Indexed OCR Text

Pages 241-260

القدر، وقد نقله صاحب ((العدّة)) أحدُ أئمة الشافعية عن جمهور العلماء،
وحكى الخطابيُّ عليه الإجماعَ، والذي دلَّ عليه الحديثُ أنها كانت في
الأمم الماضين كما هي في أمتنا.
ففي ((مسند أحمد)): عن مرثد قال: سألتُ أبا ذر قلتُ: كيف سألتَ
رسولَ اللهِوَّهُ عن ليلة القدر؟ قال: أنا كنتُ أسألَ الناسِ عنها قلتُ:
يا رسول الله؛ أخبرني عن ليلة القدر، أَفِي رمضانَ هي، أو في غيرِه؟ قال:
(بَلْ هِيَ فِي رَمَضانَ)، قلتُ: تكون مع الأنبياء ما كانوا فإذا قُبِضُوا رُفِعَتْ،
أم هي إلى يوم القيامة؟ [قال: ((بَلْ هِيَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ)] قلتُ: في أي
رمضان هي؟ قال: ((الْتَمِسُوها فِي العَشْرِ الأَوَّلِ والعَشْرِ الآخِرِ))، ثم حدَّثَ
رسولُ الله ◌َ﴿ وِحدَّثَ، ثم اهْتَبَلْتُ غفلتَه(١) قلتُ: في أَيِّ العَشْرَيِنِ؟ قال:
(ابْتَغُوها فِي العَشْرِ الآخِرِ))، ثم حدَّث رسولُ اللهِ وٍَّ [و حدَّث] ثم اهتبلتُ
[غفلتَه فقلت: ] يا رسول الله؛ أقسمتُ عليك بحقي عليك لَمَا أخبرتني في
أَيِّ العَشْرِ هي؟ فغضب علي غضباً لم يغضب مثلَه قَبْلُ منذ صحبتُه [قال]:
(الْتَمِسُوها فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، لاَ تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا))(٢)، ورواه
النسائي(٣)، ففيه دلالة على ما ذكرناه، وفيه: أنها تكون باقيةً إلى يوم
القيامة، وفيه: أن ليلة القدر يختص وقوعها بشهر رمضان، لا كما رُوِيَ
عن ابن مسعود ومَن [تابعه من] علماء أهل الكوفة من أنها توجد في جميع
(١) في الأصل: ((غفلة))، والتصويب من ((مسند الإمام أحمد)).
(٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥/ ١٧١). وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة
الضعيفة)) (٣١٠٠).
(٣) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) (٣٤٢٧).
٢٤١

السنة، وتُرْتَجَى في جميع الشهور على السواء.
وترجم أبو داود في ((سننه)): على هذا فقال: (باب بيان أن ليلة القدر
في كل رمضان)، وبإسناده عن عبدالله بن عمرو قال: سُئِلَ رسولُ اللهِ وَله
وأنا أسمع عن ليلة القدر فقال: ((هِيَ فِي كُلِّ رَمَضانَ)(١).
وهذا إسناد رجاله ثقات، وقد حُكِيَ عن أبي حنيفة روايةٌ أنها تُرتجی
في جميع شهر رمضان، وهو وجه حكاه الغزالي، واسْتَقْرَبَهُ الرافعي.
* فصل: ثم قيل: إنها تكون في أول ليلة من شهر رمضان، يُحْكَی
هذا عن أبي رزين، وقيل: إنها ليلةُ سَبْعَ عَشْرَةَ، روى فيه أبو داود حديثاً
مرفوعاً عن ابن مسعود، ورُوِيَ موقوفاً عليه وعلى زيد بن أرقم وعثمان بن
أبي العاص، وهو قول عن الشافعي، ويُحْكَى عن الحسن البصري وجوهٌ
بأنها ليلةُ بدر، وكانت [ليلة] جمعة هي السابعة عشر من رمضان، وفي
صبيحتها كانت وقعةُ بدر.
وقِيل: ليلة تسع عشرة، يُحْكَى عن علي وابن مسعود أيضاً.
وقيل: ليلة إحدى وعشرين؛ لحديث أبي سعيد الخدري قال:
اعتكف رسول الله ◌َّ﴿ العَشْرَ الأُوَلَ من رمضان، واعتكفنا معه، فأتاه جبريل
فقال: إن الذي تطلب أَمامَك، ثم قام النبي ◌َّ صبيحةَ عشرين من رمضان
فقال: ((مَنْ كانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَرْجِعْ؛ فَإِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ القَدْرِ وإِنِّي أُنْسِيتُها،
وإِنَّا فِي العَشْرِ الأَواخِرِ فِي وِتْرٍ، وإِنِّي رَأَيْتُ كَأَنِّي أسْجُدُ فِي طِينٍ وَمَاءِ»
(١) انظر: ((سنن أبي داود)) (٢/ ٥٣)، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع
الصغير)) (٦١٠٢).
٢٤٢

وكان سقف المسجد جَرِيداً من النخل، وما نرى فِي السماء شيئاً،
فجاءت قَزَعةٌ فمُطِرنا، فصلى بنا النبي ◌ِّهِ حتى رأينا الماءَ والطينَ على
جبهة رسول الله وَ﴿، تصديقَ رؤياه، وفي لفظ: ((مِنْ صُبْحِ إِحْدَى
وعِشْرِينَ))، أخرجاه في ((الصحيحين))(١).
قال الشافعي: وهذا الحديث أصح الروايات.
وقيل: ليلة أربع وعشرين؛ لما في ((مسند أبي داود الطيالسي)): عن
أبي سعيد أن رسول الله وَ﴿ قال: ((لَيْلَةُ القَدْرِ لَيْلَةُ أَرْبَع وعِشْرِينَ))، رجال
إسناده ثقات(٢).
وفي ((مسند أحمد)): عن بلال حظه قال: قال رسول الله ◌َّهِ: (لَيْلَةُ
القَدْرِ لَيْلَةُ أَرْبَع وعِشْرِينَ))(٣)، وقد خالفه ما رواه البخاري عن أبي عبدالله
الصنابحي قال: أخبرني بلال مؤذن رسول الله وَ ﴿ أنها أول السبع من العشر
الأواخر، فهذا الموقوف أصح (٤)، والله أعلم.
وهكذا رُوِيَ عن ابن مسعود وابن عباس وجابر والحسن وقتادة
وعبدالله بن وهب أنها ليلة أربع وعشرين، وقيل: ليلة خمس وعشرين؛
لما رواه البخاري عن ابن عباس ﴾ أن رسول الله وَل﴿ه قال: ((الْتَمِسُوها
(١) رواه البخاري (١٩١٤)، ومسلم (١١٦٧).
(٢) رواه أبو داود الطيالسي في ((مسنده)) (٢١٦٦). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف
الجامع الصغير)» (٤٩٥٧).
(٣) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٦/ ١٢). وهو ضعيف كسابقه. انظر: ((ضعيف
الجامع الصغير)) (٤٩٥٧).
(٤) رواه البخاري (٤٢٠٠).
٢٤٣

فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى، فِي سَابِعَةٍ تَبْقَى، فِي
خامِسَةٍ تَبْقَى))(١)، فسَّره كثيرون بليالي الأوتار، وهو أظهر وأشهر،
وحمله آخرون على الأشفاع، كما رواه مسلم عن أبي سعيد أنه حمله
على ذلك(٢) .
وقيل: ليلة سبع وعشرين؛ لما في ((صحيح مسلم)) عن أُبَيِّ بن كعب
عن رسول الله ◌َّي: أنها ليلة سبع وعشرين(٣).
وفي ((مسند الإمام أحمد)»: عن زِرٍّ قال: سألتُ أُبَّيَّ بن كعب قلتُ:
أبا المنذر، إن أخاك ابن مسعود يقول: من يَقُمِ الحولَ؛ يُصِبْ ليلةَ القدر،
قال: يرحمه الله، لقد علم أنها في شهر رمضان، وأنها ليلة سبع وعشرين،
ثم حلفَ، قلتُ: وكيف تعلمون ذلك؟ قال: بالعلامة - أو: بالآية - التي
أخبرنا بها، تطلع ذلك اليوم لا شعاع لها، يعني الشمس(٤).
وقد رواه مسلم، وفيه: فقال: والله الذي لا إله إلا هو؛ إنها في
رمضان - يحلف ما يستثني - ووالله؛ إني لأعلم أي ليلة هي، هي التي أمرنا
رسول الله وَيقر بقيامها، هي ليلة سبع وعشرين، وأمارتها أن تطلع الشمس
في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها(٥).
(١) رواه البخاري (١٩١٧).
(٢) رواه مسلم (١١٦٧ / ٢١٧).
(٣) رواه مسلم (٧٦٢ / ١٨٠).
(٤) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥ / ١٣٠).
(٥) رواه مسلم (٧٦٢ / ١٧٩).
٢٤٤

وفي الباب عن معاوية وابن عمر وابن عباس وغيرهم عن رسول الله ويليه:
أنها ليلة سبع وعشرين(١)، وهو قول طائفة من السلف، وهو الجادّةُ من مذهب
أحمد ابن حنبل، وهو رواية عن أبي حنيفة، وقد حُكِيَ عن بعض السلف أنه
حاول استخراج كونها ليلة سبع وعشرين من القرآن في قوله: ﴿هِىَ﴾ أنها
الكلمة السابعة والعشرون من السورة، فالله أعلم(٢).
وخرّج الطبراني عن ابن عباس ﴿﴾ قال دعا عمرُ بن الخطاب أصحابَ
محمد ، فسألهم عن ليلة القدر، فأجمعوا أنها في العشر الأواخر، قال
ابن عباس: فقلتُ لعمر: إني لأعلم - أو إني أظن - أيَّ ليلة هي، فقال
عمر: أيُّ ليلة؟ فقلتُ: سابعة تمضي، أو سابعة تبقى من العشر الأواخر،
فقال عمر: من أين علمت ذلك؟ فقلتُ: خلق الله سبعَ سماوات، وسبعَ
أرضين، وسبعةً أيام، وإن الشهر يدور على سبع، وخلق الإنسان من سبع،
ويأكل من سبع، ويسجد على سبع، والطواف بالبيت سبع، ورمي الجمار
سبع، لأشياء ذكرها، فقال عمر: لقد فَطِنْتَ لأمرِ ما فَطِنَّا له، وكان قتادةُ
يزيدُ عن ابن عباس في قوله: (يأكل من سبع) هو قول الله تعالى: ﴿حَّا
وَعِنْبًا﴾ [عبس: ٢٧ - ٢٨] الآيةَ، هذا الحدیث إسناده جيد قوي، ومتنه غريب
جداً(٣).
وقيل: ليلة تسع وعشرين؛ لما في ((مسند أحمد)) عن عبادة بن
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥ / ١٣٠).
(٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٤/ ٥٣٣ - ٥٣٤).
(٣) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٤/ ٥٣٤)، والخبر رواه الطبراني في ((المعجم الكبير))
(١٠٦١٨).
٢٤٥

الصامت أنه سأل رسول الله صل عن ليلة القدر، فقال رسول الله ويلي: ((فِي
رَمَضَانَ، فَالْتَمِسُوها فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ؛ فَإِنَّهَا فِي وِتْرِ إِحْدَى وعِشْرِينَ، [أَوْ
ثَلاثٍ وعِشْرِينَا أَوْ خَمْسٍ وعِشْرِينَ [أَوْ سَبْعٍ وعِشْرينَ، أَوْ تِسْعِ وعِشْرِينَ]
أَوْ آخِرِ ليلة)»(١).
وروى أحمد أيضاً عن أبي هريرة أن رسول الله: ﴿﴿ قال في ليلة القدر:
((إِنَّهَا لَيْلَةُ سَابِعَةٍ أَوْ تَاسِعَةٍ وعِشْرِينَ، إِنَّ المَلاَئِكَةَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فِي الأَرْضِ
أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ الحَصا»، تفرد به أحمد، وإسناده لا بأس به(٢).
وقيل: إنها تكون في آخر ليلة؛ لما تقدم قريباً، ولما رواه الترمذي
والنسائي أن رسول الله وَّهِ قال: ((في تِسْعِ بَقِينَ، أَوْ سَبْعِ بَقِينَ، أَوْ ثَلاثٍ، أَوْ
آخِرِ ليلة))؛ يعني: التمسوا ليلة القدر، قال الترمذي: حديث صحيح(٣).
وفي ((المسند)): من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ في
ليلة القدر: ((إِنَّهَا آخِرُ لَيْلَةٍ)» (٤).
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥/ ٣١٨). وهو حديث منكر. انظر: ((ضعيف
الترغيب والترهيب)» (٦٠٣).
(٢) رواه الإمام أحمد في «المسند» (٢/ ٥١٢)، وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح
الجامع الصغير)) (٥٤٧٣).
(٣) رواه الترمذي (٧٩٤)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٣٤٠٣).
(٤) رواه الإمام أحمد في («المسند» (٢ / ٢٩٢) لكن ليس فيه أنها آخر ليلة، بل عكس
ذلك، ولفظه: (( ... ويغفر لهم في آخر ليلة)) قيل يا رسول الله! أهي ليلة القدر؟
قال: ((لا، ولكن العامل ... إلخ)). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الترغيب
والترهيب)) (٥٨٦).
٢٤٦

* فصل: قال الشافعي: ليلة القدر ليلة معينة لا تنتقل، نقله الترمذي
عنه بمعناه.
ورُوِيَ عن أبي قلابة أنه قال: ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر،
ونصَّ عليه مالك، والثوري، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو
ثور، والمزني، وأبو بكر بن خزيمة، وغيرهم، وهو مَحْكِيٌّ عن الشافعي،
نقله القاضي عنه، وهو الأشبه، وقد يستأنس لهذا الحديث بما ثبت في
(الصحيحين)): عن عبدالله بن عمر : أن رجالاً من أصحاب رسول الله وَله
أُرُوا ليلةَ القدر في المنام في السبع الأواخر من رمضان، فقال رسول الله صلّت:
((أَرَى رُؤْيَاكُمْ تَوَاطَأْتْ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كانَ مُتَحَرِّيَها؛ فَلْيَتَحَرَّها فِي
السَّبْعِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ»(١)، وفيهما عن عائشة رضي الله عنها: أن
رسول الله وَّجُ قال: («تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي الوِتْرِ مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ
رَمَضانَ)(٢)، ويُحْتَجُّ للشافعي بقوله: ((خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ، فَتَلاَحَى فُلاَنٌ
وفَلَاَنٌ فَرُفِعَتْ، وعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْراً لَكُمْ، فَالْتَمِسُوها فِي التَّاسِعَةِ والسَّابِعَةِ
والخَامِسَةِ))(٣)، وجه الدلالة: أنها لو لم تكن مُعيَّنَةً مستمرَّةَ التعيينٍ؛ لما
حصل لهم العلم بعينها في كل سنة؛ إذ لو كانت تنتقل؛ لما علموا تعيّنَها إلا
ذلك العامَ فقط، اللهم؛ إلا أن يُقال: إنما خرج ليعلمهم بها تلك السنة
[فقط، وقوله: ((فتلاحى فلان وفلان فرفعت)) فيه استئناس لما يقال: إن
(١) رواه البخاري (١٩١١)، ومسلم (١١٦٥ / ٢٠٥).
(٢) رواه البخاري (١٩١٣)، ومسلم (١١٦٩ / ٢١٩).
(٣) رواه البخاري (٤٩)، من حديث عبادة بن الصامت نظـ
٢٤٧

المماراة تقطع الفائدة والعلم النافع، كما جاء في الحديث: ((إِنَّ العَبْدَ لَيُحْرَمُ
الرِّزْقَ بالذَّنْبِ يُصِيبُهُ) (١)؛ و] قوله: ((فرفعت))؛ أي: رُفِعَ علمُ تعيينها لكم،
لا أنها رفعت بالكلية من الوجود، كما يقول جهلة الشيعة؛ لأنه قال بعدها:
((فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة)).
وقوله: ((عسى أن يكون خيراً لكم)): يعني: عدم تعيينها لكم؛ فإنها
إذا كانت مبهمة؛ اجتهد طُلاَّبها في ابتغائها في جميع مَحالٌ رجائها، فكان
أكثرَ للعبادة، بخلاف ما إذا علموا عينَها فإن الهمم كانت تتقاصر على قيامها
فقط، وإنما اقتضت الحكمة إبهامها؛ لتعمَّ العبادةُ جميعَ الشهر في ابتغائها،
ویکون الاجتهاد في العشر الأخير أکثر؛ ولهذا كان رسول الله پھر یعتکف
العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ﴾﴾، ثم اعتكف أزواجه من بعده،
أخر جاه(٢).
وقد حُكِيَ عن مالك أن جميع ليالي العشر في تَطَلَّبٍ ليلة القدر على
السواء، لا يترجح منها ليلة على أخرى(٣).
* قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةٍ مُبَرَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣] الآياتِ.
يقول تعالى مخبراً عن القرآن العظيم: إنه أنزله في ليلة مباركة، وهي
ليلة القدر؛ لقوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وكان ذلك في شهر
(١) رواه ابن ماجه (٤٠٢٢)، والإمام أحمد في ((المسند)) (٥ / ٢٧٧)، من حديث
ثوبان ﴿. وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (١٤٥٢).
(٢) رواه البخاري (١٩٢٢)، ومسلم (١١٧٢ / ٥)، من حديث عائشة رضي الله عنها.
(٣) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٤ / ٥٣٥).
٢٤٨

رمضان كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ [البقرة:
١٨٥]، وقد ذكرنا الأحاديث الواردة في ذلك في سورة البقرة، ومن قال:
إنها ليلة النصف من شعبان - كما روي عن عكرمة - فقد أبعد النُّجْعَةَ؛ فإن
نصَّ القرآن على أنها في رمضان، والحديثُ الذي رواه عبدالله بن صالح
عن الليث عن عقيل بن الزهري: أخبرني عثمان بن محمد بن المغيرة بن
الأخنس أن رسول الله وَله قال: ((تُقْطَعُ الآجالُ مِنْ شَعْبانَ إِلَى شَعْبانَ، حَتَّى
إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْكِحُ ويُولَدُ لَهُ وقَدْ أُخْرِجَ اسْمُهُ فِي المَوْتَى))(١)؛ فهو حديث
مرسل، ومثله لا تُعارَض به النصوصُ(٢).
وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾؛ أي: مُعْلِمِينَ الناسَ ما ينفعهم ويضرهم
شرعاً؛ لتقوم حجة الله على عباده.
قوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيرٍ﴾؛ أي: في ليلة القدر يُفْصَل من اللوح
المحفوظ إلى الكتب أمرُ السَّنَةِ وما فيها من الآجال والأرزاق، وما یکون فيها
إلى آخرها، هكذا رُوِيَ عن ابن عمر، ومجاهد، وأبي مالك، والضحاك،
وغير واحد، وقوله: ﴿حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] أي: مُحكَم لا يُغيَّر ولا يُبدَّل؛
ولهذا قال: ﴿أَمْرًاً مِّنْ عِندِنَاً﴾ [الدخان: ٥]؛ أي: جميع ما يكون بقدرة الله،
وما يوجبه فبأمره وإذنه وعلمه. انتهى(٣).
(١) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٣٨٣٩). وهو حديث منكر. انظر: ((السلسلة
الضعيفة» (٦٦٠٧).
(٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٤ / ١٣٤).
(٣) المرجع السابق، الموضع نفسه.
٢٤٩

روى أبو الضحى عن ابن عباس : أن الله يقضي الأقضية في ليلة
النصف من شعبان، ويُسلِّمها إلى أربابها في ليلة القدر.
﴿أَمْرًا مِّنْ عِندِنَاْ﴾ [الدخان: ٥] أي: أنزلناه ﴿أَمْرًاً مِّنْ عِندِنَأَ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾
[الدخان: ٥] محمداً ﴿ ومَن قَبْلَه من الأنبياء ﴿رَحْمَةٌ مِّن رَّيِّكَ﴾ [الدخان: ٦]، قال
ابن عباس: رأفةً مني بخلقي، ونعمةً عليهم بما بعثنا من الرسل إليهم.
وقال الحليمي في قوله: ﴿مُبَرَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣]: أي: لأولياء الله
تعالى، فإنما جُعِلَت خيراً من ألف شهر إذا أَحْيَوْها، وقَدَرُوها حقَّ قَدْرِها،
وقطعوها بالصلاة وقراءة القرآن والذكر، دون اللغو واللهو، انتهى(١).
ورُوِيَ عن أنس ◌ُ قال: لما دخل رمضان قال رسول الله وَله: ((إِنَّ
هَذا الشَّهْرَ دَخَلَ عَلَيْكُمْ، وهُوَ شَهْرُ اللهِ تَعالَى المُبارَكُ، فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ
شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَها؛ فَقَدْ حُرِمَ الخَيْرَ كُلَّهُ، ولاَ يُخْرَمُ خَيْرَها إِلَّ مَحْرُومٌ)) (٢).
(م): إنه تعالى أخفى هذه الليلة لوجوه:
أحدها: أنه تعالى أخفاها كما أخفى رضاه في الطاعات؛ حتى يرغبوا
في الكلِّ، وأخفى غضبَه في المعاصي؛ ليحترزوا عن الكل، وأخفى وَلِيَّه
فيما بين الناس؛ حتى يعظموا الكلَّ، وأخفى الإجابةَ في الدعاء؛ حتى يبالغوا
في كلِّ الدعوات، وأخفى الاسمَ الأعظمَ؛ ليعظموا كلَّ الأسماء، وأخفى
الصلاةَ الوسطى؛ ليحافظوا على الكل، وأخفى قَبُولَ التوبة؛ ليواظب
المُكَلَّفُ على جميع أقسام التوبة، وأخفى وقتَ الموت؛ ليتهيأ المُكَلَّفُ له
(١) انظر: ((شعب الإيمان)) للبيهقي (٣/ ٣٢٠) برقم (٣٦٥٨).
(٢) رواه ابن ماجه (١٦٤٤)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (١٤٤٤)، وهو حديث
حسن صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (١٠٠٠).
٢٥٠

دائماً، فكذا أخفى هذه الليلةَ؛ ليعظموا جميعً ليالي رمضان.
ثانيها: أنه لو عَيَّنَ ربما تجاسر بعضُ العصاة على المعصية فيها، وكانت
معصيته مع علمه أشدَّ وأشنعَ وأفظع .
ثالثها: أنه تعالى أخفاها؛ حتى يجتهد المُكلَّف في طلبها، فينالَ ثواب
الاجتهاد.
رابعها: ليكون سبباً لمباهاة الله سبحانه بهم ملائكته فيقول: هذا اجتهادهم
في الليلة المظنونة، فكيف لو جعلتها معلومة لهم؟! فيظهر سِرُّ ﴿إِنِّّ أَعْلَمُ مَا لَا
نَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠](١).
١١٨٩ - وَعَنْ أَبِي هُرِيرَةَ ﴿ه، عَنِ النَّبِّوَهُ، قَالَ: ((مَنْ قَامَ
لَيْلَةَ القَدْرِ إِيماناً وَاحْتِسَاباً، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» مُتفقٌ عليه.
* قوله : ((من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً):
(ن): هذا مع الحديث المتقدم: ((مَنْ قامَ رَمَضانَ ... ))(٢) قد يُقال:
إن أحدهما يغني عن الآخر، وجوابُه أن يُقال: قيامُ رمضان من غير موافقة
ليلة القدر ومعرفتها سببٌ لغفران الذنوب، وقيامُ ليلة القدر لمن وافقها
وعرفها سببٌ للغفران وإن لم يقم غيرَها. انتهى(٣).
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٣٢/ ٢٨).
(٢) رواه البخاري (٣٧)، من حديث أبي هريرة ـ
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٤١).
٢٥١

سبق معنى ((إِيماناً واحْتِساباً)) في الباب قبلَه.
قال ابن أبي جَمْرةَ الأزدي: فيه أن من لم يَنْوٍ؛ لم يحصل له الثواب
المذكور وإن قامها؛ إذ شرطه في القيام الإيمان والاحتساب، وفيه أن أجلَّ
الثوابِ على الأعمال المغفرة؛ لأنها جُعِلَتْ ثواباً على قيام هذه الليلة،
وقيامُها خيرٌ من العمل في ألف شهر؛ ولهذا خصَّ الله بها نبيَّهُ عليه السلام
فقال: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَتْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢].
٠٠
١١٩٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴾: أَنَّ رِجَالاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َّ
أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي المَنَامِ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِلَّى:
(أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرَِّهَا،
فَلْيَتَحَرَّهَا في السَّبْعِ الأَوَاخِرِ)) مُتفقٌ عليهِ.
* قوله: ((أروا):
(ط): أصله: أُرِيُوا، من الرؤيا؛ أي: خُيِّلَ لهم في المنام(١).
(ن): (تواطت) هكذا هو في النسخ، بطاء، ثم تاء، وهو مهموز،
وكان ينبغي أن يُكْتَبَ بألف بين الطاء والتاء صورةً للهمز، ولا بُدَّ من قراءته
مهموزاً، قال الله تعالى: ﴿لَيُوَاِقُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧]، ومعنى
(تحروا)): احرصوا على طلبها، واجتهدوا فيه(٢).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٦٢١).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٨ / ٥٨).
٢٥٢

(تو): المواطاة: الموافقة، وأصله: أن يطأ الرجل برجله مَوْطِئءَ صاحبِهِ،
وقد رواه بعضهم بالهمزة، وهو الأصل. وتَحرَّى الشيءَ: إذا قصد حِراءَه؛
أي: جانبه، قال تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤] تَوَخَّوا وعمدوا،
والتحري في الإناءين طلبُ ما هو أحرى بالاستعمال.
والمعنى: فمن كان يتوخى تلك الليلة؛ فَلْيَتَوَخَّها في السبع الأواخر،
ويكون معناه: فمن كان يريد طلبها في أحرى أوقات الطلب؛ فليستعدّ له في
السبع الأواخر، ويُحتَمَل أن يُراد بهذا السبعُ التي تلي آخرَ الشهر، والسبعُ بعدَ
العشرين، وحَمْلُه على هذا أَمثلُ؛ لتناوله إحدى وعشرين، وثلاثاً وعشرين.
وقوله: ((فليتحرها في السبع الأواخر)): أخصُّ من قوله: ((فِي العَشْرِ
الأَوَاخِرِ))، ولا تنافي بين القولين، وكلُّ ما ورد في هذا الباب من الأحاديث
فإن بعضَها يعاضد بعضاً على أنها إحدى ليالي أوتارِ العشرِ الأواخرِ، ثم إن
الروايات اختلفت في تعيين ذلك الوتر اختلافاً لا يرتفع معه الخفاءُ؛ إذ لم
يثبت عن أحد من الصحابة أنه قال: سمعت رسول الله ﴾﴾ يحدث لمیقاتها
مجزوماً به، وإنما ذهب كلُّ واحد إلى ما ذهب بما يتبين له من مَعارِيضٍٍ
الكلام التي سمعها من رسول الله وَّ﴿، والفهمُ يبلغ تارة، ويقصر أخرى،
والمجتهد يصيب ويخطئ، فعلى هذا يتنوَّع اختيارُ كلِّ فريق من أهل العلم،
والذاهبون إلى سبع وعشرين هم الأكثرون.
ويُحْتَمَلُ أن فريقاً منهم علم بالتوقيف(١)، ولم يُؤْذَن له في الكشف
عنه؛ لِمَا كان في حكمة الله البالغة في نعتها على العموم.
(١) في الأصل: ((بالتوفيق))، والصواب المثبت.
٢٥٣

فإن قيل: إن الإنساء الواقع من قبل الله كان رعايةً لمصلحة العباد؛
ليعمى عنهم خبر تلك الليلة؛ لئلا يتّكلوا، ويزدادوا اجتهاداً في طلبها،
وهذا هو الظاهر من أمره.
وقال بعض العلماء: إن نبي الله ◌َ ي كان مجبولاً على أكرم الأخلاق
وأحسنها، وقد علم اللهُ منه الرأفةَ بأمته، وعلم أنه لو سُئِلَ وعنده علم
ذلك؛ عزَّ عليه أن يبخل عليهم بذلك، فأنساه.
وقال آخرون: لمّا أراد الله تعميتها؛ أنساها النبيَّ ێ؛ لئلا يكون كاتِمَ
علمٍ إذا سُئِلَ عنه ولم يخبره.
وقد رُوِيَ عن أبي ذرَُّ أنه سأل رسولَ الله وَّهِ وأقسم عليه ليُخْبِرَنَةٌ
بها حتى أَغْضَبَهُ فقال: ((لَوْ أَذِنَ اللهُ لِي أَنْ أُخْبِرَكُمْ بِهَا لِأَخْبَرْتُكُمْ))(١) فكيف
السبيل إلى القول بالتوقيف؟!
مع هذا قلنا: التخصيص في هذا ليس بمُستنكَر، فيقول: أُنْسِيَها في
أول الأمر؛ ليخبر بالإنساء، فينتهي العمومُ عن السؤال عنها؛ لِمَا تضمنه
الإنساء من المصالح، ثم بينها كرامةً له فخَصَّ هو بذلك بعضَ أصحابه
المستعدِّين لعِلْمٍ ذلك، كما خصَّ حذيفة بن اليمان بإعلام المنافقين،
والتخصيص إنما يُستنكَر في الأحكام والحدود التي تُعُبِّدَ بها المكلفون.
فإن قيل: أفلا يُحتمل أن يقال: إن تلك الليلة لا توجد على وتيرة
واحدة في الأعوام؟ فربما كانت في عام في إحدى وعشرين، وفي عام آخر
في ثلاث وعشرين، إلى تمام الأوتار.
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٩٥١٣).
٢٥٤

قلنا: يُحتمل، وإليه ذهب بعضُ أهل العلم، غيرَ أنّاً لم نجد أحداً من
المخبرين عزم فيما حدّث به إلا أُبياً ظُه.
فإن قيل: فإنه ذهب أيضاً إلى ما ذهب بنوع من الاستدلال؛ فإنه
قال: بالعلامة التي أخبرنا رسول الله وَله .
قلنا: يُحمل أمره في ذلك على أنه لم يؤذن له في التصريح، فعدل
عنه إلى التعريض، وإنما نميل إلى هذا؛ لأن الصحابة هم الأُمَناءُ فيما
حدَّثوا به عن النبي بَّز، وقد شهد التنزيل بصدقهم وعدالتهم، بأن الله
سبحانه ارتضاهم لهذا الدين، فلا يجوز لنا أن نظن بهم أن يحلفوا على
القطع بما لم يعلموا، فضلاً عن الحكم به.
١١٩٥ - وَعن عائشةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: قُلْتُ: يا رَسُولَ
الله! أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ، مَا أَقُولُ فيها؟ قَالَ:
((قُولي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي)) رواهُ التِرْمذِيُّ،
وقالَ: حدیثٌ صحيحٌ.
* قولها: «أي ليلة)):
(ط): هو مبتدأ، وليلة القدر خبره، والجملة سدت مسدّ المفعولين
لـ (علمتُ) تعليقاً، و(ما أقول فيها) جواب الشرط، وكان الواجب أن يُؤتى
بالفاء للاستفهام، ولعله سقط من الناسخ، وفيه دليل على أن طلبَ العفو
رأسُ كل خير، وفَتْحُ بابِ كلِّ فلاحٍ ونجاة؛ لأنه يستعد به للزلفى إلى
٢٥٥

الجناب الأقدس. انتهى(١).
قال الإمام فخر الدين الرازي: العفو هو المَحْوُ والإزالةُ، يقال: عفت
الدار: إذا اندرست وذهبت آثارها، وفي حق الله تعالى عبارة عن إزالة آثار
الذنوب بالكلية، فيمحوها من ديوان الكرام الكاتبين، ولا يطالبه بها يوم
القيامة، وينسيها من قلوب المذنبين؛ كيلا يخجلوا عند تَذَكُّرها، ويثبت مكانَ
كلِّ سيئةٍ حسنةً، قال الله تعالى: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُخْبِتٌ﴾ [الرعد: ٣٩]،
وقال تعالى: ﴿فَأُوْلَكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]، والعفو أبلغ
من المغفرة؛ لأن الغفران يشعر بالستر، والعفو يشعر بالمحو، والمحو أبلغ
من الستر، قال الشيخ الأستاذ أبو القاسم القشيري: الكريم إذا عفا؛ حفظ
قلب المسيء عن الاستيحاش بتذكيره سُوءَ فعلِه، بل يُزيل عنه تلك الخَجْلَةَ
بما يُسدِل عليه من ثوب العفو، ويفيض عليه من ذيول الصفح، وعفوُ الله
تعالى عن العباد ليس مما يُستقصَى بالعبارات كُنْهُ معانیه.
رُوِيَ أن بعضهم قال في آخر مجلس له: اللهم اغفر لأقسانا قلباً؛
وأجمدنا عيناً، وأقربنا بالمعاصي عهداً، فقام بعض حاضري المجلس
فقال: أعد هذا الدعاء؛ فإني أقساكم قلباً، وأجمدكم عيناً، وأقربكم
بالمعاصي عهداً، قال: فرأيت الليلةَ الثانية في المنام ربَّ العزة سبحانه
يقول: سرني حيث أوقعتَ الصلحَ بيني وبين عبدي، وقد غفرت لك
ولأهل مجلسك.
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٦٢٥).
٢٥٦

٢١٥- با
فضلِ السِّواكِ وخِصالِ الفِطْرَةِ
(الباب الثلاثون بعد المئة)
(في فضل السواك وخصال الفطرة)
(ن): السواك بكسر السين، وهو مُطلَق على الفِعْلَة، وعلى العود الذي
◌ُتَسَوَّكُ به.
وذكر صاحب ((المحكم)): أنه يذكَّر ويؤنَّث، والسِّواك: فِعْلُكَ بالسِّواك،
يقال: ساكَ فمَه، يسوكه سَوْكاً، فإن قلتَ: استاك؛ لم يُذْكَرِ الفمُ، وجمع
السواك: سُودٌ، ککتاب وكتب.
وذکر صاحب ((المحكم)): أنه يجوز سُؤُك بالهمز.
قيل: إن السواك مأخوذ من ساك، إذا دَلَكَ، وقيل: من جاءتِ الإبلُ
تَساوَكُ؛ أي: تتمايل هُزالاً.
وفي اصطلاح العلماء استعمال عودٍ أو نحوه في الأسنان؛ ليُذْهِبَ
الصفرةَ وغيرها.
والسواك سنة، ليس بواجب في حال من الأحوال بإجماع من يُعتَدُّ
به، وقد حكى الشيخ أبو محمد الإسفراييني إمامُ أصحابنا العراقيين عن
٢٥٧

داود الظاهري أنه أوجبه للصلاة، وحكاه الماوردي عن داود وقال: هو
عنده واجب، لو تركه لم تبطل صلاته، وحكي عن إسحاق بن راهويه أنه
قال: هو واجب، إن تركه عمداً؛ بطلت صلاته، ولم يصح هذا عنه.
ثم إن السواك مستحب في جميع الأوقات، ولكن في خمسة أوقات
أشدُّ استحباباً:
أحدها: عند الصلاة، سواء كان متطهراً بماء أو تراب، أو غيرَ متطهر،
كمن لم يجد ماءً ولا تراباً.
الثاني: عند الوضوء.
الثالث: عند قراءة القرآن.
الرابع: عند الاستيقاظ من النوم.
الخامس: عند تغيُّر الفم، وتغيُّرُه يكون بأشياء، منها ترك الأكل
والشرب، ومنها أكل ما له رائحة كريهة، ومنها طول السكوت، ومنها كثرة
الكلام.
ومذهب الشافعي أن السواك يكره للصائم بعد زوال الشمس؛ لئلا تزول
رائحة الخُلُوف المستحبة، ويستحب أن يستاك بعود من أَراكٍ، وبأي شيء
استاك مما يزيل التغييرَ حصل السواك، كالخرقة، أو الخشبة، والسعد،
والأشنان، وأما الأصبع؛ فإن كانت ليِّنة؛ لم يحصل السواك، وإن كانت
خشنة؛ ففيها ثلاثة أوجه لأصحابنا، المشهور: لا يجزئ، والثاني : يجزئ،
والثالث: يجزئ إن لم يجد غيرها، ولا يجزئ إن وجد.
والمستحب أن يستاك بعود متوسط، لا شديد اليُبْس يجرح، ولا رطب
٢٥٨

لا يزيل، ويستحب أن يستاك عرضاً، ولا يستاك طولاً؛ لئلا يَدْمَى لحمُ
أسنانه، فإن خالف واستاك طولاً؛ حصل السواك مع الكراهة، ويستحب أن
يُمِزَّ السواك أيضاً على أطراف أسنانه، وكراسيِّ أضراسه وسقفِ حلقه إمراراً
لطيفاً، ويستحب أن يبدأ في سواكه بالجانب الأيمن من فمه، ولا بأس
باستعمال سواكِ غيرِه بإذنه، ويستحب أن يُعَوَّدَ الصبيُّ السواكَ لیعتاده،
انتھی(١) .
قال الشيخ سراج الدين أبو حفص عمر في كتاب ((العجالة)): فائدة
في كيفية إمساك السواك ووضعه وقدره وموضعه: قال الترمذي الحكيم:
تجعل الخنصر من يمينك أسفلَ السواك تحته، والبنصر والوسطى والسبابة
فوقه، واجعل الإبهام أسفل رأس السواك تحته، كذلك السنة فيه، كما روى
عبدالله بن مسعود، ولا تقبض القبضةَ عليه؛ فإنه يورث البواسير .
قال: ولا تمصَّ السواك مصّاً؛ فإنه يورث العمى، ولا تضع السواك إذا
وضعته بالأرض عرضاً، ولكن انصبه نصباً؛ فإنه يروى عن سعيد بن جبير أنه
قال: من وضع سواكه بالأرض فجُنَّ من ذلك، فلا يلومَنَّ إلا نفسه، قال:
ولا تزد في طول السواك على شبر، ولو قدر أصبع، فما زاد ركب عليه
الشيطان، واقتصر على شبر ودونه؛ فإن ذلك السنة.
وفي البيهقي عن جابر بن عبدالله قال: كان السواك من أُذُن رسول الله وَيه
موضع القلم من أذن الكاتب(٢)، .
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٤٢).
(٢) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١ / ٣٧)، ورَفْعُه وهمٌّ، وينظر التعليق الذي
بعده .
٢٥٩

ثم قال: رفعه ابن إسحاق(١)، وفَعَلَه زيد بن خالد الجهني الصحابي أيضاً
كذلك، کما خرجه الترمذي وغيره(٢).
وروى الخطيب في کتاب مَروچٍّ عن مالك عن أبي هريرة څبه قال: كان
أصحاب رسول الله وَل﴿ أَسْوِكَتُهم خلفَ آذانهم، يَسْتَنُّون بها لكل صلاة.
قال الترمذي الحكيم: الاستياك باليسار فعل الشيطان، قال: ولا تستاك
بطرفي السواك، ولا بسواكِ غيرِك، فعن ابن عمر : أن من يستاك بسواك
غيره، فَقَدَ الحفظَ، ولا تضع السواك حتى تغسله، فعن الحسن أن الشيطان
يستاك به، إن لم يغسل، واكبس ريقَك بعد السواك بالتراب، أو يطهره بالماء
تضعه عليه؛ فإن ذلك من فعل الأبرار، ولئلا يلعب به الشيطان.
١١٩٦ - عَنْ أَبِي هُرِيرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّهْ قَالَ:
(لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي - أَوْ عَلَى النَّاس -، لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ
كُلِّ صَلاةٍ، مُتفقٌ عليهِ.
(١) كذا ذكر، والصواب أن رفعه ليس من محمد بن إسحاق، فإن المرفوع من رواية
يحيى بن اليمان، عن سفيان، عن محمد بن إسحاق، عن أبي جعفر، عن جابر
به، قال الحافظ في ((التلخيص الحبير)) (١ / ٧١): ((وسئل أبو زرعة عنه في ((العلل))
فقال: وهم فيه يحيى بن يمان، إنما هو عند ابن إسحاق عن أبي سلمة عن زيد بن
خالد من فعله، قلت (القائل ابن حجر): كذا أخرجه أبو داود والترمذي)). قلنا:
هو عند أبي داود (٤٧)، وسيرد تخريجه عند الترمذي.
(٢) رواه الترمذي (٢٣) وقال: حديث حسن صحيح.
٢٦٠