Indexed OCR Text

Pages 281-300

(ط): حمْلُها على النُّموِّ والبركة ظاهرٌ؛ لأن الصدقة تزيد المال،
وعلى الطهارة يحتمل المعنيين، إما طهارة المال من الحرام، وحقّ
الفقراء، وهذا عني بقوله: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَ أَزْكَى طَعَامًا ﴾ [الكهف: ١٩]؛ أي:
أطيبُ وأحلٌّ، ولا يستوخم عقباه، وإما طهارة النفس عن رذائل الأخلاق،
والبخل، وبزكاء النفس وطهارتها يصير الإنسان بحيث يستحق في الدنيا
الأوصافَ المحمودةَ، وفي الآخرة الأجرَ والمثوبةَ(١).
(ن): هي في اللغة: النماء والتطهير، فالمال يَنْمَى بها من حيث
لا يُرى، وهي مَطْهَرةٌ لمؤدِّيها من الذنوب، وقيل: ينمى أجرُها عند الله
تعالى، وسُميت في الشرع زكاةً؛ لوجود المعنى اللغوي فيها، وقيل: لأنها
تزكي صاحبها، وتشهد بصحة إيمانه، وسُميت صدقةً؛ لأنها دليل تصديق
صاحبها، وصحةِ إيمانه بظاهره وباطنه، قال المازري(٢): شرعَ الزكاةَ
مواساةً للفقراء، والمواساةُ لا تكون إلا في مال له بال، وهو النصاب، ثم
جعلَها في الأموال النامية، وهي العين، والزروع، والماشية، وأجمعوا
على وجوب الزكاة في هذه الأنواع، واختلفوا فيما سواها؛ كالعروض،
فالجمهور يوجبون زكاةَ العروض، وداود يمنعها تعلقاً بقوله رَاجٍ: (لَيسَ
عَلى المُسلمٍ في عَبْدِهِ ولاَ فَرسِهِ صَدَقةٌ))(٣)، وحمله الجمهور على ما كان
للقُنْيَةِ (٤).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٤٦٩).
(٢) في الأصل: ((الماوردي)).
(٣) رواه مسلم (٩٨٢/ ٨)، من حديث أبي هريرة .
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٤٨).
٢٨١

* قوله تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوَّا إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الذِينَ﴾ [البينة: ٥]، سبق
في (الباب الأول).
* قوله تعالى: ﴿خُذّ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]:
(م): التزكيةُ لمّا كانت معطوفة على التطهير، وجب حصولُ
المغايرة، فقيل: التزكية مبالغة في التطهير، وقيل: التزكية بمعنى الإنماء،
والمعنى: أنه تعالى يجعل النقصانَ الحاصلَ بسبب إخراج قَدْرِ الزكاة سبباً
للإنماء، وقيل: الصدقة تطهرهم عن نجاسة الذنب، والمعصية، والرسول
يزكيهم، ويُعْظِمُ شأنَهم، ويُثني عليهم عند إخراجها إلى الفقراء(١).
١٢٠٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴿﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلِ قَالَ: ((يُنِيَ
الإسلامُ عَلى خَمْسٍ: شَهَادَةٍ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ
وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ؛ وَإِتاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ البَيْتِ، وَصَوْمِ
رَمَضَانَ» متفقٌ عليه.
* قوله ◌َل: ((بني الإسلام على خمس)):
(ق): يعني: أن هذه الخمس أساس دين الإسلام، وقواعدُه التي
عليها بُني، وبها يقوم، وإنما [خصَّ هذه بالذكر و] لم يذكر [معها الجهاد]؛
لأن هذه الخمس فرض دائم على الأعيان، لا تسقط عمن اتصف بشروط
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٦ / ١٤٣).
٢٨٢

ذلك، والجهاد من فروض الكفايات، وقد يسقط في بعض الأوقات، بل قد
صار كثيرون إلى أنّ فرض الجهاد قد سقط بعد فتح مكة، وذكر [أنه مذهب]
ابنِ عمر، والثوري، وابن سيرين، وسحنون، من أصحابنا، إلا أن ينزل
العدو بقوم، أو يأمر الإمام بالجهاد، فیلزم عند ذلك.
وحديث ابن عمر هذا قد رُويَ من طرق، ففيه جواز نقل الحديث
بالمعنى، وفيه خلاف مشهور، ويُحتمل أن يكون محافظة النبي وَّر على
ترتيب هذه القواعد؛ لأنها نزلت كذلك، الصلاة أولاً، ثم الزكاة، ثم الصوم،
ثم الحج، ويُحتمل أن يكون لإفادة الأوكد فالأوكد [فقد يستنبط الناظر في
ذلك الترتيب تقديم الأوكد] على ما هو دونه إذا تعذر الجمع بينهما، كمن
ضاق عليه وقت الصلاة، وتعين عليه في ذلك الوقت أداءُ الزكاة لضرورة
المستحق، فيبدأ بالصلاة، وكما إذا ضاق وقت الصلاة على الحاج، فتذكر
العشاء الآخرة، وقد بقي عليه من وقت العشاء ما لو فعله؛ لفاته الوقوف
بعرفة، فقد قال بعض العلماء: يبدأ بالصلاة، وإن فاته الوقوف، نظراً إلى ما
ذكرناه، وقيل: يبدأ بالوقوف؛ للمشقة في استئناف الحج(١).
(ك): ((شهادة أن لا إله إلا الله)) مجرور بأنه بدل ((خمس)) بدلَ الكُلِّ من
الكلِّ، أو مرفوع بأنه خبر مبتدأ محذوف، وهو (هي)، و(أنْ) في ((أن لا إله إلا
الله)) مخففة من الثقيلة؛ ولهذا عطف عليه، و((أن محمداً رسول الله)).
و((خمس)) في بعض الروايات بالتاء، فتقديره: خمسة أشياء، أو أركان،
أو أصول، وفي بعضها بدون التاء، فتقديره: خمسٍ دعائمَ، أو قواعدَ، أو
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ١٦٨).
٢٨٣

خصالٍ، وأسماء العدد إنما يكون تذكيرها بالتاء، وتأنيثها بسقوط التاء، إذا
كان المميّزُ مذكوراً، أما لو لم يذكر فيجوز فيها الأمران، صرح به النُّحاةُ.
وذكرها النووي في ((شرح مسلم)).
((وإقام)) أصله: إقوام، حُذف الواو، فصار: إقام، قال أهل التصريف:
ولزم الحذف والتعويض في نحو: إجارة، واستجارة، ويجب حمل التعويض
على أعمَّ من التاء، حتى يصح أن يقال: إنه عوض من المحذوف.
((وإيتاء الزكاة))؛ أي: إعطائها، والإيتاءُ متعدٍّ إلى مفعولين؛ أي: إيتاءِ
الزكاةِ مستحقِّيها، فحُذف أحدُ المفعولين.
ووَجْه الحصر في هذه الخمسة: أن العبادات إما قولية وهي الشهادة،
أو غير قولية؛ فهو إما تَرْكِيٌّ، وهو الصوم، أو فعليٌّ؛ وهو إما بدَنِيٌّ، وهو
الصلاة، أو مالِيٌّ، وهو الزكاة، أو مركَّبٌ منهما، وهو الحج، أما وجه
تقديم كلِّ منها، فهو أن الكلمة أصل، ثم قدّم الصلاة؛ لأنها عماد الدين،
ثم الزكاة؛ لأنها قرينة الصلاة، ثم الحج؛ للتغليظات الواردة فيه ونحوها،
فإن قلتَ: الإسلام هو الكلمة فقط؛ ولهذا يحكم بإسلام من يلفظ بها، فَلِمَ
ذَكَر الأخواتِ معها؟ قلتُ: تعظيماً لأخواتها(١).
(ط): لا تخلو هذه الخمس من أن تكون قواعدَ البيت، أو أعْمِدةَ
الخباء، وليس الأولَ؛ لكون القواعد على أربع، فتعين الثاني، وينصره ما
جاء في حديث معاذ: ((وعَمُودُهُ الصَّلاةُ))(٢) مُثّلتْ حالة الإسلام مع أركانه
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ٧٨).
(٢) رواه الترمذي (٢٦١٦) وقال: حسن صحيح.
٢٨٤

الخمسة بحالةِ خباء أقيمت فتمت على خمسة أعمدة، وقطبها الذي تدور
عليها الأركانُ هي: شهادة أن لا إله إلا الله، وبقية شُعَبِ الإيمان كالأوتاد
للخباء.
رُويَ أن الفرزدق حضر جنازة، فسأله بعض أئمة أهل البيت
يا فرزدق؛ ما أعددت لمثل هذه الحالة؟ فقال: شهادة أن لا إله إلا الله، فقال:
هذا العمود، فأين الأطناب؟! هذا على أن تكون الاستعارة تمثيلية؛ لأنها
وقعت في حالتي المُمَثَّلِ والمُمَثَّلِ به، ويجوز أن تكون الاستعارة تبعية، بأن
تُقدَّر الاستعارة في ((بُني))، والقرينة ((الإسلام))، شبَّه ثباتَ الإسلام واستقامتَه
على هذه الأركان الخمسة ببناء الخباء على الأعمدة الخمسة، ثم تسري
الاستعارةُ من المصدر إلى الفعل.
وأن تكون مَكْنِيَّةً؛ بأن تكون الاستعارة في ((الإسلام))، والقرينة ((بني))
على التخييل، بأن شبّه الإسلامَ بالبيتِ، ثم خَيَّلَ كأنه بيتٌ على المبالغة،
ثم أطلق الإسلام على ذلك المُخَيَّل، ثم خَيَّلَ له ما يلازم الخباءَ المشبّهَ بهِ
من البناء، ثم أثبت له ما هو لازم البيت من البناء على الاستعارة التَّخْيِيلِيَّة،
ثم نُسب إليه؛ ليكون قرينةً مانعة من إرادة الحقيقة، فظهر من هذا التحقيق أن
الإسلام غير، والأركان غير، كما أن البيت غير، والأعمدة غير، ولا يستقيم
ذلك إلا على مذهب أهل السنة، فإن الإسلام عبارة عن التحقيقِ بالجنان،
والقولِ باللسان، والعملِ بالأركان(١).
(ك): فإن قلت: الأربعة الأخيرة مبنية على الشهادة؛ إذ لا يصح
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤٣٧).
٢٨٥

شيء منها إلا بعد الكلمة، والأربعة مبنية، والشهادة مبنيٌّ عليها، فلا يجوز
إدخالها في سلك واحد، قلت: لا محذورَ في أن يُبنى أمرٌ على أمر، ثم
الأمران يكون مبنياً عليهما شيء آخر، أو نقول: لا نسلم أن الأربعةَ مبنيةٌ
على الكلمة، بل صحتها موقوفة عليها، وذلك غيرُ معنى بناءِ الإسلام على
الخمس.
(التيمي): قوله: ((بني الإسلام على خمس)):
ظاهره أن الإسلام مبني، وإنما هذه الأشياء مبنية على الإسلام؛ لأن
الرجل ما لم يشهد لا يخاطب بهذه الأشياء الأربعة، ولو قالها؛ فإنا نحكم
في الوقت بإسلامه، ثم إذا أنكر حكماً من هذه الأحكام المذكورة المبنية
على الإسلام، حكمنا ببطلان إسلامه، إلا أن النبي ◌َّ لما أراد بيانَ أنَّ
الإسلامَ لا يتم إلا بهذه الأشياء، ووجودِها معه، جعله مبنياً عليها؛ ولهذا
المعنى سوَّى بينها، وبين الشهادة، وإن كانت هي الإسلامَ بعينه، أقول:
حاصل كلامه أن المقصودَ من الحديث بيانُ كمال الإسلام، وتمامِه؛
فلذلك ذكر هذه الأمور مع الشهادة، لا نفس الإسلام. انتهى(١).
معنى ((إقام الصلاة وإيتاء الزكاة)) سبق في (الباب الخامس).
١٢٠٧ - وعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ الله ◌َبِهِ، قالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى
رَسُولِ اللهِ وَ﴿ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأْسِ، نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ،
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ٧٩).
٢٨٦

وَلاَ نَفْقَهُ ما يَقُولُ، حَتَّى دَنَا مِنْ رَسُولِ اللهِوَِّ، فإذا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ
الإِسْلام، فَقَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((خَمْسُ صَلَوَاتٍ في اليَوْمِ
وَاللَّيْلَةِ»، قالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قالَ: ((لا، إِلَّ أَنْ تَطَّوَّعَ)، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِوَِّ: ((وصِيَامُ شَهْرٍ رَمَضَانَ))، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟
قَالَ: ((لا، إِلَّ أَنْ تَطَّوَّعَ»، قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِلَّهِ الزَّكَاةَ،
فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: ((لا، إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ)، فَأَدْبَرَ
الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللهِ! لا أَزِيدُ عَلى هَذا، وَلا أَنْقُصُ مِنْهُ؛ فَقَالَ
رَسُولُ اللهِّهِ: (أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ)) متفقٌ عليه.
* قوله: «جاء رجل من أهل نجد»:
(ق): [قيل :] إن هذا الرجل هو ضِمامُ بن ثعلبة، الذي سماه البخاريُّ
في حديث أنس، وإن الحديثين حديث واحد، وهذا فيه بُعْدٌ، لاختلاف
مساقِهما، والأولى أن يقال: هما حديثان مختلفان، وقد رام بعض العلماء
الجمعَ بينهما، فادَّعى فَرَطاً، وتكلَّف شططاً، من غير ضرورة.
والنَّجْدُ: المُرتفعُ من الأرض(١).
(قض): سُمِّيت به الأراضي الواقعة بين تهامة والعراق؛ لارتفاعها على
أراضي تهامة (٢).
(ق): ((ثائر الرأس))؛ أي: منتفش الشعر، من قولهم: ثار الشيء: إذا
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ١٥٧).
(٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٤٨).
٢٨٧

ارتفع، ومنه ثارت الفتنة، وهذه صفة أهل البادية غالباً(١).
(ك): أوقعَ اسمَ الرأس على الشعر، إما لأن الشعر ينبت منه، وإما
لأنه جعل نفس الرأس ذا ثَوَران على طريق المبالغة، أو يكون من باب
حَذْفِ المضافِ بقرينة عقلية(٢) .
(ن): هو برفع ((ثائر)) صفةٍ لرجل، وقيل: هو نصب على الحال،
و(نسمع)) و ((نفقه)) رُويَ بالنون المفتوحة فيهما، ورُويَ بالياء المثناة من تحتُ
المضمومةُ فيهما، والأول هو الأشهرُ الأكثرُ الأعرفُ، و((دَوِيّ) بفتح الدال،
وکسر الواو، وتشديد الياء، هذا هو المشهور.
وحكى صاحب ((المطالع)) ضَمَّ الدالِ أيضاً، وهو: صوت لا يُفْهَمُ (٣).
* قوله: ((فإذا هو يسأل عن الإسلام»:
(ق): (إذا) هذه هي المفاجِئة، وهذا السائل إنما سأل عن شرائع
الإسلام الفعلية، لا عن حقيقة [الإسلام]، ولذلك لم يَذكر له الشهادتين،
ولم يَذكر له الحج أيضاً؛ لعدم وجوبه عليه؛ لأنه غير مستطيع، أو لأنه
على التراخي، أو لأنه كان قبل فرض الحج(٤).
* قوله وتلقى: ((إلا أن تطوع)):
(ن): هو بتشديد الطاء، على إدغام إحدى التاءين في الطاء، وقال
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ١٥٧).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ١٨٠).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ١٦٦).
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ١٥٨).
٢٨٨

الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: هو محتمل للتشديدِ، والتخفيفِ، على
الحذف، وهذا استثناء منقطع، ومعناه: لكن يستحب لك أن تَطَوَّع، وجعله
بعض العلماء استثناء متصلاً، واستدلوا به على أن مَن شَرَع في صلاة نفل، أو
صومٍ نفل؛ وجب عليه إتمامه، ومذهبنا أنه يستحب الإتمام، ولا يجب(١).
(ط): ((إلا أن تطوع)) مُتَمَسَّكٌ لأصحابنا في أصلين:
أحدهما: في شمول عدم الوجوب في غير ما ذكره في الحديث،
كعدم وجوب الوترِ، والتسميةِ في الذبح، والتباعدِ بقدر القلتين عن جوانب
النجاسة في الماء الراكد، والوليمةِ، والعقيقةِ.
والثاني: أن الشروعَ مُلْزِمٌ؛ لأنه نفى وجوبَ شيء آخر، إلا ما تطوع به،
والاستثناءُ من النفي إثباتٌ، والمنفيُّ وجوبُ شيءٍ آخر، فيكون المثبتُ
بالاستثناء وجوبَ ما تطوع به، وهو المطلوب، وهذا مغالطة؛ لأن هذا
الاستثناء من وادي قولِه تعالى: ﴿ وَلَا تَنْكِحُواْ مَانَكَحَ ءَابَآؤُكُمْ مِنَ النِّسَآءِ
إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ [النساء: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا أَلْمَوْنَ إِلَّا
اٌلْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦]؛ أي: لا يجب عليك شيء قَطَّ، إلا أن تطوع،
وقد عُلِمَ أن التطوعَ ليس بواجب، فيلزم أن لا يجب عليه شيء قَطُّ(٢).
قوله: ((والله لا أزيد على هذا ولا أنقص)):
(تو): كثيرٌ من الناس يمضيه على ظاهره؛ أي: أقتصر على الفرض
الذي ذكرتَه، وذلك مستبعد جداً؛ لأن النبي ◌َّ كان يحث الناس على السنن،
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ١٦٦).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤٥٩).
٢٨٩

ويُرغبهم في نوافل العبادات، فکیف یدع النكيرَ على من يحلف بحضرته أن لا
يفعل شيئاً من ذلك، فضلاً من أن يَستصوِبَ قولَه، ويرتضيه؟!
ولقد ثبت عنه وَله: أنه لما أُخبر بقول الحالف الذي حلف أن لا يضع
شيئاً من ماله عن صاحبه الذي ابتاع من الثمرة فأصابته الجائحة؛ غضب
وقال: ((حَلَفَ أَنْ لاَ يَفْعَلَ خَيراً) (١).
فنقول وبالله التوفيق: هذا الكلامُ على قول من يرى أن الرجلَ هو
ضِمامٌ وافدُ بني سعد ظاهرٌ، وهو أن الرجل كان معنيّاً بالبلاغ عن النبي ◌َّه
إلى قومه، فلما استمع قوله؛ ارتضاه، وحلف أن يجتهد في التبليغ عنه إليهم،
بحيث لا يزيد على المسموع، ولا ينقص منه، ويحتمل أن هذا الكلام صدر
منه على معنى المبالغة في التصديقِ، والقبولِ؛ أي: قبلتُ قولك فيما سألتُك
عنه، قبولاً لا مزيدَ عليه من جهة السؤال، ولا نقصانَ فيه من طريق القبول،
كمن يستمع قولاً يعجبه في قضية فيقول: لا أزيد على هذا، ولا أنقص منه.
(ن): قيل: هذا الفلاح راجعٌ إلى قوله: (ولا أنقص) خاصةً، والمختار:
أنه راجع إليهما، بمعنى: أنه إذا لم يزد، ولم ينقص؛ كان مُفلحاً؛ لأنه أتى بما
عليه، ومن أتى بما عليه؛ فهو مُفلح، وليس في هذا أنه إذ أتى بزائد لا يكون
مفلحاً؛ لأن هذا مما يُعرف بالضرورة، فإنه إذا أفلح بالواجب؛ فَلأَنْ يفلح
بالواجب والمندوب أولی.
(١) رواه الإمام مالك في ((الموطأ)) (٢/ ٦٢١)، ومن طريقه الشافعي في ((الأم) (٣ / ٥٧)
عن عمرة بنت عبد الرحمن قال الشافعي: ((حديث مالك عن عمرة مرسلٌ)). وقال
ابن عبد البر في «التمهيد)) (١٣ / ١٤٩): لا أعلم هذا الحديث بهذا اللفظ يسند عن
النبي ◌َّ من وجه متصل إلا من رواية سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن أبي
الرجال، عن عمرة، عن عائشة، وكان مالك يرضى سليمان بن بلال ويثني عليه.
٢٩٠

فإن قيل: كيف قال: لا أزيد، وليس في هذا الحديث جميعُ الواجبات،
ولا المنهياتُ الشرعية، ولا السننُ المندوبات؟
فالجواب: أنه جاء في رواية البخاري في آخر هذا الحديث زيادةٌ توضح
المقصودَ، قال: (فأخبره رسول الله وَّر بشرائع الإسلام، فأدبر الرجل، وهو
يقول: والله؛ لا أزيد، ولا أنقص مما فرض الله تعالى علي شيئاً)(١)، فعلى
عموم قوله: (بشرائع الإسلام)، وقوله: (مما فرض الله علي) يزول الإشكالُ
في الفرائض، وأما النوافل فقيل: يُحتمل أنَّ هذا كان قبل شَرْعِها، وقيل:
يُحتمل أنه أراد: لا أزيد في الفرض بتغيير صفته، كأنه يقول: لا أصلي الظهر
خمساً، وهذا تأويل ضعيف، ويحتمل أنه أراد لا يصلي النافلة، مع أنه لا يخل
بشيء من الفرائض، وهذا مُفلح بلا شك، وإن كانت مواظبته على ترك السنن
مذمومةً، إلا أنه ليس بعاصٍ، بل هو مُفلح ناجٍ(٢).
• قوله لفر: «أفلح وأبيه»:
(تو): الفلاحُ: هو الظَّفَرِ، وإدراكُ البُغْيَةِ، وهو ضربان: دنيويٌّ،
وأخروٌّ، فالأول: الظفر بما تطيب به الحياة الدنيا، والثاني: يفوز به
الرجل في الدار الآخرة، وقد قيل: إنه أربعة أشياء؛ بقاءٌ بلا فناءٍ، وغنى بلا
فقرٍ، وعزٌ بلا ذلِّ، وعلمٌ بلا جهلٍ .
(ق): أصلُ الفلاحِ: الشَّقُّ والقطعُ، قال الشاعر:
إنَّ الحَدِيدَ بالحَدِيدِ يُفْلَحُ
أي: يُشَقُّ، فكأن المفلحَ قد قطع [المصاعب] حتى نال مطلوبه،
(١) رواه البخاري (٤٦)، من حديث طلحة بن عبيدالله
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ١٦٧).
٢٩١

والعربُ تقولُ لكلِّ من أصاب خيراً: مفلح(١).
(ن): قد يُسأل عن التوفيق بين هذا الحديثِ، وبين قولِهِ وَله: ((إِنَّ اللهَ
يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بآبائِكُمْ))(٢)؟ والجواب: أن ((وأبيه)) ليس حَلِفاً، إنما هو
كلمة جَرَتْ عادةُ العربُ أن تدخلها في كلامها، غيرَ قاصدة بها حقيقةَ
الحَلِفِ، والنهيُ إنما وردَ فيمن قصدَ(٣).
(ق): ويحتمل أن يكون جرى على اللسان بحكم السبق، من [غير]
قصد للحلف به، كما جرى من قولهم: تَرِبَتْ يمينُك، وعَقْرَى حَلْقَى،
وهذه عادة عربية بشرية، لا مؤاخذة عليها، ولا ذمَّ يتعلق بها(٤).
(ن): في هذا الحديث: أن وجوبَ صلاة الليل منسوخٌ في حق الأمة،
وهذا مجمع عليه، وفيه: أن صلاة الوتر ليست بواجبة، وأن صلاة العيد
ليست بواجبة، وذهب أبو سعيد الإِصْطَخري إلى أنها فرض كفاية، وفيه: أنه
لا يجب صومُ عاشوراءَ، ولا غيرِهِ، سوى رمضانَ، وهذا مجمع عليه،
واختلف هل كان صومُ عاشوراءَ واجباً قبل إيجاب رمضان؟ أم كان الأمرُ به
ندباً؟ هما وجهان لأصحاب الشافعي، أظهرُهما: لم يكن واجباً، وبه قال أبو
حنيفة، وفيه: أنه ليس في المال حق سوى الزكاة على من ملك نصاباً(٥).
(ك): وفيه: جوازُ الحلف من غيرِ استحلافٍ، ولا ضرورةٍ؛ لأن
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ١٦١).
(٢) رواه البخاري (٥٧٥٧)، ومسلم (١٦٤٦)، من حديث عمر بن الخطاب عظُه
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ١٦٨).
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ١٦١).
(٥) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ١٦٨).
٢٩٢

الرجل حلف، ولم يُنْكَر عليه، قال ابن بطال: وفيه: ردٌّ على المُرْجِئة؛ لأن
في قوله: ((إن صدق)) دليلاً على أنه [إذا] لم يَصدُقْ، لم يفلح(١).
١٢٠٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ النَّبِيَّلَهُ بَعَثَ مُعَاذاً
إِلَى اليَمَنِ، فَقَالَ: ((ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةٍ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَنِّي
رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى افْتَرِضَ
عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ بَوْمٍ وَليلةٍ، فَإِن هُمْ أَطاعُوا لِذَلِكَ،
فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَّدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، وَتُرَّةُ
عَلَى فُقَرائهِم)» مُتفقٌ عليهِ.
* قوله: ((وترد على فقرائهم))، سبق في (الباب السادس والعشرين).
٠٠٠
١٢٠٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴾، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِله: (أُمِرْتُ
أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ
اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذا فَعَلُوا ذَلِكَ، عَصَمُوا مِنِّي
دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّ بِحَقِّ الإسْلامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى الله)) مُتفقٌ عَليهِ.
* قوله وَلفي: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله))،
سبق في (الباب التاسع والأربعين).
(١) انظر: ((الكواكب الدراري) للكرماني (١ / ١٨٣).
٢٩٣

١٢١٠ - وَعَنْ أَبِي هُرِيرَةَ ﴾، قالَ: لَمَّا تُؤُنِّيَ رَسُولُ اللهِ﴾
وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﴾، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَربِ، فَقَالَ عُمَرُّ ﴾:
كيفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: «أُمِرِتُ أَنْ أُقاتِلَ النَّاسَ
حَتَّى يَقُولُوا: لا إِلَه إِلَّ الله، فَمَنْ قَالَهَا، فَقَدْ عَصَمَ مِنِي مَالَهُ ونَفْسَهُ
إلاَّ بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى الله))؟! فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: واللهِ! لأُقَاتِلَنَّ مَنْ
فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاةِ والزَّكَاةِ؛ فَإِنَ الَزكاةَ حَقُّ المَالِ. والله! لَو مَنَعُوني
عِقَالاً كَانُوا يُؤَدُّونَةً إلى رَسُولِ اللهِوَهَ، لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ. قَالَ
عُمَرُ ﴾: فَوَالله! مَا هُوَ إِلاَّ أَنْ رَأَيْتُ اللهِ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ
للقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أنَّهُ الحَقُّ، مُتفقٌ عليهِ.
* قوله: ((استخلف أبو بكر وكفر من كفر من العرب»:
(ن): قال الخطابي في شرح هذا الكلام كلاماً حسناً، لا بدَّ من ذكره؛
لِما فيه من الفوائد، قال: مما يجب تقديمه في هذا: أن يعلم أن أهل الرِّدَّةِ كانوا
صنفين، صنف ارتدوا عن الدين، ونابذوا المِلَّةَ، وعادُوا إلى الكفر، [وهم
الذين] عناهم أبو هريرة بقوله: (وكفر من كفر من العرب) وهذه الفرقة طائفتان:
إحداهما: أصحاب مسيلمة من بني حنيفة، وغيرِهم، [الذين صدقوه
في دعواه النبوةَ، وأصحابُ الأسود العنسي، ومن كان من مستجيبيه من أهل
اليمنٍ، وغيرِهما، وهذه الفرقة بأَسْرها منكرةٌ لنبوة نبينا محمد نَّةِ، مدَّعيةٌ
النبوةَ لغيره، فقاتلهم أبو بكر ظُه، حتى قتلَ اللهُ مسيلمةَ باليمامة، والعنسيَّ
بصنعاءَ، وانفضَّتْ جموعُهم، وهلك أكثرُهم.
٢٩٤

والطائفة الأخرى: ارتدُّوا عن الدين، فأنكروا الشرائعَ، وتركوا الصلاةَ،
والزكاةَ، وغيرهما من أمور الدين، وعادُوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية، فلم
يكن يُسجَدُ لله تعالى في بسيط الأرض إلا في ثلاثة مساجد، مسجدٍ مكة،
ومسجدِ المدينة، ومسجدِ عبدِ القَيسِ في قرية يُقال لها: (جُواثا)، ففي ذلك
يقول الأعور الشَّنُِّّ يفتخر بذلك:
والمِنِبَرَانِ وفَصْلُ القَولِ في الخُطبِ
والمَسْجِدُ الثَّالِثُ الشَّرْقِيُّ كانَ لنا
إِلَّ بِطَيِيةَ المُخْجُوجِ ذِي المُجُبِ
أيّامَ لا مِنْبَرٌ في الناسِ نَعْرِفُهُ
وكان هؤلاء المتمسّكون بدينهم من الأزد محصورين بجُواثا، إلى أن
فتح الله على المسلمين اليمامة، فقال بعضهم، وهو رجل من بني بكر بن
كلاب، يستنجد أبا بكر الصديق
وفِتيانَ المَدينَةِ أَجمعِينا
ألاَ أَبْلِغْ أَبَا بَكرٍ رَسُولاً
قُعودٍ في جُواثا مُحْصَرِينا
فَهَلْ لَكُمُ إِلَى قَومِ كِرامٍ
دِماءُ الْبُدْنِ تغْشَى النَّاظِرِينا
كأَنَّ دِماءَهُم في كلِّ فَجِّ
وجَدْنا النَّصْرَ لِلمُتَوكِّلينا
توَكَّلْنا على الرَّحمنِ إِنّا
والصنف الآخر: هم الذين فرقوا بين الصلاة، والزكاة، فأقروا
بالصلاة، وأنكروا فرض الزكاة، ووجوبَ أدائها إلى الإمام، وهؤلاء على
الحقيقة أهلُ بَغْيٍ، وإنما لم يُدْعَوا بهذا الاسم في ذلك الزمان خصوصاً؛
لدخولهم في غِمار أهل الردة، فأضيف الاسمُ في الجملة إلى الردة؛ إذ
كانت أعظمَ الأمرين، وأهمَّهُما، وأُرِّخ قتالُ أهل البغيٍ في زمن علي بن أبي
٢٩٥

طالب ؛ إذ كانوا منفردين في زمانه، لم يختلطوا بأهل الشرك، وكان
في ضمن هؤلاء المانعين للزكاة من يسمح بالزكاة، ولا يمنعها، إلا أنَّ
رؤساءهم صدُّوهم عن ذلك الرأي، وقبضوا على أيديهم في ذلك؛ كبني
يَربوع، فإنهم قد جمعوا صدقاتِهم، فأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر ﴿ه،
فمنعهم مالك بن نُویرةَ من ذلك، وفرّقها فيهم(١)، وقال في شعر له:
مُصَرَّرَةً أَخْلاقُها لَم تُجَرَّدِ
فقُلْتُ لِقَومِي هَذِهِ صَدَقاتُكُمْ
وأَرْهَنْكُمْ يَوماً بِمَا قَتَلَتْ(٢) يَدِي
سأَجْعَلُ نَفْسي دَونَ ما يَتَّقُونه
وقال بعض شعرائهم يحرِّض قومَه ويُذَمِّرُهم على قتال من طالبهم
بها :
فَيَا عَجَباً ما بَالُ مُلْكِ أَبي بَكْرٍ
أَطَعْنا رَسُولَ اللهِ ما دامِ بَيْنَا
لِكَالتَّمْرِ أَو أَحْلَى لَدَيْهِمْ مِنَ الثَّمْرِ
وإِنَّ الَّذِي سَألُوكُمُ فَمَنَعْتُمُ
كِراماً عَلى الضَّرَّاءِ في ساعَةِ العُسْرِ
سَنَمْنعُهُمْ ما دامَ فِينا بَقِيَّةٌ
وفي أمر هؤلاء عرض الخلافُ، ووقعت الشبهة لعمرَ، فراجع أبا
بكر ﴾، وناظره بقوله وَله: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حتَّى يقُولُوا: لاَ إِلَهَ إلاَّ
اللهُ ... )) الحديثَ(٣)، وكان هذا من عمر تعلُّقاً بظاهر الكلام، قبل أن ينظر
في آخره، ويتأمل شرائطه، فقال له أبو بكر: إن الزكاة حقُّ المالِ، يُريدُ أنَّ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ٢٠٢).
(٢) المرجع السابق (١٠ / ١٦٢).
(٣) رواه البخاري (٢٥)، من حديث ابن عمر ـ
٢٩٦

القضية قد تضمنت عصمةً دم ومالٍ، متعلِّقةً بإيفاء شرائطها، والحكمُ
المعلَّقُ بشرطين لا يحصل بأحدهما، والآخرُ معدوم، ثم قاسه بالصلاة،
ورد الزكاة إليها، وكان في ذلك من قوله دليلٌ على أن قتال الممتنع من
الصلاة [كان إجماعاً]؛ ولذلك رَدَّ المُختَلَف فيه إلى المُتَّفَق عليه، فاجتمع
في هذه القضية الاحتجاجُ من عمر بالعموم، ومن أبي بكر بالقياس، ودل
ذلك على أن العموم يُخَصُّ بالقياس، وأن جميع ما تضمنه الخطاب الوارد
في الحكم الواحد، من شَرْطٍ، واستثناءِ مُراعَىّ فيه، ومُعْتَبَرٌ صحَّتُه به، فلما
استقر عند عمر صحةٌ رأي أبي بکر، وبان له صوابُه؛ تابعه على قتال القوم،
وهو معنى قوله: فلمَّا رأيتُ اللهَ قد شرح صدر أبي بكر للقتال؛ عرفتُ أنه
الحق، يشير إلى انشراح صدره بالحُجَّة التي أدلى بها، والبرهانِ الذي
أقامه، نصَّاً ودلالةً.
وقد زعم الزاعمون من الرافضة: أن أبا بكر أوَّلُ من سبى المسلمين،
وأن القوم كانوا مُتأوّلين في منع الزكاة، وكانوا يزعمون: أن الخطاب في
قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكْبِهِم بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوْتَكَ
سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] خطابٌ خاصٌّ في مواجهةِ النبيِ نَِّ، دونَ غيرِهِ،
وأنه مقيّد بشرائطَ لا توجد فيمن سواه؛ ذلك أنه ليس لأحدٍ من التطهير،
والتزكية، والصلاة على المُتصدِّق ما للنبي وَّر، ومثل هذه الشبهة إذا
وجد؛ كان مما يُعذَر به أمثالُهم، ويُرفع به السيفُ عنهم، وزعموا: أن
قتالَهم كان عَسْفاً.
قال الخطابي: هؤلاء الذين زعموا ما ذكرنا قومٌ لا خَلاقَ لهم في
الدِّين، وإنما رأسُ مالِهِم البَهْتُ، والتكذيبُ، والوَقِيعةُ في السلف، وقد
٢٩٧

بينا أن أهل الردة كانوا أصنافاً، من ارتدّ عن المِلَّة، ودعا إلى نبوة مُسيلمة،
وغيرِهِ، ومنهم من [ترك] الصلاةَ، والزكاةَ، وأنكر الشرائع كلَّها، وهؤلاء
هم الذين سماهم الصحابة كفاراً؛ ولذلك رأى أبو بكر سَبْيَ ذَرارِبهم،
وساعده على ذلك أكثر الصحابة، واستولَد عليّ بن أبي طالب ◌َُ جاريةً
من سَبْي بني حنيفةَ، فولدَتْ له محمداً، الذي يدعى: ابنَ الحنفية، ثم لم
يَنْقَضِ عصرُ الصحابة حتى أجمعوا على أن المرتد لا يُسبى.
فأما مانعو الزكاة منهم، المقيمون على أصل الدين؛ فإنهم أهلُ بغيٍ،
ولم يُسمَّوا على الانفراد منهم كفاراً، وإن كانت الردة قد أُضيفت إليهم؛
لمشاركتهم المرتدِّين في بعض ما منعوه من حقوق الدِّين، وذلك أن الرِّدَّة
اسمٌ لغويٍّ، وكل من انصرف عن أمر كان مقبلاً عليه؛ فقد ارتدَّ عنه، وقد
وُجِدَ من هؤلاء القوم الانصرافُ عن الطاعة، ومنعُ الحق، وانقطع عنهم
اسمُ الثناءِ، والمدحِ بالدِّين، وعُلِّق بهم الاسمُ القبيح؛ لمشاركتهم القومَ
الذين كان ارتدادُهم حقاً، وأما قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةٌ ﴾ [التوبة:
١٠٣]، وما ادّعوه من كون الخطاب خاصّاً للرسول وَّ؛ فإن خطابَ كتابٍ
الله تعالى ثلاثةُ أوجهٍ:
خطاب عامٌّ؛ كقوله تعالى: ﴿يََّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى
الصَّلَوَةِ ﴾ [المائدة: ٦] الآيةَ، وكقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ
الصِّيَامُ ﴾ [البقرة: ١٨٣].
وخطاب خاصٌّ للنبي وَُّ، لا يشاركه فيه غيرُه، وهو ما أُبِينَ به عن
غيرِهِ بِسِمَةِ التخصيص، وقَطْع التشريك؛ كقوله تعالى: ﴿خَالِصَةٌ لَّكَ مِن
٢٩٨

دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠].
وخطاب مُواجهةٍ للنبي وَِّ، وهو وجميعُ أمته في المراد به سواء؛
كقوله تعالى: ﴿ أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، وكقوله تعالى:
﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [النحل: ٩٨]، وكقوله تعالى:
﴿وَإِذَا كُنْتَ فِهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوَةَ ﴾ [النساء: ١٠٢]، ونحو ذلك من خطاب
المواجهة، فكلُّ ذلك غيرُ مختصِّ برسول الله ◌َالز، بل تشاركه فيه الأمة،
وكذلك قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةٌ﴾ [التوبة: ١٠٣]، فعلى القائم بعده اوَّ
بأمر الأمة أن يحتذي حَذْوَه في أخذها منهم، وإنما الفائدة في مواجهة
النبي ◌َّ بالخطاب: أنه هو الداعي إلى الله، والمُبينُ عنه معنى ما أراد،
فقَدَّم اسمَه في الخطاب؛ ليكون سلوكُ الأمة في شرائع الدِّين على حسب
ما ينهجه، ويبيّه لهم، وعلى هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ
اُلْنِسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِنَ ﴾ [الطلاق: ١]، فافتتح الخطاب بالنبوة باسمه
خصوصاً، ثم خاطبه وسائرَ أمَّتِهِ بالحكم عموماً، وربما كان الخطاب مواجهةً
له، والمرادُ غيرُه، كقوله تعالى: ﴿فَإِن كُنْتَ فِى شَكٍّ مِّمَّ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٩٤]
إلى قوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [يونس: ٩٤]، ولا يجوز أن يكون ◌َ لآ قد
شك قَطُّ في شيء مما أُنزِل إليه.
وأما التطهيرُ، والتزكيةُ، والدعاءُ من الإمام لصاحب الصدقة؛ فإن
الفاعل فيها قد ينال ذلك كلَّه بطاعة الله تعالى، وطاعةِ رسول الله صل فيها،
وكلُّ ثوابٍ موعودٍ على عمل برِّ كان في زمنه ◌ََّ، فإنه باقٍ غيرُ منقطع،
ويستحب للإمام، وعاملِ الصدقة أن يدعوَ للمتصدِّق بالنماءِ، والبركةِ في
ماله، ويُرجى أن يستجيب الله تعالى ذلك، ولا يُخيِّب مسألته.
٢٩٩

فإن قيل: تأوَّلتَ أمرَ الطائفة التي منعت الزكاة على الوجه الذي
ذهبتَ إليه؛ وجعلتَهم أهلَ بغيٍ، وهل إذا أنكرتْ طائفةٌ من المؤمنين في
زماننا فرضَ زكاةٍ، وامتنعوا من أدائها يكونُ حكمهم حكمَ أهلِ البغي؟
قلنا: لا، فإن من أنكر فرضَ الزكاة في هذه الأزمان؛ كان كافراً بإجماع
المسلمين، والفرقُ بين هؤلاء وأولئك: [أنهم] إنما عُذِروا لقرب العهد
بزمان الشريعة، الذي كان يقع فيه تبديلُ الأحكام بالنسخ، ولأن القوم
جهالٌ بأمور الدين، وكان عهدهم بالإسلام قريباً، فدخلتهم الشبهة،
فعُذِروا، فأما اليومَ وقد شاع دين الإسلام، واستفاض وجوبُ الزكاة حتى
عرفها الخاصُّ والعامُّ؛ فلا يُعذَر أحدٌ بتأويلٍ تَأَوَّلَه في إنكارها، وكذلك
الأمر في كلِّ من أنكر شيئاً مما أجمعت عليه الأمة، إذا كان عِلْمُه منتشراً،
كالصلوات الخمس، وصيامِ شهر رمضان، والاغتسالِ من الجنابة،
وتحريمِ الزنا، والخمرِ، ونكاحٍ ذوات المحارم، ونحوِها من الأحكام، إلا
أن يكون رجلاً حديث العهد بالإسلام، فيكون سبيلُه سبيلَ أولئك القوم.
قال الخطابي: وإنما عرضَتِ الشبهةُ لمن تأوَّله على الوجه الذي
حكينا عنه؛ لكثرة ما دخَلَه من الحذف في رواية أبي هريرة، وذلك لأن
القصدَ به لم يكن سياقَ الحديث على وجهه، وإنما قصدَ به حكايةَ ما جرى
بين أبي بكر وعمر ﴿4﴾، ويشبه أن [يكون] أبو هريرة إنما لم يذكر جميعَ
القصة اعتماداً على معرفة المخاطَبين [بها].
قال: وفي هذا الحديث حجةٌ لمن ذهب إلى أن الكفار مخاطَبُون
بالفروع؛ لأنهم إذا كانوا مُقاتَلِينَ على الصلاةِ والزكاةِ؛ فقد عقل أنهم
٣٠٠