Indexed OCR Text
Pages 601-620
* قوله: ((تقدمه سورة البقرة)» : (ط): الضمير راجع إلى (القرآن)، قيل: يقدُم ثوابَ القرآن ثوابُهما(١). (مظ): يعني: يجعل الله للقرآن صورة تجيء يوم القيامة بحيث يراه الناس؛ ليشفع لقارئه، كما يجعل الله لأعمال العباد خيرِها وشرِّها صورة توضع في الميزان؛ بحيث يراه الناس، وليقبل المؤمن هذا بالإيمان؛ لأنه ليس للعقل إلى مثل هذا سبيلٌ، وفي تقدُّم هاتين السورتين على غيرهما؛ لأنهما أطول، والأحكام فيهما أكثر، انتهى(٢). بقية هذا الحديث: وضرب لهما رسولُ اللهِ وَّهِ ثلاثة أمثال ما نَسِيتُهُنَّ بعدُ، قال: ((كأنهما غمامتان، أو ظُلَّتان سوداوان بينهما شَرْقٌ، أو كأنهما حِزْقَان من طير صَافِّ تُحاجَّان عن صاحبهما)(٣). (ق): ((أو) هاهنا ليست للشك، فیحتمل أن تكون بمعنى الواو؛ كما أنشد الكوفيون : كمَا أَتَى رِبَّهُ مُوسَى على قَدَرِ نالَ الخِلافةَ أَوْ كَانَتْ لَهُ قَدَراً وأنشدوا: لِنَفْسِي تُقَاها أَوْ عَلَيْها فُجُورُها وَقَدْ عَلِمَتْ لَيْلِى بِأَنِّيَّ فَاجِرٌ وقالوه في قوله تعالى: ﴿ أَوْكَصَيِّبٍ ﴾ [البقرة: ١٩]، وقال البصريون: إنها (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٦٤٢). (٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ٧٣). (٣) رواه مسلم (٨٠٥/ ٢٥٣). ٦٠١ للإباحة، فكأنه قال: شبِّهوهم بكذا، أو بكذا، وهذا الخلاف جار في هذا الحديث؛ لأنها أمثالٌ معطوفة بـ (أو)، فهي مثل ﴿ أَوْكَصَيِّبٍ﴾ [البقرة: ١٩](١) . (ن): ((شرق)) بفتح الراء وإسكانها؛ أي: ضياء ونور، والأشهر في الرواية واللغة الإسكان(٢). (مظ): يعني: يكون بينهما فاصلةٌ من الضوء؛ ليتميز إحدى السورتين من الأخرى، كما فُصل بين السورتين في المصحف بالتسمية(٣). (ق): الأشبه أن (الشرق) بالسكون: بمعنى المَشْرق؛ يعني: أن بين تلك الظلَّتين مَشَارِقُ أنوار، وبالفتح: هو الضيّاء نفسه، وإنما نبَّه في هذا الحديث على هذا الضياء؛ لأنه لمَّا قال: ((سوداوين))؛ قد يُتوهّم أنهما مُظلمتان، فنفى ذلك بقوله: ((بينهما شرق))؛ أي: مشارقُ أنوار، أو أنوارٌ حسب ما قررناه، ويعني بكونهما سوداوين؛ أي: من كثافتهما التي بسببها حالتا بين مَن تحتهما، وبين حرارة الشمس (٤). (تو): إنما وصفهما بالسواد؛ لكثافتهما، وارتكام البعض فيهما على بعض، وذلك أجدى ما يكون من الظُّلال، وبيَّن بقوله: (بينهما شرق)؛ أي: أنهما مع كثافتهما لا تستران الضوء، فعلى هذا: الأشبه: أن لا يُراد بالشرق الشَّقُّ، ولأنه استغنى بقوله: (ظلتان) عن بيان البينونة. (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٤٣٢). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٩١). (٣) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ٧٣). (٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٤٣٣). ٦٠٢ (ن): ((حزقان)) بكسر الحاء المهملة وإسكان الزاي، و((الفرقان)»: بكسر الفاء، معناهما واحد، وهو قطيعان وجماعتان، يقال في الواحد: فِرْق وحِزْق؛ أي: جماعة(١). (ق): ((تحاجان))؛ أي: تقومان بحجّة قارئهما، وتجادلان عنه؛ كما ورد في (سورة تبارك) أنها تجادل عن صاحبها، وهذه المُجادلة إن حُملت على ظاهرها؛ فيخلق الله تعالى مَن يجادل بها ملائكةً؛ كما في الحديث: أن من قرأ: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] الآية؛ خلق الله سبعين مَلَكاً يَسْتَغْفِرون له إلى يَوْمِ القِيَامَةِ(٢)، وإن حُملت على تلاوتها؛ فمعناه أن الله يوصله إلى ثواب قراءتهما، أو لا يَنْقُص منه شيءٌ؛ كما يفعل من يستخرج حقَّه ويجادل عنه(٣). (تو): حديث النوَّاس وحديث أبي أمامة متفقان في المعنى، وإن اختلفت بعضُ الألفاظ بينهما. (حس): عبدالله بن بريدة عن أبيه قال: كنت جالساً عند النبيِّ وَله فسمعته يقول: ((تَعلَّمُوا سُورةَ البَقَرَةِ؛ فإنَّ أَخْذَها بَرَكَةٌ، وتَرْكَها حَسْرَةٌ، ولا يَسْتَطِيعُها البَطَلَةُ))، ثم سكت ساعة، ثم قال: ((تَعلَّمُوا سُورَةَ البَقَرةِ، وآَلَ عِمْرانَ؛ فإنَّهما الزَّهْرَاوانِ، وإِنَّهما تُظِلَأَنِ صَاحِبَهما يومَ القِيامَةِ كأنَّهُما (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٩١). (٢) رواه الثعلبي في ((تفسيره)) (٣/ ٣١) من حديث أنس به وقال الشوكاني في ((الفوائد المجموعة)) (ص: ٣١٢): في إسناده وضاع. (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٤٣١). ٦٠٣ غَمَامَتَانٍ، أَوَ غَيَايَتَانِ، أو فِرْقَانِ مِن طَيْرِ صَوَافَّ، وإِنَّ القُرآنَ يأْتِي صَاحِبَه يومَ القِيامَةِ حتَّى ينشقَّ عنه قَبْرُهُ كالرَّجُلِ الشَّاحِب، فيقولُ له: هل تَعْرِفُني؟ فيقولُ: ما أَعْرِفُكَ، فيقول: أنا صَاحِبُكَ القُرْآنُ الذي أَظْمَأْتُكَ بِالهَوَاجِر، وأَسْهَرْتُ لَيْلَكَ، وإنَّ كلَّ تَاجرٍ مِن وَرَاءِ تِجَارَتِهِ، وإِنَّكَ اليومَ مِنْ وَرَاء ◌ُلِّ تِجَارَةٍ، فيُعْطَى المُلْكَ بِيَمِينِهِ، والخُلْدَ بشِمَاله، ويُوضَع على رَأْسِهِ تاجُ الوَقَارِ، وَيُكْسَى وَالِدَاه حُلَّتَيْنِ لا يقومُ لهما أهلُ الدُّنيا، فِيَقُولانِ: بمَ كُسِينا هذا؟ فيُقالُ: بِأَخْذٍ وَلَدِكُما القُرآنَ، ثم يُقَالُ: اقْرَأْ واصْعَدْ فِي دَرَجِ الجَنَّةِ وغُرَفِها، فهو في صُعُودٍ ما دامَ يَقْرَأُ هَذّاً كانَ أو تَرْتِيلاً)) هذا حديثٌ حَسَنٌ غريب(١). وقوله: ((يُعطى المُلْك بيمينه)) لم يرد به أن شيئاً يوضع في يده، وإنما أراد به: يُجعل له المُلْك والخُلْد، ومَن جعل له شيءٌ مُلكاً؛ فقد جُعل في يده، يقال: هو في يدك وكَفِّك؛ أي: استوليتَ عليه. ٩٩٣ - وعَنْ عثمانَ بْنِ عَقَّانَ رَ ﴾، قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّى: (خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» رواه البخاريُّ. (١) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (٤ / ٤٥٣)، والحديث رواه ابن ماجه (٣٧٨١)، والإمام أحمد في («المسند» (٥/ ٣٨٤)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٠٠٤٥)، والدارمي في ((سننه)) (٣٣٩١)، وقال البوصيري في ((مصباح الزجاجة)) (٤ / ١٢٦): هذا إسناد رجاله ثقات. ٦٠٤ * قوله : ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه)): (مظ): إذا كان خيرُ الكلام كلامَ الله؛ فكذلك خير الناس بعد النبيين مَن يتعلم القرآن ويُعلِّمه(١). (ط): لابد من تقييد التعلُّم والتعليم بالإخلاص، ومَن أخلصهما وتخلَّق بهما؛ دخل في زُمرة الصِّدِّيقين، وكان مُفضَّلاً على غيره ممَّن لم یتخلق به(٢). (ك): فإن قلت: ما وجه خيريَّته، ومَن يُعلي كلمةَ الله، ويجاهد بين يدي رسول الله وَّ﴿، ويأتي بسائر الأعمال الصالحات؛ كان هو أفضلَ؟ قلت: المقامات مختلفة لابدَّ من اعتبارها؛ لما أنه علم أن أهل ذلك المجلس اللائقُ بحالهم التحريضُ على التعلُّم والتعليم، أو المراد خيريَّته خاصَّةً من هذه الجهة، ولا يلزم أفضليتُهم مطلقاً، انتهى(٣). قيل: الأولى أن يكون التعلُّم والتعليم مصروفين إلى معرفته، والعلم بتفسیره، ووجوهه، وناسخه، ومنسوخه، ومُتشابهه، وحلاله، وحرامه، ومُجمله، ومُفَصَّله، وقَصصه، وعِبَرِهِ، والائتمار بأوامره، والاجتناب عن نواهيه . ٩٩٤ _ وعَنْ عائشةَ رضي الله عنها، قالَتْ: قالَ رَسُولُ الله ◌ِّهِ: (١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ٦٣). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٦٣٤). (٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٩/ ٣٣). ٦٠٥ (الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بهِ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ وَيَتَعْتَعُ فِيهِ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌ، لَهُ أَجْرَانِ)) متفقٌ عليه. * قوله ◌َيقر: ((الماهر بالقرآن مع السفرة)»: (ن): ((الماهر)): الحاذق الكامل الحِفْظ، الذي لا يتوقف، ولا تَشُقُّ عليه القراءةُ؛ لجَوْدة حفظه، وإتقانه، و((السفرة)): جمع سافر؛ ككتَبة وكاتب، و((السافر)»: الرسول؛ لأنه يَسْفر، و(السَّفَرة): الرسل؛ لأنهم يَسْفرون إلى الناس برسالات الله تعالى، وقيل: السَّفَرة: الكَتَبَة والبَرَرةُ المُطيعون؛ من البِرِّ، وهو الطاعة. قال القاضي عياضٌ: يحتمل أن يكون معنى كونه مع الملائكة أن له في الآخرة منازلَ يكون فيها رفيقاً للملائكة السَّفَرة؛ لاتصافه بصفتهم؛ من حَمْل كتاب الله تعالى، قال: ويحتمل أن يراد أنه عامل بعلمهم، وسالك مَسْلَگهم(١). (تو): الرسول، والملائكة، والكتب: مُشتركة في كونها سافرة عن القوم ما استَبهم عليهم، والمعنى الجامع بين الماهر بالقرآن، وبين الملائكة السَّفَرة: أن الماهر تعلم القرآن، واستظهره حتى صار من خَزَنة الوحي، وأُمناء الكتاب، وحفظة السِّفْر الكريم، يسفر عن الأمة ما استَبهم عليهم من ذلك، ويُبيِّن لهم حقائقَه؛ كما أن السَّفَرَةَ يؤدُّونه إلى أنبياء الله المرسلين، ويَكْشِفون الغِطاءَ عمَّا التبس عليهم. (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٨٤). ٦٠٦ (ن): الذي يتتعتع: هو الذي يتردّد في تلاوته؛ لضعف حفظه، فله أجران؛ أجر القراءة، وأجر تَتَعْتُعِه في تلاوته، ومشقّته، وليس معناه أن الذي يتتعتع عليه له من الأجر أكثرُ من الماهر، بل الماهر أفضل، وأكثر أجراً؛ فإنه مع السَّفَرة، وله أجرٌ كثير، ولم يذكر هذه المنزلة لغيره، و کیف يلتحق به من لم یعتن بکتاب الله، وحفظه، وإتقانه، وکثرة تلاوته، ودراسته کاعتنائه حتى مهر فيه؟!(١) (ق): ولأن الماهر قد كان مُتَتَعْتِعاً أيضاً، ثم ترقّى عن ذلك إلى أن شُبِّه بالملائكة، فيتيسر عليه كما تيسَّر عليهم، فينبغي للماهر الاجتهادُ في تحصيل الصِّدْق، وإخلاصُ النية لله تعالى في التعلُّم، والتعليم، والتبليغ حتى تصِحَّ المُناسبةُ بينه وبين الملائكة(٢) . ٩٩٥ _ وعَنْ أَبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﴿به، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((مَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ مَثَلُ الأُتْرُجَّةِ: رِيحُهَا طَيِّبٌ، وَطَعْمُها طَيِّبٌ، وَمَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي لا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الثَّمْرَةِ: لا رِيحَ لَهَا، وَطَعْمَهَا حُلْوٌ، وَمَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةَ: رِيحُها طَيِّبٌ، وَطَعْمُهَا مٍُّ، وَمَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي لا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الخَنْظَلَةِ: لَيْسَ لَهَا رِيحٌ، وَطَعْمُهَا مُؤَّ) متفقٌ عليه. (١) المرجع السابق (٦ / ٨٥). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٤٢٥). ٦٠٧ * قوله : ((مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن)»: (ن): فيه: فضيلةُ حافظ القرآن، واستحبابُ ضَرْب الأمثال؛ لإيضاح المقاصد(١). * قوله: ((مثل الأترجة»: (مظ): فالمؤمن الذي يقرأ القرآن هكذا من حيث إن الإيمان في قلبه ثابتٌ طيِّبُ الباطن، ومن حيث إنه يقرأ القرآن، ويستريح الناسُ بصوته، ويجدون الثوابَ بالاستماع وبتعلُّم القرآن منه = مِثْلُ رائحة الأُتْرُجَّة يستريح الناس برائحتها، وقسْ على ما ذكرناه تمامَ هذا المثل(٢). (ك): الطعم بالنسبة إلى نَفْسه، والريح بالنسبة إلى السامع(٣). (تو): ((المثل)): عبارة عن المُشابه لغيره في معنىّ من المعاني، وإنه لإدناء المُتوهّم إلى المُشاهَد، وكان النبي ◌َّهِ يخاطب بذلك العربَ، ویحاورهم، ولم یکن ليأتي في الأمثال بما لم يُشاهدوه، فیزیدَ الإبهام، بل بما شاهدوه وعرفوه؛ ليبلغ [ما] انتحاه من كشف الغطاء ورفع الحجاب. ولم يوجد فيما أخرجته الأرض من بركات السماء، لاسيّما من الثمار الشجرية التي أَنِسَتْها العربُ في بلادهم أبلغَ في هذا المعنى من الأُثْرُجَّة، بل هي أفضل ما يوجد من الثمار في سائر البلدان، وأَجْدى؛ لأسباب كثيرة جامعة للصفات المطلوبة منها، والخَواصِّ الموجودة فيها، (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٨٣). (٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ٦٧). (٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٩ / ٢٩). ٦٠٨ فمِن ذلك: كِبَر جِرْمها؛ بحيث لم يعرف في الثمار الشَّجَرية أكبرُ منها، ومنها: أنها حسنة المنظر، طيِّبة المطعم، ليِّنة اللمس، ذكية الأَرَج، تملأ الكف بكبر حجمهما، وتُكْسِبُها ليناً، وتُفْعِم الخَياشِم، وتأخذ الأبصار صِبْغَةً ولوناً، فاقعٌ لونُها تسر الناظرين، تتوق إليها النفس قبل التناول، يفيد أكلُها بعد الالتذاذ بذَوَاقها طيبَ نَكْهة، ودباغ مَعِدة، وقوة هَضْم، اشتركت الحواسُ الأربعة دون الاحتظاء بها؛ البصرُ، والشمُّ، والذَّوْق، واللَّمْس، وهذه الغاية القصوى في انتهاء الثمرات إليها، فمنها ما ينقص عنها، وليس فيها ما يزيد عليها . ثم إنها في أجرامها تنقسم على طبائع قلَّما ينقسم عليها غيرها، فَقِشْرِها حارٌ يابس، ولحمها حارٌّ رَطْبٌ، وقيل: هو بارد رطب، وحِمَاضُها بارد يابس، وبِزْرُها حارٌّ مُجَفِّف، وتدخل هذه الأجزاء الأربعة في الأدوية الصالحة للأدواء المُزمنة، والأمراض المُرْدية؛ كالفالج، واللَّقْوة، والبرص، واليَرَقان، واسترخاء العصب، والبواسير، والشَّربة من بزره تقاوم السُّمومَ كلَّها، وقشره مُسَمِّن، وعُصارة قشره تنفع من نَهْش الأفاعي شرباً وجِرْمُه ضِماداً، ورائحته تصلح فسادَ الهواء، والوباء، فأية ثمرة تبلغ هذه المبلغ في كمال الخِلْقة، وشُمول المنفعة. فإن قيل: قد ذكرت أن الأمثال إنما تضرب لإدناء المُتوهَّم من المُشاهَد، وهذه الفوائد غير معدودة في الشواهد، بل هي مما سعى به حُذَّاق الأطباء، ويخفى ذلك على كثير من الأَلِبَّاء، ثم إنك لو رأيت العِبْرَة بها في الأمثال؛ للزمك القولُ بما احتوت عليه الحَنْظَلة من جنس تلك الفوائد. ٦٠٩ قلنا: نحن قد بيَّنا الكلام في هذا الباب على الأصول التي يستوي في معرفتها الذكيُّ والغَبِيُّ، وهي لينُ المَسِّ، وسُطوع الرائحة، ونحوها، ثم ألحقنا تلك الفوائد مزيداً للبيان، ولا مُشاكلة في تلك الأصول بين الأُتْرُجَّة والحَنْظلة في شيء من ذلك، كيف؟ وهي من السُّموم القتالة، مع کونها من المرارة في الغاية والنهاية . ثم إنا نقول: إن الشارع صلوات الله عليه وسلامُه أشار في ضرب هذا المثل إلى مَعانٍ لا يهتدي إليها إلا مَن أُيِّد بالتوفيق، فمنها: أنه ضرب المثل بما تُنبته الأرض، ويخرجه الشجر، للمُشابهة التي بينها وبين الأعمال؛ فإنها من ثمرات النفوس، والمَثَلُ وإن ضُرب للمؤمن نفسه؛ فإن العبرة بالعمل الذي يصدر منه؛ لأن الأعمال هي المُكاشفة عن حقيقة الحال. ومنها: أنه ضرب مثل المؤمن بالأُنْرُجَّة والثمرة، وهما مما يخرجه الشجر، وضرب مثل المنافق بما تنبته الأرض؛ تنبيهاً على عُلُوِّ شأن المؤمن، وارتفاع عمله، ودوام ذلك وبقائه ما لم تَيْبَس الشجرة، وتوقيعاً على صفة شأن المنافق، وإحباط عمله، وقلة جدواه، وسقوط منزلته. ومنها: أن الأشجار المثمرة لا تخلو عمَّن يغرسها فيسقيها، ويُصلح أَوْدَها، ويُربِّيها، وكذلك المؤمن يُقَيَّض له مَن يؤدِّبه، ويُعلِّمه، ويُهَذِّبه، ويَلُمُّ شَعَثَهُ، ولا كذلك الحَنْظلة المهملة، المتروكة بالعَراء، أذلَّ من فَفْع الفَلاة، والمنافق الذي وكل إليه شيطانُهُ، وطبعُه، وهواه. (ط): اعلم أن كلام الله المجيد له تأثير في باطن العبد وظاهره، وأن العباد متفاوتون في ذلك، فمنهم له النصيب الأوفر من ذلك التأثير، وهو المؤمن القارئ، ومنهم مَن لا نصيب له البتة، وهو المنافق الحقيقيُّ، ٦١٠ ومنهم مَن تأثر ظاهرُه دون باطنه، وهو المرائي، أو بالعكس، وهو المؤمن إذا لم يقرأه. وإبراز هذه المعاني وتصويرها في المحسوسات ما هو مذكور في الحديث، ولم نجد ما يوافقها ويلائمها أقربَ ولا أحسنَ ولا أجمعَ من ذلك؛ لأن المُشبَّهات والمُشبَّه بها واردةٌ على التقسيم الحاصر؛ لأن الناس إما مؤمن أو غير مؤمن، والثاني إما منافق صِرْف، أو مُلحَقٌ به، والأول إما مواظب على القراءة، أو غير مواظب عليها، فعلى هذا قس الثمار المُشبَّه بها، ووجهُ التشبيه في المذكورات مُركَّبٌ مُنتزَعٌ من أمرين محسوسين؛ طعم وريح، وليس بمُفرَّق كما في قوله : لدى وَكْرِها العُنَّبُ والحَشَفُ البَالي كأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْباً ويَابِساً ثم إثبات القراءة في قوله وَيقيه: ((يقرأ القرآن)) على صيغة المضارع، ونفيه في قوله: ((لا يقرأ)) ليس المرادُ منه حُصولَها مرة، ونفيها بالكُلِّية، بل المراد منه الاستمرار، والدوام عليها، وأن القراءة دأَّبُه وعادته، أو ليس ذلك مِن هِجِيراه؛ كقولك: فلان يَقْرِي الضَّيْفَ، ويحمي الحَرِيم. انتهى(١). قال الشيخ كمال الدِّين الدَّمِيرُّ رحمه الله: ذكر في الخَواصِّ: أنه لا تدخل الجِنُّ بيتاً فيه الأُتْرُجُّ، قال: ولهذا ضرب النبيُّونَ﴿ِ المَثَلَ للمؤمن الذي يقرأ القرآن بالأُتْرُجَّة؛ لأن الشيطان يهرب من قلب المؤمن القارئ للقرآن، فناسب ضرب المثل به، بخلاف سائر الفواكه. (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٦٣٦). ٦١١ ٩٩٦ - وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﴿: أَنَّ النَّبِيَّ وَ﴿ قالَ: ((إِنَّ الله يَرْفَعُ بِهِذَا الكِتَابِ أَقْوَاماً، وَيَضَعُ بِهِ آخَرین)) رواه مسلم. * قوله ميمي: ((إن الله يرفع بهذا القرآن قوماً): (ق): يعني: يُشرِّف ويُكرِّم في الدنيا والآخرة؛ وذلك بسبب الاعتناء به، والعلم به، والعمل بما فيه، و((يضع))؛ يعني: يُحقِّر ويُصغِّر في الدنيا والآخرة؛ وذلك بسبب تركه، والجهل به، وترك العمل به(١). (ط): أي: مَن قرأه وعمل بمُقتضاه مُخلصاً؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلُِّ الَّيِبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ بَرْفَعُهُ ﴾ [فاطر: ١٠]، ومَن قرأه مُرائياً؛ يضعه أسفلَ سافلين؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَبُورُ﴾ [فاطر: ١٠]، انتهى(٢) . أول هذا الحديث: عن عامر بن واثلة أن نافعَ بن عبد الحارث(٣) لقي عمر بعُسْفانَ، وكان عمر يستعمله على مَكَّةَ، فقال: مَن استعملت على أهل هذا الوادي؟ فقال: ابنَ أبي أَبْزَى، فقال: ومَن ابنُ أبي أَبْزَى؟ قال: مَوْلىّ من موالينا، قال: فاستخلفت عليهم مَوْلىً؟! قال: إنه قارئ لكتاب الله وَق، وإنه عالمٌ بالفرائض، قال عمرُه: أما إن نبيَّكُمْ وَّه قال: ((إنَّ اللهَ يَرْفَعُ بهذا الكِتَابِ أَقْواماً ويَضَعُ به آخَرِينَ))(٤). (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٤٤٦). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٦٣٧). (٣) في الأصل: ((الرحمن))، والتصويب من ((صحيح مسلم)) (٨١٧). (٤) رواه مسلم (٨١٧ / ٢٦٩). ٦١٢ ٩٩٧ - وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴾، عَنِ النَّبيِّنَّهِ، قالَ: ((لا حَسَدَ إِلاَّ في اثنَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ القُرْآنَ، فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآَنَءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتاهُ اللهُ مَالاً، فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النهارِ)) متفقٌ عليه . والآناءُ: الساعاتُ. * قوله يقر: ((لا حسد إلا في اثنين))، سبق شرحه في (الباب الرابع والستين) في (فضل الغني الشاكر). ٩٩٨ - وعنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﴾، قال: كَانَ رَجُلٌ يَقرَأُ سُورَةً الكَهْفِ، وَعِنْدَه فَرَسٌ مَرْبُوٌ بِشَطَنَيَّنِ، فَتَغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ، فَجَعَلَتْ تَدْنُو، وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ مِنها. فَلَمَّا أَصْبَحَ، أَتَى النَّبِيَّ ◌َِّ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقالَ: ((تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ للقُرآنِ)) متفقٌ عليه. ((الشَّطَنُ)) بفتح الشينِ المعجمةِ والطاءِ المهملة: الحَبْلُ. * قوله: ((كان رجل يقرأ سورة الكهف))، الرَّجلُ هو أُسَيْد بن حُضَير، قاله ابن كثير في ((التفسير))(١)، وفي ((صحيح البخاري)): عن أُسَيْد بن حُضَيْر: بينما هو يقرأ من الليل (سورة البقرة) الحديثَ(٢)، محتمل أنه قرأهما في هذه (١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١ / ٣٤). (٢) رواه البخاري (٤٧٣٠). ٦١٣ الليلة، أو كانت القِصَّةُ في ليلتين. · قوله: ((وعنده فرس مربوط بشطنين)) : (ن): (الفرس) يقع على الذكر والأنثى(١). (تو): إنما ذكر الربط بشَطَنَيْن؛ تنبيهاً على جُموحه واستصعابه؛ فإنه لو كان ليِّنَ العَرِيكة؛ لكفاه شَطَنٌّ واحد، وإلى هذا المعنى قيل في وصف الفرس: كأنه شَيْطانٌ في أَشْطَان، انتهى. ((الشطن)) بفتح الشين والطاء: الحبل، قال الخليل: هو الحبل الطويل، والجمع: الأَشْطَان، وسبق معنى السكينة في (الباب التاسع والعشرين). (ق): السَّكِينةُ مأخوذة من السُّكون، وهو الوقار والطمأنينة، وهي هناك اسمٌ للملائكة، كما فسَّرها في الرواية الأخرى، وسمَّاهم بذلك؛ لشدة وَقارهم وسُكونهم؛ تعظيماً لقراءة هذه السورة(٢). (ن): قد قيل في معنى السكينة أشياءُ، والمُختار: أنها شيء [من مخلوقات الله تعالى فيه](٣) طُمأنينةٌ ورحمة، ومعه الملائكة، وفي هذا الحديث: جواز رؤية آحاد الأمة الملائكة، وفيه: فضيلة القراءة، وأنها سببُ نزول الرحمة، وحضور الملائكة، وفيه: فضيلة استماع القرآن (٤). (تو): إنما سُمِّيت تلك السَّحابة سكينةً؛ لسكون القلب إليها، (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٨٣). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٤٣٧). (٣) ما بين معكوفتين من ((شرح مسلم)) للنووي. (٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٨٢) ٦١٤ وإظهارُ أمثال هذه الآيات على العباد من باب التأييد الإلهيِّ، يُؤيَّد بها المؤمن، فيزداد يقيناً، ويطمئن قلبه بالإيمان بها إذا كُوشِفَ. (ق): كانت الملائكة تسمع لأُسَيْد بن حُضَير؛ استطابةً لقراءته؛ لحسن ترتيله، وحضور قلبه، وخُشوعه، وإخلاصه، وإطلاعُ الله له على ذلك إظهارُ كرامة له؛ ليزداد يقيناً مع يقينه، واجتهاداً في عبادته، وفي رواية لمسلم: ((لو قَرَأْتَ؛ لأَصْبَحَتْ يَرَاها النَّاسُ))(١)؛ يعني: لو دُمْتَ على حالتك في قراءتك؛ لأَصْبَحَتْ على تلك الحال ظاهرة للناس، لكنه قطع القراءة، فارتفعت الملائكة، وغابت؛ لتخصيص الكرامة به، وليعمل الناسُ على التصديق بالغَيْب، انتهى(٢). في ((صحيح مسلم): عن أبي سعيد الخُدْريِّ: أن أُسَيْدَ بن حُضَير قال: بينما هو يقرأ ليلة في مِرْبَده؛ إذ جالت فرسه، فقرأ، ثم جالت أُخرى، فقرأ، ثم جالت أيضاً، قال أُسَيْد: فخشيت أن تطأ يَحْيى، فقمت إليها؛ فإذا مِثْلُ الظُّلَّة فوق رأسي، فيها أمثال السُّرُجِ عَرَجَتْ في الجَوِّ حتى ما أراها، قال: فغدوت على رسول الله بَّه، فقلت: يا رسول الله؛ بينما أنا البارحةَ من جوف الليل أقرأ في مِرْبَدي؛ إذ جالت فرسي، فقال رسول الله وَّهَ: ((اقْرَأْ ابنَ حُضَيْر))، قال: فقرأت، ثم جالت أيضاً، فقال رسول الله وَّه: ((اقْرَأْ ابنَ حُضَيْر))، قال: فقرأت، ثم جالت أيضاً، فقال رسول الله وَّهُ: ((اقْرَأْ ابنَ حُضَيْرِ))، قال: فانصرفت، وكان يحيى قريباً منها خشيتُ أن تطأَه، فرأيت مثلَ (١) رواه مسلم (٧٩٦/ ٢٤٢)، من حديث أبي سعيد الخدري (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٤٣٩). ٦١٥ الظُّلَّة فيها أمثال السُّرُجِ عَرَجَتْ في الجَوِّ حتى ما أراها، فقال رسول الله ◌ِصلّه: (ِلْكَ المَلائِكَةُ كَانَتْ تستَمِعُ لك، ولو قَرَأْتَ؛ لأَصْبَحَتْ يَراها النَّاسُ كُلُّهُم ما تسْتَتِرٍ مِنْهُم))(١). (ن): ((المربد)) بكسر الميم وفتح الباء الموحدة: هو الموضع الذي يَبْبَسُ فيه التمر؛ كالبَيْدر للحِنْطة ونحوها (٢). (ق): قوله لابن حضير: ((اقرأ)) عند إخباره له بما رأى هو أمرٌ له بدوامه على القراءة فيما يستأنفه؛ فرحاً بما أطلعه الله عليه، وكرر ذلك تأكيداً(٣). (ن): قوله: (اقرأ) معناه: كان ينبغي لك أن تستمرَّ على القراءة، وتغتنمَ ما حصل لك من نزول السَّكينة والملائكة، وتستكثر من القراءة التي هي سببُ بقائهما (٤). (ط): يريد أن (اقرأ) لفظة أمرٍ طلبٍ للقراءة في الحال، ومعناه تخصيصٌ وطلب للاستزادة في الزمان الماضي، هذا كما إذا حكى صاحبُك عندك ما جرى في الزمان الماضي مما يجب أن يفعله؛ أي: هلا زِدْتَ، كأنه ◌َّ استحضر تلك الحالة العجيبةَ الشَّأْنِ، فيأمره تحریضاً علیه، والدليل عليه لفظ البُخاريِّ: أشفقتُ يا رسولَ الله أن تطأ يحيى(٥)؛ أي: خِفْتُ إن (١) رواه مسلم (٧٩٦ / ٢٤٢). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٨٣). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٤٣٨). (٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٨٢). (٥) رواه البخاري (٤٧٣٠). ٦١٦ دُمت عليها؛ أن تطأ الفرسُ ولدي يحيى(١). ٩٩٩ - وعَنِ ابنِ مسعودٍ ﴾، قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِلِ: (مَنْ قَرَأَ حَرْفاً مِنْ كِتَابِ اللهِ، فَلَهُ حَسَنَةٌ، والحَسَنَةُ بِعَشْرٍ أَمْثَالِهَا، لا أَقولُ: ﴿أَلَمْ﴾ حَرْفٌ، أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ)) رواه الترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ، قوله ◌َي: ((وميم حرف)): (ط): يعني: مُسمَّى (ميم)، وهو (مَهْ) حرفٌ؛ لما تقرر أن لفظة (ميم) اسم هذا المُسمَّى، فحَمْل الحرف في الحديث على المذكورات مَجازٌ؛ لأن المراد منه في مثل (ضرب) في ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ [الزمر: ٢٩] كلُّ واحدة من (ضَهْ، ورَة، وبَهْ)، فعلى هذا: إن أريد بـ (ألم). مُفتتحَ (سورة الفيل)؛ يكون عددُ الحسنات ثلاثين، وإن أُريد به مُفتتحَ (سورة البقرة)، ونحوها؛ بلغ العدد تسعين(٢). ١٠٠٠ - وعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﴾، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِلَهُ: ((إِنَّ الَّذِي لَيْسَ في جَوْفِهِ شَيْءٌ مِنَ القُرآنِ كالبَيْتِ الخَرِبِ )) رواه (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٦٣٧). (٢) المرجع السابق، (٥ / ١٦٥٦). ٦١٧ الترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. * قوله : ((ليس في جوفه شيء من القرآن)): (ط): المراد بالجوف هنا: القلب؛ إطلاقاً لاسم المَحَلِّ على الحَالِّ، قال الله تعالى: ﴿مَّا جَعَلَ اَللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِ جَوْفِهٍ ﴾[الأحزاب: ٤]، مَثَّلَ جوفَ الإنسان الخاليَ عمَّا لا بدّ منه من التصديق، واعتقاد الحق، ومَحبَّة الله تعالى بالبيت الخالي عمَّا يَعْمُرُه من الأثاث، والتجمُّل، وما قِوَامُه به(١). (مظ): يعني: عِمارةَ القلوب بالإيمان، والقرآن، وذكر الله، فمَن خلا قلبُه من هذه الأشياء؛ فقلبه خرابٌ لا خيرَ فيه، انتهى(٢). عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله وَّهِ: ((لا أُلْفِيَنَّ أَحدَکم یضعُ إِحدى رِجْلَيْهِ على الأُخرى، ويَدَعُ سُورةَ البَقَرةِ، وإِنَّ أَصْفَرَ الْبُيُوتِ الجَوْفُ الصِّفْرُ مِن كِتَابِ الله))، رواه ابن مَرْدُويَهْ، والنسائيُّ في ((اليوم والليلة))(٣). ١٠٠١ - وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ عُه، عن النبيِّ لَّهِ، قالَ: ((يُقَالُ لِصَاحِبِ القُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْتَقٍ وَرَتِّلْ كمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ في الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا)) رواه أبو داودَ، والترمذيُّ، وقالَ: حسنٌ صحيحٌ. (١) المرجع السابق (٥ / ١٦٥٥). (٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ٨٣). (٣) رواه النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٩٦٣). ٦١٨ * قوله : ((يقال لصاحب القرآن: اقرأ»: (تو): ((الصُّحبة)) للشيء: المُلازَمة له، إنساناً كان، أو حيواناً، أو مكاناً، أو زماناً، وتكون بالبدن، وهو الأصل والأكثر، وتكون بالعِناية والهمَّة، و((صاحب القرآن)): هو الملازم له بالهِمَّة والعناية، ويكون ذلك تارة بالحفظ والتلاوة، وتارة بالتدبُّر له، والعمل به، فإن ذهبنا فيه إلى الأول؛ فالمراد من الدرجات بعضُها دون بعض، والمنزلة التي في الحديث : هي ما يناله العبد من الكرامة على حسَب منزلته في الحفظ والتلاوة لا غير؛ وذلك لما عرفنا من أصل الدِّين أن العامل بكتاب الله، المُتدبِّرِ له أفضلُ من الحافظ والتالي له، إذا لم ينل شَأْوَهُ في العمل والتدبُّر، وقد كان في الصحابة مَن هو أحفظ لكتاب الله من أبي بكر الصِّدِّيق، وأكثر تلاوة منه، وكان هو أفضلَهم على الإطلاق؛ لسبقه عليهم في العلم بالله، وبكتابه، وبتدُّره له، وعمله به. وإن ذهبنا إلى الثاني، وهو أحقُّ الوجهين وأتمُّهما؛ فالمراد من الدرجات التي يستحِقُّها بالآيات سائرُها، فحينئذٍ تقدّر التلاوة في القيمة على مقدار العمل، فلا يستطيع أحدٌ أن يتلوَ آية إلا وقد أقام ما يجب عليه فيها، واستكمال ذلك إنما يكون للنبيٍّ وَّر، ثم للأُمَّة بعده على مراتبهم ومنازلهم في الدِّين، وكلٌّ منهم يقرأ على مقدار مُلازمته إياه تدبُّراً وعملاً. (قض): ((صاحب القرآن)): حافظه، والمواظب على قراءته، وقيل: العالم بمَعانيه، والمُعتني بالتدبُّر فيه، والمراد من الحديث: المعنى الأول؛ لقوله: ((اقرأ وارتق))؛ أي: اقرأ ما كنت تُحْسِنُهُ من القرآن، وارْتَقِ بقَدْره في درجات الچنان. ٦١٩ قال الخَطَّابِيُّ: قد جاء في الأثر أن دَرَجَ الجنة بعدد آي القُرآن، والقُرّاء تتصاعد بقَدْرها، فمَن قرأ آية مثلاً؛ كان عند آخر آية يقرؤها، وهي المئة من الدرجات، ومَن حفظ جميعَ القرآن؛ كان منزله الدرجةَ الأقصی من درجات الجِنان، وهذا للقارئ الذي يقرؤه حقَّ قراءته، وهو أن يتدبَّر معناه، ويأتيَ بما هو مُقتضاه، لا الذي يقرؤه، والقرآن يلعنه(١). (ط): كل من الشارحين رجَّح قولاً، وضَعَّف القول الآخر، والذي نذهب إليه: أن سياق هذا الحديث تحريضٌ لصاحب القرآن على التحرِّي في القراءة، والإمعان في النظر فيه، والمُلازمة له، والعمل بمقتضاه، وكل هذه الفوائد يعطيها معنى (٢) الصاحب استعارةً؛ لأن أصل المصاحبة بالبدن، وقد عُلم أن الصاحب مَن يرافقك بالبدن، ويُوافقك بما يَهُمُّك، ويُعاونك فيما ينفعك، ويدافع عنك ما يضرُّك، فإذاً؛ هو جامع لمعنى القراءة، والتدبُّر، والعمل. فقوله: (اقرأ وارق) أمر له في الآخرة بالقراءة التي توصله إلى مصاعدَ ودرجات، ثم قوله: ((فإن منزلتك)» تعليلٌ للأمر المُرتَّب عليه الترقِّي؛ يعني: قراءتك هذه يا صاحبَ القرآن تُرقِّك إلى منزلة فمنزلة على قدر قراءتك، فإذا قطعتها؛ انقطعت، وإذا وصلتها؛ اتصلت، وزادت إلى ما لا نهاية له، ولأن التشبيه في قوله: ((ورتل كما كنت ترتل في الدنيا» يستدعي تشبيه الاتصال بالاتصال، وكما أن قراءته في حالة الاختتام استدعت (١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٥٣٢). (٢) في الأصل: ((شف))، والتصويب من ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٦٥٥). ٦٢٠