Indexed OCR Text
Pages 641-660
قلنا: ليس ذلك من باب عطف الشيء على نفسه، وإنما هو من باب ذكر الشيء بوصفين، أحدُهما معطوفٌ على الآخر، والتقدير آتيناك ما يقال له: السبع المثاني، والقرآن العظيم؛ أي: الجامع لهذين النَّعتين، والسبع بیان لعدد آیاتها . وقد اختلف في تفسير المثاني، فقيل: إنها من التثنية، وقيل: إنها من المثنى جمع مَثْنَاة، أو مَثْنِيةٍ صفة للآية، فعلى الأول: معناه: أنها تُثْنَى على مرور الأوقات؛ أي: تكرر، فلا تنقطع، وتدرس فلا تندرس، وقيل: لما يُثنى ويتجدد من فوائده حالاً فحالاً، وقيل: الاقتران آية الرحمة بآية العذاب، وإن ذهب ذاهب في تأويلها إلى قول النبي ◌َِّ: ((ما مِنْ آيَةٍ إلاَّ ولها ظَهْرٌ وبَطْنٌ))؛ لم نر إلا تصويبه. وعلى الثاني: فلاشتمالها على ما هو ثناءٌ على الله تعالى، فكأنها تُثني على الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العُلى، أو لأنها تدعو بوَصْفها المُعْجِز من غرابة النظم، وغزارة المعنى إلى الثناء عليها، ثم على مَن يتعلَّمُها ويعمل بها، ويتلوها، ويُعلِّمها. والمثاني فيما ورد به الحديثُ أنها فاتحةٌ مُحتملةٌ لوجهین سوى ما ذكرنا. أحدهما: أنها تكرر في الصلاة، والآخر: لاشتمالها على قسمي الثناء والدعاء، ويؤيده الحديثُ: ((قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ ... إلى آخرە)»(١). (قض): الفاتحة مُثْنَاة في الإنزال أيضاً؛ فإنها نزلت بمكة حين فرضت (١) رواه مسلم (٣٩٥/ ٣٨)، من حديث أبي هريرة ٦٤١ الصلاة، وبالمدينة لمَّا حُوِّلت القبلة، وهي سبع آيات بالاتفاق، غير أن منهم من عَدَّ التسمية دون ﴿أَنْعَنْتَ عَلَيْهِمْ﴾، ومنهم مَن عكس(١). (ط): لا يبعد أن يكون التعريف في (السبع) للعهد، والمُشار إليه ما في القرآن، وتنكير ﴿سَبْعًا﴾ في التنزيل؛ للتعظيم والتفخيم، ويشهد له ما يتبعه من قوله: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَ عَيْنَيَّكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ: أَزْوَجًا مِنْهُمْ﴾ [طه: ١٣١]؛ أي: ولقد آتيناك هذا العظيمَ الشأن الذي لا يوازيه شيء فلا تطمح عينُك إلى هذا الدنيء الحقير. وأما عطف القرآن على السبع المثاني المراد منه الفاتحة: فمِن باب عطف العامِّ على الخاصِّ؛ تنزيلاً للتغاير في الوصف منزلةَ التغاير في الذات، وإليه أومأ صلاة الله وسلامه عليه بقوله: ((ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن؟» حيث نكَّر السورة، وأفردها؛ ليدل على أنك إذا تقصَّيْت سورة سورة في القرآن؛ وجدتها أعظمَ منها(٢). ١٠١٠ - وعن أَبِي سَعيدٍ الْخُدْرِيِّ ◌َ﴿ه: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قالَ في: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ﴾: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! إنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ». (١) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (١ / ١٧)، و(تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) له أيضاً (١ / ٥٢١). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ /١٦٣٩). ٦٤٢ قوله : ((إنها لتعدل ثلث القرآن)): (قض): أي: تساويه؛ لأن معانيَ القرآن آيِلةٌ إلى ثلاثة علوم: علم التوحيد، وعلم الشرائع، وعلم تهذيب الأخلاق، وتزكية النفس، و(سورة الإخلاص) مشتملة على القسم الأشرف منها، الذي هو كالأصل والأساس للقسمين الآخرين، وهو علم التوحيد على أَبْيَن وجه وآكدِه(١). (ق): أي: تساوي جزءاً منه؛ كما في رواية أُخرى لمسلم: ((إنَّ اللهَ جَزَّءَ القُرآنَ ثَلاثةَ أَجْزَاءُ، فجعلَ (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَد) جُزْءاً مِنْ أَجْزَاءِ القُرآنِ))(٢)، وإيضاحه ما قاله المحققون: أن القرآن بالنسبة إلى معانيه الكُلِّية على ثلاثة أنحاء: قَصص، وأحكام، وأوصاف لله، و(قل هو الله أحد) مشتملة على ذكر أوصاف الحَقِّ سبحانه، فكانت ثُلثاً من هذه الجهة . قلت: وهذا إنما يتِمُّ إذا حُقُّق أنها اشتملت على ذكر جميع أوصافه، وليس ذلك فيها ظاهراً، لكنها اشتملت على اسمين من أسمائه تعالی يتضمنان جميعَ أوصاف كماله، لم يوجدا في غيرها من جميع السورة، وهما الأحد، والصمد، وبيانه: أن الأحد والواحد وإن رجعا إلى أصل واحد لغةً؛ فقد افترقا استعمالاً وعُرفاً؛ وذلك أن الهمزة من (أحد) منقلبة عن الواو من (وحد) كما قال النابغة : كَأنَّ رَحْلِي وَقَدْ زَالَ النَّهَارُ بنا يومَ الجَلِيلِ عَلى مُسْتَأْنِسٍ وَحَدٍ فهما من الوحدة، وهي راجعة إلى نفي التعدد والكثرة، غير أن استعمال (١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح المصابيح)) للبيضاوي (١ / ٥٢٩). (٢) رواه مسلم (٨١١/ ٢٦٠)، من حديث أبي الدرداء ظه. ٦٤٣ العرب فيهما مختلف؛ فإن الواحد أصلُ التعدُّد من غير تعرُّضٍ لنفي ما عداه، والأحد يُثْبِتُ مدلولَه، ويتعرَّضُ لنفي ما سواه؛ ولهذا أكثرُ ما استعملته العرب في النفي، فقالوا: ما فيها أحدٌ، ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوا أَحَدٌ﴾، ولم يقولوا هنا: واحد، فإن أرادوا الإثباتَ؛ قالوا: رأيت واحداً من الناس، ولم يقولوا هاهنا: أحداً، وعلى هذا: فالأحد في أسمائه مُشْعِرٌ بوجوده الخاصِّ به، الذي لا يشاركه فيه غيرُه، وهو المُعبَّر عنه بوجوب الوجود، وربما عبَّر عنه بعضُ المتکلمین بأنه أخصُّ وصف. وأما الصمد: فهو المُتضمِّن لجميع أوصاف الكمال؛ فإن الصمدَ هو الذي انتهى سُؤْدُده؛ بحيث يُصْمَدُ إليه في الحوائج كلِّها؛ أي: يقصد، ولا يصح ذلك مُحَقَّقاً إلا ممن حاز جمیعَ خصال الکمال حقیقة، وذلك لا یکمُل إلا لله تعالی. فقد ظهر أن لهذين الاسمين من شُمول الدلالة على الله وصفاته ما ليس لغيرهما من الأسماء، وأنهما ليسا موجودين في شيء من القرآن، فقد ظهرت خُصوصية هذه السورة بأنها ثُلُثُ القرآن، كما قررناه، وقد كثرت أقوال الناس في هذا المعنى، وهذا أظهرها(١). (تو): قد علمنا أن المراد من التجزئة والتقسيم: هو الإشارة إلى أنواع ثلاثة من العلم يشتمل عليها الكتاب، لا المعادلةُ من طريق النظم والتأليف، ولا يلزم منه أيضاً المُساواة في مقادير المعاني والأحكام من طريق الكَمِّيّة؛ فإنك إذا قلت: جزّاً فلان ليلَهُ ثلاثة أجزاء: جزء للذِّكر، وجُزء (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٤٤١ - ٤٤٢). ٦٤٤ للتلاوة، وجزء للصلاة؛ لم يلزم منه مُساواة تلك الأجزاء، ولا مساواة الأعمال الواقعة. (ن): قال المَازَرِيُّ: وقيل: إن ثواب قراءتها يُضاعف بقَدْر ثواب قراءة ثُلُث القرآن بغير تضعيف(١). (ط): فعلى هذا: لا يلزم من تكريرها على الأول استيعابُ القرآن وختمُه، ويلزم على الثاني(٢). ١٠١١ - وعَنْهُ: أَنَّ رَجُلاً سَمِعَ رَجُلاً يَقْرَأُ: ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ﴾ يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ، جَاءَ إلى رَسُولِ اللهِوَهِ، فَذَكَرَ ذلكَ لَهُ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَتَقَالُّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ)) رواه البخاريُّ. قوله: ((يتقالها»: (نه): أي: يستقِلُّها، وهو تفاعل من القِلَّةَ(٣). ١٠١٣ - وعَنْ أَنَسِ ﴿ه: أَنَّ رَجُلاً قالَ: يَا رَسُولَ الله! إِنِّي (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٩٥). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٦٤٨). (٣) انظر ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ١٠٤). ٦٤٥ أُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ: ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُ﴾، قال: ((إِنَّ حُبَّهَا أَدْخَلَكَ الجنَّةَ)) رواه الترمذيُّ وقال: حديثٌ حسنٌ. ورواه البخاريُّ في ((صحيحهِ)) تعليقاً. * قوله تعالى: ((إن حبك إياها أدخلك الجنة)): (ط): فإن قلت: ما التوفيق بين هذا الجواب، وبين الجواب في حديث آخر: ((أَخْبِرُوهُ أنَّ اللهَ يُحِبُّهُ)) (١)؟ قلت: هذا الجواب ثمرةُ ذلك؛ لأن الله إذا أحبه؛ أدخله الجنة، وهذا من وجيز الكلام، ومَلِيحهِ؛ فإنه اقتصر في الأول على السبب عن المُسبَّب، وفي الثاني عکس(٢)، انتھی. تقدَّم الكلامُ في بيان محبّة الله تعالى لعباده في (الباب السابع والأربعين). ١٠١٤ - وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ : أَنَّ رَسُولَ اللهِوَهِ قالَ: (أَمْ تَرَ آيَاتٍ أُنْزِلَتْ هَذِهِ اللَّيْلَةَ لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُ؟ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبٍ الْفَلَقِ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾)) رواه مسلم. * قوله قي: ((ألم تر آيات أنزلت علي هذه الليلة)): (ط): ((ألم تر)): هي كلمة تعجُّب وتعجيب؛ ولذلك بيَّن معنى التعجب (١) رواه البخاري (٦٩٤٠)، ومسلم (٨١٣ / ٢٦٣)، من حديث عائشة رضي الله عنها. (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٦٥٠). ٦٤٦ بقوله: ((لم ير مثلهن(١)». (ن): ((لم ير مثلهن)) ضبطناه بالنون المفتوحة وبالياء المضمومة، وكلاهما صحیح، وفيه: بيان عظم فضل هاتين السورتين، وفيه: دلیل واضح على كونهما من القرآن، وردٌّ على من نسب إلى ابن مسعود خلافَ هذا، وفيه: أن لفظة ﴿قُلْ﴾ من القرآن ثابتة في أوائل السور بعد البسملة، وقد اجتمعت الأُمّة على هذا كُلِّه(٢). (مظ): يعني: لم تكن آياتُ سُورةٍ كُلُّهن تعويذٌ للقارئ من شرِّ الأشرار غيرَ هاتين السورتين(٣). ١٠١٥ - وعن أبي سَعيدِ الْخُدْرِيِّ ◌َ﴾، قالَ: كانَ رسولُ اللهِ وَاهـ يَتَعَوَّذُ مِنَ الجَانٌّ، وَعَيْنِ الإنْسَانِ، حَتَّى نَزَلَتِ المُعَوِّذَتَانِ، فَلَمَّا نَزَلَتَا، أَخَذَ بِهِما، وَتَرَكَ مَا سِوَاهُمَا . رواه الترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ. * قوله: ((حتى نزلت المعوذتان)): (ن): هو بكسر الواو (٤). (١) المرجع السابق، الموضع نفسه. (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٩٦). (٣) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ٦٩). (٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٩٧). ٦٤٧ (ط): إنما أخذ بهما وترك ما سواهما، ولمَّا سُحر؛ استشفى بهما؛ لأنهما من الجوامع في هذا الباب، فتأمَّل في أولاهما كيف خصَّ وَصْفَ المُسْتَعاذ به بـ (ربِّ الفَلَق) أي: بفالق الإصباح؛ لأن هذا الوقت وقت فَيَضان الأنوار، ونزول الخيرات والبركات، وخصَّ المُستعاذَ منه بـ (ما خلق)، فابتدأ بالعامٌّ من قوله: ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ﴾ [الغلق: ٢]؛ أي: من شر خلقه، وشر ما يفعله المُكلَّفون من المعاصي، ومُضارَّة بعضهم بعضاً من ظُلْم، وبَغْي، وقتل، وضرب، وشتم، وغيره، وما يفعله غيرُ المُكلَّفين من الحيوان؛ كالسِّباع، والحشرات؛ من الأكل، والنَّهْش، واللَّدْغ، والعَضِّ، وما وضعه الله في غير الحيوان من أنواع الضَّرر؛ كالإحراق في النار، والقتل في السُّمِّ، ثم ثنَّى بالعطف عليه ما هو شرُّه أخفى من الزمان، ما هو نقيض انفلاق الصبح؛ من دخول الظلام، واعتكاره المعنيّ بقوله: ﴿ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ﴾ [الغلق: ٣]؛ لأن انبثاث الشرِّ منه أكثرُ، والتحرُّز منه أصعبُ، ومنه قولهم: الليلُ أخفى للوَيْلِ، وخصَّ ما سكن في الزمان بما غائلتُه خَفِيَّة من النفاثات والحاسد(١). (الكشاف): وقد خصَّ شرَّ هؤلاء من كل شرٍّ؛ لخفاء أمره، وأنه يلحق الإنسانَ من حيث لا يعلم، كأنما يُغتال به، وقيد الحاسد بـ ﴿إِذَا حَسَدَ﴾؛ لأن الحاسد إذا أظهر حَسَدَه، وعمل بمقتضاه مِن بَغْي الغوائل للمحسود؛ کان شرُه أتمّ، وضررُه أكملَ(٢). (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٦٥٠). (٢) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٤ / ٨٢٧)، و((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٦٥٠). ٦٤٨ ثم تفكّر في ثانيتهما، كيف وصف المُستعاذَ به بالرب، ثم بالمَلِك، ثمَّ بالإله، وإضافتها إلى (الناس)، وكرره، وخصَّ المُستعاذَ منه بالوسواس المعني به المُؤَسْوِس من الجنة والناس(١). (الكشاف): إن الاستعاذة وقعت من شرِّ المُوَسْوِس في صدور الناس، فكأنه قيل: أعوذ من شرِّ المُؤَسْوِس إلى الناس بربِّهم الذي يملك الناسَ، ثم زيد بياناً بـ ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾؛ لأنه قد يقال لغيره: ربُّ الناس، وقد يقال: مَلِكُ الناس، وأما ﴿ إِلَهِ النَّاسِ﴾: فخاصٌّ لا شركةَ فيه، فجعل غايةً للبيان(٢). وأقول: هذه المُبالغة من جانب المُستعاذ به، والترقِّي في الصفات تقتضي المُبالغة في المُستعاذ منه، ولعَمْري؛ إن هذه الوسوسة إما أن تكون في صدر المُستعيد، وهي رأس كل شرٍّ ومنشأ كلِّ ضلالة، وكُفْر، وبدعة، أو في صدر من يناويه ويضارُّه، وهي مَعْدِن كل مَضرَّة، ومنبع كلِّ نكال وعقوبة، فيدخل فيه نَفْئَةُ كل نافث، وحسدُ كلِّ حاسد(٣)، انتهى. في ((سنن أبي داود)): عن عُقبة بن عامر ◌َ﴿ه قال: بينما أنا أسير مع رسول الله وَ﴿ بين الجُحْفَة والأَبْواء؛ إذ غَشِيَا رِيحٌ وظُلْمَةٌ، فجعل رسول الله وَ ه يتعوَّذ بـ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ويقول: (يا عُقْبَةُ؛ تَعَوَّذْ بِهِمَا، فمَا تعوَّذَ مُتَعَوَّذٌ بِمِثْلِهِمَا))(٤). (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٦٥١). (٢) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٨٢٨/٤)، و((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٦٥١). (٣) انظر: ((شرح المشاة)) للطيبي (٥ / ١٦٥١). (٤) رواه أبو داود (١٤٦٣)، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (١٤٥٨). ٦٤٩ (مظ): سبب نزول هاتين السورتين: أن غلاماً من اليهود كان يخدُم رسولَ الله ◌َّه، فقال له اليهود: أعطنا مُشَاطةَ محمد نَّهِ؛ أي: الشعور التي نزلت من رأسه ولحيته بالمُشْط، وأعطنا بعضَ أسنان مُشْطه؛ نسحر محمداً وَله بهما، فأعطاهم الغلام ما طلبوا منه، فسحر لَبِيدُ بن الأعصم اليهوديُّ رسولَ الله ﴿ بتلك المُشاطة وأسنان المُشْط، وتغيَّر رسول الله وَّ من ذلك، وظهر به مرض؛ بحيث كان يذوب بدنُهُ، ويَنْتَثِرِ شعرُ رأسه، ولا يدري سببَ مرضه، وانتهت حالُه إلى أنه كان يظن شيئاً أنه فعله، ولم يَفعلُهُ. فبقي على هذه الحالة ثلاثةَ أيام، وكان يوماً نائماً، فأتاه ملكان، فجلس أحدُهما عند رأسه: والآخرُ عند رجله، فقال الذي عند رجله للذي عند رأسه: ما للرجلِ؟ قال: طُبَّ، قال: وما طُبَّ؟ يعني: وأيُّ شيء معنى طُبَّ، فقال: سُحر؛ يعني: معنى (طُبَّ): سحر، ومَن سحره؟ قال: لَبِيدُ بن الأعصم اليهوديُّ، قال: فبم طَبَّه؟ قال: بمُشط ومُشاطة، قال: وأين هو؟ قال: في جُفِّ طَلْعَةٍ تحت راعوفة في بئر ذَرْوان. (في جُفِّ طلعة)؛ أي: في قِشْر طلع نخلة. (تحت راعوفة)؛ أي: تحت راعوفة الحجر الذي يكون في البئر، يقعد عليه الرَّجلُ؛ ليأخذ الماء من البئر، وإنما قال المَلَكان هذا؛ ليعلم رسولُ اللهَوَّ ذلك، فعلم رسول الله ◌َّ﴿ ذلك؛ لأن عينه تنام، وقلبُه يَقْطَانُ. فلما انتبه؛ قال لعائشة: ((أَمَا عَلِمْتِ أنَّ اللهَ تعالى أَخْبَرَنِي بِدَائِي؟)) ثم بعث علياً، والزُّبير، وعمار بن ياسر، فنزحوا ماء ذلك البئر، وماؤها كنُقَاعة الحِنَّاء؛ يعني: كأنه ألقي فيها الحِنَّاء، فأخرجوا ذلك الجُفَّ، فإذا فيه مُشاطةٌ رأسه، وأسنان مُشْطه، وإذا وتر معقودةٌ فيه إحدى عشرة عُقْدة مغروزة بالإبر، ٦٥٠ فجاء جبريل عليه السلام بالمُعوِّذتين، فقال جبريل لرسول الله وَّه: اقرأ على هذه العُقَد هاتين السورتين، [فقرأهما رسول الله وضِّ، فكلما قرأ آيةً؛ انحلت عُقْدَةٌ، ويجد رسول الله وَّهِ خِفَّة، وعدد آيات هاتين السورتين](١): إحدى عشرة، فلمَّا ختم السورتين؛ انحلت جميعُ العُقَد، فوجد رسول الله وَّ﴿ صِحّة تامة، ثم قيل: يا رسول الله؛ أفلا نأخذ لَبِيدَ بن الأعصم؟ فقال: ((أمَّا أنا: فَقَدْ أَشْفَانِ اللهُ، وأَكْرَهُ أن أُثِيرَ على النَّاسِ شَرًا)(٢). ١٠١٦ - وعن أَبي هُريرةَ ﴿ُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّهِ قالَ: ((مِنَ الْقُرْآنِ سُورَةٌ ثَلاثُونَ آيَةً شَفَعَتْ لِرَجُلٍ حَتَّى غُفِرَ لَهُ، وَهِيَ: ﴿َرَكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾». رواه أبو داودَ، والترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ. وفي رواية أبي داود: ((تَشْفَعُ». * قوله ◌َله: ((من القرآن سورة ثلاثون آية)»: (ط): في هذا الإبهام، والتطويل فيه، ثم البيان بقوله: ((وهي تبارك الذي ... )) نوعُ تفخيم وتعظيم لشأنها؛ إذ لو قيل: إن (سورة تبارك) شفعت؛ لم يكن بهذه المنزلة، والتنكير في ((رجل)) للإفراد شخصاً؛ أي: شفعت لرجل من الرجال، ولو ذهبت إلى أن (شفعت) بمعنى تَشْفَعُ؛ كما (١) ما بين معكوفتين من ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ٨٠). (٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ٧٩ - ٨١). ٦٥١ في قوله تعالى: ﴿وَنَادَىّ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤]، و﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا﴾ [الفتح: ١]؛ كان إخباراً عن الغَيْب؛ فإن رجلاً ما يقرؤها تشفع له، فيكون تحريضاً لكل أحد أن يواظب على قراءتها، وإثبات الشفاعة للقرآن إما على الحقيقة في علم الله تعالى، أو على سبيل الاستعارة(١)، انتهى. في ((سنن الترمذي)): عن ابن عباس ﴿﴾ قال: ضرب بعضُ أصحاب النبي ◌َّ﴿ خِباءً على قبر، وهو لا يَحْسَبُ أنه قبر، فإذا فيه إنسان يقرأ سورة ﴿َكَ الَّذِىِ بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] حتى ختمها، فأتى النبيَّ ◌َِّ، فأخبره فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((هي المَانِعَةُ، هي المُنْجِيَّةُ، تُنْجِيه من عَذَابِ اللهِ(٢)». ١٠١٧ - وعن أبي مسعودٍ البَدْرِيِّ ﴿له، عنِ النبيِّ وَ﴿، قالَ: (مَنْ قَرَأَ بِالْآَيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ، كَفَتَاهُ)) متفقٌ عليه. قيلَ: كَفَتَاهُ المَكْرُوهَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَقِيلَ: كَفَتَاهُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ. · قوله الخر: «كفتاه»: (ن): قيل: من قيام الليل، وقيل: من الشيطان، وقيل: من الآفات، ويحتمل الجميع(٣) . (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٦٦٨/٥)، وانظر: ((صحيح البخاري)) (٥٤٣٢). (٢) رواه الترمذي (٢٨٩٠)، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٦١٠١). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) (٦ / ٩١ - ٩٢). ٦٥٢ (ق): وقيل: كفتاه من حزبه إن كان له حزبٌ من القرآن، أو لكثرة ما يحصل له بقراءتهما من الثواب والأجر(١). ١٠١٨ - وعَنْ أَبي هُرِيرَةَ ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَِّ قالَ: (لاَ تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ البَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ البَقَرَةِ» رواه مسلمٌ. · قوله ﴿: ((لا تجعلوا بيوتكم مقابر)»: (ن): أي: لا تتخذوها كالمقابر مهجورةً من الصلاة، والمراد به: النافلة . قال القاضي: وقيل: هذا في الفريضة، ومعناه: اجعلوا بعضَ فرائضكم في بيوتكم؛ ليقتديَ بكم مَن لا يخرج إلى المسجد: من نِسْوة، وعَبيد، ومريض، ونحوهم، وقال الجمهور: هو النافلة. قلت: الصواب: أن المراد النافلةُ، وجميع أحاديث الباب تقتضيه، ولا يجوز حَمْلُه على الفريضة، وإنما حَثَّ على النافلة في البيت؛ ليكون أخفى وأبعدَ من الرِّياءُ وأَصْوَنَ من المُحْبِطات، وليتبرَّك البيتُ بذلك، وتنزل الرحمةُ، ويَنْفِرَ الشيطانُ(٢). (ق): فإن أهلَ البيت إذا لم يُصلُّوا فيه، ولم يذكروا الله فيه؛ نوماً أو (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٤٣٥). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦٧ - ٦٨). ٦٥٣ غَفْلة؛ فهم بمنزلة الموتى، والبيت بمنزلة القبر؛ ولهذا قال ◌َله: ((مَثَلُ البَيْتِ الذي يُذْكَرُ اللهُ فيهِ، والبَيْتِ الذي لا يُذْكَرُ اللهُ فيه؛ مَثَلُ الحَيِّ والمَيِّتِ))، وهذا التشبيه واقعٌ بأهل البيت، والمضاف محذوفٌ، تقديره: مَثَلُ أهل البيت(١). (قض): أي كالمقابر الخالية عن الذِّكر والطاعة، واجعلوا لها نصيباً من القراءة والصلاة. ((إن الشيطان ينفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة))؛ أي: يَبْسُ من إغواء أهله، وتسويلهم؛ لما يرى من جِدِّهم في الدِّين، ورُسوخهم في الإسلام، [قال عليه السلام]: ((مَنْ قَرَأْ سُورَةَ البَقَرَةِ، وآل عِمْرَانَ؛ جَدَّ فينا))(٢)؛ وذلك لما في حفظهما، والمواظبة على تلاوتهما من الكُلْفة والمَشقّة، واشتمالهما على الحِكَم، والشرائع، والقَصص، والمواعظ، والوقائع الغريبة، والمُعجزات العجيبة، وذكر خاصَّة عباده، والمُصْطَفَيْنَ منهم، وتفضيح الشيطان ولعنه، وكشف ما توسَّل به إلى تسويل آدمَ؛ ولذلك سمَّاهما الزَّهْرَاوَيْن(٣). (ط): (إن الشيطان ينفر) استئناف كالتعليل للنهي؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُخَطِبْنِ فِ الَّذِينَ ظَلَمُوْاْ إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ﴾ [هود: ٣٧]، فلا بدَّ من بيان وجه المناسبة بين التعليل والمُعلَّل؛ وذلك أن وجه التشبيه: لا تكونوا كالموتى (١) لم أقف عليه في مطبوع ((المفهم)) للقرطبي، ولعله ساقط منه. (٢) أي: عَظُمَ، كما جاء مصرحاً به في الحديث، وقد رواه الإمام أحمد في («المسند» (٣/ ١٢٠)، من حديث أنس به بلفظ: ((وكان الرجل إذا قرأ البقرة ... )). (٣) انظر: ((تحفة الأبرار شرح المصابيح)) للبيضاوي (١ / ٥٢٢). ٦٥٤ في القُبُور، عارين عن القراءة والذِّكر، غيرَ مُنفِّرين للشيطان، ونحوُه في النهي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، نهاهم عن أن يموتوا على غير الإسلام، والمراد: الأمر على ثباتهم في الإسلام، حيث إذا أدركهم الموت؛ كانوا مسلمين، فكذا هاهنا، المراد: أمرهم على قراءة القرآن، والعمل به، والتحرِّي في استنباط معانيه، والكشف عن حقائقه؛ بحيث يصير ذا جَدِّ وحَظُّ وافر من ذلك؛ مُراغمة للشيطان، فقوله: ((لا تجعلوا بيوتكم مقابر)) كناية تَلْويحيّةٌ عن هذه المعاني(١). ١٠١٩ - وعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﴾، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: (يَا أَبَا المُنْذِرِ! أَتَذْرِي أَُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ الله مَعَكَ أُعْظَمُ؟ قُلْتُ: ﴿اَللَّهُلَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ أَلْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، فَضَرَبَ فِي صَدْرِي، وَقَالٍ: ((لِيَهْنِكَ العِلْمُ أَبَا المُنْذِرِ)) رواه مسلمٌ. * قوله لي: ((أي آية من كتاب الله معك أعظم؟»: (تو): ((أي)) اسمٌ مُعرب، يستفهم به، وهو معرفة للإضافة، ولك أن تلحق به تاء التأنيث في إضافته إلى المؤنث، ولك أن تتركها، قال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَتِ أَرْضٍ تَمُونٌ﴾ [لقمان: ٣٤]. وقوله: ((معك)) وقع موقع البیان لما کان یحفظُه من کتاب الله؛ لأن كلمة (مع) كلمة تدل على المُصاحبة، وأما جوابُه أولاً بقوله: ((الله ورسوله (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٦٤٠). ٦٥٥ أعلم))، وثانياً بما أتى به: فهو أن سؤال رسول الله وَّر عن الصحابيِّ في باب العلم؛ إما أن يكون للحَثِّ على الاستماع لما يريد أن يُلقيَ إليه، أو الكشف عن مقدار فَهْمِه، ومَبْلَغ علمه، فلمَّا عارضه؛ أتى بما هو حقُّ الأدب بين يدي الله ورسوله، ثم رآه لا يكتفي بذلك، ويعيد عليه القولَ؛ علم أنه یرید بذلك استخراجَ ما عنده من مكنون العلم، فأجاب عنه. (ط): ويحتمل أنه ما علم أولاً، فأحال علمَه على الله وإلى رسوله، فشرح الله صدره بقَذْف النور، وأعلمه، فأجاب بما أجاب، ألا تری کیف هِنَّاهُ وَِّ بقوله: ((ليهنك(١)»؟! * قوله: ((قلت: الله لا إله إلا هو)) : (قض): أي: الآية التي هي مُستهلُّها ومبدؤها؛ لأن شرف الآيات بشرف مدلولاتها، ورِفْعة قَدْرها، واشتمالها على الفوائد العظيمة، ثم بحُسْن النظم، ومزيد البيان والفَصاحة، ولا شكَّ أن أعظم المَدلولات ذاتُ الله وصفاتُه، وأشرف العلوم هو العلمُ الباحث عن ذلك، وما يدُلُّ عليها من صنائعه وأفعاله، وهذه الآية مشتملة على جملة ذلك على التحقيق، ومن حيث إن اللفظَ وقع في مجاز البلاغة، وحُسْن النظم موقعاً تَنْمَحِقُ دونه بلاغةُ كل بليغ(٢). (ن): إنما تميزت آية الكرسي بكونها أعظمَ؛ لما جمعت من أصول الأسماء والصفات(٣) . (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٦٤٣). (٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٥٢٦). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٩٤). ٦٥٦ (ق): قال بعض المتأخرين: إن هذه الآية اشتملت من الضمائر العائدة إلى الله تعالى على ستة عشر، وكلها تُفيد تعظيماً لله تعالى، فكانت أعظمَ آية (١). (قض): لأنها مشتملة على أُمَّهات المسائل الإلهية؛ فإنها دالة على أنه تعالى واحد في الهيئة، متصف بالحياة، قائم بنفسه مُقِيمٌ لغيره، مُنزَّه عن التحيّز والحلول، مُبَّأْ عن التغير والفُتور، لا يناسب الأشباح، ولا يعتريه ما يعتري الأرواح، مالك المُلْك والمَلَكُوت، مبدع الأصول والفروع، ذو البَطْش الشديد، الذي لا يشفع عنده إلا مَن أذن له، العالم وحده بالأشياء كُلِّها، جَلِيِّها وخَفِيِّها، كُلِّيِّها وجزئيِّها، واسع الملك والقدرة، ولا يؤوده شاقٌّ، ولا يشغله شأنٌ، متعال عمَّا يدركه الوَهْم، عظيمُ لا يحيط به فَهْم(٢). (ق): في ضرب الصدر تنشيطٌ له، وترغيب في أن يزداد علماً وبصيرةً، وفرحٌ بما ظهر عليه من آثاره المُباركة، وفيه: إلقاءُ العالِم المسائلَ على المُتعلِّم(٣). (ط): فيه: تنبيه على انشراحه، وامتلائه علماً وحكمةً، وتَعْدِيةُ الضرب بـ (في)، وهو مُتعدّ؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرِّيَّقٌ﴾ [الأحقاف: ١٥]، أَوْقِع الصلاحَ فيهم، واجعلهم مكاناً للصلاح(٤). (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٤٣٦). (٢) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (١ / ٥٥٥). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٤٣٦). (٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٦٤٤). ٦٥٧ (نه): هنأني الطعامُ يَهْنَؤُني، وهَنِثْتُ الطعامَ؛ أي: تهنأت به، وهو كل أمر يأتيك من غير تعب(١)، والمعنى: ليكن العلم هنيئاً لك، وهذا دعاء له بتیسیر العلم، ورُسوخه فیه، وإخبارٌ بأنه عالم. (ط): أمرٌ للعلم بأن يكون هنيئاً له، ومعناه: الدُّعاء، وحقيقته إخبارٌ على سبيل الكناية بأنه راسخٌ في العلم، ومُجِيدٌ فيه؛ لأنه طبَّق المَفْصِل، وأصاب المَحَزَّ(٢). (ن): فيه: مَنْقَبةٌ عظيمة لأُبيِّ، ودليلٌ على كثرة علمه، وفيه: تبجيلُ العالم فُضلاءَ أصحابه، وإكرامهم بالتكنية، وجواز مدح الإنسان في وجهه إذا كان فيه مصلحةٌ، ولم يُخَفْ عليه إعجابٌ ونحوه؛ لكمال نفسه، ورُسوخه في التقوى. قال القاضي: وفيه: حُجَّةٌ للقول بجواز تفضيل بعض القرآن على بعض تفضيلَه على سائر كتب الله، قال: وفيه خلافٌ، فمنع منه أبو الحسن الأشعريُّ وأبو بكر البَاقِلانيُّ، وجماعة من العلماء؛ لأن تفضيل بعضه يقتضي نقصَ المفضول، وليس في کلام الله نقصٌ، وتأوَّل هؤلاء ما ورد من إطلاق (أعظم)، و(أفضل) في بعض الآيات والسور بمعنى عظيم وفاضل، وأجاز ذلك إسحاقُ بن راهُويَّة وغيرُه من العلماء، قالوا: وهو راجع إلى عِظَم أجر قارئ ذلك، وجزيل ثوابه، فتكون هذه الآيةُ والسورة أعظمَ وأفضلَ بمعنى أن الثوابَ المُتعلِّقَ بها أكثرُ(٣). (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٥ / ٢٧٦). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٦٤٤). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٩٣ - ٩٤). ٦٥٨ (ق): في قولهم: (يلزم من التفضيل النقصُ) نظرٌ؛ فإنا نقول: إن أُريد بالنقص اللازم من التفضيل إلحاقُ ما يعيب المفضولَ؛ فهذا ليس بلازم مطلقاً، وإن أُريد بالنقص أن المفضول ليس فيه ما في الأفضل من ذلك القَدْر الذي زاد به؛ فهو الحقُّ، ولولا ذلك؛ لما تحققت المفاضلة. ثم لا يجوز إطلاق النقص، ولا الأنقص على شيء من كلام الله، وأما تأويل هذا الحديث: فهو وإن كان مُسوِّغاً فلا يجري في كل موضع يُستدلُّ به على التفضيل؛ فإن منها نُصوصاً لا تقبل التأويل؛ كقوله وكلّ: ((﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ))، وغير ذلك(١). (ط): لا رَيّبَ [أن القرآن] من كونه كلامَ الله سواءٌ في الفضل والشرف، لكن متفاوتٌ بحَسَب المذكور؛ فإن [فضلَ] (سورة الإخلاص) مثلاً على السورة التي يذكر فيها (تَبَّت) ممَّا لا يخفى على كل أحد(٢)، انتهى. هذا الحديث رواه أحمد في ((مسنده))، وزاد بعد قوله: ((لِيَهْنِكَ العِلْمُ يا أبا المُنْذِر)»: ((والذي نَفْسِي بيَدِه؛ إنَّ لها لِسَاناً وشَفَتَيْنِ تُقَدِّسُ المَلِكَ عند سَاقِ العَرْشِ(٣)). ١٠٢٠ - وعَنْ أَبِي هُرِيرةَ ◌َ﴿ه، قالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللهَِّ (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٤٣٥ - ٤٣٦). (٢) انظر: ((شرح المشكاة) للطيبي (٥ / ١٦٤٤). (٣) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥ / ١٤١)، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)» (١٤٧١). ٦٥٩ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ، فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ◌ّهِ، قالَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَيَّ عِيَالٌ، وَبِي حَاجَةٌ شَديدةٌ، فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وسَلَّمَ: (يَا أَبَّ هُرَيرةً! مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ البَارِحَةَ؟))، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! شَكَا حَاجَةً وَعِيَالاً، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. فَقَالَ: ((أَمَا إِنَُّ قَدْ كَذَبَكَ، وَسَيَعُودُ))، فَعَرَفْتُ أنَّهُ سَيَعُودُ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ﴿، فَرَصَدْتُهُ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَقُلْتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِوَّهِ، قَالَ: دَعْني؛ فَإِنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَيَّ عِيَالٌ، لا أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيْلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِّهِ: ((يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! ما فَعَلَ أَسِيرُكَ البَارِحَةَ؟))، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! شَكَا حَاجَةً وَعِيَالاً، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَقَالَ: (إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ، وَسَيَعُودُ))، فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ، فقلتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إلى رَسُولِ اللهِ، وَهذا آخِرُ ثَلاثٍ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّكَ لا تَعُودُ، ثُمَّ تَعُودُ! فقال: دَعْني؛ فَإِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهَا، قلتُ: مَا هُنَّ؟ قالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلى فِرَاشِكَ، فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ، فَإِنَّهُ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ، وَلا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((مَا فَعَلَ أسِيرُكَ البَارِحَةَ؟))، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُني اللهُ بِهَا، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَه. قالَ: ٦٦٠