Indexed OCR Text

Pages 21-40

يَعْتِبَ رجلاً مُعيَّناً، أعرض عنه، ويقول: ((ما بُالُ رِجَالٍ يَفْعَلُونَ كذَا))، ومع
هذا كُلِّ كان لا يمنعُه الحياءُ من حَقِّ يقوله، أو أمر دينيٍّ يفعله؛ تمسُّكاً بقول
الحَقِّ: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَخِىء مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وهذا هو نهاية الحياء،
وكمالُه، وحُسْنُه، واعتداله؛ فإن مَن يَفْرُط عليه الحياءُ حتى يمنعه من الحق؛
فقد ترك الحياء من الخالق، واستحيَى من الخلق، ومَن كان هكذا؛ فقد حُرِم
نافعَ الحياء، واتصف بالنفاق والرِّياء، والحياء من الله هو الأفضل والأساس؛
فإن الله أحُّ أن يُستحیی منه من الناس(١).
* قوله : «إذا لم تستحي؛ فاصنع ما شئت)): سيأتي في (الباب
الستين بعد المائتين في المنثورات).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ /١١٤ _ ١١٥).
٢١

٨٥ - باب
حفظِ السرِّ
قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ﴾
[الإسراء: ٣٤].
(الباب الخامس والثمانون)
(في حفظ السر)
* قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ ﴾ [الإسراء: ٣٤]:
(م): كل عَقْدٍ يقدم لأجل توثيق الأمر وتوكيده؛ فهو عَهْدٌ، ويدخل
في الآية كلُّ عقد من العُقود؛ كعقد البيع، والشَّرِكة، وعقد اليمين،
والنَّذْر، وعقد النكاح، وحاصل القول فيه: أن كل عقد وعهد يجري بين
إنسانين؛ فإنه يجب عليهما الوفاءُ بمُقتضى ذلك(١).
وقوله: ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]، فيه وجوهٌ، أحدها:
أن يراد صاحبُ العهد كان مسؤولاً فحُذف المضاف، وأُقيم المُضاف إليه
مُقَامَه؛ كقوله: ﴿ وَسَْلِ اَلْقَرْيَةَ ﴾ [يوسف: ٨٢].
وثانيها: ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]؛ أي: مطلوباً؛ أي:
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٠ /١٦٤).
٢٢

يُطلب من المُعاهد أن يفيَ به، ولا يُضيِّعَه.
ثالثها: أن يكون هذا تخييلاً، كأنه يقال للعهد: لم نُكِئْتَ وهَلاَّ أُوفِيَ
بك؛ تبكيتاً للناكث؛ كما يقال: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ نَ بِأَِ ذَنْبٍ قُئِلَتْ﴾
[التكوير: ٨ -٩].
٦٨٥ - عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ ﴾، قالَ: قالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ:
(إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الِيَامَةِ: الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى
المَرْأَةِ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا))، رواه مسلم.
* قوله ◌َّه: ((إن من أشر الناس منزلةً»:
(ن): هكذا وقعت الرواية ((أشر)) بالألف، وأهل النحو لا يُجوِّزون
(أشر، وأخير)، وإنما يقال: هو خير منه، وقد جاءت الأحاديثُ الصحيحة
باللغتين جميعاً، وهي حُجَّة في جوازهما؛ فإنهما لغتان.
وفي هذا الحديث: يحرم إفشاء الرجل ما يجري بينه وبين امرأته من
أمور الاستمتاع، ووصف تفاصيل ذلك، وما يجري من المرأة من قول، أو
فعل، ونحوه، فأما مجرد ذكر الجماع: فإن لم يكن فيه فائدةٌ ولا حاجة إليه؛
فمكروه؛ لأنه خلافُ المُروءة، وقد قال ◌ََّ: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ والْيَوْمِ
الآخِرِ؛ فليقُلْ خَيْراً، أَوْ لِيَصْمُتْ))(١)، وإن كانت إليه حاجةٌ، وتَرتَّبت فائدةٌ،
بأن [ينكر عليه] إعراضُه عنها، أو تَدَّعي عليه العجزَ عن الجماع، ونحو ذلك؛
(١) رواه البخاري (٥٦٧٢)، ومسلم (٤٧) من حديث أبي هريرة ضـ
٢٣

فلا كراهة في ذكره؛ كما في الحديث: ((إني لأفعله أنا وهذه))(١)، وقال ◌َّه
لأبي طلحة: ((أَعْرَسْتُمُ اللَّيْلَةَ؟))(٢)، وقال لجابر: ((الكَيْسَ الكَيْسَ))(٣).
(ق): (من) في قوله: ((من أشر الناس)) زائدة، ((يفضي))؛ أي: يصل،
وهو كناية عن الجماع؛ كما في قوله: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ ﴾ [النساء:
٢١]، و((سرّها)): نكاحها؛ كقوله:
وَلاَ تَنْظُرَنَّ جَارَةً إِنَّ سِرَّهَا
عَلَيْكَ حَرَامٌ فَانْكِحَنْ أَوْ تَأَّدا
وكُنِّي به عن النكاح؛ لأنه يُفعل في السِّرِّ.
ومقصود هذا الحديث: هو أن للرجل مع أهله خلوةً وحالة يَقبُح ذكرُها،
والتحدُّث بها، وتحمل الغَيْرةُ على سترها، ويلزم من كشفها عارٌ عند أهل
المُروءة والحياء؛ فإن مَن تكلم بشيء من ذلك وأبداه؛ كان قد كشف عورة نفسه
وزوجته؛ إذ لا فرق بين كشفها للعيان، وكشفها للأسماع والآذان؛ إذ كل واحد
منهما يحصل به الاطلاع [على] العورة؛ ولذلك قال ◌َّهِ: ((لا تَعْمِدُ المَرْأةُ
فتصِفُ المَرْأةَ لزَوْجِهَا حَتَّى كأنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا)»(٤).
(١) رواه مسلم (٣٥٠) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(٢) رواه البخاري (٥١٥٣)، ومسلم (٢١٤٤) من حديث أنس ـ
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٠ / ٨ - ٩)، والحديث رواه البخاري (٤٩٤٧)
من حديث جابر ﴾.
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ١٦١ - ١٦٢)، والحديث رواه البخاري (٤٩٤٢)
من حديث ابن مسعود څ .
٢٤

٦٨٦ - وعَنْ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ﴾: أَنَّ عُمَرَ ﴿ه حينَ تَأَّمَتْ
بِنْتُهُ حَفْصَةُ، قالَ: لَقِيتُ عُثْمَانَ بْنَ عَقَّان ◌َ﴿ه، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ
حَفْصَةَ، فَقلتُ: إِنْ شِئْتَ، أَنَّكَحْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ؟ قالَ: سَأَنْظُرُ
فِي أَمْرِي، فَلَبِئْتُ لَيَالِيَ، ثُمَّ لَقِيَي، فقالَ: قَدْ بَدَا لِي أَنْ لا أَتَزَوَّجَ
◌ُهُ، فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ،
يَوْمِي هَذَا، فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرِ الصِّدِّيق .
أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ، فَصَمَتَ أبو بَكْرٍ لَهُ، فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ
شَيْئاً، فَكُنْتُ عَلَيْهِ أَوْجَدَ مِنِّي عَلَى عُثْمَانَ، فَلَبِئْتُ لَيَالِيَ، ثُمَّ
خَطَبَهَا النَّبِيُّ ◌َِّ، فَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ، فَلَقِيَي أَبُو بَكْرٍ، فَقالَ: لَعَلَّكَ
وَجَدْتَ عَلَيَّ حِينَ عَرَضْتَ عَلَيَّ حَفْصَةَ، فَلَمْ أَرْجِعْ إِلَيْكَ شَيْئاً؟
فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرْجِعَ إِلَيْكَ فِيمَا عَرَضْتَ
عَلَيَّ، إِلاَّ أَنِّي كُنْتُ عَلِمْتُ أَنَّ النبيَّ ◌َِّ ذَكَرَهَا، فَلَمْ أَكُنْ لِأُنْشِيَ
سِرَّ رَسُولِ اللهِّهِ، وَلَوْ تَرَكَهَا النَّبِيُّ ◌َّهِ، لَقَبِلْتُهَا، رواه البخاريُّ.
قوله: ((تَأَيَّمَتْ)): أيْ: صَارَتْ بِلا زَوْجِ، وَكَانَ زَوْجُهَا
تُؤُنِّيَ عَه، ((وَجَدْتَ)): غَضِبْتَ.
(الثَّانِى)
في هذا الحديث جُمَلٌ من الفوائد؛ منها: أنه ينبغي لوليٍّ المرأة الاهتمامُ
بحال موليته، والاعتناء بتحصینها، وحفظ دينها.
ومنها: عَرْضُ الرجل ابنتَه على الرجل الصالح ليُروِّجَها منه، وبه ترجم
البخاريُّ؛ لأن صلة الرحم واجبةٌ، ومهما زوَّجها من فاسق، أو مُبتَدِعٍ؛ فقد
٢٥

تعرَّض لسَخَط الله تعالى؛ بما قطع من حَقِّ الرَّحِم، قالِِّ: ((مَنْ زَوَّجَ كَرِيمَتَهُ
مِن فَاسِقٍ؛ فَقْد قَطْعَ رَحِمَهَا))، أخرجه ابن حبان في ((الثقات))، و((الضعفاء))
بسند صحيح(١).
وقالت عائشة رضي الله عنها: النّكاحُ رِقُّ؛ فلينظر أحدكم أین یضعُ
کریمته(٢).
وقال رجل للحسن: قد خطب ابنتي جماعةٌ، فمِمَّن أُزْوِّجها؟ فقال:
ممَّن يتقِّي الله، فإنَّه إن أحبَّها؛ أكرمها، وإن أبَغضَها؛ لم يظلمها.
ومنها: كمال صِدِّيقية أبي بكر عظُ، وتحرِّيه الصِّدقَ في جميع أحواله
وأقواله؛ حيث سكت في هذا المَقام؛ إذ لم يمكنه الإجابةُ؛ لأنه وَِّ قد
ذكرها، ولم يمكنه إفشاء سرِّ النبي ◌َّز، ولم يمكنه أن يقول: لا رغبةً لي
فيها؛ لأنه كان راغباً لو لم يقبله النبيُّ نَّهزه، ولم يقل: سأنظر في أمري، كما
قال عثمان، لأنه لم یکن له ترڈُّدٌ.
ومنها: أن الإنسان وإن زكت أخلاقُه؛ فمعه نفسُه، ولا يمكنه الخلاصُ
من ظهور بعض صفاتها عليه ما دام في قيد الحياة؛ لأن عمر څ مع ما مُنِحَ
من الفضائل؛ وجد في نفسه من الصِّدِّيق.
ومنها: استحبابُ الاعتذار إلى الأخ المؤمن إن وقع منه تقصيرٌ في بعض
(١) رواه ابن حبان في ((الثقات)) (٨/ ٢٣٠) موقوفاً على الشعبي، وفي ((الضعفاء))
(١/ ٢٣٨) من حديث أنس﴿ه. قال ابن حبان في ((المجروحين)) (١ / ٢٣٨)
(٢١٤): هذا الحديث لا أصل له، وهو قول الشعبي، ورفعه باطل.
(٢) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٧/ ٨٢). من حديث أسماء بنت أبي بكر
وقال: روي مرفوعاً، والموقوف أصح.
٢٦

حُقوقه؛ كما فعل الصدِّيق ـ
ومنها: أن قلوب الأحرار قبورُ الأسرار.
٦٨٧ - وعن عائشةَ رضي الله عنها، قالتْ: كُنَّ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ الهول
عِنْدَهُ، فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ رضي الله عنها تَمْشِي، مَا تُخْطِئُ مِشْيَتُهَا مِنْ
مِشْيَةِ رَسُولِ اللهِ وَلِ شَيْئاً، فَلَمَّا رَاهَا، رَحَّبَ بِهَا، وقالَ: ((مَرْحَباً
بِبْتَي)»، ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ شِمَالِهِ، ثُمَّ سَارَّهَا، فَبَكَتْ بُكَاءً
شَدِيداً، فَلَمَّا رَأَى جَزَعَهَا، سَارَّهَا الثَّانِيَةَ، فَضَحِكَتْ، فقلتُ لَهَا:
خَصَّكِ رَسُولُ اللهِ وَهِ مِنْ بَيْنِ نِسَائِهِ بِالسِّرَارِ، ثُمَّ أَنَتِ تَبْكِينَ! فَلَمَّا
قَامَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، سَأَلَّهَا: مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ الله ◌ِ؟ قالَتْ: مَا
كُنْتُ لِأُفْشِيَ عَلَى رَسُولِ اللهِوَّه ◌ِرَّهُ. فَلَمَّا تُؤُفِّيَ رَسُولُ اللهِ،
قُلْتُ: عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنَ الحَقِّ، لَمَا حَدَّثْتِنِ ما قالَ
لَكِ رَسُولُ اللهِ؟ فقالَتْ: أَمَّا الآنَ، فَنَعَمْ، أَمَّا حِينَ سَارَّني في
المَرَّةِ الأُولى، فَأَخْبَرَنِي ((أَنَّ حِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ القُرآنَ في كُلِّ سَنَةٍ
مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ،، وَأَنَّهُ عَارَضَهُ الآنَ مَرَّتَيْنِ، وَإِنِّي لا أَرَى الأَجَلَ إِلَّ
قَدِ اقْتُرَبَ، فَاتَّقِ اللهَ، وَاصْبِرِي، فَإِنَُّ نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ))،
فَبَكَيْتُ بُكَائِيَ الَّذِي رَأَيْتِ، فَلَمَّا رَأَى جَزَعِي، سَارَّنِي الثَّانِيَةَ، فقال:
(يَا فَاطِمَةُ! أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ المُؤْمِنِينَ، أَوْ سَيِّدَةَ
٢٧

نِسَاءِ هذِهِ الأمَّةِ؟))، فَضَحِكْتُ ضَحِكِي الَّذِي رَأَيْتِ، متفقٌ عليه،
وهذا لفظ مسلم.
(الثَّالِثُ)
* قولها: ((كن أزواج النبي وَلقر عنده)):
(ط): ((عنده) خبر ((كان))، و((أزواج النبيِّ(َّ) نصب على النداء، على
سبيل الاختصاص، أو تفسير للضمير المُبهَم، على تقدير: أعني، وقولها:
(لما أخبرتني)) (لما) فيه بمعنى (إلا)؛ يعني: ما أطلب منك إلا إخبارَك إياي
بما سَارَّكَ، ونحوُهُ: أَنْشُدُكَ بالله إلاَّ فعلت(١).
(نه): ((يعارضه))؛ أي: يُدارِسُه جميعَ ما نزل من القرآن؛ من
المُعارَضة: المُقابلة، ومنه: عارضت الكتابَ بالكتاب؛ أي: قابلته به(٢).
(ق): هذا يدل على استحباب عَرْض القرآن على الشُّيوخ ولو مرَّةً في
السنة، ولمَّا عارضه جبريل في آخر سنة مرَّتين؛ استدل النبيُّ وَّر بذلك على
قُرْب أَجَلِه؛ من حيث العادة المُتقدِّمة، وكان النبيُّ نَّهِ كَثُر عليه الوحيُّ في
السنة التي تُوفِّي فيها حتى كمَّل الله أمرَه ووَحْيَهُ(٣).
(ن): ((مرة، أو مرتين)) هكذا وقع في هذه الرواية، وذكر (المرتين)
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٢ / ٣٩٠١ - ٣٩٠٢).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٢١٢).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٣٥٦ - ٣٥٧).
٢٨

شٌّ من بعض الرواة، والصواب حذفُه؛ كما ذكره في سائر الروايات(١).
وقوله: ((أرى)) بضم الهمزة؛ أي: أظن، و((السلف)): المُتقدِّم،
معناه: أنا مُتُقدِّم قُدَّامكِ، فَتَرِدين عليَّ، وفي رواية لمسلم: ((سَارَّني،
فَأَخَبَرِي بِمَوْتِهِ، فَبَكَيْتُ، ثمَّ سَارَّنِي، فَأَخْبَرَني أنِّي أوَّلُ مَن يَتَبْعُه مِن أَهْلِهِ،
فضَحِكْتُ))(٢)، فيه مُعجزتان ظاهرتان لرسول الله وَّه؛ لأنه أخبر ببقائها [بعده،
وأنها] أوَّل أهله لَحاقاً به، وفيه: إيثارُهم الآخرةَ، وسُرورهم بالانتقال إليها،
والخلاص من الدنيا .
* قوله : ((ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة
نساء هذه الأمة؟)»:
(مظ): فيه: دليلٌ على أنها رضي الله عنها خيرُ نساء المؤمنين،
وأفضل في الدنيا والآخرة، وإنما كان كذلك؛ لأنها بَضْعَةُ رسول الله وَّه
كما في ((الصحيح)): ((فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي)(٣).
(ق): قيل: إن مريم عليها السلام صِدِّيقةٌ ونبيَّةٌ بلَّغتها [الملائكة]
الوحيَ من عند الله بالتكليف، والإخبار، والبِشَارة، وغير ذلك؛ كما
بلَّغته سائرَ الأنبياء، وهذا أولى من قول من قال: إنها غير نبية، فهي أفضل
من كل النساء؛ إذ النبيُّ أفضل من الوَليِّ بالإجماع، ثم بعدها في الفضيلة
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ٦).
(٢) رواه مسلم (٢٤٥٠ / ٩٧).
(٣) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٦/ ٣٢٠)، والحديث رواه
البخاري (٣٥١٠)، ومسلم (٢٤٤٩) من حديث المسور بن مخرمة .
٢٩

فاطمة، ثم خديجةُ، ثم آسِيَةُ، وكذلك رواه موسى بن عُقبةَ، عن كُرَيْبِ،
عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَّهَ: ((سَيِّدَةُ نِسَاءِ العَالَمِينَ مَرْيَمُ، ثمَّ
فَاطِمَةُ، ثمَّ خَدِيجَةُ، ثمَّ آسيةُ))(١)، وهذا حديثٌ حسَنٌ رافع لإشكال ما ورد
في الأحاديث، فأما مَن يرى أن مريم صِدِّيقةٌ وليست نبيّةً: فيقول: إن كل
واحد من أولئك النساء الأربع خيرُ عالَم زمانها، وسيِّدة وقتها، أو إنهن
أفضل نساء العالمين، وإن كُنَّ في أنفسهن على مزايا متفاوتة، ورُتَب
متفاضلة، وما ذكرناه أوضحُ وأَسلَمُ(٢).
(ن): أما التفضيل بين مريم وخديجة: فمَسكوتٌ عنه(٣).
(ك): فإن قلت: جعل الأوَّلية في اللُّحوق عِلَّةً للبكاء في رواية،
ومُستَعْقِباً له، [وعلةً للضحك في رواية ومستعقباً له](٤).
قلت: البكاء مترتب على المركَّب من حُضور الأجل، وأوَّلية اللُّحوق،
أو على الجزء الأول منه؛ فإنه قد ترتب الضحك على الأمرين جميعاً، وعلى
کل واحد منها(٥) .
٦٨٨ - وعَنْ ثابتٍ، عَنْ أَنَسٍ ﴿به، قالَ: أَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ وَي
(١) أورده ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) (٤ / ١٨٢٢).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣١٥/٦ -٣١٦).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ١٩٨).
(٤) ما بين معكوفتين من ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٤ / ١٨٤ - ١٨٥).
(٥) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٤ / ١٨٤ - ١٨٥).
٣٠

وَأَنَا أَلْعَبُ مَعَ الِغِلْمَانِ، فَسَلَّمَ عَلَيْنَا، فَبَعَثَنِي فِي حَاجَةٍ، فَأَبْطَأْتُ عَلى
أُمِّي، فَلَمَّا جِئْتُ، قَالَتْ: مَا حَبَسَكَ؟ فقلْتُ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهَِ﴾
لِحَاجَةٍ، قالَتْ: مَا حَاجَتُهُ؟ قُلْتُ: إِنَّهَا سِرُّ، قالَتْ: لا تُخْبِرَنَّ بِسِرِّ
رَسُولِ اللهِ ﴿ِ أَحَداً، قالَ أَنَسَرٌ: وَاللهِ! لَوْ حَدَّثْتُ بِهِ أَحَداً، لَحَدَّتُكَ بِهِ
يَا ثَابِتُ، رواه مسلم، وروى البخاريُّ بَعْضَهُ مُخْتَصِراً.
* قوله: «كنت ألعب مع الغلمان)):
(ق): فيه: دليلٌ على تَخْلِية الصِّبيان مع دواعيهم؛ من اللَّعِب،
والانبساط، ولا يُضيَّق عليهم بالمنع ممَّا لا مفسدةَ فيه، وفيه: دليلٌ على
مشروعية السلام على الصِّبيان، وفائدة تعليمهم السلام، وتمرينهم على فعله،
وإفشائه في الصِّغار؛ كما يُفشى في الكبار، وكتمان أنس سرَّ النبيِّ وَّ عن أُمُّه
دليلٌ على كمال عقله، وفضله، وعلمه، مع صِغَر سِنِّه، وذلك فضل الله يؤتيه
من يشاء(١).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٤١٢ - ٤١٣).
٣١

٨٩-باب
الوفاءِ بالعهدِ وإنجازِ الوعدِ
قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ﴾
*
[الإسراء: ٣٤].
* وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١].
* وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ﴾ [المائدة:
١].
* وقال تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾
[الصف: ٢].
(الباب السادس والثمانون)
(في الوفاء بالعهد وإنجاز الوعد)
* قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ ﴾ [الإسراء: ٣٤] الآيةَ، سبق في الباب
قبله.
* قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدْتُمْ ﴾ [النحل: ٩١]، أمر
تعالى بالوفاء بالعُهود والمواثيق، والمحافظة على الأيمان المُؤَّدة، فلا
٣٢

رُخصةَ في نقضها مطلقاً، سواء كان فيه مصلحةٌ دينية، أم لا؛ ولهذا
قال: ﴿وَلَا تَنْقُضُواْ الْأَيْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كِفِيلاً﴾
[النحل: ٩١].
(قض): أي: شاهداً بتلك البَيْعة؛ فإن الكفيل مُراع لحال المَكفول
به، رقیبٌ علیه، انتھی(١).
﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ تهديدٌ ووعيد لمَن أراد النقضَ، ولا تعارض
بين هذا، وبين قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةٌ لِأَيْمَنِكُمْ أَنْ تَبَرُواْ
وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٢٤]، وقوله ◌َّرَ: ((إنِّي واللهِ - إن شاء
الله - لا أَحْلِفُ على يَمِينٍ، فَأَرَى غيرَها خَيْراً مِنْهَا؛ إلاَّ أَتَيْتُ الَّذِي هو خَيْرٌ،
وكَفَّرْتُ عَنْ يَمِيني)(٢)؛ لأن هذه الأيمانَ هي الواردة على حَثٍّ أو منعٍ،
وتلك الأيمان الممنوعة من النَّقْضِ مُطلقاً هي الأيمان الداخلة في العُهود
والمواثيق .
* قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودٍ ﴾ [المائدة: ١]؛
يعني: العهودَ، قاله ابن عباس، ومُجاهد، وحكى ابن جرير الإجماعَ على
ذلك، قال: و(العقود): ما كانوا يتعاقدون عليه من الحَلِف وغيره، وفي
رواية عن ابن عباس: يعني بالعُهود: ما أحلَّ الله، وما حرم الله وما فرض،
وما حَدَّ في القرآن كلِّه.
(١) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (٣/ ٤١٧).
(٢) رواه البخاري (٢٩٦٤)، ومسلم (١٦٤٩) من حديث أبي موسى ضـ
٣٣

قال زيدُ بن أسلمَ: العُقود ستة: عهد الله، وعقد الحَلِف، وعقد
الشَّرِكة، وعقد البيع، وعقد النكاح، وعقد اليمين.
* قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَالَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢]،
سبق في (الباب الرابع والعشرين).
٦٨٩ - عَنْ أَبي هُرِيرةَ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَهِ قالَ: («آيَةُ
المُنَافِقِ ثَلاثٌ: إِذَا حَدَّثَ، كَذَبَ، وَإِذا وَعَدَ، أَخْلَفَ، وَإذا اقْتُمِنَ،
خَانَ»، متفقٌ عليه.
زَادَ في روايةٍ لمسلم: ((وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى، وَزَعَمَ أَنَّهُ
مُسْلِمٌ)).
٦٩٠ - وعَنْ عبدِ الله بنِ عَمْرٍو بنِ العاصِ ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَاهـ
قالَ: (أَرْبَعُ مَنْ كُنَّ فِيهِ، كَانَ مُنَافِقاً خَالِصاً، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ
مِنْهُنَّ، كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اقْتُمِنَ، خَانَ،
وَإِذا حَدَّثَ، كَذَبَ، وَإِذا عَاهَدَ، غَدَرَ، وَإِذا خَاصَمَ، فَجَرَ))، متفقٌ
عليه .
(الَّوْاُ وَالثَّانِى)
(ك): ((أربع)) هو مبتدأ بتقدير: أربع خِصَال، أو خِصَالٌ أربع، وإلا؛
٣٤

فهو نكره صِرْفة، والشرطية خبره، ويحتمل أن تكون الشرطية صفته، و((إذا
حدث كذب)) خبره بتقدير أربع كذا، هي الخيانة عند الائتمان(١).
وقوله: ((كان منافقاً) على ما تقدم من الوجوه السبعة في (الباب الخامس
والعشرين)، ووصفه بالخُلوص يَشُدُّ عَضُدَ الوجه السادس والسابع؛ أي: كان
منافقاً عملياً، لا إيمانياً، أو منافقاً عُرفياً، لا شرعياً؛ إذ الخُلوص لهذين
المعنين لا يستلزم الكفرَ المُلقي في الدَّرْك الأسفل، وأما كونه خالصاً فيه:
فلأن الخِصَالَ التي تتم بها المُخالفة بين السرِّ والعَلَن لا يزيد عليه.
(ن): أراد شديدَ الشَّبَه بالمنافقين بسبب هذه الخِصَال، ولا مُنافاة بين
الروايتين؛ من ثلاث خصال؛ كما سبق، أو أربع؛ لأن الشيء الواحد قد
يكون له علاماتٌ كلُّ واحدة منها يَحصُل بها صفته، ثم قد تكون تلك
العلامة شيئاً واحداً، وقد يكون أشياءً(٢).
(ك): الأولى أن يقال: التخصيص بالعدد لا يدل على الزائد والناقص،
و (الخَصْلة)): الخَلَّة بفتح الخاء فيهما، و(«المُعاهدة)): المُواثقة، و((الغدر)) ترك
الوفاء، وأصل الفُجور: المَيْل عن القصد، والشَّقُّ، فمعنى (فجر): مال عن
الحق(٣).
(خط): قال حذيفة: إنما كان النفاق على عهد رسول الله وَلقره، لكنه
اليوم هو الكفر بعد الإيمان، معناه أن المنافقين في ذلك الزمان لم يكونوا
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ١٥١).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٤٨).
(٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ١٥١).
٣٥

قد أسلموا، إنما كان يُظهرون الإسلام؛ رياءً، ويسترون الكُفَر ضميراً، وأما
اليوم: فقد شاع الإسلام، وتوالد الناسُ عليه، فمَن نافق منهم؛ فهو مُرتٌ؛
لأن نفاقَه كفرٌ أحدثه بعد قبول الإيمان، وإنما كان المنافق حينئذ مُقيماً على
كفره الأول(١).
٦٩١ - وعن جابرٍ ﴿ه، قالَ: قالَ لِي النبيُّ نَّهِ: ((لَوْ قَدْ جَاءَ
مَالُ الْبَحْرَيْنِ، أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا، وهَكَذا، وَهَكَذا)»، فَلَمْ يَجِىءْ مَالُ
البَحْرَيْنِ حَتَّى قُبِضَ النبيُّ ◌َِّ، فَلَمَّا جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ، أَمَرَ أَبَّو
بَكْرِ ﴿ُ، فَتَادَى: مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِعِدَةٌ أَوْ دَيَّنٌ، فَلْيَأْتِنَا،
فَأَيْتُهُ، وَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ النبيَّ ◌َ﴿ قَالَ لِي كَذَا وَكَذَا، فَحَثَى لِي حَتَْةً،
فَعَدَدْتُهَا، فَإِذَا هِيَ خَمْسُ مِئَّةٍ، فقالَ لي: خُذْ مِثْلَتِهَا، متفقٌ عليه.
(الثَّالِثُ)
(ن): إنما حثى له أبو بكر ظُه بيده؛ لأنه خليفة رسول الله وَّل، فيَدُه
قائمةٌ مقام يده، وكان له ثلاثُ حَثَيَات بيد رسول الله وَّهِ، وفيه: إنجاز
العِدَة، قال الشافعيُّ والجمهور: إنجازها والوفاء بها مُستحبٌّ، لا واجبٌ،
وأوجبه الحسنُ وبعضُ المالكية(٢).
(١) انظر: ((أعلام الحديث)) للخطابي (١ / ٤٢ - ٤٣).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ٧٤).
٣٦

(شف): فيه: استحبابُ قضاء دَيَّن الميت، وإنجاز وَعْدِه لمَن يَخْلُف
بعدَه، وأنه يستوي فيه الوارثُ والأجنبيُّ.
(ق): قوله: وَ له: ((أعطيناك هكذا وهكذا)) يدل على سخاوة نفس
النبيِّ ◌ََّ بالمال، وأنه ما كان لنفسه به تعلُّقٌ؛ فإنه كان لا يَعُدُّه بعدد، ولا
يُقدِّره بمقدار، لا عند أخذه، ولا عند بَذْلِه، وهذا كان وعداً منه وَّ لجابر،
وكان المعلومُ من خُلُقه الوفاءَ بالوعد؛ ولهذا نَقَّذَه أبو بكر تَ﴾، وهكذا كان
خُلُق الخلفاء الأربعة، ألا ترى أبا بكر كيف نفَّذَ عِدَةَ رسول الله وَّ لجابر؟
يقول جابر: ثم إنه دفع مالَه على نحو ما قال من غير تقدير، وأخبارهم في
ذلك معروفة، وأحوالهم موصوفة، وكفى بذلك ما سار سير المثل الذي لم
يزل يجري؛ قولُ علي ◌َله: يا صَفْرَاءُ ویا بَيْضاءُ غُرِّي غيري(١).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ١٠٧).
٣٧

٨٧-باب
الأمرِ بالمحافظةِ على ما اعتادَه من الخيرِ
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِرُواْ مَا بِأَنفُسِمُ﴾
[الرعد: ١١].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّقِ
أَنْصَدَثًا﴾ [النحل: ٩٢].
(وَالأَنْكَاثُ)): جَمْعُ نِكْثٍ، وَهُوَ الغَزْلُ المَنْقُوضُ.
* وقال تعالى: ﴿وَلَا يَكُونُواْ كَلَّذِينَ أُوتُواْالْكِنَبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَهِمُ
الْأَمَدُفَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦].
* وقال تعالى: ﴿فَمَارَ عَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧].
(الباب السابع والثمانون)
(في الأمر بالمحافظة على ما اعتاد من الخير)
* قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَايُغَيِّرُ مَابِقَوْمٍ حَّى يُغَِّرُوا مَا یأَنفُسِمُ﴾ [الرعد: ١١]، روى
الحافظ محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن عُمير بن عبدالله قال: خطبنا عليُّ
بن أبي طالب ﴿ه على منبر الكوفة قال: كنت إذا سكت عن رسول الله وَعليه؛
٣٨

ابتدأني، وإذا سألت عن الخبر نبَّني، وإنه حدثني عن ربِّه ◌َّ، قال: ((قال
الرَّبُّ: وِزَّتِي وجَلالي وارْتِفَاعِي فَوْقَ عَرْشِي؛ ما مِنْ أهل قَرْيَةٍ وَأَهْلِ بَيْتٍ
كَانُوا على ما كَرِهْتُهُ مِن مَعْصِيَتَي، ثم تَحَوَّلُوا عَنْهَا إِلى ما أَحْيَبْتُ مِنْ طَاعَتِي؛
إِلاَّ تَحَوَّلْتُ لَهُم عمَّا يَكْرَهُونَ مِن عَذَابِي إِلَى ما يُحِبُّونَ مِن رَحْمَتِي))، هذا
غريبٌ، وفي إسناده مَن لا أعرفه(١).
(م): كلام جميع المفسرين يدل على أن المُراد: لا يُغيِّرِّ ما هم فيه
من النِّعَم إنزال العذاب، إلاّ بأن يكون منهم العصيانُ والفساد، انتهى(٢).
قال الأستاذ أبو القاسم القُشَيريُّ: يقال: إذا غيّروا ما بألسنتهم من
الذِّكر؛ غيَّر الله ما بقلوبهم من الحظوظ(٣)، فأبدلهم به النسيانَ والغَفْلة،
وإذا كان العبد في بَسْطَةٍ وتقريب، وكَشْفٍ بالقلب، ووقت وترحيب؛ فإن
الله لا يُغيِّرِّ ما بهم حَتَّى يُغيِّرِّوا ما بأنفسهم؛ بترك أدب، وإخلال بحَقِّ، أو
إلمام بذنب.
ويقال: إذا توالت المِحَن، وأراد العبد زوالَها؛ فلا يصل إلى النَّفْض
منها إلا بأن يُغيِّرِ ما هو به، فيأخذ في السؤال بعد السكوت، وفي إظهار
التضرُّع بعد السُّكون فإذا أخذ في التضرُّع؛ غُيِرِ ما به من الضُّرِّ(٤).
(١) رواه محمد بن عثمان بن أبي شيبة في ((العرش)) (١٩).
(٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٩ / ١٨).
(٣) في الأصل: ((الحضور)).
(٤) انظر: ((تفسير القشيري)) (٢١٨/٢ -٢١٩).
٣٩

٦٩٢ - وعن عبدِالله بن عمرٍو بنِ العاصِ عُ﴾، قالَ: قالَ لي
رَسُولَ اللهِ وَّهِ: ((يا عبْدَالله! لا تَكُنْ مِثْلَ فُلانٍ، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ،
فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ)»، متفقٌ عليه.
* قوله ◌َفي: ((فترك قيام الليل»:
أشار بهذا إلى أنه سُلِب عنه حلاوة المناجاة، ولولا ذلك؛ لم يمكنه
الترك.
قالت رابعة العَدَوِيَّة: اعتللت عِلَّةً قطعتني عن التهجُّد، وقيام الليل،
فمكثت أياماً أقرأ حزبي إذا ارتفع النهار؛ لما يُذكر فيه أنه يُعدَلُ بقيام الليل،
قالت: ثم رزقني الله العافية، وكنت قد سكنت إلى قراءة حزبي بالنهار،
قالت: فبينما أنا ذات ليلة راقدةٌ؛ رأيت في منامي كأني دُفعت إلى روضة
خضراء، وفيها طائر وجاريةٌ تطارده كأنها تريد أخذَه، فشغلني حُسنُها عن
حُسْنِهِ، فقلت: ما تريدين منه؟ دعيه فوالله ما رأيت طائراً أحسنَ منه،
قالت: فهلا أُريك شيئاً هو أحسنُ منه؟ قلت: بلى، فأخذت بيدي فدارت
بي في تلك الروضة حتى انتهت بي إلى قصر، فاستفتحت، ففُتِح لها،
فدخلت إلى بيت يحار فيه البصر تلألؤاً وحُسناً، ما أعرف في الدنيا شبهاً
أُشْبِّهُه به، فبينما نحن نجول فيها؛ إذ رفع لنا بابٌ يَخْرِقُ إلى بستان،
فأهوت نحوَه، وأنا معها، فتلقَّنا فيه وُصَفَاءُ كأن وجوههم اللؤلؤ، بأيديهم
المَجامر، فقالت لهم: أين تريدون؟
قالوا: نريد فلاناً، قتل في البحر شهيداً.
قالت: أفلا تُجمِّرون هذه المرأة؟
٤٠