Indexed OCR Text
Pages 181-200
وقيل: لأنه يُنِْنُه، أو لأنه مُستقذَرٌ (١). (ق): رُوي عن أبي سعيد: أن رجلاً شرب من في السِّقاء، فانساب جانٌّ في بطنه، فنهى النبيُّ ◌َّهِ عن اخْتِنَاثِ الأَسْقِيَةِ، وأن يُشرَبَ من أفواهها، ذكره أبو بكر بن أبي شيبة من رواية الزُّهريٌ(٢). (قض): [يحتمل) أن يكون النهي؛ لئلا يصبَّ الماء في حلقه عَبّاً؛ فإن جريان الماء وانصبابه في الحلق دفعة مُضِرٌّ بالمعدة، وقد أمر النبيُّ ◌َه بمَصِّ الماء عند شربه، ولا يقدر على المَصِّ من فم السِّقاء، بخلاف فَمِ القَدَح والكُوزِ (٣) . (ق): ورد في الحديث أن النبيَّ وَّهِ قام إلى قربة فخَثَها، وشرب منها، فهذا إن صح؛ فمَحْمَلُه على أنه علم أنه لم يكن هناك شيء يضُرُّ، وأنه ◌َّهِ لم يكن يُستَقْذَرُ منه شيءٌ، بل كان كل ما يُستَقْذَر من غيره؛ يُستطاب منه، وتطيب به الأشياء(٤). (خط): روى أبو داود أن النبي ◌َّ قال الرجل: «أَخْنِث فَمَ الإِدَاوَةِ، ثُمَّ اشْرَبْ مِنْ فِيهَا))(٥)، فيحتمل أن يكون النهي إنما جاء عن ذلك إذا شرب (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٩ / ١٣٠). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥/ ٢٨٧). والخبر رواه ابن أبي شبية في ((المصنف)) (٢٤١٢٧). (٣) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ١٢٩). (٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٢٨٨). (٥) رواه أبو داود (٣٧٢١)، من حديث عبدالله بن أنيس الأنصاري ظُه. وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف أبي دواد)) (٧٩٧). ١٨١ من السِّقاء الكبير، دون الإداوة ونحوها، ويحتمل أن يكون إنما أباحه للضرورة والحاجة إليه في الوقت، وإنما الممنوع عنه أن يتخذه الإنسان عادةً. وقيل: إنما أمره بذلك؛ لسَعَة فم السِّقاء؛ لئلا ينصبَّ عليه الماء (١). (حس): رُوي عن عكرمة عن أبي هريرة النهيُ عن الشرب من في السِقاء، فقيل لعكرمة: فمِنَ الرَّصَاصَةِ يُجعل في السِّقاء؟ قال: لا بأس به، إنما يُمَصُّ مثل الثَّدْي(٢). (١) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٤ / ٢٧٤). (٢) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١١ / ٣٧٨)، والخبر رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٩٥٩٦). ١٨٢ ١١٣ - باب كراهةِ النفخِ في الشرابِ ٧٦٥ - عن أبي سعيد الخدريِّهِ: أَنَّ النبيَّ ◌َهُ نَهَى عَن النَّفْخِ في الشَّرَابِ، فَقالَ رَجُلٌ: القَذَاةُ أَراها في الإناءِ؟ فقال: (أَهْرِتْهَا))، قال: إِنِّي لا أَرْوَى مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ؟ قال: ((فَأَبِنِ القَدَحَ إِذاً عَنْ فِيكَ)) رواه الترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. * قوله: ((نهى عن النفخ في الشراب)»: (خط): النفخ إنما يكون لأحد معنيين، فإن كان من حرارة الشراب؛ فليصبر حتى يبرُدَ، وإن كان من أجل قذَىّ؛ فليُمِطْه بإصبع، أو بخِلال، أو نحوه، و[لا] حاجة به إلى النفخ بحال(١). * قوله: «أهرتها»: (مظ): يعني: صُبَّ بعض ماء الإناء؛ لتخرج معه تلك القَذَاةُ بإصبعك؛ لئلا يحصل للناس تنقُّر، انتهى(٢). (١) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٤ / ٢٧٥). (٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٤ / ٥٣٥). ١٨٣ ١١٤- باس بيانِ جوازِ الشربِ قائِماً، وبيانِ أَنَّ الأكملَ والأفضلَ الشربُ قاعداً فيه حديث كبشةَ السابقُ ٧٧١ - وعن أَنَسٍ ﴾، عن النبيِّ ◌َِّ: أَنَهُ نَهَى أَنْ يَشرَبَ الرَّجُلُ قَائماً. قال قتادة: فَقُلْنَا لأَنَسٍ: فالأَكْلُ؟ قالَ: ذَلِكَ أَشَرُّ - أَو أَخْبَثُ ـ رواهُ مسلم. وفي رواية له: أَنَّ النبيَّ ◌َِّ زَجَرَ عَن الشُّرْبِ قَائماً. * قوله: ((عن أن يشرب الرجل قائماً): (ش): للشرب قائماً آفات عديدة : منها: أنه لا يحصل الرِّيُّ التامُّ، ولا يستقر في المعدة، حتى يَقْسِمه الكبدُ على الأعضاء، وينزل بسرعة وحِدَّة إلى المعدة، فيُخشى منه أن يُبِدَ حرارتها، ويُشوِّشَها، ويُسرع النُّفوذَ إلى أسفل البدن بغير تدريج، وكل هذا يضرُّ بالشارب، فأما إذا فعله نادراً، أو لحاجة: فلا يضرُّه، ولا يعترض بالعوائد على هذا؛ فإن العوائد طبائع ثَوَانٍ، ولها أحكام أخرى، وهي بمنزلة الخارج عن القياس عند الفقهاء(١). (١) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (٤ /٢٢٩). ١٨٤ (ن): هذا النهي محمول على كراهة التنزيه، وأما شربه وص له قائماً: فبيانٌ للجواز، فلا إشكال، ولا تعارض، وهذا الذي ذكرناه يتعيَّن المصير إليه، وأما من زعم نسخاً أو غيره: فقد غَلِط غلطاً فاحشاً، فكيف يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع؟ ولا يمكن دعوى النسخ إلا إذا أثبت التاريخ، وأنَّى له بذلك؟! فإن قيل: كيف يكون الشرب قائماً مكروهاً، وقد فعله النبي (مليار؟! فالجواب: أن فعله وَل﴿ إذا كان بياناً للجواز؛ لا يكون مكروهاً، بل البيان واجب عليه، فكيف يكون مكروهاً؟ وقد ثبت أنه يَّ ر توضأ مرة مرة، وطاف على بعيره، مع الإجماع على أن الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، والطواف ماشياً أكمل، ونظائر هذا غير منحصرة، وكان النبيُّ ◌َّهِ يُنْبِّه على جواز الشيء مرة أو مرات، ويواظب على الأفضل منه، وهذا واضح لا يتشگَّك فيه مَن له أدنى نسبةٍ إلى العِلْم(١). (مظ): شربه وَّل﴿ قائماً يُتأوَّل على أنه لم يجد موضعاً للقعود؛ لا زدحام الناس علی زمزمَ، أو ابتلال المکان، مع إمکان النسخ، وقد رُوي أن جابراً لمَّا سمع أنه شرب قائماً؛ قال: قد رأيته بعد ذلك نهى عنه، وعلى هذا الوجه يمكن التوفيق بين هذه الأحاديث(٢). (ق): لم يَصِرْ أحدٌ من العلماء فيما علمتُ إلى أن النهيَ عن الشرب قائماً للتحريم، وإن كان جارياً على أُصول الظاهرية، وإنما حمله بعضُ (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ١٩٥). (٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٤ / ٥٣٢). ١٨٥ العلماء على الكراهة؛ جمعاً بين الأحاديث، والجمهور على جواز الشرب قائماً، فمِنَ السَّلَف: أبو بكر، وعمر، وعليُّ ◌َ﴾، وجمهور الفقهاء، ومالك، مُتمسُّكين بفعل النبيِّ وَ﴿، فكأنهم رَأَوْا هذا الفعل متأخراً عن أحاديث النهي؛ فإنه كان في حَجَّة الوداع، ويُحقِّق ذلك حكمُ الخلفاء الثلاثة بخلافها، ويَبعُد أن تخفى عليهم تلك الأحاديث، مع كثرة علمهم، وشِدَّة ملازمتهم للنبي ◌َ﴿، وتشدُّدهم في الدِّين، وهذا إن لم يصلح للنسخ؛ فيصلح لترجيح أحد الحديثين على الآخر. وقد قيل: إن النهيَ عن الشرب قائماً إنما كان؛ لئلا يستعجل القائم فيعُبَّ، فيأخذَه الكُبَادُ، أو يَشْرَق، أو يأخذَه وجعٌ في الحلق، أو المعدة، وحيث شرب النبي وَ ل﴿ قائماً أُمِن ذلك، أو دعته إلى ذلك ضرورة أو حاجة، لا سيَّما وكان على زمزمَ، وهو موضع مُزْدَحَمِ الناس، أو لعله فعل ذلك؛ ليُريَ أنه ليس بصائم، أو لأن شرب ماء زمزم في مثل ذلك الوقت مندوبٌ إليه(١). * قوله: «فالأکل؟ قال: ذلك أشرُّ وأخبث»: (ن): هكذا وقع في الأصول ((أشر)) بالألف، والمعروف في العربية (شرٌّ) و(أشَرُّ)، وإن كان لغة قليلة الاستعمال؛ فلا ينبغي ردُّه، ولها نظائرُ ممَّا لا يكون معروفاً عند النحويين، وسببه: أنهم لم يحيطوا إحاطة قطعية بجميع كلام العرب؛ ولهذا يمنع بعضُهم ما يثبته غيره(٢). (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ /٢٨٥). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ١٩٦). ١٨٦ (ق): قول قتادة: (الأكل شرٍّ) شيءٌ لم يقل به أحد من أهل العلم فيما علمت، وعلى ما حكاه النَّقَلَةُ الحُفَّاظ؛ فهو رأيه، لا روايته، والأصل: الإباحة، والقياس خَلِيٍّ عن الجوامع(١). (مظ): رَخَّص الحسن البصري الأكل ماشياً للمسافر، وإن كان حذيفة يأكل راكباً، والمختار عند الأئمة: أنه لا يأكل راكباً، ولا ماشياً، ولا قائماً(٢). ٧٧٢ - وعَنْ أبي هُريرةَ عُه، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِلَّه : (لاَ يَشْرَبَنْ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَائِماً، فَمَنْ نَسِيَ، فَلْيَسْتَقِئْ)) رواهُ مسلم. * قوله : ((فمن نسي؛ فليستقئ)): (ن): هذا محمولٌ على الاستحباب والندب، فيُستحبُّ لمَن شرب قائماً أن يتقيَّأ؛ لهذا الحديث الصحيح الصريح؛ فإن الأمر إذا تعذَّر حملُه على الوجوب؛ حُمل على الاستحباب، وأما قول القاضي عياض: لا خلاف بين أهل العلم أن مَن شرب قائماً؛ ليس عليه أن يتقيّاً، وأشار بذلك إلى تضعيف الحديث: فلا يُلتفتُ إلى إشارته، وكون أهل العلم لم يوجبوا الاستقاءة لا يمنع كونَهَا مُستحبَّةً، فإن ادّعى مُدَّعِ منعَ الاستحباب؛ فهو مُجازفٌ لا يلتفت إليه، فمِنْ أين له الإجماعُ على منع الاستحباب؟ وكيف تترك هذه (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٢٨٥)، وفيه: ((خلي عن الجامع)). (٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٤ / ٥٣٢). ١٨٧ السُّنَّة الصريحة الصحيحة بالتوقُّمات، والدعاوي، والتَُّّهات؟! ثم اعلم أنه يُستحبُّ الاستقاءة لمن شرب قائماً، ناسياً، أو متعمداً، وذكر الناسي في الحديث ليس المراد به أن القاصد يخالفه؛ بل للتنبيه به على غيره بطريق الأولى؛ لأنه إذا أمر به الناسي، وهو غير مُخاطَب؛ فالعامد المُخاطَب المُكلَّف أَوْلَى، وهذا واضح لا شك فيه، لا سيَّما على مذهب الشافعيِّ والجمهور؛ في أن القاتل عمداً يلزمُه الكَفَّارة، وأن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَثَلَ مُؤْمِنَا خَطَئًا فَتَحْرِيُرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] لا يمنع وجوبَها على العامد، بل للتنبيه(١). (ق): القَيْءُ لمَن شرب قائماً، وإن لم يقل أحدٌ بوجوبه؛ لا يبعد أن يكون مأموراً به على جهة التطبُّب، وهو يؤيد قولَ مَن قال: إن النهيَ عن ذلك؛ مخافةَ مرض، أو ضرر؛ فإن القَيْءَ استفراغٌ ممَّا يُخاف ضرره(٢). (مظ): الأمر بالاستقاءة - وهو تكلُّفُ القَيْءِ - مُبالغةٌ في الزَّجْر عن الشرب قائماً(٣). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ١٩٥). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٢٨٦). (٣) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٤ / ٥٣١). ١٨٨ ١١٥- با استحبابِ كونِ ساقي القومِ آخرهم شرباً ٧٧٣ - عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﴿له، عن النبيِّ ◌َِّهِ، قال: ((سَاقِي القَوْم آخِرُهُمْ))؛ يعني: شُرْباً. رواه الترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. * قوله وفيه: ((ساقي القوم آخرهم شرباً)، قيل: هذا من مكارم الأخلاق؛ وذلك أن الساقيَ للقوم، وهم عِطاشٌ مَجْهودونَ، إذا ابتدأ لنفسه؛ دلّ على جشعه، وقِلَّة مُبالاته بأصحابه الذين اؤتمن عليهم، وجُعِل المالك لأرواحهم، وقِوامُ أبدانهم بيده، وأمر الماء عندهم شديد؛ فإنهم كثيراً ما يقتحمون البوادي، ويُعرِّضون أنفسهم لِلَعْجِ الهجائر، ووقَدَان الظهائر، ويفتخرون بذلك، ويتجلَّدون عليه، وكان يؤدي الحال إلى تقاسم الماء بينهم بالمَقْلَةِ، وهي حجر القَسْم. وقيل : الماء أَهْوَنُ موجود، وأَعزّ مفقود. ١٨٩ ١١٦-با جوازِ الشربِ من جميع الأواني الطاهرة غيرِ الذهبِ والفضَةِ، وجوازِ الكرْعِ وهو الشربُ بالفم من النهرِ وغيرِه بغيرِ إناءٍ ولا يدٍ، وتحريمِ استعمالٍ إناءِ الذهبِ والفضةِ في الشربِ والأكلِ والطهارة وسائرٍ وجوه الاستعمالِ ٧٧٤ - عَنْ أَنَسِ ﴿ه، قالَ: حَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَقَامَ مَنْ كانَ قَرِيبَ الدَّارِ إِلى أَهْلِهِ، وَبَقِيَ قَوْمٌ، فَأُنِيَ رَسُولُ الله ◌ِلَهُ بِمِخْضَبٍ مِنْ حِجَارَةٍ، فَصَغُرَ المِخْضَبُ أَنْ يَبْسُطَ فِيهِ كَفَّهُ، فَتَوَضَّأَ القَوْمُ كُلُّهُمْ. قَالُوا: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: ثَمَانِينَ وَزِيَادَةً. متفقٌ عليه. هذه روايةُ البخاريِّ. وفي روايةٍ له ولمسلمٍ: أَنَّ النبيَّ ◌َهِ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ ماءٍ، فَأَتِيَ بِقَدَحِ رَحْرَاحٍ فيهِ شَيءٌ مِنْ مَاءٍ، فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ فِيهِ. قَالَ أَنَس: فَجَعَّلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الماءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، فَحَزَرْتُ مَنْ تَوَضَّأَ مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ إلى الثَّمَانينَ. * قوله: ((رحراح)): (ن): بفتح الراء وإسكان الحاء المهملة، ويقال: (رحرح) بحذف الألف، وهو الواسع القصير الجدار، و«ينبع)) بضم الباء وفتحها وكسرها، ثلاث لغات، وفي كيفية هذا النبع قولان: ١٩٠ أحدهما ـ ونقله القاضي عن المُزَنيِّ وأكثر العلماء -: أن الماء كان يخرج من نفس أصابعه وص له، وينبع من ذاتها، قالوا: وهو أعظم في المعجزة من نَّعِه من حَجَر، ويؤيد هذا أنه جاء في رواية: (فرَأَيْتُ المَاءَ يَنْبُعُ مِن أَصَابعِه). والثاني: أنه يحتمل أن الله تعالى كثَّر الماء في ذاته، فصار [يفور] من [بين] أصابعه، لا من نفسها، وكلاهما معجزة ظاهرة، وآية باهرة(١). ٧٧٦ - وعن جابرٍ : أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّهِ دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الأَنْصَارِ، وَمَعَهُ صاحِبٌ لهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهَِّهِ: ((إِنْ كَانَ عِنْدَكَ مَاءٌ بَاتَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فِي شَنَّةٍ، وَإِلَّ كَرَعْنَا» رواهُ البخاريُّ. (الشَّنُّ»: القِرْبَةُ. * قوله ﴿: (( بات في شَنَّةٍ)): (نه): ((الشنُّ) و((الشنَّة)): القِرْبة الخَلَقَةُ، وهي أشد تبريداً للماء من الجديدة، والجمع الشِّنان(٢). (ط): قوله: ((وإلا؛ كرعنا)) (إن) فيه شرطية أُدغمت في (لا) النافية؛ أي: إن كان عندك ماءٌ؛ فأتنا به، وإن لم يكن؛ کرعنا(٣). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ١٨). (٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٥٠٦). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٩ / ٢٨٧٨). ١٩١ (ش): الماء البائت أنفع من الذي يشرب وقت استقائه؛ فإن البائت بمنزلة العجين الخَمِير، والآخر بمنزلة الفَطِير، وأيضاً؛ فإن الأجزاء الترابية والأرضية تفارقه إذا بات، والماء الذي في القُرَب والشِّنان ألذُّ من الذي يكون في آنية الفَخَّار، والأحجار، وغيرها، لا سيَّما أسقيةِ الأَدَم، ولها خاصية لطيفة؛ لما فيها من المسام المنفتحة التي يرشح الماء منها، وقد ذكر أن النبي ◌َّ كان يُستعذَبُ له الماء، ويختار البائت منه(١). وفي قوله: ((كرعنا)) دليلٌ على جواز الكَرْع، وهو الشرب بالفم من الحوض، والمِقْراة، ونحوها، وهذه - والله أعلم - واقعةُ عَيْنٍ(٢) دعت الحاجة فيها إلى الكَرْعِ بالفم، أو قاله مبيناً لجوازه؛ فإن من الناس مَن يكرهه، والأطباء تكاد تحرمه، ويقولون: إنه مُضِرٌّ بالمعدة، وقد رُوي في حديث لا أدري ما حاله، عن ابن عمر: أن النبيَّ وَّ نهانا أن نشربَ على بُطوننا، وهو الكَرْع، ونهانا أن نعترف باليد الواحدة، وقال: ((لا يَلَغْ أَحَدُكُمْ كَمَا يَلَغُ الكَلْبُ، ولا يَشْرَبْ باللَّيْلِ من إناء حَتَّى يَخْتَبِرَهُ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مُخَمَّرًا)(٣). وحديث البخاري أصحُّ من هذا، وإن صَحَّ؛ فلا تعارض بينهما؛ إذ لعل الشرب باليد لم يكن يمكن حينئذٍ، فقال: ((وإلا؛ كرعنا)) والشرب (١) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (٤ / ٢٢٦). (٢) في الأصل: ((حين)). (٣) رواه ابن ماجه (٣٤٣١)، من حديث عمر ظه. وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٦٣٧٠). ١٩٢ بالفم إنما يَضُرُّ إذا انكبَّ الشارب على وجهه وبطنه؛ كالذي يشرب من النهر والغدير، فأما إذا شرب مُنتصباً بفَمِه من حوض مرتفع ونحوه: فلا فرق بین أن یشرب بيده أو بفمه. (ك): فيه: أن طلب الماء البارد مُباحٌ للصالحين، وكذا الاستظلال، وليس منافياً للزهد(١). (١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٠ / ١٦٠). ١٩٣ الكِتَابَ اللَّاتِ كتاب اللباس ١١٧-باب استحباب الثوبِ الأبیضِ، وجوازِ الأحمرِ والأخضرِ والأصفرِ والأسودِ، وجوازِه من قطنٍ وكتانٍ وشعرٍ وصوفٍ وغيرِها، إلا الحريرَ قال الله تعالى: ﴿يَبَنِىّ ءَادَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُوْ لِيَاسًا يُوِى سَوْءَاتِكُمْ ج وَرِيشَّاً وَلِبَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]. ، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَبِيلَ تَقِيكُمُ الْحَزَّ وَسَرَّبِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١]. (الباب الثاني بعد المائة) (في اللباس) * قوله تعالى: ﴿ يَبَِّىّ ◌َادَمَ قَدْ أَلْنَا عَلَيْكُمْ لِيَاسًا يُؤَرِى سَوْءَ تِكُمْ وَرِيِشَاٌ وَلِيَاسُ النَّقْوَى﴾ [الأعراف: ٢٦]، يَمُنُّ تبارك وتعالى على عباده بما جعل لهم من اللِّباس والرِّياش، فاللباس المذكور هنا: ستر العورات، وهو السَّوْءات، و(الرِّياشُ) ١٩٧ و(الرِّش): ما يُتَجَمَّل به ظاهراً، فالأول: من الضروريات، والثاني: من المُكمِّلات والزيادات. وفي ((مسند الإمام أحمد)): عن علي ظُه قال: سمعت رسول الله وَيقول يقول عند الكسوة: ((الحَمْدُ للهِ الذي رَزَقَنِي مِنَ الرِّيَاشِ ما أَتَجَمَّلُ به في النَّاسِ، وأُوَارِي بِهِ عَوْرَتِي))(١). (م): فإن قيل: ما معنى إنزال اللِّباس؟ قلنا: إنه تعالى أنزل المطر، وبالمطر تتكوَّن الأشياء التي منها يحصل اللِّباس، فصار كأنه تعالى أنزل اللُّباس، وتحقيق القول: أن الأشياء التي تحدث في الأرض لمَّا كانت متعلقة بالأُمور النازلة من السماء؛ صار كأنه تعالى أنزلها من السماء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَمِ ثَمَنِيَةَ أَزْوَجْ﴾ [الزمر: ٦]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِبَأْسٌ شَدِيدٌ ﴾ [الحديد: ٢٥]. و(الريش)): لباس الزينة، استعير من ريش الطير وزينته، وامتنَّ سبحانه بإنزال لباس الزينة؛ لأن الزينة غرضٌ صحيح؛ كما قال: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةٌ﴾ [النحل: ٨]، وقال: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾ [النحل: ٦](٢). (قض): ﴿أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِيَاسًا﴾ [الأعراف: ٢٦]؛ أي: خلقناه لكم بتدبيرات سماوية، وأسباب نازلة، ونظيره: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِّنَ الْأَنْعَمِ ﴾ [الزمر: ٦]، ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ ﴾ [الحديد: ٢٥]. (١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (١/ ١٥٧). وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٦٢٦٣). (٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٤ / ٤٣). ١٩٨ ﴿يُؤَرِى سَوْءَاتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٦] التي قصد الشيطان إبداءها، ويغنيكم عن خَصْف الورق، انتهى(١). وقيل: أنزل الله مع آدم كلَّ شيء يحتاج آدمُ وذريته. قوله تعالى: ﴿وَلِيَاسُ النَّقْوَى﴾ [الأعراف: ٢٦]، قرئ بالنصب، وهو ظاهر، وبالرفع على الابتداء، ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ خبره. قال عكرمة: هو ما يلبسه المُتَّقون يوم القيامة. وقال زيد بن علي، والسُّدِّي، وقتادة، وابن جريج: هو الإيمان. وقال ابن عباس: هو العمل الصالح، وعنه أيضاً: هو السَّمْتُ الحسن في الوجه. وعن عُروة بن الزُّبير: هو خشية الله. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو أن يتقي الله، فيواري عورته، فذلك لباس التقوى، وكلُّ هذه متقاربة، ويؤيده ما رواه ابن جرير عن الحسن قال: رأيت عثمان بن عفان ﴿ه على منبر رسول الله وَّه، عليه قميصٌ، وهي محلولة الزِّرِّ، وسمعته يأمر بقتل الكلاب، وينهى عن اللَّعِب بالحمام، ثم قال: يا أيها الناس؛ اتقوا الله في هذه السَّرائر، فإني سمعت رسولَ الله وَو يقول: ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّد بَيَدِه؛ ما عَمِلَ أحدٌ قَطُّ [سِرّاً] إلا ألبَسهُ اللهُ رِدَاءَهُ عَلَاِيَةَ، إِنْ خَيْراً فَخَيْرٌ، وإن شَرّاً فشَرٌّ))، ثم تلا هذه الآية (ورياشاً)، ولم يقرأ: ﴿وَرِيِشَآَ﴾، ﴿وَلِبَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]، لصاحبه إذا أخذ (١) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (٣/ ١٤). ١٩٩ به قال: السَّمْتُ الحَسَن، هكذا رواه ابن جرير، وفي هذا الحديث ضعف(١). (م): أي: لباس التقوى خيرٌ لصاحبه إذا أخذ به، وأقربُ له إلى الله ممَّا خلق له من اللِّاس، والرِّياش الذي يُتجمَّل به. انتهى(٢). قال القشيري ((في لطائف الإشارات)): ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾؛ فإن اللباس الظاهر يقي آفات الدنيا، ولباس التقوى يصون عن الآفات التي توجب سَخَط المولى، ولباس التقوى بجميع أجزاء العبد وأعضائه، فللنفس لباس من التقوى، وهو [بذل] الجُهْد، والورع، وللقلب لباسٌ من التقوى، وهو قصد الصِّدق بنفي الطمع، وللروح لباس من التقوى، وهو ترك العلائق، وحذف العوائق، وللسِّرِّ لباس من التقوى، وهو نفي المُساكنات، والتصاون من الملاحظات. ويقال: تقوى العوامُّ: ترك الحرام، وتقوى العارفين: نفيُ مُساكنة الأنام، ويقال: للعوام التقوى، وللخواصِّ التقوى عن شهود التقوى(٣). * قوله تعالى: ﴿سَرَبِيلَ تَقِيكُمُ الْحَزَّ﴾ [النحل: ٨١]: (م): (السرابيل): القُمُص، واحدها سربال، قال الزَّجَّاج: كل ما لبسته من قميص، أو درْع، أو غيره؛ فهو سربال، ويدلُّ على صحة هذا القول أنه تعالى جعل السرابيل على قسمين : أحدهما: ما يكون واقياً عن الحَرِّ والبرد. (١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٢ / ٢٠٨). وخبر الحسن عن عثمان له رواه الطبري في ((التفسير)» (٨ /١٤٩). (٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٤ / ٤٤). (٣) انظر: ((تفسير القشيري)) (١ / ٥٢٨). ٢٠٠