرِ رمضانَ،
والزيادة من ذلكَ في العشرِ الأواخرِ منهُ
١٢٢٢ - وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴾، قالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ أَجْوَدَ
النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ
جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ وَه
حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أَجْوَهُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ» متفقٌ عليه.
* قوله: «أجود الناس)):
(ك): الجُود: هو إعطاءُ ما ينبغي لمَن ينبغي، ومعناه: هو أسخى
سائرِ الناس، لمّا كان نفسُه أشرفَ النفوس، ومزاجُه أعدلَ الأَمْزِجة؛ لا بد
أن يكون فعلُه أحسنَ الأفعال، وخلقُه أحسنَ الأخلاق، فلا شك أن يكون
له جود(١) .
(تو): كان رسول الله وَل يسمح بالموجود؛ لكونه مطبوعاً على
الجود، مستغنياً عن الفانيات بالباقيات الصالحات، إذا بدا له عَرضٌ من
أعراض الدنيا؛ لم يُعِرْهُ مؤخَرَ عينه، وإن عَزَّ وكَثُر، يبذل المعروف قبل أن
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ٥١).
٣٥١
يُساءل، وكان إذا أحسن عاد، وإن وجد جاد، وإن لم يَجِدْ وَعَدَ ولم يخلف
الميعاد، وكان يظهر منه آثار ذلك في رمضان أكثرَ مما يظهر منه في غيره؛
لمعانٍ، أحدُها: أنه موسم الخيرات، وثانيها: أن الله تعالى يتفضل على
عباده في ذلك الشهر ما [لا] يتفضل عليهم في غيره، وكان ◌َّهُ يُؤْثِر متابعةَ
سُنَّةِ الله تعالى في عباده، وثالثها: أنه كان يصادف البشرى من الله بملاقاة
أمين وحي الله، ويتابع إمداد الكرامة عليه في سواد الليل وبياض النهار،
فيجد في مقام البسط حلاوةَ الوَجْد، وبشاشةَ الوُجْدان، فيُنْعِمُ على عباد الله
بما يمكنه مما أنعم الله علیه، ویحسن إليهم كما أحسن الله إليه، شكراً لله
على ما أداه.
(ك): ومعنى آخر: وهو امتثال أمر الله في تقديم الصدقة على النجوى؛
إذ جبريل رسول أيضاً، أو شبيه بذلك، ووجوب الصدقة - وإن كانت منسوخةً -
فالاستحبابُ باقٍ، وقوله: ((لرسول الله)) بفتح اللام، لام الابتداء، زيدت على
المبتدأ للتأكيد، و((المرسلة)) يعني: هو أجود منها في عموم النفع والإسراع
فيه، فالجهة الجامعة بينهما: إما الأمران، وإما أحدهما، ولفظ ((الخير)) شامل
لجميع أنواعه بحسب اختلاف حاجات الناس(١).
(تو): ويحتمل أنه أراد بالمُرسَلةِ: التي أُرسلت بالبشرى بين يدي
رحمة الله تعالى، وذلك لشمول روحها وعموم نفعها، قال تعالى:
﴿وَالْمُرْسَلَتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١]، فأحدُ الوجوه في الآية: أنه أراد بها الرياح
بالمفعول له،
المرسلات للإحسان والمعروف، ويكون انتصاب
(١) المرجع السابق، الموضع نفسه.
٣٥٢
فلهذه المعاني المذكورة في ((المرسلة)) شبَّه نَشْرَ جُودِه بالخير في العباد بنشر
الربحِ القَطْرَ في البلاد، وشتان ما بين الأثرين، [فإن أحدهما يحيي القلبَ
بعد موته، والآخر يحيي الأرض بعد موتها، وإنما لم يقتصر في تأويل
((الخير)) على ما يبذله] مِن مال، ويُوصِلُه مَنِ احتاج؛ لِمَا عَرفْناه من تنوع
أغراض المُعْتَرِّينَ إليه، واختلاف حاجات السائلين عنه، وكان ◌َّ يجود
على كل واحد منهم بما يَسُدُّ خَلَّتَه، وينقع غلَّته، ويشفي ◌ِلَّته، وذلك
المراد من قوله: ((أجود بالخير من الريح المرسلة)).
(مظ): ((ما)) في ((ما يكون)) مصدريةٌ وهو جمع؛ لأن أفعل التفضيل
إنما يضاف إلى جمع، والتقدير: وكان أجودُ أكوانه في رمضان(١).
(ن): ((أجود)) بالرفع؛ لأنه اسمُ ((كان))، وخبرُه محذوف حذفاً
واجباً، إذ هو نحو: (أخطبُ ما يكون الأميرُ قائماً)، و((في رمضان)) في
محل نصب واقعٌ موقعَ الخبر الذي هو (حاصل)، و((حين يلقاه)) حالٌ من
الضمير الموجود في الحال المقدَّرة، فهو حال من حال، ومثله ما يُسمى
بالحالين المتداخلين، ومعناه: كان أجودُ أكوانه حاصلاً في رمضان حالَ
الملاقاة، ويحتمل أن يكون في ((كان)) ضميرُ الشأنِ، فيكون المعنى: كان
الشأنُ أجودُ أكوانه في رمضان - [أي: حاصل] - عند الملاقاة(٢).
(ط): لا نزاع في أنَّ ((ما)) مصدريةٌ، والوقت مقدر كما في: (مقدمَ
الحاجّ) والتقدير: [كان] أجودُ أوقاتِه وقتَ كونه في رمضان، فإسناد الجود
(١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ٥٦).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٨ / ٨٨).
٣٥٣
إلى أوقاته ﴿ كإسناد الصوم إلى النهار، والقيام إلى الليل في قولك: نهارُه
صائمٌ، وليلُه قائمٌ، وفيه من المبالغة ما لا يخفى(١).
* وقوله: ((كان جبريل ... إلى آخره)):
استئنافٌ، وتخصيصٌ بعد تخصيص على سبيل التَّرَقِي، فَضَّل جُودَه
أولاً على جُودِ الناس كلِّهم، ثم فضَّل ثانياً [جُودَ كونه في رمضان على]
جُودِه في سائر أوقاته، ثم فضَّل ثالثاً جَودَه في ليالي رمضانَ عند لقاء جبريل
على [جودِه] رمضان مطلقاً، ثم شبهه بالريح، ووصَفَها بالمرسلة، ولا
ارتيابَ أن مرسلَها هو الله تعالى، وهو من صفات جُودِه على الخلق طرّاً
﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ الْرِّيَحَ بُثْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ،﴾ [الفرقان: ٤٨] وأَكْرِمْ بجود
مُشَبَّهِ بجود الله تعالی.
(ك): ((فيدارسه القرآن)) هو منصوب؛ لأنه المفعول الثاني للمدارسة،
إذ الفعل المتعدي إذا نُقُلَ إلى باب المُفاعلة يصيرُ متعدياً إلى اثنين، نحو:
جاذَبْتُه الثوبَ، ومعناه: أنهما متناوبان في قراءة القرآن يعني كما هو عادة
القُرَّاءِ، بأن يقرأ مثلاً هذا عَشْراً، وهذا عَشْراً، أو أنهما يشتركان في القراءة؛
يعني: يقرآن معاً، والدَرْسُ: القراءةُ على سرعة وقدرةٍ عليه، كأنك تجعل
الشيءَ الذي تقرؤه مدللاً؛ لأن أصل الدرس: الوطءُ والتذليلُ، وفائدة دَرْسٍ
جبريلَ تعليمُ الرسول وَّهِ بتجويدِ لفظِهِ، وتصحيحِ إخراجِ الحروفِ من
مخارجها؛ ليكون سُنَّةً في حق الأمة كتجويدِ التلامذةِ على الشيوخ قراءتَهم(٢).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٦٢٩).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ٥١).
٣٥٤
(ن): في هذا الحديث فوائدُ منها: الحث على الجود والإفضال في
كل الأوقات، والزيادة منها في رمضان، وعند الاجتماع بالصالحين،
ومنها: زيارة الصلحاء وأهل الفضل ومجالستُهم، وتكرير زيارتهم
ومواصلتها، إذا كان المَزُورُ لا يكره ذلك، ومنها: استحباب الإكثار من
القرآن في رمضان، ومنها: استحباب مدارسة القرآن، وغيره من العلوم
الشرعية، ومنها: أنه لا بأس بقول: (رمضان) من غير ذكر (شهر)، ومنها:
أن القراءة أفضل من التسبيح، وسائرِ الأذكار، ولو كان الذكرُ أفضلَ؛ أو
مساوياً لفعلاهُ دائماً، أو في أوقاتٍ مع [تكرار] اجتماعهما، فإن قيل:
المقصود تجويد الحفظ؛ فالجواب: أن الحفظ كان حاصلاً، والزيادةُ فيه
تحصل ببعض هذه المجالس.
١٢٢٣ - وعَنْ عائشةَ رضيَ الله عنها، قالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهـ
إذا دَخَلَ العَشْرُ، أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَشَدَّ المِثْزَرَ. متفقٌ عليه.
* قولها: «أحيا الليل»:
(ن): أي: استغرقَه بالسهر في الصلاة وغيرها، وأما قول أصحابنا:
يُكره قيامُ الليل كلِّه؛ فمعناه: الدوامُ عليه، ولم يقولوا [بكراهة] ليلةٍ أو ليلتينٍ
أو العشرِ؛ ولهذا اتفقوا على استحباب إحياء ليلتي العيدين وغيرهما (١).
(ط): في إحياء الليل وجهان: أحدهما: أنه راجع إلى نفس العابد،
(١) المرجع السابق (٨ / ٧١).
٣٥٥
إذا اشتغل بالعبادة عن النوم الذي هو بمنزلة الموت، فكأنما أحيا نفسَه،
كما قال تعالى: ﴿يَتَوَتَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَتِى لَمْ تَمُتْ فِىِ مَنَامِهَاً﴾ [الزمر:
٤٢]، ثانيهما: أنه راجع إلى نفس الليل، فإن ليلَه لما صار بمنزلة نهاره في
القيام فيه، فكأنما أحياه وزينه بالطاعة والعبادة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ
إِلَى ءَاثَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاً﴾ [الروم: ٥٠]، فمن اجتهد فيه،
وأحياه كلَّه؛ وفّر نصيبه منها، ومن قام في بعضه؛ أخذ نصيبه بقدر ما قام
فيها، وإليه لمح سعيد بن المسيب بقوله: من شهد العشاء ليلةَ القدر؛ فقد
أخذ بحظه منها(١).
(ن): ((أيقظ أهله))؛ أي: أيقظهم للصلاة في الليل، وجدَّ في العبادة
زيادةً على العادة، ففيه أنه يستحب أن يزاد من العبادات في العشر الأواخر
من رمضان، واستحباب إحياء لياليه بالعبادات(٢).
* قولها: ((شدّ المئزر)):
(نه): قيل: هو الاجتهاد في العبادات زيادةً على عادته وَّ في غيره،
ومعناه: التشمُّر في العبادة، يقال: شددت لهذا الأمر مئزري؛ أي: شمَّرتُ
له، وتفرَّغْتُ، وقيل: هو كناية عن اعتزال النساء؛ للاشتغال بالعبادات(٣).
(ط): أو هو كناية عن التشمُّ للعبادة، والاعتزالِ عن النساء، قد
تقرر عند علماء البيان: أن الكناية لا تنافي إرادةَ الحقيقة، كما إذا قال:
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٦٢٤).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٨ / ٧١).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٤٤).
٣٥٦
فلانٌ طويلُ النِّجادِ، وأردتَ طُولَ نِجادِهِ مع طُولٍ قامته، كذلك نَّهُل
لا يستبعد أن يكون قد شدّ مئزره ظاهراً، وتفرغ للعبادة، واشتغل بها عن
غيرها، وإليه يرمز قولُ الشاعر :
دَبَيْتُ للجُودِ والسَّاعُون قَد بلَغُوا
[قولها]: (شد المئزر)):
جُهْدَ النفوسِ وأَلْقَوا دُونَه الأُزُرَا(١)
[(ق)]: أي: امتنع عن النساء، وهذا أولى من قول من قال: إنه كناية
عن الجِدِّ والاجتهاد؛ لأنه قد ذكر ذلك، فحمل هذا على فائدة مستجِدَّة أولى،
وقد ذهب بعض أئمتنا إلى أنه كناية عن الاعتكاف، وفيه بُعْدٌ؛ لقولها: (أيقظ
أهله)، وهو يدل على أنه كان معهم في البيت؛ لأنه في حال اعتكافه [في
المسجد] لا يخرج منه إلا لحاجة الإنسان، على أنه يصح أن يوقظهن من
موضعه من باب الخَوْخَةِ التي كانت من بيته إلى المسجد(٢).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٦٢٤).
(٢) انظر: (المفهم)) للقرطبي (٢٤٩/٣).
٣٥٧
٢١٩- با
النهي عن تقدُّمِ رمضانَ بصومٍ بعدَ نصفِ شعبانَ
إِلاّ من وصلهُ بما قبله، أو وافق عادةً له بأن كانَ
عادَتُه صومَ الاثنينِ والخميسِ، فوافَقَهُ
١٢٢٤ - عن أبي هريرةَ﴾، عَنِ النبيِّوَِّ، قالَ: ((لاَ يَتَقَدَّمَنَّ
أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمٍ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ
صَوْمَهُ، فَلْيَصُمْ ذَلِكَ اليَوْمَ)) متفقٌ عليه.
* قوله ګ﴾: ((لا یتقدمن أحدکم رمضان بصوم يوم أو يومين»:
(ن): فيه التصريح بالنهي عن استقبال رمضان بصوم يوم أو يومين لمن
لم يصادف عادة له، أو لم يصِلْه بما قبله، [فإن لم يصلْه] ولا صادف عادة؛
فهو حرام، هذا هو الصحيح في مذهبنا؛ لهذا الحديثِ، ولقولِهِ وَله: ((إذا
انْتُصَفَ شعبانُ فلا تصوموا))(١) فإن وصله بما قبله، أو صادف عادة له؛ جاز
لهذا الحديثِ، وسواء في النهي عندنا يومُ الشك وغيرُه، فيوم الشك داخل في
النهي(٢).
(١) رواه أبو داود (٢٣٣٧)، من حديث أبي هريرة ظه. وهو حديث صحيح. انظر:
((صحيح الجامع الصغير)) (٣٩٧).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٩٤).
٣٥٨
(ق): هذا النهي؛ لما يُخافُ من الزيادة في شهر رمضان، وهو من
أدلة مالك على قوله بسد الذرائع، لاسيما وقد وقع لأهل الكتابين من
الزيادة في أيام الصوم غلطٌ حتى انتهى إلى ستين يوماً(١).
(مظ): علته أن الرجل ينبغي له أن يستريح من الصوم؛ ليحصل له قوة
ونشاط، كيلا يثقل عليه دخول رمضان، وقيل: علته اختلاط صوم النفل
بالفرض، فإنه يورث الشكّ بين الناس، وأما القضاء والنذر ففيه ضرورة؛ لأنهما
فرض، وتأخيره غيرُ مَرْضِيٍّ، وأما الوِرْدُ فتركه أيضاً شديد عند مَن أَلِفَهُ (٢).
(ط): إنه ◌َّ﴿ أمر بالصوم، وقيده بالرؤية، فهو كالعلة للحكم، فمن
تقدمه بصوم يوم أو يومين؛ فقد حاول الطعنَ في العلة، وتقدّم بين يدي الله
ورسوله، وإليه أشار بقوله: ((مَنْ صَامَ اليَومَ الَّذِي يُشَكُّ فيهِ فقَدْ عَصی أبا
القاسِمِ))(٣)، ومن أتى بالقضاء والورد؛ أَمِنَ ذلك(٤).
١٢٢٦ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ه، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: ((إِذَاَ
بَقِيَ نِصْفٌ مِنْ شَعْبَانَ، فَلا تَصُومُو)). رواه الترمذيُّ، وقال: حديثٌ
حَسَنٌ صَحيحٌ.
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣ / ١٤٦).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ١٥).
(٣) رواه أبو داود (٢٣٣٤)، والترمذي (٦٨٦)، وقال: ((حديث حسن صحيح، والعمل
على هذا عند أكثر أهل العلم ومَن بعدهم من التابعين)). وأورده البخاري معلقاً
في (باب قول النبي ◌َّ إذا رأيتم الهلال فصوموا).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٥٨١).
٣٥٩
* قوله : ((إذا بقي نصف من شعبان فلا تصوموا)):
(قض): المقصود من النهي استجمامُ مَن لم يَقْوَ على تتابعِ الصوم
الكثير، فاستُحب الإفطار فيها، كما استُحب إفطارُ عرفةَ للحاجِّ؛ ليقوى
على الدعاء، أما من لم يَضْعُفْ به؛ فلا يتوجَّه النهيُ إليه، ورسول الله وَّل
جمعَ بين صوم الشهرين معاً(١).
١٢٢٧ - وَعَنْ أَبِي اليَقظانِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ﴾، قالَ: «مَنْ
صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ، فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِنَّه)) رواه أبو
داودَ، والترمذيُّ وقالَ: حديثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ.
* قوله قي: ((من صام اليوم الذي يشك فيه)):
(ط): إنما أتى بالموصول، ولم يقل: (يوم الشك) مبالغةً، وإن صومَ
يومٍ يُشَكُّ فيه أدنى شكِّ سببٌ لعصيان من كنيتُه: أبو القاسم، الذي يقسم بين
عباد الله حكمَ الله بحسب قدرهم واقتدارهم، فكيف بمن صام يوماً الشكُّ فيه
قائم ثابت؟! ونحوه قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَرْكَنُوْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾
[هود: ١١٣]؛ أي: الذين أونس منهم الظلم، فكيف بالظالم المستمر عليه؟!(٢)
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٤٩٣).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٥٨٢).
٣٦٠