Indexed OCR Text
Pages 501-520
القُرْآنِ، وَإِنْ خَتَمُوا القُرآنَ عِنْدَهُ، كَانَ حَسَناً. * قوله: ((قال الشافعي: يستحب أن يقرأ عنده شيء (١) من القرآن)): (ن): لما روي عن عبد الله بن عمر عنه قال: سمعت النبيَّ ◌َّ يقول: (إذا ماتَ أَحدُكم؛ فلا تَخْبِسُوهُ، وأَسْرِعُوا إِلى قَبْرِهِ، ولْيُقْرَأْ عِنْدَ رَأْسِهِ فَاتِحَةَ البَقَرَةِ، وعِنْدَ رِجْلَيْهِ خَاتِمَةَ البَقَرَةِ)، رواه البيهقيُّ في ((الشعب))(٢)، وقال: الصحيح: أنه موقوف علیه. * قوله: ((وإن ختموا القرآن كله؛ كان حسناً): قال ابن قُدامةَ: روي أن أحمد نهى ضريراً يقرأ عند القبر، فقال له: إن القراءة عند القبر بدعة، فقال له مُحمَّد بن قُدامةَ الجَوْهَرِيُّ: يا أبا عبدالله؛ ما تقول في مُبَشِّر الحلَبيِّ؟ فقال: ثقة، قال: فأخبرني مُبَشِّر عن أبيه: أنه أوصى إذا دُفن؛ يُقرأ عنده بفاتحة البقرة وخاتمتها، وقال: سمعتُ ابنَ عمر يُوصي بذلك، فقال أحمد ابن حنبل: فارجع، فقُل للرجل يقرأ. وقال الخَلاَّلُ: حدثني أبو عليٍّ الحسنُ بن الهيثم البَزَّارُ شيخُنا الثَُّةُ المَأْمونُ قال: رأيت أحمد ابن حنبل يُصلِّي خلف ضرير يقرأ على القبور. وقد رُوي عن النبي ◌َِّ أنه قال: ((مَنْ دَخَلَ المَقَابِرَ، فقَرأَ (يس)؛ خُفْفَ عَنْهُمْ يَوْمَئِذٍ، وكانَ بِعَدَدِ مَنْ فِيهَا حَسَنَاتٌ))(٣)، ورُوي عنه عليه (١) في الأصل: ((من ثنى)). (٢) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٩٢٩٤) وهو حديث ضعيف. انظر: تخريج ((مشكاة المصابيح)) (١٧١٧). (٣) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (٤ / ١٧٤) والحديث موضوع. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (١٢٤٦). ٥٠١ السلام: ((مَنْ زَارَ قَبْرَ وَالِدَيْهِ، أَو أَحَدِهمَا، فقَرأَ عندَه، أو عِنْدَهُما (يس)؛ غُفِرَ له))(١). (١) انظر: ((المغني)) لابن قدامة (٢/ ٢٢٤)، والحديث رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٦١١٤)، من حديث أبي هريرة ظ ◌ُه، والبيهقي في ((شعب الإيمان)» (٧٩٠١)، من حديث محمد بن النعمان، مرفوعاً. وهو حديث موضوع. انظر: (ضعيف الجامع الصغير)) (٥٦٠٦). ٥٠٢ ١٦٣- باب الصدقةِ عن الميتِ، والدعاءِ لَهُ · قال الله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ جَدُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَاوَ لإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِآلْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]. (باب الصدقة عن الميت والدعاء له) * قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْلَنَا وَلِإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِآلْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]، هؤلاء هم القسم الثالث ممَّن يستحِقُّ فقراؤهم من مال الفَيْء، وهم المهاجرون، ثم الأنصار، ثم التابعون بإحسان، وهم المُتَّبعون لآثارهم الحسنة، وأوصافهم الجميلة، الداعون لهم في السِّرِّ والعَلانية. وقوله: ﴿غِلَّ﴾؛ أي: بغضاً وحسداً، وما أحسن ما استنبط الإمامُ مالك من هذه الآية الكريمة: أن الرافضي الذي يَسُبُّ الصحابة ليس له في مال الفَيْء نصيبٌ؛ لعدم اتصافه بما مدح الله به! وعن عائشة رضي الله عنها قالت: أُمرتم بالاستغفار لأصحاب محمد دَّ، فسببتموهم، سمعت نبيَّكم ◌َّه يقول: ((لا تَذْهَبُ هَذِهِ الأُمَّةُ حتَّى يَلْعَنَ آخِرُها ٥٠٣ أَوَّلَها))، رواه البغويُّ(١)، وقال: قال مالك بن مِغْوَل: قال عامر: يا مالك؛ تفاضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخَصْلة، سُئلت اليهود: مَنْ خير أهل مِلَّتكم؟ فقالت: أصحابُ موسى، وسُئلت النصارى: مَن خير أهل مِلَّتكم؟ فقالوا: حَوَارِيُّ عيسى، وسُئلت الرافضة: من شرّ أهل مِلَّتكم؟ فقالوا: أصحابُ محمد ◌َِّ، أُمروا بالاستغفار لهم، فسَبُّوهم، فالسيف مَسْلولٌ عليهم إلى يوم القيامة، لا تقوم لهم راية، ولا تثبت لهم قدمٌ، ولا تجتمع لهم كلمة، كلما أوقدوا ناراً للحرب؛ أطفأها الله، يَسْفِك دماءَهم، ويُفرِّق شَمْلَهم، وإذْخَاض حُجَّتهم، أعاذنا الله وإياكم من [الأهواء] المُضِلَّةِ(٢). ٩٤٨ _ وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا: أَنَّ رَجُلاً قالَ النَّبِيِّ ◌َه: إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأُرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ، تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قال: (نَعَمْ)) متفقٌ عليه. * قوله: «افتلتت نفسها»: (ن): ((اقتتلت)) بالقاف، هي كلمة تقال لمَن مات فجأة، وتقال أيضاً لمَن قتله الجِنُّ والعِشْقُ، والصواب الفاء، ومعناه: ماتت فجأة، وكلُّ شيءٍ فعل بلا تمكُّث؛ فقد افتلت، ويقال: افتلتَ الكلامَ، واقترحَه، واقتضبَه: (١) رواه البغوي في ((معالم التنزيل)) (٤/ ٣٢١)، ورواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٥٢٤١). قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (١٠ / ٢١): فيه إسماعيل بن إبراهيم ابن مهاجر، وهو ضعيف. (٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٤ / ٣٤٠). ٥٠٤ إذا ارتجله، و((نفسها)) ضبطناه بنصب السين على أنه مفعول ثان، ورفعها على أنه مفعول ما لم يُسَمَّ فاعله. قال القاضي: أكثر روايتنا فيه النصب(١). (نه): أي: أُخِذت نفسُها فَلْته، معنى النصب: افتلتها اللهُ نفسَها، مُعدَّى إلى مفعولين؛ كما تقول: اختلسه الشيءَ، واستلبه إياه، ثم بُني لما لم يُسَمَّ فاعله، فتحول الأول مضمراً، وبقي الثاني، منصوباً والتاء الآخرة ضمير الأم؛ أي: افتُلِتَتْ هي نفسَها، وأما الرفع: فيكون متعدياً إلى مفعول واحد، أقامه مُقَامَ الفاعل، وتكون التاء للنفس؛ أي: أُخِذت نفسُها فَلْتَةً(٢). * قوله: «إن تصدقت عنها» : (ن): بكسر الهمزة من ((إن)) وهذا لا خلاف فيه، ولا يصح غيره؛ لأنه إنما يسأل عمَّا لم يفعله بعد، وفي هذا الحديث: أن الصدقة عن الميت تنفع الميت، ويصله ثوابُها، وهو كذلك بإجماع العلماء، وكذلك أجمعوا على وصول الدعاء، وقضاء الدُّيون؛ للنصوص الواردة في الجميع، واختلف في الصوم إذا مات وعليه صومٌ؛ فالراجح جوازه؛ الأحاديث الصحيحة. والمشهور في مذهبنا: أن قراءة القرآن لا يصله ثوابُها، وقال جماعة من أصحابنا: يَصِله ثوابها، وبه قال أحمد ابن حنبل، وأما الصلاة وسائر الطاعات: فلا يَصِله ثوابُها عندنا، وقال أحمد: يَصِلُه ثوابُ الجميع؛ کالحج، انتھی(٣). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٩٠). (٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٤٦٧). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٩٠). ٥٠٥ قال ابن قُدامة المَقْدِسيُّ الحنبليُّ: الصوم، والحج، والدعاء، والاستغفار عبادات بدنية، وقد أوصل الله نفعها إلى الميت، فكذلك ما سواها، مع ما ذكرنا في ثواب مَن قرأ (يس)، وتخفيف الله عن أهل المقابر بقراءته. وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله وَ ل فيه قال لعمرو بن العاص: (لَوْ كانَ أَبُوكَ مُسْلِماً، فَأَعْتَقْتُم أَو تَصدَّقْتُم عَنْهُ، أَو حَجَجْتُمْ عَنْهُ؛ بَلَغَهُ ذلكَ))(١)، وهذا عامٌّ في حَجِّ التطوع وغيره، ولأنه عمل وطاعة، فوصل نفعُه وثوابه؛ كالصدقة، والصيام، والحج الواجب، ولنا أيضاً إجماع المسلمين؛ فإنهم في كل عصر ومِصْر يجتمعون ويقرؤون القرآن، ويُهدون ثوابه إلى موتاهم من غير نكير، ولأن الحديث صحَّ أن الميت يُعذّب ببكاء أهله عليه، والله أكرم من أن يُوصِل عقوبة المعصية، ويَحْجُب عنه المَثُوبة، وأما استدلالهم بقوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]: فنقول: هذه الآية مخصوصة بما سَلَّموه، وفي معناه ما منعوه، فيُخصَّص به أيضاً بالقياس عليه(٢). وأما حديث: ((إذا ماتَ ابنُ آدَمَ؛ انقطعَ عَمَلُهُ))(٣)؛ لا حُجَّةَ لهم فيه، وأنه إنما دل على انقطاع عمله، وليس هذا من عمله، فلا دلالة فیه علیه، ولو دَلَّ عليه؛ لكان مخصوصاً، كما ذكرنا في الآية . وأما قولهم: إن نَفْعَ العمل لا يتعدَّى فاعلَه، فلا يتعدى [ثوابه]: (١) رواه أبو داود (٢٨٨٣) وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٥٢٩١). (٢) انظر: ((المغني)) لابن قدامة (٢ / ٢٢٥). (٣) رواه مسلم (١٦٣١ / ١٤)، من حديث أبي هريرة ٥٠٦ فالجواب: أن تعدِّيَ الثواب ليس بفرع لتعدي النفع، ثم هو باطل بالصوم، والدعاء، والحج. ٩٤٩ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((إذا مَاتَ الإِنسَانُ، انقَطَعَ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلمٍ يُتْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدِ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» رواه مسلم. * قوله الفر: ((إذا مات الإنسان؛ انقطع عمله إلا من ثلاث)): (ن): معناه: أن عمل الميت ينقطع [بموته، وينقطع] تجدُّدُ الثواب له إلا في هذه الأشياء الثلاثة، لأنه كان سببها؛ فإن الولد من كَسْبه، وكذلك العمل الذي خلَّفه؛ من تعليم، أو تصنيف، وكذلك الصدقة الجارية، وهي والوقف. وفيه: فضيلة الزواج؛ لرجاء ولد صالح، وفيه دليلٌ لصحة أصل الوقف، وعظم ثوابه، وبيانُ فضيلة العلم، والحَثُّ على الاستكثار منه، والترغيب في توريثه بالتعليم، والتصنيف، والإيضاح؛ وأنه ينبغي أن يختار من العلوم الأنفعَ فالأنفع، وفيه: أن الدعاء يَصِل ثوابُه إلى الميت، وكذلك الصدقة، وهما مُجْمَعٌ علیه، انتھی(١). قال الحافظ عبد العظيم المُنْذِريُّ: ناسخ العلم النافع له أجرُه وأجر مَن قرأه، أو نسخه، أو عمل به ما بقي خَطُّه والعمل به؛ لهذا الحديث وأمثاله، وناسخ غير العلم النافع ممَّا يُوجِب الإثمَ عليه وِزْرُه ووِزْرُ مَن قرأه، أو نسخه، أو عمل به من بعده ما بقي خَطُّه والعملُ به؛ لحديث: (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ٨٥). ٥٠٧ ((مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةَ، أو سَيَّةً)) الحديثَ(١). (ط): إنما جعل الولد الصالح من جنس العمل؛ [لأنه] هو السبب في وجوده، وسبب لصلاحه بإرشاده إلى الهُدى؛ كما جعل نفس العمل في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ,عَمَلُ غيرُ مَلِ﴾﴾ [هود: ٤٦]، وأما فائدة تقیید الولد بـ ((يدعو له)) مع أن الغير من المسلمين لو دعا له؛ لنفعه أيضاً: فزيادة للبيان، وتحريض للولد على الدعاء، وأنه كالواجب عليه(٢). (قض): لما ثبت أن الله تعالى يُِّبُ المُكلَّف بكل فعل مُتوقّف وجودُه توقفاً ما على كَسْبه، سواء فيه المباشرة والتسبُّب، وكان ما يتجدَّد من منافع الوقف ويَصِلُ إلى المستحقين من نتائج فعل الواقف، واستفادة المُتعلِّم من مآثر المتقدمين وتصانيفهم بتوسُّط إرشادهم، وصالحاتُ أعمال الولد تبعاً لوجوده الذي هو مَسَبَّبٌ عن فعل الوالد كان ثواب ذلك لاحقاً بهم، غيرَ منقطع عنهم. فإن قلت: قوله وَّجِ: ((مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنةً؛ فلَهُ أَجْرُها، وأَجْرُ مَن عَمِلَ بها إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، ومَن سَنَّ سُنَّةً سَيَّةَ؛ فَلَهُ وِزْرُها وَوِزْرُ مَن عَمِلَ بها إلى يَوْمِ القِيامَةِ)(٣)، وقوله عليه الصلاة [والسلام]: ((كلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ على عَمَلِهِ، إلَّ المُرَابِطَ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ فإنَّهُ يَنْمُو له عَمَلُه إلى يَوْمِ القِيامَةِ))(٤) يكاد يُخِلُّ (١) انظر: ((الترغيب والترهيب)) للمنذري (١/ ٦٢)، والحديث رواه مسلم (١٠١٧ / ١٥)، من حدیث جریر بن عبدالله . (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٦٦٤). (٣) تقدم تخريجه. (٤) رواه أبو داود (٢٥٠٠)، من حديث فضالة بن عبيد ﴿ه، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٤٥٣٩). ٥٠٨ بهذا الحديث، لاسيَّما الحديثِ الأخير؛ فإنه ينافي قُطْرَيْهِ. قلت: أما قوله: ((مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنةً)): فغير خارج عن هذه الأقسام؛ فإن وضع السُّنن وتأسيسها من باب التعلیم. وأما قوله: ((مَنْ سَنَّ سُنَّةٌ سَيِّئَةً)): فالمراد به المعاصي، والمراد بالعمل هاهنا الطاعة؛ لغلبته فيه، فلا تعارض. وأما قوله: ((كلُّ مَيِّتِ يُخْتَمُ على عَمَلِهِ): فمعناه: أن الرجل إذا مات؛ لا يزاد في ثواب ما عمل، ولا يُنْقَص منه شيء إلا الغازيَ؛ فإن ثواب مُرابطته ينمو ويتضاعف، وليس فيه ما يدل على أن عمله يُزاد بضَمِّ غيره، أو لا يزاد(١). (ط): يريد أن الحصر يدل على أن الثواب بانضمام الغير يُجْرَی له، كأنه قيل: ينقطع عمله المُنضمُّ إلى عمل الغير إلا عن ثلاث، والمُرابطة ليست بداخلة فيها، فلا يُخل بالخَصْر . وأقول: لعلها داخلة في الصدقة الجارية؛ لأن القصد في المرابطة نصرة المسلمين، ودفع أعداء الدِّين، أو المُجاهدة مع الكفار، ودعوتهم إلى الإسلام؛ لينتفعوا في الدارين، ونية المؤمن خيرٌ من عمله، فلا يبعد أن يدخل تحت جنس الصدقة الجارية؛ كبناء الرِّباط، وحفر البئر، ونحوهما، وفيه: تحريضٌ على الجهاد وحَثٌّ عليه(٢). (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٦٦٤). (٢) المرجع السابق، الموضع نفسه. ٥٠٩ ١٦٣- باب ثَناءِ الناسِ على الميتِ ٩٥٠ - عَنْ أَنَسِ ﴿هِ، قالَ: مَرُوا بِجَنَازَةٍ، فَأَثْتَوْا عَلَيْهَا خَيْراً، فقالَ النبيُّ وَّهِ: ((وَجَبَتْ))، ثم مَرُوا بِأَخْرَى، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرّاً، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((وَجَبَتْ))، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﴿ه: مَا وَجَبَتْ؟ قَالَ: (هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْراً، فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وهَذَا أَثْنَيُمْ عَلَيْهِ شَرّاً، فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرْضِ)) متفقٌ عليه. * قوله: ((فأثنوا عليها شراً): (ن): (الثناء) بتقديم الثاء وبالمَدِّ، لا يستعمل إلا في الخير، وفيه لغةٌ شاذَّة أنه يستعمل في الشرِّ أيضاً، واستعماله هنا في الشرِّ مجاز؛ لتجانس الكلام؛ كقوله: ﴿وَجَزَّوْاْ سَيِّئَةٍ سَيِّئَّةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ أَلَّهُ ﴾ [آل عمران: ٥٤]، وأما ((النثا)) بتقديم النون وبالقصر: فيستعمل في الشرِّ خاصة. فإن قيل: كيف مُكُنوا من الثناء بالشرِّ، مع الحديث الصحيح في ((البخاري))، وغيره في النهي عن سَبِّ الأموات(١)؟! (١) رواه البخاري (١٣٢٩)، من حديث عائشة رضي الله عنها. ٥١٠ فالجواب: أن النهي في سبِّ الأموات إنما هو في غير المنافق وسائر الكفار، وغير المتظاهر بفِسْق أو بِدْعة، وأما هؤلاء: فلا يحرم ذكرهم بالشرِّ؛ للتحذير من طريقتهم، ومن الاقتداء بآثارهم، وهذا الحديث محمول على أن الذي أثنوا عليه شرّاً كان مشهوراً بنفاق أو نحوه، وأما معناه: ففيه قولان للعلماء: أحدهما: أن هذه الثناء بالخير لمَن أثنى عليه أهلُ الفضل، وكان ثناؤهم مطابقاً لأفعاله، فیکون من أهل الجنة، فإن لم یکن کذلك؛ فليس هو مراداً بالحديث. والثاني - وهو الصحيح المختار -: أنه على عمومه وإطلاقه، وأن کل مسلم مات، فألهم الله تعالی الناسَ أو معظمهم الثناءَ علیه؛ كان ذلك دليلاً على أنه من أهل الجنة، سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا؛ لأنه إن لم تكن أفعالُه تقتضيه؛ لم يكن للثناء فائدةٌ؛ وقد أثبت النبيُّ ◌َّ له فائدة(١). (ط): لا ارتيابَ أن قول رسول الله بَار: ((وجبت)) بعد ثناء الصحابة حكمٌ عَقِب وصفاً مناسباً، وهو يشعر بالعِليَّة، وكذلك الوصف بقوله: ((أنتم شهداء الله))؛ لأن الإضافة للتشريف، وأنهم بمكان ومنزلة عالية عند الله، وهو أيضاً كالتزكية من رسول الله وَّي لأُمَّته، وإظهار عدالتهم بعد أداء شهادتهم لصاحب الجنازة، فينبغي أن يكون لها أثرٌ ونَفْع في حقه، وأن الله تعالی یقبل شهادتهم، ويحقِّق ◌ُنونَهم في حق المُثْنى عليه؛ كرامة لهم وتفضُّلاً عليهم؛ كالدعاء، والشفاعة، فيوجب لهم الجنة أو النار على سبيل الوعد أو الوعيد؛ (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٢٠). ٥١١ لأن وعده حقٌّ لابد من وقوعه، فهو كالواجب؛ إذ لا أثر للعمل، ولا شهادة في الوجوب، وإلى معنى الخبر يرمز قولُه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًّا لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ أي: جعلناكم عُدولاً خِياراً؛ لتشهدوا على غيركم، ويكون الرسول رقيباً مُهَيْمِناً عليكم، ومُزَكِياً لكم، ويبيِّن عدالتكم(١). (مظ): تأويل قَطْعِهِ وَّه للأول بالجنة، وللثاني بالنار: أنه أطلعه الله تعالى على ذلك، وليس هذا الحكمُ عاماً في حق مَن شهد له جماعةٌ بالجنة أو بالنار. ألا ترى أنه لا يجوز أن يُقْطَع بكون أحد من أهل الجنة، أو من أهل النار، وإن شهد له جماعة كثيرة؟! بل يُرجى الجنة لمن شهد له جماعة بالخير، ويُخاف النار لمن شهد له جماعة بالشرٌ(٢). ٩٥١ - وعَنْ أَبِي الأَسْوَدِ، قالَ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ، فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﴾، فَمَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ، فَأُنْنِيَ عَلى صَاحِبِها خَيْراً، فَقَالَ عُمَرُ: وَجَبَت، ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِها خَيْراً، فَقَالَ عُمَرُ: وَجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ بِالنَِّئَةِ، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِها شَرّاً، فَقَالَ عُمَرُ: وَجَبَتْ. قَالَ أَبُو الأَسْوَدِ: فَقُلْتُ: وما وَجَبَتْ (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٣٩٦). (٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٢ / ٤٣٧). ٥١٢ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟ قالَ: قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ وَلِ: ((أَيَّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرِ، أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ»، فَقُلْنَا: وثَلاثَةٌ؟ قالَ: ((وَثَلاَثَةٌ))، فَقُلْنا: واثنَانِ؟ قالَ: ((واثْنَانِ))، ثُمَّ لَمْ نَسأَلُهُ عَنِ الواحِدِ. رواه البخاريُّ. * قوله: «فأثني على صاحبها خیر)) : (ن): هكذا وقع وفي بعض الأصول ((خيراً)، و((شراً) بالنصب منصوبٌ بإسقاط الجار؛ أي: فأُثني بخير، وأُثني بشر (١). سيأتي في (الباب الثامن والخمسين بعد المئة) قولُهُ وَّهِ: ((لا تَسْبُّوا الأَمْواتَ؛ فإنَّهِم قَدْ أَفْضَوْا إلى ما قَدَّمُوا)) . (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٩). ٥١٣ ١٦٤ -باب فضلٍ مَنْ ماتَ له أولاد صغارٌ ٩٥٢ - عَنْ أَنَسِ عَ﴿ه، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((مَا مِنْ مُسلِمٍ يَمُوتُ لَهُ ثَلاَثَةٌ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ، إِلَّ أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ بِفَضْلٍ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ)) متفقٌ عليه. * قوله ولفر: ((لم يبلغوا الحنث)): (نه): أي: لم يبلغوا مَبْلِغَ الرجال، ويجري عليهم القلم، فيُكتبَ عليهم الحِنْث، وهو الإثم، وقال الجَوْهريُّ: بلغ الغلام الحِنْثَ؛ أي: المعصية والطاعة(١). (ق): وإنما خصَّهم بهذا الحدِّ؛ لأن الصغير حُبُّه أشدُّ، والشَّفَقَةُ عليه أعظم، انتھی(٣). ويحتمل أن يقال: إن الأطفال الذين لم يبلغوا الحِنْث مغفورٌ لهم، مقطوع لهم بالجنة، مرحومون برحمة لا يُقادَر قدرُها ولا يُكْتَنَهُ كُنْهُها، فبفضل رحمته تعالى إياهم يُدخِلُ والديهما الجنة. (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٤٤٩). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٣٨). ٥١٤ (ق): قيده بقوله: (يحتسبهم)) كما جاء في بعض الروايات(١)؛ لأن الأجور على المصائب لا تحصل إلا بالصبر والاحتساب، وإنما خصَّ الولد بثلاثة؛ لأن الثلاثة أول مراتب الكثرة، فتعظُم المصائب، فتكثر الأجور، وأما إذا زاد على الثلاثة: فقد يَخِفُّ أمر المصيبة الزائدة، كأنها صارت عادة وديَّدَناً؛ كما قال المُتنبّ : ثُمَّ اعترَفْتُ بها فَصَارَتْ دَیَدَنا أَنْكَرْتُ طَارِقَةَ الحَوَادِثِ مَرَّةً وقال آخر : وبَالمَصَائبٍ فِي أَهْلِي وَجِيرَانِي رُوَّعْتُ بِالبَيْنِ حتَّى ما أُرَاعُ بِهِ ويحتمل أن يقال: إنما لم يذكر ما بعد الثلاثة؛ لأنها من باب الأَخْرى والأَوْلى؛ إذ من المعلوم أن من كَثُرت مصائبُه؛ کَثُر ثوابُه، فاكتفى بذلك عن ذكره(٢). ٩٥٣ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ه، قالَ: قالَ رَسُولُ الله ◌َّةٍ: (لا يَمُوتُ لِأَحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ لا تَمَسُّهُ النَّارُ إِلاَّ تَحِلَّةَ القَسَمِ» متفقٌ عليه. (وَتَحِلَّةُ القَسَمِ)): قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَإِنِ يِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾ [مريم: ٧١]، والورود: هُوَ العُبُورُ عَلى الصِّرَاطِ، وَهُوَ جِسْرٌ مَنْصُوبٌ (١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٩ / ٤٢٤). (٢) المرجع السابق، الموضع نفسه. ٥١٥ عَلَى ظَهْرٍ جَهَنَّمَ عَافَانَاَ الله مِنْهَا . * قوله: (إلا تحلة القسم)): (ن): هي ما ينحلُّ به القسم، وهو اليمين، وقد جاء مُفسّراً في الحديث: أن المراد به قوله تعالى: ﴿وَإِن ◌ِّنكُمْ إِلََّ وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، وبهذا قال أبو عُبيد وجمهور العلماء، والقسم مقدر؛ أي: والله؛ إن منكم، وقيل: قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ﴾ [مريم: ٦٨](١) . (ق): وقيل قوله تعالى: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١]؛ أي: قسماً واجباً، كذا فسَّره ابن مسعود والحسن(٢). (ن): وقال ابن قتيبة: معناه: تقليل مدة ورودها، قال: و((تحلة القسم)) تستعمل في هذا في كلام العرب، وقيل: تقديره: ولا تَحِلَّة القسم، ولا تمسُّه النار أصلاً، ولا قَدْراً يسيراً كتَحِلَّة القسم(٣). (ق): كما قيل في قوله: وكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُه أَخُوهُ لَعَمْرُ أَبِيِكَ إِلَّ الفَرْقَدَانِ أي: ولا الفَرْقَدان على أحد الأقوال فيه (٤). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٨٠). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٣٩). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٨٠). (٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٤٠). ٥١٦ (ن): والمراد بقوله ﴿ وَإِن ◌ِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]: المرور على الصراط، وهو جسر ممدود عليها، وقيل: الوقوف عندها، انتهى(١). قال مُخيي السنة في ((معالم التنزيل)): قال ابن عباس - وهو قول الأكثرين -: معنى الورود هنا: الدخول، والكناية راجعة إلى النار، وقالوا: النار يدخلها البَرُّ والفاجر، ثم ينجي الله المتقين، فيخرجهم منها، والدليل عليه: قوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارِّ ﴾ [هود: ٩٨]. وعن عمرو بن دينار أن نافع بن الأزرق خالف ابن عباس في معنى الورود، وقال: ليس الورود الدخولَ، فقرأ ابن عباس: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَرِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، أدخلها هؤلاء أم لا؟ ثم قال: يا نافع؛ أما والله؛ أنا وأنت سنرِدُها، وأنا أرجو أن يخرِ جَني الله، وما أرى أنه يخرجك منها بتكذيبك. وقال قوم: ليس المراد من الورود الدخولَ، وقالوا: النار لا يدخلها مؤمن أبداً؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْفَ أُوْلَّهِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴿ لَا يَسَمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: ١٠١ - ١٠٢]، وقالوا: كل من دخلها لا يخرج منها، قالوا: الورود: الحضور، لا الدخول؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٣]. وقال عكرمة: الآية في الكُفَّار؛ فإنهم يدخلونها، ولا يخرجون منها. وقال ابن مسعود: الكناية راجعة إلى القيامة، والأول أصح، وعليه أهل السُّنَّة: أنهم جميعاً داخلون النار، ثم يخرج الله منها أهلَ الإيمان؛ (١) انظر: ((شرح مسلم) للنووي (١٦ / ١٨١). ٥١٧ بدليل قوله تعالى: ﴿ ثُمَّنُنَجِى الَّذِينَ اتَّقَواْ﴾ [مريم: ٧٢]، والنجاة إنما تكون ممَّا دخلتَ فيه، ولقوله وَّه في هذا الحديث: ((إلا تَحِلَّةَ القسم)). وأما قوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: ١٠٢]: قيل: إن الله أَّ أخبر عن وقت كونهم في الجنة أنهم لا يسمعون حَسِیسَها، ويجوز أن یکون قد سمعوا قبل ذلك؛ لأنه لم يقل: لم يسمعوا، ويجوز أن لا يسمعوا حَسِيسَها عند دخولهم إياها؛ لأن الله تعالى يجعلها عليهم برداً وسلاماً. وقال خالد بن مَعْدَانَ: يقول أهل الجنة: ألم يعدنا ربنا أنا نرد النار؟ فيقال: بلى، ولكنكم وردتم بها وهي خامدة، وفي الحديث: ((تَقُولُ النَّارُ للمُؤمِن: جُزْيا مُؤمِنُ فَقَدْ أَطفاً نُورُكَ لَهَبِي))(١). وروي عن مجاهد قال: مَنْ حُمَّ من المسلمين؛ فقد وردها، في الحديث: ((الحُمَّى مِن جَهَنَّمَ، وهي حَظُّ المُؤمِن منَ النَّارِ))(٢). قال الحافظ عماد الدين بن كثير: روى أحمد في ((مسنده)) عن أبي سُميَّةَ قال: اختلفنا في الوُرود، فقال بعضُنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضهم: يدخلونها جميعاً، ثم يُنجِّي الله الذين اتقوا، فلقيت جابر بن عبدالله، فقلت: إنا اختلفنا في الورود، فقال: يرِدُونها جميعاً، وفي رواية: يدخلونها جميعاً، وأَهْوَى بإصبعيه إلى أُذنيه، فقال: صُمَّا إن لم أكن سمعت رسولَ الله وَه (١) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢٢ / ٢٥٨) من حديث يعلى بن منية، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٦٢٢٣). (٢) رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٧٥٤٠)، من حديث أنس بن مالك ظبه، وانظر: ((معالم التنزيل)) للبغوي (٣/ ٢٠٤)، وحديث أنس ضعيف جدًّا. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٣٥٣٤). ٥١٨ يقول: ((لا يَبْقَى بَرٍّ ولا فَاجِرٌ إِلَّ دخلَها، فتكونُ على المُؤْمِنِ بَرْداً وسَلاماً، كَما كَانَتْ على إِبِرَاهِيمَ، حتَّى إنَّ لِلنَّارِ ضَجِيجاً من بَرْدِهم، ثم يُنجِّي اللهُ الذين أنَّقَوْا، ويذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِئِيً)(١). وروى ابن جريج عن عطاء قال: قال أبو راشد الحرورُّ ۔ وهو نافع بن الأزرق -: ﴿لَا يَسَّمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: ١٠٢]، فقال ابن عباس: ويلك، أمجنون أنت؟ أين قوله: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فَأَزْرَدَهُمُ النَّارِ ﴾ [هود: ٩٨]، ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾، ﴿ وَإِن مِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾ [ مريم: ٧١]، والله؛ [إن] كان دعاء مَن مضى: اللهم؛ أخرجني من النار سالماً، وأدخلني الجنة غانماً(٢). ٩٥٤ - وعَنْ أَبِي سَعيدِ الخُدْرِيِّ ﴾، قَالَ: جَاءَتِ امرأةٌ إِلى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله! ذَهَبَ الرِّجالُ بِحَديثِكَ، فَاجْعَلْ لَنَا مِنْ نَفْسِكَ يَوْماً نَأْتِيكَ فيهِ تُعَلِّمُنَا مِمَّا عَلَّمَكَ اللهُ، قَالَ: ((اجْتَمِعْنَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا))، فَاجْتَمَعْنَ، فَأَتَاهُنَّ النبيُّ وَهِ، فَعَلَّمَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ، ثُمَّ قَالَ: ((ما مِنْكُنَّ مِنِ امْرَأَةٍ تُقَدِّمُ ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَد إِلَّ كانُوا لَها حِجَاباً مِنَ النَّار)) فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: وَاثْنَيْنٍ؟ فَقَالَ (١) رواه الإمام أحمد في («المسند» (٣/ ٣٢٨)، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير» (٦١٥٦). (٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٩/ ٢٧٩). ٥١٩ رَسُولُ اللهِ((وَاثْنَيْنِ)) متفقٌ عليه. * قوله ويلقى: ((اجتمعن يوم كذا): (ق): فيه دلیل علی أن الإمام ينبغي له أن يُعلُّم النساء ما يحتجْن إليه من أمر أَدْيانِهِنَّ، وأن يَخصَّهن بيوم مخصوص بذلك، لكن في المسجد أو فيما كان في معناه؛ حتى تؤمن الخَلْوةُ بهن، فإن تمكَّن الإمام من ذلك بنفسه؛ فعل، وإلا؛ استنهض الإمامُ شيخاً يوثق بعلمه ودينه لذلك حتى يقوم بهذه الوظيفة، وفيه دلیل علی فضل نساء ذلك الوقت، وما كانوا عليه من الحِرْص على العلم، والحديث عن رسول الله وَّر؛ كما قالت عائشة رضي الله عنها: نِعْمَ النساءُ نساءُ الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياءُ أن يَتفقَّهْنَ في الدِّين(١). * قوله : ((واثنين)) : (ن): هذا محمول على أنه ◌َّ أوحي إليه عند سؤالها، أو قبله، أو بعده، وقد جاء في غير ((مسلم)): ((وواحدا) (٢)، انتهى(٣). أشار بهذا إلى ما في ((مسند أحمد))، ((والترمذي))، و((ابن ماجه)) عن أبي عُبيدة بن [عبد الله بن مسعود، عن أبيه قال: قال رسول الله وَّهُ: ((مَنْ قدَّمَ ثلاثةً لم يَبْلُغوا الحِنْثَ؛ كَانُوا لهُ حِصْناً حَصِيناً» . قال أبو ذَرٍّ: قَدَّمت اثنين، [قال: ((واثنين))]، قال أبي بن كعب سيِّد (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٤٠). (٢) رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٢٤٨٨)، من حديث جابر بن سمرة وهو حديث ضعيف. انظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (١١ / ٢٤٣). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٨١). ٥٢٠