Indexed OCR Text
Pages 81-100
خلافه عمر عنه مناهضاً أعداء الله، فشهد فتح القادسية، وكان صاحب راية المؤمنين يومئذٍ، فمن قائل: إنه استشهد هنالك، ومن قائل: إنه انحاز إلى المدينة راشداً، فتوفي بها ﴾. ١٠٦٨ - وعَنْ أَبِي هُرِيرةَ ◌َُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْتَطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاةِ، فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ))، متفقٌ عليه. * قوله ◌َلجر: ((أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم)): (نه): أي: آتيهم من خلفهم، أو أخالف ما أظهرت من إقامة الصلاة، وأرجع إليهم، فآخذهم على غفلة، أو يكون بمعنى التخلُّف عن الصلاة؛ لمعاقبتهم(١). (ط): ((الكشاف)): يقال: خالفني إلى كذا: إذا قَصَدَه وأنت مول عنه(٢)، انتھی. بقية الحديث: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمُ أَنَّهُ يَجِدُ عِرْقاً سَمِيْنَاً، أو مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ؛ لَشَهِدَ العِشَاءَ». (نه): (العرق): بالسكون العظم الذي يأخذ منه اللحم، وجمعه: (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٦٨). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١١٢٧). ٨١ عُراق بالضم، وهو نادر(١). و(المرماة): ظلف الشاة، وقيل: ما بين ظلفيها، بكسر ميمه وتفتح، وقيل: المرماة بالكسر: السهم الصغير الذي يتعلم به الرمي، وهو أحقر السهام وأزراها(٢). (تو): قال أبو سعيد ابن الأعرابي: المرماتان: هما سهمان يرمي بهما الرجل، فيجوز سبقه بقول سابق إلى إحراز الدنيا وسبقها، ويدع سبق الآخرة. (حس): الحَسَن والحَسُن: العظم الذي في المرفق مما يلي [البطن، والقَبَح والقَبيح: العظم الذي في المرفق مما يلي] الكتف(٣). (ط): الحسنتين بدل من المرماتين إذا أريد بهما العظم الذي لا لحم عليه، وإن أريد بهما السهمان الصغيرتان، فالحَسَنتَين بمعنى الجيِّدتين صفة للمرماتين (٤) . (قض): أي: لو علم أحدهم أنه لو حضر وقت العشاء؛ یحصل له حظ دنيوي؛ لحضره وإن كان خسيساً حقيراً، ولا يحضر للصلاة، وما يترتب عليها من الثواب، ويجوز أن يراد بالعشاء الصلاة؛ أي: لو علم أنه لو حضر الصلاة، وأتی بها، لحصل له نفع دنيوي من مأکول کعرق، وغيره کمرماتین؛ لحضرها؛ لقصور همته على الدنيا وزخارفها، ولا يحضرها لما يتبعها من (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٢٢٠). (٢) المرجع السابق (٢ / ٢٦٩). (٣) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (٣ / ٣٤٥)، وما بين معكوفتين منه. (٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١١٢٧). ٨٢ مثوبات العقبى ونعيمها، والمعنى: التوبيخ؛ أي: لو دعي أحدهم إلى مثل هذا الشيء الحقير لأجاب، ولا يجيب إلى الصلاة(١). (ط): انظر أيها المتأمل في هذه التشديدات، ثم تأمل في تكرير ((ثم) مراراً؛ ترقّياً من الأهون إلى الأغلظ؛ لتراخي المراتب بين مدخولاتها، فتفكر في التفاوت بين المرتبة الأولى، وهي فيحطب، والأخيرة فأحرق بيوتهم، ثم في تكرير القسم وخصوصيتها؛ لقوله: ((والذي نفسي بيده))؛ لتقف على فخامة أمر الجماعة، وشدة الأمر على تركها، وما أدري بم يتعلل أو کیف یتکاسل؟ فإن قلت: قيل: إن الحديث وارد في شأن المنافقين، والمؤمنون خارجون من هذا الوعيد؟ قلت: خروجها عن الوعيد ليس من جهة أنهم إذا سمعوا النداء يسوغ لهم التخلف عن الجماعة، بل من جهة أن التخلف ليس من شأنهم وعادتهم، وأنه مناف لحالهم؛ لأنه من صفة المنافقين(٢). (ن): هذا مما استدل به من قال: الجماعة فرض عين، والمختار أنها فرض كفاية، والجواب أن هؤلاء المتخلفين كانوا منافقين، وسياق الحديث يقتضيه؛ فإنه لا يظن بالمؤمنين من الصحابة أنهم يؤثرون العظم السمين على حضور الجماعة مع رسول الله بصّ، وفي مسجده، ولأنه لم يحرق، بل همَّ به، ثم تركه، ولو كان فرض عين؛ لما تركهم(٣). (١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١/ ٣٣١ -٣٣٢). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١١٢٧). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥ / ١٥٣). ٨٣ (ق): ويحتمل أن يكون ذلك التهديد لقوم من المؤمنين صلوا في بيوتهم؛ لأمر توهموه مانعاً، ولم یکن کذلك. ويؤيد هذا التأويل ما في ((كتاب أبي داود)): من الزيادة في هذا الحديث: ((لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ فِتْيَتِي، فَيَجْمَعُوا حُزَماً مِن حَطَبٍ، ثُمَّ آتِيَ قَوْماً يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ لَيْسَتْ بِهِمْ عِلَّةٌ، فَأُحَرِّقَهَا عَلَيْهِمْ))(١)، والمنافقون لا يصلون في بيوتهم، إنما يصلون في الجماعة؛ رياءً وسمعةً، وأما إذا خَلَوا؛ فكما وصفهم الله به من الكفر والاستهزاء، فعلى هذا يكون التخلف عن الجمعة(٢). (قض): الحديث يدل على وجوب الجماعة، وظاهر نصوص الشافعي تدل على أنها من فروض الكفايات، وعليه أكثر الصحابة؛ لقوله وَلّى: ((مَا مِن ثَلاَثَةٍ فِي قَرْيَةٍ ولا بَدْوٍ لاَ تُقَامُ فِيْهِمُ الصَّلاَةُ إِلَّ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ»(٣)، واستحواذ الشيطان إنما يكون في معصيته كترك الواجب دون السنة، وذهب الباقون منهم إلى أنها سنة، وليست بفرض، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، وأجابوا عن هذا بالتحريق؛ لاستهانتهم، وعدم مبالاتهم بها، لا لمجرد الترك، وقال أحمد وداود: إنها فرض على الأعيان؛ لظاهر الحديث، وليست شرطاً في صحة الصلاة، وإلا لما صحت صلاة الفذّ، وقد دلّ الحديث السابق على صحتها . (١) رواه أبو داود (٥٤٩) وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٤٧٠٦) . (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢/ ٢٧٧). (٣) رواه أبو داود (٥٤٧)، من حديث أبي الدرداء ◌َظُه وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٥٧٠١). ٨٤ وقال بعض الظاهرية بوجوبها واشتراطها؛ لقوله بَّهِ: ((مَنْ سَمِعَ المُنَادِيَ، فَلَمْ يَمْنَعْهُ من اتَّاعِهِ عُذْرٌ؛ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الصَّلاَةُ الَّتِي صَلَّهَا))(١)، وَأُجِيبَ عنه بأن النداءَ نداءُ الجمعة، أو المراد به: لم تُقْبل صلاتُه قَبولاً تاماً کاملاً؛ توفيقاً بينه وبين الحديث المتفق على صحته(٢). (ن): قيل: فيه دليل على أن العقوبة كانت في أول الأمر بالمال؛ لأن تحريق البيوت كانت عقوبة مالية، وقال غيره: أجمع العلماء على منع العقوبة بالتحريق في غير المتخلف عن الصلاة، والغالِّ من الغنيمة، واختلف السلف فيهما، والجمهور على منع تحريق متاعهما، وفيه: أن الإمام إذا عرض له شغل؛ يستخلف من يصلي بالناس، وإنما همَّ بإتيانهم بعد إقامة الصلاة؛ لأن ذلك الوقت تتحقق مخالفتهم، ويتوجه اللوم عليهم، وفيه جواز الانصراف بعد الإقامة(٣). (ك): فيه دليل على جواز العقوبة بالمال، وفيه جواز أخذ الجرائم على غرة(٤). (ش): قيل: العقوبة لا تكون مستوية الطرفين، بل إمّا واجبة أو محرمة، فلما لم يفعل وَّ؛ دلّ على عدم جوازه. قلنا: عدم الجواز؛ لاشتمال البيوت على النساء والذرية كما في الحديث. (١) رواه أبو داود (٥٥١)، من حديث ابن عباس حِّها وهو حديث ضعيف. انظر : ((ضعيف الجامع الصغير)) (٥٦٣٤). (٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١/ ٣٣٢ - ٣٣٣). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥ / ١٥٣). (٤) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٥ / ٣٧). ٨٥ قيل: الحديث حجة لنا؛ لأنه وَّهُ همَّ بالتخلف عنها، ولا يهمُّ بترك واجب؟ قلنا: همَّ بترك [أحد] الواجبين لأعلاهما، وأيضاً [من] أين لكم أنه كان يصلي وحده؟ بل يصلي مع أعوانه الذین معه. قيل: لعل الإحراق كان لنفاقهم، لا لمجرد تخلفهم؟ قلنا: يلزم إلغاء ما اعتبره وسي؛ لأنه علَّقَ الحكم على التخلف، ويلزم اعتبار ما ألغاه؛ لأنه لم يكن يعاقب المنافقين؛ بل كان يقبل علانيتهم، وَيَكِلُ سرائرَهُم إلى الله(١). ١٠٦٩ - وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿ه، قالَ: مَنْ سَرَّه أَن يَلْقَى اللهَ تَعالَى غَداً مُسْلِماً، فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلاءِ الصَّلَوَاتِ، حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ، فَإِنَّ اللهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ وَّرُ سُنَنَ الهُدَى، وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الهُدَى، وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَُّمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَما يُصَلِّي هَذَا المُتَخَلِّفُ في بَيْتِهِ، لَتَرَكْتُمْ سُنَّهَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، لَضَلَلْتُم، وَلَقَد رَأَيُنَا وما يَتَخَلَّفِ عَنْها إِلاَّ مِنَافِقٌ مَعْلُومُ النَّفَاقِ، ولَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ، يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقامَ في الصَّفِّ. رواه مسلمٌ. وفي روايةٍ له، قال: إِنَّ رَسُولَ اللهِلَّهِ عَلَّمَنَا سُنَنَ الهُدَى؛ وَإِنَّ مِن سُنَنِ الهُدَى الصَّلاةَ في المَسجِدِ الَّذِي يُؤَذَّنُ فِيهِ . (١) انظر: ((حكم تارك الصلاة)) لابن القيم (ص: ١٤٢ - ١٤٤). ٨٦ * قوله: «لقد رأيتنا»: (ط): قد تقرَّرَ أن اتحاد الفاعل والمفعول إنما يسوغ في أفعال القلوب، وأنها من الدواخل على المبتدأ والخبر، والمفعول الثاني الذي هو بمنزلة الخبر هنا محذوف، وسدَّ قوله: ((وما يتخلَّف عن الصلاة)) وهو حال مسدّه، وقوله: ((إن كان)) استئناف التنكير في ((مريض)) للتفخيم؛ أي: ما يتخلف إلا منافق أو مريض بيِّن المرض عاجز، فتوجَّهَ لسائل أن يقول: فما بال المريض الذي ليس كذلك؟ فأجيب (إن كان) إلى آخره، وفيه من التشديد والتأكيد [ما] لا يخفى من إتيان (أن) المخففة، واللام المؤكدة الفارقة، والإبهام بإضمار الشأن، وخصوصية التهادي المنبئ عن كمال اعتنائه بشأن الجماعة، كل ذلك تشديد وتأكيد لترك التخلف عن الجماعة(١). (ن): ((سنن الهدى)): روي بضم السين وفتحها، والمعنى متقارب؛ أي: طريق الهدى والصواب(٢). (ط): [في] اسم الإشارة [إشارة] إلى تحقيره، وتبعيده عن مظان الزلفى، كما أن اسم الإشارة في قوله: ((هذه المساجد)) ملوِّح إلى تعظيمها، وبُعْدِ مرتبتِها في الرفعة وقوله: (لضللتم)) يدل على [أن] المراد بالسنة العزيمة (٣). (ن): (يهادی) أي: يمسكه رجلان من جانبيه بعضده يعتمد عليهما (٤). (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١١٣٥ - ١١٣٦). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥ / ١٥٦). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١١٣٦). (٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥ / ١٥٦). ٨٧ (نه): من تهادت المرأة في مشيها: إذا تمايلت(١). (ن): وفي هذا كله تأكيد أمر الجماعة، وتحمل المشقة في حضورها، وأنه إذا أمكن المريض ونحوه التوصل إليها استحب حضورها(٢). (نه): ((استحوذ)): أي: استولى عليهم وحواهم إليه، هذه اللفظة أحد ما جاء على الأصل من غير إعلال خارجةً عن أخواتها(٣). ١٠٧٠ - وعَنْ أَبَي الدَّرْداءِ رَظُهِ، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَه يَقولُ: ((ما مِن ثَلاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ ولا بَدْوٍ لا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلاةُ، إِلاَّ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ. فَعَلَيْكُمْ بِالجَمَاعَةِ؛ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ مِنَ الغَنَمِ القاصِيَةَ)، رواه أبو داود بإسنادٍ حسنٍ . * قوله ريقال: ((فعليك بالجماعة»: (ط): هذا من الخطاب العام الذي لا يختص بسامع دون آخر؛ تفخيماً للأمر، والفاء الأولى مسبَبة عن قوله: ((قد استحوذ عليهم الشيطان))، والثانية مسبَّة عن المجموع يعني: إذا عرفت [هذه] الحالة، فاعرف مثاله في الشاهد، ويحتمل أن يراد بالصورة الأولى صورة الإمامة الصغرى، والثانية الكبرى، يعني: إذا عرفت حال الإمامة الصغرى، وحال انفراد الرجل عنها، واستيلاء (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٥ / ٢٥٤). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥ / ١٥٧). (٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٤٥٧). ٨٨ الشيطان عليه، فاعرف حال الإمامة الكبرى، وقس عليها حال المنفرد، وغلبة الشيطان عليه، كما في الحديث: ((يَدُ اللهِ عَلَى الجَمَاعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ فِي النَّارِ))(١)، والكلام فيه تشبيه؛ لأن المشبّهَ والمشبه به مذكوران، شبّهَ مَن فارق الجماعة التي يد الله عليهم؛ أي: حفظُه وكَلاءتُه، ثم هلاكه في أودية الضلال المؤدية إلى النار بسبب تسويل الشيطان بالشاة المنفردة عن القطيع البعيدة عن نظر الراعي ثم تسليط الذئب عليها وجعلها فريسة له (٢). (١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٣٩١)، من حديث ابن عمر ئها وهو حديث صحيح عدا قوله: ((من شذ ... )). انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (١٨٤٨). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١١٣٣). ٨٩ ١٩٢ - باب الحثّ على حضورِ الجماعةِ في الصبحِ والعشاءِ ١٠٧١ - عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفَّنَ ◌َ﴿ه، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَّه يَقُولُ: ((مَنْ صَلَّى العِشَاءَ في جَمَاعَةٍ، فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ في جَمَاعَةِ، فَكَأنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ))، رواه مسلمٌ. وفي روايةٍ الترمذيٍّ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَقَّانَ عِ﴾، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ شَهِدَ العِشَاءَ في جَمَاعَةٍ، كَانَ لَهُ قِيَامُ نِصْفٍ لَيْلَةٍ، وَمَنْ صلَّى العِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ، كَانَ لَهُ كَقِيَامِ لَيْلَة)»، قال التّرمذيّ : حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. * قوله: ((من صلى العشاء في جماعة؛ فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة؛ فكأنما صلى الليل كله)) : (ق): معناه قام نصف ليلة، أو ليلة لم يصل فيها العتمة والصبح في جماعة؛ إذ لو صلى ذلك في جماعة؛ لحصل له فضلها وفضل القيام(١). (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢٨١ - ٢٨٢). ٩٠ * قوله ويتلقى: ((من شهد العشاء والفجر في جماعة كان له كقيام ليلة» : وفي رواية مسلم: ((مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ اللَّيْلَ كُلَّهُ)» وجه الجمع بينهما ما تقدم قريباً في قوله ويعطيفى: ((صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذّ بسبع وعشرين)) وفي رواية ((بخمس)) وعشرين. * قوله ريج: «كأنما قام الليل كله)) : (ط): لعله وٍَّ لم يُرِد أن صلاة الصبح قامت مقام صلاة الليل كلِّه، بل أراد بقيتها التي استبقَتْها صلاةُ العشاء، ونحْوُه قولُه تعالى: ﴿قُلْ آَبِنَّكُمْ ◌َتَكْفُرُونَ بِلَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِ يَوْمَيْنِ وَّحْعَلُونَ لَهُ: أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَلَمِينَ ﴾ وَحَعَلَ فِيهَا رَوَسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَرَكَ فِيَهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا فِيَ أَزْبَعَةِ أَيَّامٍ ﴾ [ فصلت: ٩ - ١٠] قال الزجاج: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾: في تتمة أربعة أيام، يريد بالتتمة اليومين، ويجوز بأن يجعل كلاً من العشاء والصبح مستقلاً بما رتب عليه(١). * ١٠٧٣ - عن أبي هريرةَ ﴿ه، قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّ : (لَيْسَ صَلاةٌ أَنْقَلَ عَلَى المُنافِقِينَ مِنْ صَلاةِ الفَجْرِ وَالعِشَاءِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِما، لأَتَوْهُما وَلَوْ حَبْواً)، متفقٌ عليه. * قوله مَّيهو: ((ليس صلاة أثقل على المنافقين)): (ط): قال المالكي: قد ثبت أنَّ (ليس) من أخوات (كان)، فيلزم أن (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٨٩٨). ٩١ تَجْريَ مَجراها في ألاَّ يكون اسمها نكرة إلا بمصحح، كما يلزم ذلك في الابتداء، ومصححه وقوعه بعد نفي، فإذا جاز وقوع [اسم] كان نكرة محضة في قول الشاعر: إِذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ بَاقِياً فَإِنَّ التََّسِّيْ دَوَاءُ الأَسَى فَلأَن يجوزَ وقوعُه اسمَ (ليس) أولى؛ لملازمتها النفيَ، وفي الحديث شاهد على استعمال (ليس) للنفي العام المستغرق به الجنس، وهو مما يُغْفَل عنه، ويؤيده الاستثناء منه في قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامُ إِلَّا مِن ضَرِيحِ﴾ [الغاشية: ٦]، ولك أن تجعل (ليس) حرفاً لا اسمَ لها ولا خبرَ، وفي قول ابن عمر : ((أليس ينادي)) شاهد على استعماله حرفاً، أشار إلى ذلك سيبويه، وحمل عليه قول بعض العرب: ليس الطيبُ إلا المسكُ بالرفع، وأجازَ في قولهم: ((ليس خلق الله مثله)) حرفيَّةَ (ليس) وفِعليَّتَها على أن يكون اسمُها ضميرَ الشأن، والجملةُ بعدها خبرٌ، وإن جُوِّز الوجهان في الیس ینادي لها)، فغیر ممتنع انتھی کلامه. وإنما خصّ الصبح والعشاء بالذكر؛ لأنه تركٌ لطعم النوم ولذته، والآخرُ شروع في النوم، ولا يحب ذلك إلا الكسلان والمنافق، والذين ﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: ١٤٢]، وهذه حالة المنافقين(١). (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨٩٧ - ٨٩٨). ٩٢ ١٩٣- باب الأَمرِ بالمحافظةِ على الصلواتِ المكتوبات، والنهي الأكيدِ والوعيدِ الشديدِ في تركِهِنَّ : قال الله تعالى: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَوةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وقال تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. (الباب السادس عشر بعد المئة) (في الأمر بالمحافظة على الصلوات) * قوله تعالى: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الََّلَوَاتِ وَالصَّلَوةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] : يأمر تعالى بالمحافظة على الصلوات في أوقاتها، وحفظ حدودها وآدابها، في الحديث: ((إنَّ أَحَبَّ العَمَلِ إِلى اللهِ تَعْجِيلُ الصَّلاَةِ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا»، وخرّجه الإمام أحمد (١) . (١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٦ / ٣٧٥)، من حديث أم فروة رضي الله عنها، وهو حديث صحيح لغيره كما ذكره محققو ((المسند)) (طبعة الرسالة). ٩٣ وخصّ تعالى بمزيد التأكيد الصلاةَ الوسطى، واختلف السلف والخلف فيها . فقيل: إنها الصبح، حكاه مالك عن علي وابن عباس رات، ونص عليه الشافعي؛ لقوله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾ [البقرة: ٢٣٨] والقنوت عنده في صلاة الصبح. وقيل: إنها الظهر رواه ابن عمر وأبو سعيد وعائشة على اختلاف عنهم، وهو قول عروة بن الزبير، وعبدالله بن شداد بن الهاد، ورواية عن أبي حنيفة. وقيل: إنها العصر، قال الترمذي والبغوي: هو قول أكثر علماء الصحابة وغيرهم(١)، قال الماوردي: وهو قول جمهور التابعين(٢)، وهو مذهب أحمد بن حنبل والشافعي، ثم حكاه الماوردي، وقال ابن المنذر: وهو الصحيح عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، واختاره ابن حبيب المالكي، روى ابن مسعود قال: قال رسول الله وَّه: ((صَلاَةُ الوُسْطَى صَلاَةُ العَصْرِ)) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح(٣). وخرّج مسلم في ((الصحيح)) أن رسول الله وََّ قال: ((شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاَةِ الوُسْطَى صَلاَةِ العَصْرِ))(٤) وهذا نص لا يحتمل شيئاً، وقيل: إنها (١) انظر: ((سنن الترمذي)) (١/ ٣٤١)، و((شرح السنة)) للبغوي (٢ / ٢٣٦). (٢) انظر: ((الحاوي)) للماوردي (٢ / ٧). (٣) رواه الترمذي (١٨١) وهو حديث صحيح. انظر: ((تخريج أحاديث المشكاة)) (٦٣٤) . (٤) رواه مسلم (٦٢٧) من حديث علي ◌َظُته. ٩٤ المغرب، وقيل: إنها العشاء، واختاره الواحدي، وقيل: هي الواحدة من الخمس لا بعينها، واختاره إمام الحرمين في ((نهايته)). وقيل: الوسطى مجموع الصلوات الخمس، اختاره أبو عمر بن عبد البر إمام ما وراء البحر وإنها لإحدى الكبر؛ إذ لم يقم عليه دليل من كتاب ولا أثر. وقيل: إنها صلاة العشاء وصلاة الفجر. وقيل: بل هي صلاة الجماعة. وقيل: صلاة الجمعة. وقيل: صلاة الخوف. وقيل: صلاة عيد الفطر . وقيل: صلاة عيد الأضحى. وتوقف فيها آخرون لمَّا تعارضت عندهم الأدلة، ولم يقع الإجماع على قول واحد، بل لم يزل النزاع فيها موجوداً من زمان الصحابة إلى الآن(١). قوله: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]؛ أي: ذَلِيلِينَ مِسْكِينِينَ بين یدیه . (م): فإن قيل: المحافظة لا تكون إلا بين اثنين، كالمقابلة والمخاصمة، فکیف المعنی هاهنا؟ فالجواب من وجھین : الأول: أن هذه المحافظة تكون بين العبد وبين الرب، كأنه قيل: (١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٢ / ٤٠٣). ٩٥ احفظ الصلاة؛ ليحفظَك الإله الذي أمرك بالصلاة، وفي الحديث: ((احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ))(١). الثاني: أن تكون المحافظة بين المصلي والصلاة، كأنه قيل: احفظ الصلاة تحفظك الصلاة. [واعلم أن حفظ الصلاة] للمصلي على ثلاثة أوجه: أحدها: أن تحفظه عن المعاصي، قال تعالى: ﴿إِنَ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. والثاني: أن تحفظه من المنايا والمحن، قال تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ﴾ [البقرة: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿إِنِّ مَعَِكُمْ لَيِنْ أَقَمْتُمُ اَلْضَّلَوةَ﴾ [المائدة: ١٢ ]. الثالث: الصلاة تحفظ صاحبها من عذاب القبر(٢). * قوله تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَوَءَاتَوْ الزَّكَوَ فَخَلُّواْسَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، سبق في (الباب التاسع والأربعين). ١٠٧٤ - وعَنِ ابْنِ مسعودٍ ﴿ه، قالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ الله ◌ِ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قال: ((الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِها»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ (١) رواه الترمذي (٢٥١٦) من حديث ابن عباس ◌ًَّا وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٧٩٥٧). (٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (٦ / ١٢٥). ٩٦ قال: (بِرُّ الوَالِدَيْنِ))، قلتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قال: ((الجِهادُ في سَبِيلِ اللهِ»، متفقٌ عليه. حديث ابن مسعود سبق في (الباب الأربعين). ١٠٧٥ - وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴿﴾، قالَ: قالَ رَسُولُ الله ◌َليهِ: ((يُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةٍ أَنْ لا إِلهَ إِلَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وإِقَامِ الصَّلاةِ؛ وَإِيتاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ البَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضانَ»، متفقٌ عليه. حديث ابن عمر سبق في الباب (التاسع والأربعين). ٠ ٠ ٠ ١٠٧٦ - وعنهُ، قال: قالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقاتِلَ الناسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، ويُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذا فَعَلُوا ذَلِكَ، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ إِلاَّ بِحَقِّ الإِسْلامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ»، متفقٌ عليه . وحديثه أيضاً: ((أُمِرْتُ أن أقاتلَ الناسَ))، سبق في (الباب التاسع والعشرين). ٩٧ ١٠٧٧ - وعَنْ مُعاذٍ ◌َ﴿ه، قالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ إِلَى اليَمَنِ، فَقَالَ: ((إِنَّكَ تَأْتِي قَوْماً مِنْ أَهْلِ الكِتابِ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةٍ أَنْ لا إِلَه إِلَّ اللهُ، وَأَنِي رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ تَعَالى افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَواتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ تَعَالى افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيائِهِمْ، فَتُرَدُ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ))، متفقٌ عليه. حديث معاذ سبق في (الباب السادس والعشرين). ١٠٧٨ - وعَنْ جابرِ ظُه، قالَ: سمعتُ رَسُولَ اللهِوَّهِ يقولُ: (إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ والكُفْرِ تَرْكَ الصَّلاةِ)، رواه مسلمٌ. * قوله ميّل: ((إن بين الرجل وبين الشرك والكفر)): (ن): هكذا في جميع الأصول من ((صحيح مسلم)): (الشرك والكفر) بالواو، وفي مخرَّج أبي عَوانة وأبي نُعيم: (أو الكفر) بـ (أو) ولكلِّ واحد منهما وجه. ومعنى («بينه وبين الشرك ترك الصلاة»: أن الذي يمنعه من كفره كونه لم يترك الصلاة، فإذا تركها؛ لم يبق بينه وبين الشرك حائل، بل دخل فيه، ثم إن الشرك والكفر يطلقان بمعنىّ واحد هو الكفر بالله، وقد يُفرَّق بينهما، ٩٨ فيُخَصُّ المشركُ بعَبَدَةِ الأوثان وغيرِها من مخلوقات الله مع اعترافهم بالله تعالى ككفار قريش، فيكون الكفر أعمَّ من الشرك(١). (ط): (ترك الصلاة) مبتدأ، والظرف خبره، ومتعلَّقُه محذوف قُدِّم؛ ليفيد الاختصاص ويؤيده قوله: كان أصحاب النبي ◌َّ لا يرون شيئاً تركه كُفْرٌ غيرَ الصلاة (٢)، وأُوِّلَ هذا على وجوه: أحدها: أن ترك الصلاة معبِّر عن فعلٍ ضدِّ؛ لأن فعل الصلاة هو الحاجز بين الإيمان والكفر، وإذا ارتفع، ارتفع المانع، وعليه كلام التوربشتي حيث قال: إن العبد إذا ترك الصلاة لم يبق بينه وبين الكفر فاصلةٌ فِعلية تُؤْنَس منه؛ لأن إقامة الصلاة هي الخصلة الفارقة بين الفئتين، والحكم الحاجز بين الأمرين، ولمّا لم يكن بين المنزلتين منزلة أخرى، والتهاون بحفظ حد الشرع كاد يفضي بصاحبه إلى حد الكفر؛ عبّر عنه بارتفاع البينونة. وثانيها: قول القاضي: يحتمل أن يُؤوَّل ترك الصلاة بالحد الواقع بینهما، فمن ترکها؛ دخل الحدَّ، وحام حول الكفر، ودنا منه. ثالثها: قوله أيضاً: متعلق الظرف محذوف، تقديره ترك الصلاة وصلةٌ بین العبد وبین الکفر، والمعنى: یوصله إليه. أقول: أمتن الوجوه وأقواها الثاني، ثم الوجوه الثلاثة من باب التغليظ ؛ أي: المؤمن [لا] يتركها نحو قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حُِ اُلْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ﴾ [آل عمران: ٩٧]، ويمكن أن يقال: إن (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٧١). (٢) رواه الترمذي (٢٦٢٢)، من حديث عبدالله بن شقيق العقيلي، وهو حديث صحيح . انظر: «تخريج أحاديث المشكاة)) (٥٧٩). ٩٩ الكلام منصوب على غير مقتضى الظاهر؛ لأن الظاهر أن يقال: بين الإيمان والكفر ترك الصلاة، أو بين المؤمن والكافر تركها، فوضع موضع (المؤمِن) (العبدَ)، وموضع (الكافِرِ) (الكفرَ)، فجعله نَفْسَ الكفرِ؛ مبالغة وإشعاراً بأن حقيقة العبودية أن يخضع لمعبوده، ويشكر نعمه الظاهرة والباطنة، وحقيقةً من اتصف بالكفر أن يستنكف عن عبوديته، ويستر حق نعمته وعظمته (١)، وأظهرُ الشكرِ وأكملُه وعَمُودُه وقوامُه أداءُ الصلاة وإقامتها، كأنه قيل: الفرق بين المؤمن والكافر إذاً شكرُ المنعم الحقيقي، فمن أقامها فهو مؤمن، و[مَن] تركها فهو كافر، فعلى هذا الكفرُ بمعنى: كفران النعمة (٢). (ن): تارك الصلاة إن كان منكراً لوجوبها، فهو كافر بإجماع المسلمين إلا أن يكون قريب العهد بالإسلام، أو لم يخالط المسلمين مدة يبلغه بها وجوب الصلاة، وإن ترکها تكاسلاً مع اعتقاد وجوبها، کما هو حال كثير من الناس، فذهب مالك والشافعي والجماهير من السلف والخلف إلى أنه لا يكفر، بل يفسق ويستتاب؛ فإن تاب، وإلا قتلناه كالزاني المحصَن، ولكنه يقتل بالسیف. وذهب جماعة من السلف إلى أنه يكفر، وهو مرويٌّ عن علي بن أبي طالب، وهو إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل، وبه قال عبدالله بن المبارك، وإسحاق بن راهويه، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي، وذهب أبو حنيفة، وجماعة من أهل الكوفة، والمزني صاحب الشافعي على أنه لا یکفر، ولا یقتل، بل يُعزَّر ویحبس حتى يصلي. (١) في الأصل: ((ويعظمه))، والمثبت من ((شرح المشكاة)) للطيبي. (٢) انظر: ((مشكاة المصابيح)) للطيبي (٣/ ٨٦٧ - ٨٦٨) وما بين معكوفتين منه. ١٠٠