Indexed OCR Text
Pages 361-380
أو قاعد؛ فإن الوارد يبدأ بالسلام بكل حال، سواء كان صغيراً أو كبيراً، قليلاً
أو كثيراً.
قال المُتَولِّي: إذا التقى رجل جماعةً، فأراد أن يخُصَّ طائفة منهم
بالسلام؛ كره؛ لأن القصد من السلام المؤانسة والألفة، وفي تخصيص
البعض إيحاشُ الباقين، وربما كان سبباً للعداوة، وإذا مشى في السوق، أو
الشوارع المطروقة كثيراً؛ فالسلام هاهنا إنما يكون لبعض الناس دون بعض؛
لأنه لو سلم على كُلِّ لتشاغل به عن كلِّ مهمٌّ، ويخرج به عن العُرف(١).
(ق): الناس إن تساوت أحوالهم؛ فخيرهم الذي يبدأ صاحبَه بالسلام؛
كالماشي على الماشي، والراكب على الراكب، غير أن الأَوْلَى مُبادرة ذوي
المراتب الدينية؛ كأهل العلم والفضل؛ احتراماً وتوقيراً، وأما ذوو المراتب
الدُّنيوية المَخْضة: فإن سلموا؛ رُدَّ عليهم، وإن ظهر عليهم إعجابٌ أو كِبْرٌ، فلا
يسلم عليهم؛ لأن ذلك مَعُونٌ على المعصية، وإن لم يظهر ذلك عليهم؛ جاز
التسليمُ عليهم، وابتداؤهم بالسلام أَوْلى بهم؛ لأن ذلك يدل على تواضعهم،
وإن تفاوتت؛ فالحكم فيها على ما يقتضيه هذا الحديث، يبدأ الراكب بالسلام
على الماشي؛ لعُلُوِّ مرتبته، ولأن ذلك أبعد لهم من الزُّهُوِّ، وأما الماشي: فقد
قيل فيه مثل ذلك، وفيه بُعْدٌ؛ إذ الماشي لا يُزْهَى بمشيه غالباً.
وقيل: هو مُعلَّل بأن القاعد قد يقع له خوفٌ من الماشي، فإذا بدأه
بالسلام؛ أمن ذلك؛ وهذا أيضاً بعيدٌ؛ إذ لا خُصوصيةَ للخوف بالقاعد،
وأشبه من هذا أن يقال: إن القاعد على حال وَقَارِ وثُبُوت وسُكون، فله مزية
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ /٣٠٣٨).
٣٦١
بذلك على الماشي؛ لأن حاله على العكس من ذلك، وهذه المعاني [التي]
تكلَّف العلماءُ إبرازها هي حِكَمٌ تناسب المَصالحَ المُحسِّنة والمُكمِّلة،
ولا نقول: إنها نُصِبَتْ نَصْبَ العلل الواجبة الاعتبار حتى لا يُعدل عنها، بل
يجوز ابتداء القاعد للماشي، وكذلك ابتداء الماشي الراكب؛ لأنه مُظْهِرٌ
للسلام ومُفْشٍ له (١).
(ك): الحكمة فيه: أن الصغير يتواضع مع الكبير ويُوقُّره، وكذا سلام
القليل على الكثير، وأما سلام الراكب على الماشي: فلئلا يتكبّر بركوبه
عليه، فأُمر بالتواضع له، وأما تسليم الماشي على القاعد: فهو من باب
الداخل على القوم، فبادر بالسلام؛ استعجالاً لإعلامهم بالسلامة، وأمانهم
من شرّه بالُّعاء لهم.
فإن قلت: فالمناسب أن يسلم الكبير على الصغير، والكثير على
القليل؛ لأن الغالب أن الصغيرَ يخاف من الكبير، والقليلُ من الكثير.
قلت: حيث كان الغالب في المسلمين أَمْنَ بعضهم من بعض؛ لوحظ
جانب التواضع الذي هو لازم السلام، وحيث لم يظهر رُجْحَان الطرفين
باستحقاق التواضع له؛ اعتبر الإعلام بالسلامة، والدعاء له رجوعاً إلى
ما هو الأصل من الكلام، ومقتضى اللفظ.
فإن قلت: فإذا كان المُشاة قليلاً، والقاعدون كثيراً؛ فباعتبار المشي:
السلام على الماشي، وباعتبار القِلَّة: على القاعد، فهما متعارضان، فما
حکمه؟
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٤٨٣).
٣٦٢
قلت: تساقط الجهتان، فخيرهما الذي يبدأ بالسلام، أو يرجح ظاهر
أمن الماشي، وكذلك الراكب فإنه يوجب الأمان؛ لتسلطه وعُلُوِّه. انتهى(١).
سبق قريباً کلام النواوي: أن الوارد يبدأ بالسلام بگُلِّ حال.
٨٥٨ - وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ صُدَيٍّ بْنِ عَجْلانَ البَاهِلِيِّ ◌َ﴿﴾، قالَ:
قالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِاللهِ مَنْ بَدَأْهُمْ بِالسَّلامِ) رواه
أبو داود بإسنادٍ جیدٍ.
ورواه الترمذيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ع ◌ُ: قِيلَ: يَا رَسُولَ الله!
الرَّجُلانِ يَلْتَقِيَانِ، أَّهُما يَبْدَأُ بِالسَّلاَمِ؟ قال: ((أَوْلاهُمَا بِاللّهِتَعالَى)).
قال الترمذيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ.
* قوله پر: «إن أولی الناس بالله)):
(ط): أي: أقربُ الناس من المتلاقين إلى رحمة الله مَن بدأ [بالسلام](٢).
(الكشاف): ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بَِّهِيمَ﴾ [آل عمران: ٦٨]؛ أي: إن أخصّهم
وأقربَهم منه(٣) .
(حس): عن عمر بن الخطاب ◌ُه: إن ممَّا يُصَفِّي لك وُدَّ أخيك
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٢/ ٧٨).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٠٤٤).
(٣) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (١ / ٣٩٩).
٣٦٣
ثلاثاً: أن تبدأه بالسلام إذا لقيته، وأن تدعوه بأحب أسمائه إليه، وأن توسِّع
له في المجالس، انتھی(١).
وفي ((شعب الإيمان)) للبيهقي: عن عبدالله، عن النبيِّنَّإِ قال: ((البَادِىُ
بالسَّلامِ بَرِيٌ منَ الكِبْرِ)»(٢).
(ن): ابتداء السلام سُنَّة مستحبة(٣)، ليست بواجبة، وهو سُنَّة على
الكفاية، فإن كان المُسلِّم جماعةً؛ كفى تسليم واحد منهم، ولو سلموا
کلُّهم؛ كان أفضل.
قال القاضي: ليس لنا سُنَّة على الكفاية إلا هذا.
قلت: تشميت العاطس أيضاً سُنَّة على الكفاية، وكذا الأضحية سُنَّة
في حق كل واحد من أهل البيت، فإذا ضخَى واحد منهم؛ حصل الشُّعار
والسُّنَّة لجميعهم، انتهى(٤).
٨٥٩ - عَنْ أَبِي هُريرةَ ه فِي حَدِيثِ المِسيءِ صَلاَتَهُ: أَنَّهُ
جاءَ فصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ إلى النبيِّ لَهَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ،
فقال: (ارْجِعْ فَصَلِّ؛ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ)، فَرَجَعَ فَصَلَّى، ثُمَّ جاءَ
(١) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١٢ / ٢٦٣).
(٢) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٨٧٨٦).
(٣) في هامش الأصل: ((مستحسنة)).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٤٠).
٣٦٤
فَسَلَّمَ عَلى النبيِّ وَ﴿ِ، حَتِى فَعَلَ ذلكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ.
متفقٌ عليه.
* قوله: ((جاء فصلى، ثم جاء إلى النبي ◌َّر، فسلم)):
(ش): فيه: أن الداخل على المسجد يبتدئ بركعتين تحية المسجد،
ثم يجيء، فيسلم، فتكون تحية المسجد قبل تحية أهله؛ فإن تلك حقُّ الله،
والسلام على الخلق هو حقٌّ لهم، وحق الله تعالى في مثل هذا أَوْلى
بالتقديم، بخلاف الحقوق المالية؛ فإن فيها نزاعاً معلوماً، والفرق بينهما
حاجةُ الآدميِّ، وعدم اتساع الحَقِّ الماليِّ لأداء الحقين، بخلاف السلام،
وكان عادة القوم معه يطير هكذا؛ كما في الحديث؛ فإنه ◌َّ أنكر عليه
صلاته، ولم ينكر عليه تأخيرَ السلام إلى ما بعد الصلاة.
وعلى هذا: فيُسنُّ لداخل المسجد إذا كان فيه جماعة ثلاثُ تحيات
مرتبة: أحدها أن يقول عند دخوله: باسم الله، والسلام على رسول الله، ثم
يصلي ركعتين تحية المسجد، ثم يسلم على القوم(١).
(ن): فيه: استحباب [السلام] عند اللقاء وإن تكرر، مع قُرب العهد،
ووجوب ردِّه في كل مرة.
وفيه: أن من أخلَّ ببعض واجبات الصلاة؛ لا تصح صلاته، ولا يُسمَّى
مُصلياً، بل يقال: لم يصلِّ.
فإن قيل : كيف تركه مراراً يصلي صلاة فاسدة؟
(١) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (٢ / ٤١٣).
٣٦٥
فالجواب: أنه لم يُؤْذَن له في صلاة فاسدة، ولا عُلِم من حاله أنه
يأتي بها في المرة الثانية والثالثة فاسدة، بل يحتمل أن يأتي بها صحيحة،
وإنما لم يُعلمه أولاً؛ ليكون أبلغَ في تعريفه وتعريف غيره في صفة الصلاة
المجزئة؛ كما أمرهم بالإحرام بالحَجِّ، ثم بفسخه إلى العمرة؛ ليكون أبلغَ
في تقرير ذلك عندهم(١).
(تو): فإن قيل: لم سكت عن تعليمه أولاً؟
قلنا: إن الرجل لمَّا رجع لإعادة الصلاة، ولم يستكشف الحال من
مورد الوحي والإلهام، ومصدر الشرائع والأحكام؛ كأنه اغتر بما عنده من
العلم، فسكت صلوات الله عليه عن تعليمه؛ زَجْراً، وتأديباً، وإرشاداً إلى
استكشاف ما استبهم عليه بالسؤال، فلمَّا رجع إلى السؤال، وطلب كشف
الحال؛ أرشده إليه، وبيَّن ما استبهم عليه، والعلم عند الله.
٨٦٠ - وعنهُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، قالَ: ((إِذَا لَقِيَ أَحَدُكُمْ
أَخَاهُ، فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَإِنْ حَالَتْ بَيْنَهُمَا شَجَرَةٌ، أَوْ جِدَارٌ، أَوْ
حَجَرٌ، ثُمَّ لَقِيَهُ، فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ) رواه أبو داودَ.
* قوله : («فإن حالت بينهما شجرة» :
(ط): فيه: حَثٌّ على إفشاء السلام، وأن يكون عند كل تغيير حال،
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ١٠٨).
٣٦٦
ولكل جَاءٍ وغادٍ(١).
(ن): يستثنى من ذلك مَقاماتٌ ومواضعُ، منها: إذا كان المُسلَّم عليه
مشتغلاً بالبول، والجماع، ونحوهما، فيكره أن يُسلَّم عليه، ومنها: إذا
كان نائماً، أو ناعساً، أو مُصلياً، أو مُؤذِّناً، [وكذلك] في حال المبايعة في
المعاملات، فيسلم ويجب الجواب.
وأما السلام في حال خطبة الجمعة: فقال أصحابنا: يكره الابتداء به؛
لأنهم مأمورون بالإنصات، فإن خالف وسلَّم؛ فهل يُرَدُّ عليه؟ فيه خلاف
لأصحابنا، منهم مَن قال: لا يُرَدُّ، ومنهم من قال: إن قلنا: إن الإنصات
واجبٌ؛ لا يُرَدُّ، وإن قلنا: سُنَّةٌ رَدَّ عليه واحدٌ من الحاضرين فحَسْبُ.
وأما السلام على القارئ: فقال الواحديُّ: الأَوْلَى ترك السلام عليه،
فإن سلم عليه؛ كفاه الردُّ بالإشارة، وإن رَدَّ باللفظ؛ استأنف الاستعاذة،
قال: والظاهر: أنه يجب الردُّ باللفظ (٢).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ /٣٠٤٥).
(٢) انظر: ((الأذكار)) للنووي (ص: ١٩٨).
٣٦٧
١٣٥- باب
استحبابِ السلامِ إذا دخلَ بيتَهُ
* قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُ يُوتًا فَسَلِّمُواْ عَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةٌ مِنْ
عِندِ اللَّهِ مُبَرَكَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ [النور: ٦١].
(باب استحباب السلام إذا دخل بيته)
* قوله: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةٌ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [النور:
٦١]، سبق في (الباب الرابع بعد المئة).
٨٦١ - وعَنْ أَنَسِ ﴿ه، قالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ: ((يَا بُنَيَّ!
إِذَا دَخَلْتَ عَلى أَهْلِكَ، فَسَلِّمْ، يَكُنْ بَرَكَةً عَلَيْكَ، وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ))
رواه الترمذيُّ، وقالَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
* قوله ◌َّافي: ((يكن بركة عليك وعلى أهل بيتك))، وذلك أن السلام
تحية مباركة طيبة، فالداخل على أهله إذا سلم عليهم؛ يستفيد منهم البركة
ویُفیدهم.
٣٦٨
وفي ((سنن أبي داود)) عن أبي أمامة قال: قال رسولُ اللهِلَِّ: ((ثَلاثَةٌ
كُلُّهُمْ ضَامِنٌ عَلى اللهِ: رَجُلٌ خرجَ غَازِياً في سَبِيلِ الله؛ فهُوَ ضَامِنٌ عَلى الله
حَتَّى يَتوَفَّاهُ، فَيُدخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ يَرُدَّهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ، أَو غَنِيمَةٍ، وَرَجُلٌ
راحَ إلى المَسْجِد؛ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلى اللهِ، ورَجُلٌ دخلَ بِيتَهُ بِسَلامٍ؛ فَهُوَ
ضَامِنٌ عَلى اللهِ))(١).
وذهب بعضُ العلماء إلى أن معنى الحديث: أن التسليم على أهل
البيت، والتعهُّد لهم، والتفخُّصَ عن أحوالهم صلةٌ للرّحِم، وهي طاعة عظيمة
یبارك الله علی مَن أتى بها .
وروي هذا الحديث بأطولَ من هذا: ((أَسْبغ الوُضُوءَ؛ يُزَدْ في عُمُرِكَ
وسَلُّمْ على أَهْلِ بَيْئِكَ؛ يَكْثُرْ خَيْرُ بَيْتِكَ، وسَلِّمْ عَلى مَنْ لَقِيتَهُ مِن أُمَّتِي؛
تَكْثُرْ حَسَنَاتُكَ، ولا تَنَمْ إِلَّ وَأَنْتَ طَاهِرٌ؛ فإنَّكَ إِنْ مُتَّ؛ مُتَّ شَهِيداً، وصَلِّ
صَلاةَ الضُّحَى؛ فإنَّهَا صَلاةُ الأَوَّابِينَ مِن قَبْلِكَ، وصِلِ اللَّيْلِ بِالنَّهَارِ؛
يَحْفَظْكَ الحَفَظَةُ، ووَقْرِ الكَبِيرَ، وارْحَمِ الصَّغِيرَ؛ تَلْقَنِي غَداً)(٢).
(١) رواه أبو داود (٢٤٩٤). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب))
(١٦٠٩).
(٢) رواه أبو يعلى في («مسنده)) (٤١٨٣). وهو حديث ضعيف جدًّا. انظر: ((السلسلة
الضعيفة)) (٥٨٤٦).
٣٦٩
١٣٦- ياس
السلامِ على الصبيانِ
٨٦٢ - عَنْ أَنَسِ ﴾: أَنَّهُ مَرَّ عَلى صِبْيانٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ،
وقال: كانَ رَسُولُ اللهِ يَفْعَلُهُ. متفقٌ عليه.
* قوله: ((مر على صبيان فسلم عليهم))، سبق شرحه في (الباب
الحادي والسبعين).
٣٧٠
١٣٧ - باب
سلامِ الرجلِ على زوجتِهِ والمرأةِ مِن مَحارِمِه وأجنبيَّاتٍ
لا يخافُ الفتنةَ بهنَّ وسلامِهِنَّ بهذا الشَّرطِ
٨٦٣ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ◌َ﴾، قالَ: كانَتْ فِينا امْرَأَةٌ - وفي
روايةٍ: كانَتْ لنا عَجُوزٌ - تَأْخُذُ مِنْ أُصُولِ السِّلْقِ، فَتَطْرَحُهُ في
القِدْرِ، وَتُكَرْكِرُ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ، فَإِذَا صَلَّيْنَاَ الجُمُعَةَ، وَانْصَرَفْنَا،
نُسَلِّمُ عَلَيْهَا، فَتُقَدِّمُهُ إِلَيْنَا. رواه البخاريُّ.
* قوله: «تُکرکِرُ))؛ أَيْ: تَطْحَنُ.
* حدیث سهل بن سعد فيه فوائد:
منها: استحباب تقديم الطعام إلى الإخوان الزائرين، رُوي عن علي ◌َُّه
قال: لأن أجمعَ إخواني على صاع من طعام أَحتُّ إليَّ من أن أُعتِقَ رقبة.
ومنها: فضيلة الإيثار، وأن لا يحتقر ما عنده، وإن كان نزّراً حقيراً ليس
فيه شيء من اللُّحوم والدُّسومات، فما كان لله؛ يبارك فيه، وتقبله القلوب
الزكية؛ كما ذكره سهل في آخر هذا الحديث: (فَكُنَّا نَتَمِنَّى يومَ الجُمُعَةِ؛
لطَعَامِهَا ذلك)(١).
(١) رواه البخاري (٨٩٦)، من حديث سهل بن سعد هـ
٣٧١
وفي ((الإحياء)): عن أنس بن مالك، وغيره من الصحابة: أنهم كانوا
يُقدِّمون ما حضر من الكِسَر اليابسة، وحَشَف التمر، ويقولون: لا ندري أيُّهما
أعظمُ وزراً؟ الذي يحتقر ما يُقدَّم إليه، أو الذي يحتقر ما عنده أن يُقدِّمه.
ومنها: بيان ما كانت الصحابة عليه من القناعة، وعدم حرصهم على
الدنيا ولذَّاتها(١).
(١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٢ / ١١).
٣٧٢
١٣٨- باب
تحريم ابتدائِنا الكفارَ بالسلامِ، وكيفيةِ الردّ عليهم،
واستحبابِ السلامِ على أهلِ مجلسٍ فيهم مسلمونَ وكفارٌ
٨٦٦ - عَنْ أبي هُرَيرَةَ﴿: أَنّ رَسُولَ اللهِهِ قالَ: ((لا تَبْدَؤُوا
اليَهُودَ ولا النَّصَارِى بِالسَّلامِ، فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُم في طَرِيقٍ،
فَاضِطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ) رواه مسلمٌ.
* قوله {قالفيه: ((لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام)):
(ق): إنما نهى عن ذلك؛ لأن ابتداء السلام إكرامٌ، والكافر ليس
أهلاً لذلك، فالذي يناسبهم الإعراض عنهم، وترك الالتفات إليهم؛
تصغيراً لهم، وتحقیراً لشأنهم، حتی کأنهم غير موجودین(١).
(ن): مذهبنا: تحريم ابتدائنا إياهم بالسلام، ووجوب رَدِّه عليهم؛
بأن يقول: وعليكم، أو: عليكم فقط، وبه قال أكثر العلماء، وعامَّة
السلف، وذهبت طائفة إلى جواز ابتدائنا لهم بالسلام، رُوي ذلك عن ابن
عباس، وأبي أُمامة، وابن مُحَيْرِيز، وهو وجهٌ لبعض أصحابنا، لكنه يقول:
السلام عليك، ولا يقول: عليكم بالجمع، واحتجَّ هؤلاء بعُموم الأحاديث
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٤٩٠).
٣٧٣
في إفشاء السلام، وهي حُجَّة باطلة؛ لأنه عامٌّ مخصوصٌ بهذا الحديث.
وقال بعض أصحابنا: يكره ابتداؤهم بالسلام، ولا يحرم، وهذا
ضعيفٌ أيضاً؛ لأن النهي للتحريم، فالصواب: تحريم ابتدائهم.
وحكى القاضي عن جماعة: أنه يجوز ابتداؤهم للضرورة والحاجة،
وهو قول علقمة والنَّخَعيِّ.
وعن الأوزاعي: أنه قال: إن سلَّمتُ؛ فقد سَلَّم الصالحون، وإن
أتركْ؛ فقد ترك الصالحون(١).
وأما المُبتَدِعِ، ومن اقترف ذنباً عظيماً، ولم يتب منه: فينبغي أن
لا يُسلَّم عليهم، ولا يُرَدَّ السلام عليهم، كذا قاله البخاريُّ وغيره من
العلماء، واحتجُّوا بحدیث کَعْبِ المشهور.
وقال عبدالله بن عمرو: لا تسلموا على شَرَبةِ الخمر .
قلت: فإن اضطر إلى السلام على الظَّلَمة، وخاف ترتُّبَ مفسدة في
دينه أو دنياه إن لم يسلم؛ سَلَّم عليهم، وينوي أن السلام اسمٌ من أسماء الله
تعالی، المعنی: الله رقیبٌ علیکم، انتھی.
قال في ((الأذكار)): ولو سَلَّم على مَن لم يعرفه، فبان ذمِّياً؛ استُحِبَّ
أن يستردَّ سلامَه؛ بأن يقول: استرجعت سلامي؛ تحقيراً له(٢).
قوله: ((إلى أضيقه)):
(ق): أي: لا تتنخَّوْا لهم عن الطريق الضيِّق؛ إكراماً لهم، واحتراماً،
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٤٥).
(٢) انظر: ((الأذكار)) للنووي (ص: ٢٠٠).
٣٧٤
وعلى هذا: فتكون هذه الجملة مناسبة للجملة الأولى في المعنى والعطف،
وليس معناه: أنا إذا لقيناهم في طريق واسع؛ أنا نلجئهم إلى حَرْفِه حتى نضَيِّقَ
عليهم؛ لأن ذلك أذىّ منا لهم من غير سبب، وقد نُهينا عن أذاهم(١).
(ن): قال أصحابنا: لا يترك للذمِّيِّ صدرُ الطريق، بل يُضطر إلى
أضيقه إذا كان المسلمون يطرقون، فإن خلت الطريق عن الزَّحمة؛ فلا
حرج، قالوا: وليكن التضييق؛ بحيث لا يقع في وَهْدَة، ولا يَصْدِمُه جدارٌ
ونحوه(٢).
٨٦٧ - وعَنْ أَنَسِ عَظُه، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((إِذَا سَلَّمَ
عَلَيْكُمْ أَهْلُ الكِتَابِ، فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ)) متفقٌ عليه.
* قوله: ((وعليكم) :
(ن): اتفق العلماء على الردِّ على أهل الكتاب إذا سلموا، لكن لا يقال
لهم: وعليكم السلام، بل: وعليكم فقط، بإثبات الواو وحذفها، وأكثر
الروايات بإثباتها، وعلى هذا: ففي معناه وجهان:
أحدهما: أنه على ظاهره، فقالوا: عليكم الموت، فقال: وعليكم
الموت؛ أي: نحن وأنتم فيه سواء، كُلُّنا يموت.
والثاني: أن الواو هنا للاستئناف، لا للعطف والتشريك، وتقديره:
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ /٤٩٠).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٤٧).
٣٧٥
وعليكم ما تَستحِقُونه من الذمّ.
قال القاضي: اختار بعضُهم، منهم ابنُ حبيب المالكيُّ حذفَ الواو؛
لئلا تقتضي التشريك، وقال غيره بإثباتها؛ كما هو في أكثر الروايات، قال:
وقال بعضهم: يقول: وعليكم السِّلام، بكسر السين؛ أي: الحجارة، وهذا
ضعيف.
قال الخَطَّابُّ: وعامَّة المُحدِّثين يروونه بالواو، وكان ابنُ عُبينة يرويه
بغير واو، قال: وهذا هو الصواب؛ لأنه إذا حذف؛ صار كلامهم بعينه
مردوداً عليهم خاصَّة، وإذا ثبت الواو؛ اقتضى المشاركة معهم فيما قالوه،
هذا كلام الخَطَّابيِّ.
والصواب: أن الحذف والإثبات جائز، وأن الواو أجودُ؛ كما هو في
أكثر الروايات، ولا مفسدة فيه؛ لأن السَّامَ الموتُ، وهو علينا، فلا ضرر
في قوله بالواو.
وقالت طائفة من العلماء: ولا يُرَدُّ عليهم السلام، ورواه ابن وهب
وأشهبُ عن مالك(١).
(ق): والاعتذار عن ذلك بأن ذلك بيانُ أحكام المسلمين؛ لأن سلام
أهل الدِّمَّة علينا ليس تحية لنا، وإنما هو دعاء علينا، كما قد بيَّنْه النبيُّ ◌َه
بقوله: ((إنَّما يَقُولُون: السَّامُ))، فلا هم يُحَيُّونا، ولا نحن نردُّ عليهم تحية،
بل دعاء عليهم ولعنة؛ كما فعلت عائشة رضي الله عنها.
(١) المرجع السابق (١٥ / ٢٣٣).
٣٧٦
وأمره ﴿ لنا بالردٌّ إنما هو لبيان الردِّ لما قالوه خاصَّة، وإن تحققنا من
أحدهم أنه تلفّظ بالسلام، ورددنا عليه بعليك فقط؛ لإمكان أن يريد بقلبه
غير ما نطق بلسانه، وقد اختار ابنُ طاوس في الردِّ عَلاكَ؛ أي: ارتفع
عليك، واختار بعضُ أصحابنا السِّلام، بكسر السين، بمعنى الحجارة،
وهذا كله تكلُّفٌ، بل ما قاله مالكٌ شَافٍ كَافٍ(١).
(تو): إثبات الواو في الردِّ عليهم إنما يحمل على معنى الدعاء لهم
بالإسلام، إذا لم يُعلم فيهم تعرُّض بالدعاء علينا، وأما إذا عُلم ذلك؛
فالوجه فيه: أن يكون التقدير: وأقول: عليكم ما تستحقونه، وإنما اختار
هذه الصيغة؛ لكونه أبعدَ من الإيحاش، وأقربَ إلى الرِّفق؛ فإن ردَّ التحية
يكون إما بأحسنَ منها، أو بقولنا: وعليك السلام، والرد عليهم بأحسنَ ممَّا
يحيونا به لا يجوز، ولا يُرَدُّ بأقلَّ من قولنا: وعليك، وأما الردُّ بغير الواو:
فظاهر؛ أي: عليكم ما تَسْتَحِقُونُهُ.
٨٦٨ - وعن أُسَامَةَ ﴾: أَنَّ النبيَّ ◌َِّ مَرَّ عَلى مَجلِسٍ فِيهِ
أَخلاطٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، والمُشرِكِينَ عَبَدَةِ الأوثَانِ، واليَهُودِ، فَسَلَّمَ
عَلَيْهِمُ النبيُّ ◌َِّ. متفقٌ عليه.
· قوله: ((فسلم عليهم)) :
(ن): لو مرَّ على جماعة فيهم مسلمون وكُفَّار، أو مسلم وكُفَّار:
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٤٩٢).
٣٧٧
فالسُّنَّة أن يُسلِّم، ويَقصِد المسلمين، أو المسلم، ولو كتب كتاباً إلى
مُشرك: فالسُّنَّة أن يكتب كما كتب رسول الله وَّهُ: ((عَلى مَن ◌ِتَّبَعَ
الهُدى))(١).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٤٥).
٣٧٨
١٣٩- باب
استحبابِ السلامِ إذا قامَ من المجلسِ
وفارق جلساءَه أو جليسَهُ
٨٦٩ - عن أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَفِ: ((إذا
انْتَهَى أَحَدُكُمْ إِلَى المَجْلِسِ، فَلْيُسَلِّمْ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ، فَلْيُسَلِّمْ،
فَلَيْسَتِ الأُولى بِأَحَقَّ مِنَ الآخِرَةِ) رواه أبو داود، والترمذيُّ، وقالَ:
حديثٌ حسنٌ.
* قوله ◌َّ: ((فليست الأولى أحق من الآخرة»:
(ط): قيل: كما أن التسليمة الأولى إخبارٌ عن سلامتهم من شرِّه عند
الحضور؛ فكذلك الثانية إخبارٌ عن سلامتهم من شرِّه عند الغَيْبة، وليست
السلامة عند الحضور أَوْلى من السلامة عند الغَيْية، بل الثانية أَوْلِى(١).
(ن): ظاهر هذا الحديث يدل على أنه يجب على الجماعة ردُّ السلام
على الذي سلم على الجماعة عند المُفارقة، قال القاضي حُسين، وأبو
سعيد المُتولِّي: هذا الردُّ يستحب، ولا يجب؛ لأن التحية إنما تكون عند
اللقاء، لا عند الانصراف، وأنكره الشَّاشيُّ، وقال: إن السلام سُنَّة عند
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ /٣٠٤٩).
٣٧٩
الانصراف، كما هو سُنَّة عند اللقاء، وكما يجب الردُّ عند اللقاء؛ كذلك
عند الانصراف، وهذا هو الصحيح(١).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٤٩).
٣٨٠