Indexed OCR Text

Pages 621-640

٦٥٢ - وعن أَنَسٍ : أَنَّ النبيَّ :﴿ رَأَى نُخَامَةً في القِبْلَةِ،
فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى رُبِّيَ فِي وَجْهِهِ، فَقَامَ فَحَكَّهُ بِيَدِهِ، فَقالَ: «إِنَّ
أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَتِهِ، فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، وَإِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ
القِبْلَةِ، فَلاَ يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُمْ قِبَلَ القِبْلَةِ، وَلكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ
قَدَمِهِ»، ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدائِهِ، فَبَصَقَ فِيهِ، ثُمَّ رَذَّ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ،
فقال: ((أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا))، متفقٌ عليه.
وَالأمرُ بالبُصَاقِ عَنْ يَسَارِهِ أَو تَحْتَ قَدَمِهِ هُوَ فيما إذا كَانَ في
غَيْرِ المَسجِدِ، فَأَمَّا في المَسجِدِ، فَلاَ يَبْصُقُ إلاَّ فِي ثَوبِهِ.
* قوله: ((نخامة)»:
(نه): هي البَزْقَةُ التي تخرج من أقصى الحلق، ومن مخرج الخاء
المعجمة(١).
(ط): ((حتى رُئي ذلك في وجهه)) الضمير الذي أُقيم مُقامَ الفاعلَ
راجعٌ إلى معنى قوله: ((شق ذلك عليه))، وهو الكراهة (٢).
(ن): ((فإنه يناجي ربه)» إشارةٌ إلى إخلاص القلب، وحضوره، وتفريغه
لذكر الله تعالی، وتمجيده، وتلاوة کتابه وتدبُّره(٣).
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٥/ ٣٣).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٩٥٨).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥ / ٤٠ - ٤١).
٦٢١

* وقوله: ((فإن ربه بينه وبين القبلة))؛ أي: الجهة التي عظمها، وقيل:
فإن قبلةَ الله، وثوابَه، ونحو هذا، فلا يقابل هذا الجهة بالبُصاق الذي هو
الاستخفاف بمَن يُزق إليه، وإهانته، وتحقيرُه، وإنما نهى عن البُصاق عن
الیمین؛ تشريفاً لها.
(ك): قال ابن بَطَّال: فيه: إكرام القبلة وتنزيهها؛ لأن المصلي يناجي
ربَّه، فواجب عليه أن يُكرمَ القبلة بما يُكرِمُ به المخلوقين إذا ما جابَهَهُم
واستقبلهم بوجهه، بل قبلة الله أَوْلَى بالإكرام، ومن أعظم الجَفاء وسُوء
الأدب أن تتوجَّه إلى ربِّ الأرباب وتتنخّم في توجُّهك، وقد أعلمنا الله
بإقباله علی من توجّه إلیه.
وفيه: فضل الميمنة على الميسرة، فإن قلت: عن اليسار أيضاً ملَكٌ؛
إذ كل إنسان يلزمه ملكان؛ كاتب الحسنات عن اليمين، وكاتب السيئات
عن الشمال، قال تعالى: ﴿إِذْيَلَقَّ ◌َلْمُتَلَفِيَنِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشَّمَالِ فَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧].
قلت: عند الصلاة التي هي أُمُّ الحسنات البدنية لا دخلَ لكاتب
السيئات، فليس عند المصلي إلا ملَكُ اليمين، أو يقال: المراد بهذا الملَك
غيرُ الكرام الكاتبين(١).
(تو): يحتمل أن يراد به الملَكُ الذي يحضره عند الصلاة من جهة
التأييد، والإلهام بقلبه، والتأمين في دعائه، ويكون سبيلُه سبيلَ الزائر،
ومن حقِّ المَزُور أن يكرم زائرَه فوق من يحفظه(٢) من الكرام الكاتبين،
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٤ / ٧٥ - ٧٦).
(٢) في الأصل: ((يختص)).
٦٢٢

ويحتمل أن يُخَصَّ صاحبُ اليمين بالكرامة؛ تنبيهاً على ما بين الملكين من
المَزِيَّة؛ كما هي بين اليمين والشمال؛ تمييزاً بين ملائكة الرحمة، وملائكة
العذاب.
(ن): قال القاضي: النهي عن البصاق [عن] يمينه [هو مع] إمكان
غير اليمين، فإن تَعذَّر [بأن] يكون عن يساره مصل؛ فله البُصاق عن يمينه،
لکن الأولی تنزیھه(١).
(خط): إن كان عن يساره أحدٌ؛ لم يبصق في واحد من الجهتين،
لکن تحت قدمه، أو في ثوبه.
(ن): فيه: إزالة البزاق وغيره من الأقذار ونحوها من المسجد، وفيه:
جواز الفعل في الصلاة، وفيه: أن البُصاق والمُخاط والنُّخاعة طاهراتٌ، وهذا
لا خلاف فيه بين المسلمين إلا ما حكاه الخطابيُّ عن إبراهيم النَّخَعيِّ أنه قال:
البُصاق نجس، ولا أظنه يصح عنه، وفيه: أن البُصاق لا تبطل الصلاة، وكذا
التنُّع إن لم يظهر منه حرفان، أو كان مغلوباً عليه، انتهى(٢).
وفيه: الغضب عند انتهاك حُرُمات الله، وفيه: تغيير المُنكر باليد، وإن
قدر على الأمر بالإزالة، وفيه: البيان بالفعل إذا تضمَّن فائدة؛ فإنه وَّه بصق
في ثوبه، وقال به هكذا؛ ليُبيِّن طهارةَ البُصاق.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥/ ٣٩).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥/ ٣٩ - ٤٠).
٦٢٣

٧٨- باس
أمرِ ولاة الأمورِ بالرفقِ برعاياهم، ونصيحتهم،
والشفقةِ عليهم، والنهي عن غشّهِم، والتشديدِ عليهم،
وإهمالٍ مصالحِهم، والغفلةِ عنهم وعن حوائجهم
قال الله تعالى: ﴿ وَأَخْفِضْ جَنَلَكَ لِمَنِ أَنَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾
*
[الشعراء: ٢١٥].
· وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِلْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَإِتَآٍ ذِى
اٌلْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠].
(الباب الثامن والسبعون)
(في أمر ولاة الأمور بالرِّفق برعاياهم ونصيحتهم
والشفقة عليهم والنهي عن غشهم والتشديد عليهم
وإهمال مصالحهم والغفلة عنهم وعن حوائجهم)
* قوله تعالى: ﴿ وَلَخْفِضْ جَنَلَكَ لِمَنِ أَنَبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥]،
سبق في (الباب السابع والعشرين).
* قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاَلْإِحْسَنِ﴾ [النحل: ٩٠]، (العدل):
هو القِسْط والموازنة، و((الإحسان)): هو الفَضْل والعفو، قال سفيان بن عُبَيْنة:
٦٢٤

العدل في هذا الموضع: استواء السَّريرة والعَلانية من كل عامل لله، والإحسان:
أن تكون سريرتُهُ أحسنَ من عَلانيته، والفحشاء والمُنكر: أن تكون عَلانِيتُه
أحسنَ من سريرته.
قوله: ﴿وَ إِيَتَآَمٍ ذِى الْقُرْبَ﴾ [النحل: ٩٠]؛ أي: صلة الأرحام،
((والفحشاء)): المُحرَّمات، و((البغي)): هو العُدوان على الناس، وقد جاء في
الحديث: ((ما ذَنْبٌ أَجْدَرُ أن يُعَجِّلَ اللهُ عُقُوبَتَهُ في الدُّنيا معَ ما يُدَّخَرُ لصَاحِبِهِ
فِي الآخِرَةِ مِنَ الْبَغْيِ وقَطِيعَةِ الرَّحِمِ»(١).
قال ابن مسعود: هذه الآية أجمع آية في القرآن، وقال قتادة: ليس
من خُلُق حَسَنٍ كان أهلُ الجاهلية يعملون به، ويستحسنونه؛ إلا أمر الله به،
وليس من خُلُق سيّء كانوا يتعایرونه بينهم؛ إلا نهى الله عنه، وإنما نھی عن
سَفَاسِفِ الأخلاق، وجاء في الحديث: ((إنَّ الله ◌َ يُحِبُّ مَعَالِيَ الأُمُورِ، ويَكْرَهُ
سَفْسَافَها)»(٢).
(م): العطف يوجب المغايرة فيجب أن يكون العدل، والإحسان،
وإيتاء ذي القربة ثلاثةَ أشياء مُتغايراتٍ، وكذلك الفحشاء، والمُنكر، والبَغْي،
فنقول: العدل عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، وذلك
أمرٌ واجب الرعاية في جميع الأشياء من الاعتقادات وأعمال الجوارح، وتفصيل
ذلك يطول، والإحسان: المُبالغة في أداء الطاعات بحسَب الكَمِّية والكيفية،
(١) رواه أبو داود (٤٩٠٢) من حديث أبي بكرة ﴾ه، وهو حديث صحيح. انظر:
((صحيح الجامع الصغير)) (٥٧٠٤).
(٢) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢٨٩٤) من حديث علي ظه، وهو حديث
صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (١٨٩٠).
٦٢٥

كأنه بالمُبالغة في الطاعة يُحسن إلى نفسه؛ كما في الحديث: ((أَنْ تَعْبُدَ اللهَ
كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فإِنْ لم تَكُنْ تَراهُ؛ فإِنَّهُ يَرَاكَ))(١)، فالحاصل: أن العَدْل: عبارةٌ عن
القَدْر الواجب من الخيرات، والإحسان: عبارة عن الزِّيادة في تلك الطاعات
بحسَب الكَمِّية والكيفية، والدواعي والصوارف، وبحسَب الاستغراق في شهود
مقامات العُبودية والرُّبوبية، والإحسان بالتفسير الذي ذكرناه دخل فيه التعظيمُ
لأمر الله، والشَّفَقَةُ على خلق الله، وأشرفها صِلَة الرَّحِم؛ فلهذا أُفرد بالذِّكر.
وأما الثلاثة التي نهى الله عنها، وهي الفحشاء، والمُنكر، والبَغْي:
فنقول: إنه تعالى أودع في النفس البشرية قوى أربعةً: الشَّهوانية البَهِيمِيَّة،
والغضبية السَّبُعية، والوَهْمِيَّة الشيطانية، والعقلية الملائكية، وهذه الرابعة
لا يحتاج الإنسان إلى تهذيبها؛ لأنها من جوهر الملائكة، وإنما المحتاج
إلى التهذيب تلك القوى الثلاث الأُوَل.
أما القوة الشهوانية: فهي إنما ترغب في تحصيل اللَّذات الشهوانية،
وهذا النوع مخصوصٌ باسم الفُحْش، ألا ترى أنه تعالى سمَّى الزِّنا فاحشةً،
فالنهي عن الفحشاء يحتمل أن يكون المراد منه المنعَ من تحصيل اللَّذات
الشهوانية الخارجة عن إذن الشريعة .
وأما القوة الغضبية السُّبُعية: فهي أبداً تسعى في إيصال الشرِّ والبلاء
إلى سائر الناس، ولا شك أنهم ينكرون تلك الحالة، فالمُنكر عبارة عن
الإفراط الحاصل من آثار القوة الغضبية.
وأما القوة الوهمية الشيطانية: فهي أبداً تسعى في الاستعلاء على
(١) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٨) من حديث عمر څ.
٦٢٦

الناس، والترفّع، وإظهار الرِّئاسة، والتقدم، وذلك هو المراد من البَغْي؛
فإنه لا معنى له إلا التطاول على الناس، ومن العجائب التنزيل بهذا
الترتيب، فهذا ما وصل إليه عقلي وخاطري، فإن يكن صواباً؛ فمن الله،
وإن يكن خطأ؛ فمِنِّي ومن الشيطان، والله ورسوله عنه بريئان(١).
٦٥٣ - وعنِ ابنِ عمرَ ﴾، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَو
يقولُ: ((كُلَّكُمْ رَاعٍ، وَكُلَّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ: الإمامُ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ
عَنْ رَعِيَّهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ في أهلِهِ ومَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرَأَةٌ رَاعِيَّةٌ
فِي بَيْتِ زَوْجِها وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَِّها، وَالخَادِمُ رَاعٍ في مالِ سَيِّدِهِ
وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسؤُولٌ عَنْ رَعِيَتِهِ»، متفقٌ عليه.
(الَّوْاُ)
سبق في (الباب الخامس والثلاثين).
٦٥٤ - وعَنْ أبي يَعْلَى مَعْقِل بْنِ يَسَارِ ◌َ﴾، قال: سمعتُ
رَسُولَ اللهِ وَّهِ يقولُ: ((ما مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ
يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌُّ لِرَعِيَتِهِ، إِلَّ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الجَنَّةَ))، متفقٌ عليه.
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٠ / ٨٣ - ٨٤).
٦٢٧

وفي روايةٍ: ((فَلَمْ يَخُطْهَا بِنُصحِهِ، لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ)).
وفي روايةٍ لمسلم: ((مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أُمُورَ المُسلِمِينَ، ثُمَّ لاَ
يَجْهَدُ لَهُم، وَيَنْصَحُ لَهُمْ، إِلَّ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الجَنَّةَ».
(الثَّانِى)
* (يسترعيه الله رعية)) لفظ عامٌّ في كل من كُلِّف حفظَ غيره، كما في
قوله وَله: (كُلّكُم رَاعٍ))، و(الرعاية): الحِفْظُ والصِّيانة، والغشُّ ضِدُّ
النصيحة .
(ن): ((إلا حرم الله عليه الجنة)) فيه التأويلان المتقدمان في نظائره،
أحدهما: أنه محمول على المُستَحِلِّ، والثاني: حرم عليه دخولَها مع
الفائزين السابقين، ومعنى التحريم هنا المنعُ، قال القاضي عياضٌ رحمه
الله: معناه بَيِّن في التحذير من غِشِّ المسلمين لمَن قلده الله شيئاً من
أمرهم، واسترعاه عليهم، ونَصَّبه لمصلحتهم في دينهم، فإذا خان فيما
اؤتمن عليه، فلم ينصح فيما قُلِّده؛ إما بتضييعه تعريفَهم ما يلزمهم من
دينهم، أو ترك الذَّبِّ عن الشريعة لكل مُتصَدٍّ لإدخال داخلة فيها، أو
تحريف لمعانيها، أو إهمال حدودهم، أو تضييع حقوقهم، أو ترك حماية
خَوْزَتهم، ومجاهدة عَدُوِّهم، أو ترك سيرة العَدْل فيهم؛ فقد غَشَّهم، قال
القاضي: وقد نبَّه ◌َّ﴿ أن ذلك من الكبائر المُوبِقَة المُبعِدة عن الجنة(١).
* وقوله: ((لم يدخل معهم الجنة))؛ أي: وقت دخولهم، بل يُؤخر
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٦٦).
٦٢٨

عنهم؛ عقوبةً له؛ إما في النار، وإما في الحِساب، وإما غير ذلك.
(ق): هذا تقييد للرواية الأخرى المُطلَقة التي لم يذكر فيها ((معهم))(١).
(ن): في قوله: ((فيموت يوم يموت وهو غاش)» دليلٌ على أن التوبة
قبل حالة الموت نافعة(٢).
(ط): الفاء في قوله: (فيموت) وفي قوله: ((فلم يَخُطْهَا)) كاللام في
قوله: ﴿فَلْنَقَطَهُ: ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَّنَا﴾ [القصص: ٨]، وقوله:
((وهو غاش)) قيد للفعل، ومقصود بالذِّكر؛ لأن المُعتبر من الفعل والحال
هو الحال؛ يعني: أن الله تعالى إنما وَلاَه واسترعاه على عباده؛ ليُديم
النصيحةَ لهم، لا ليغُشَّهم، فيموت عليه، فلما قلب القَضِيَّةِ؛ استحقَّ أن
لا يجد رائحة الجنة(٣).
٦٥٥ _ وعَنْ عائشةَ رضي الله عنها، قالَتْ: سمعتُ
رَسُولَ اللهِ وَّهِ يقولُ فِي بَيَتِي هذا: ((اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّني
شَيْئاً، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَاشْتُنْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئاً،
فَرَفَقَ بِهِمْ، فَارْفُقْ بِهِ»، رواه مسلم.
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٣٥٥).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٢١٥)، وقوله: ((نافعة)) جاء في الأصل:
((مانعة)) .
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ /٢٥٦٩).
٦٢٩

(الثَّالُِّ)
(ط): قوله: ((من أمر أمتي)) (من) بيان ((شيئاً) كانت صفةً، قُدمَّت؛
فصارت حالاً، وهو أبلغ ما أظهره وَّهُ من الرَّأفة والشَّفَقَة والمَرْحَمَة على
أُقته(١).
(ن): هذا من أبلغ الزواجر عن المَشقَّة على الناس، وأعظم الحَثِّ
على الرّفق بهم، وقد تظاهرت الأحاديث في هذا المعنى(٢).
٦٥٦ - وعَنْ أَبِي هُرِيرةَ ﴿ه، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ( كَانَتْ
بَنُو إسرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ، خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ
لاَ نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَيَكُونُ بَعْدِي خُلَفَاءُ، فَيَكْثُرُونَ)، قالوا: يَا رَسُولَ الله!
فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قال: ((أَوْفُوا بِبَيْعَةِ الأَوَّلِ فالأَوَّلِ، ثُمَّ أَعْطُوهُم حَقَّهُم،
وَاسْأَلُوا اللهَ الَّذِي لَكُمْ؛ فَإِنَّ اللهَ سَائِلُهُمْ عَمَّ اسْتَرْعَاهُمْ))، متفقٌ
عليه .
٤٧
* قوله عليه: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء»:
(ن): أي: يتولُّون أُمورَهم؛ كما يفعل الأمراء والولاة بالرَّعِيَّة،
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨/ ٢٥٧٠).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٢١٣).
٦٣٠

و ((السياسة)): القيام على الشيء بما يصلحه (١).
(ق): إسرائيل هو يعقوب عليه السلام، وبنوه أولاده، وهم الأسباط،
وهم كالقبائل في أولاد إسماعيل، ومعنى هذا الكلام: أن بني إسرائيل كانوا
إذا ظهر فيهم فسادٌ أو تحريفُ أحكام التوراة بعد موسى عليه السلام؛ بعث
الله لهم نبياً يُقيم لهم أمرَهم، ويُصلِحُ لهم حالَهم، ويزيل ما غُيِّرِ ويُدِّل من
التوراة وأحكامها، فلم يزل أمرهم كذلك إلى أن قتلوا يحيى بن زكريا عليه
السلام، فقطع الله مُلكَهم، وبدَّد شملَهم بيُخْتَنَصَّرَ وغيره، ثم جاءهم عيسى،
ثم محمد عليهما الصلاة والسلام [فكذبوهما]، فباؤوا بغضب على غضب،
وهو في الدنيا ضَرْبُ الجزية، ولزومهم الصَّغَار، وفي الآخرة عذاب النار.
ولما كان نبينا وَّهُ آخرَ الأنبياء بَعْثاً، وكتابُه لا يقبل التغييرَ أُسلوباً
ونظماً، وقد تولى الله تعالى كلامه صِيانةً وحفظاً؛ جعل علماء أمته قائمين
ببيان مُشكله، وحفظ حُروفه، وإقامة أحكامه وحدوده؛ كما قال عليه
الصلاة والسلام: ((يَحْمِلُ هذا العِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفِ عُدولُه، يَنْفُونَ عنه
تحريفَ الغَالِينَ، وانتحِالَ المُبطِلينَ، وتَأْوِيلَ الجَاهِلينَ)) (٢)، ويروى عنه
عليه الصلاة والسلام: ((عُلَمَاءُ أُمَّتِي كَأَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ))(٣)، ولمَّا كانت
هذه الأُمَّة كذلك؛ اكتُفي بعلمائها عمَّا كان [من] توالي الأنبياء هنالك (٤).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٢٣١).
(٢) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٠/ ٢٠٩)، وهو حديث صحيح. انظر: ((تخريج
مشكاة المصابيح» (٢٤٨).
(٣) انظر: ((فيض القدير)) للمناوي (٤ / ٣٨٤)، وفيه قال: لا أصل له.
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٤٧ - ٤٨).
٦٣١

* قوله﴾﴾: «كلما هلك نبي»:
(ن): فيه: جواز قول: (هلك فلان) إذا مات، وقد كثرت الأحاديث
به، وجاء في القرآن ﴿حََّ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَنَ اَللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ، رَسُولاً ﴾ [غافر:
٣٤](١).
(ط): قوله: ((وإنه لا نبي بعدي)): معطوف على ((كانت بنو إسرائيل))
واسم (إن) ضمير الشأن، وإنما خولف بين المعطوف والمعطوف عليه؛
لإرادة الثبات والتأكيد في الثاني؛ يعني: قصّة بني إسرائيل كَيْتَ وكَيْتَ(٢).
(ق): هذا النفي عامٌّ في الأنبياء والرسل؛ لأن الرسول نبيٌّ وزيادة،
وقد جاء نصّاً في كتاب الترمذيِّ: ((وإنه لا نبيَّ بَعْدِي ولا رَسُولاً))(٣)، وقد
قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِعِنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٠] (٤).
وقوله : ((وسيكون خلفاء فيكثرون)):
٠
(ن): هو بالثاء المثلثة؛ من الكثرة، وضبطه بعضهم بالباء الموحدة، كأنه
من إِكْبَار قبيح أفعالهم، وهذا تصحيفٌ، وفيه مُعجزةٌ ظاهرة لرسول الله وَ ل﴾(٥).
(ق): وقد وجد كذلك في غير ما وقت، فمِن ذلك مبايعة الناس لابن
الزُّبِير بِمَكَّة، ولمروان بالشام، ولبني العباس بالعراق، ولبني مروان
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٢٣١).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٥٦٤).
(٣) لم نقف عليه عند الترمذي، ورواه الحاكم في ((المستدرك)) (٤١٠٥).
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٤٨)، وفيه: ((ولا رسول)) بدل: ((ولا رسولاً)).
(٥) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٢٣١).
٦٣٢

بالأندلس، ولبني عُبيد بمصر، ولبني [ ... ](١) باليمن، ثم لبني عبد المؤمن
بالغرب(٢).
* قوله : ((أوفوا ببيعة الأول فالأول)):
(ن): معناه: إذا بُويع لخليفة بعد خليفة؛ فبيعة الأول صحيحة يجب
الوفاء بها، وبيعة الثاني باطلة يحرم الوفاء بها، ويحرم عليه طلبُها سواء
عقدوا للثاني عالمین بعقد الأول أو جاهلين، وسواء كانا في بلدین أو بلد،
أو أحدهما في بلد الإمام [المنفصل، والآخر في غيره، هذا هو الصواب
الذي عليه أصحابنا وجماهير العلماء، وقيل تكون لمَن عقدت له في بلد
الإمام](٣)، وقيل: يقرع بينهم، وهذان فاسدان، واتفق العلماء على أنه
لا يجوز أن يُعقَد لخليفتين في عصر واحد، سواء اتسعت دار الإسلام أم
(٤) .
(ط): الفاء في ((فما تأمرنا)) جواب شرط محذوف؛ أي: إذا كَثُر
بعدك الخلفاء، فوقع التشاجر بينهم؛ فما تأمرنا نفعل؟(٥)
وقوله: ((فإن الله سائلهم)): تعليل للأمر بإعطاء حَقُّهم، وفيه اختصار؛
أي: فأعطوهم حقَّهم وإن لم يعطوكم حَقَّكم؛ فإن الله سائلهم عما استرعاهم،
(١) بياض في الأصل.
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٤٨)، وفيه: ((بالمغرب)) بدل: ((بالغرب)).
(٣) ما بين معكوفتين من ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٢٣١).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٢٣١ - ٢٣٢).
(٥) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ /٢٥٦٤).
٦٣٣

ويثيبكم بما لكم عليهم من الحَقِّ.
(ن): فيه: الحَثُّ على السمع والطاعة، وإن كان المُتولِّي ظالماً
غشوماً، فيعطى حقَّه من الطاعة، ولا يخرج عليه، بل يتضرَّع إلى الله في
کشف أداه، وصلاحه، ورفع شِرَّتِه(١).
٦٥٧ - وعَنْ عائِذِ بنِ عَمْرٍو ◌َهُ: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُبَيَدِ الله بنِ
زِيَادٍ، فقالَ له: أَيْ بُنَيَّ! إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ يقول: ((إِنَّ شَرَّ
الرِّعَاءِ الخُطَمَةُ))، فإياكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُم، متفقٌ عليه.
سبق في (الباب الثالث والعشرين).
**
٦٥٨ _ وعَنْ أَبِي مَرْيَمَ الأَزْدِيِّ ﴿ه: أَنَّهُ قَالَ لِمُعاوِيَةَ
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَّهِ يقولُ: ((مَنْ وَلاَهُ اللهُ شَيئاً مِنْ أُمُورِ
المُسْلِمِينَ، فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِم وخَلَّتِهِم وفَتْرِهِم، احتَجَبَ اللهُ
دُونَ حَاجَتِهِ وخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ يَوْمَ القِيامَةِ))، فَجَعَلَ مُعَاوِية رَجُلاً على
حَوَائِجِ الناسِ، رواه أبو داودَ، والترمذيُّ.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٢٣٢)، وفيه: ((ودفع شرِّه)) بدل: ((ورفع شرته)).
٦٣٤

(السَّادِيُ)
* قوله : ((فاحتجب)» :
(قض): أراد باحتجاب الوالي أن يمنع أربابَ الحاجات والمُهِمَّات
أن يلجوا عليه، فيعرضوها، ويَعسُر عليهم إنهاؤها، واحتجاب الله تعالی:
أن لا يُجيبَ دعوته، ويُخيِّبَ آماله، والفرق بين الحاجة، والخَلَّة،
والفقر: أن الحاجة ما يهتمُّ به الإنسان، وإن لم يبلغ حدَّ الضرورة؛ بحيث
لو لم يحصل؛ لاختلَّ به أمرُه، والخَلَّة: ما كان كذلك؛ مأخوذةٌ من
الخَلَل، ولكن رُبَّما لم يبلغ حدَّ الاضطرار؛ بحيث لو لم يوجد؛ لامتنع
التعيُّش، والفقر: هو الاضطرار إلى ما لا يمكن التعيُّش دونه؛ مأخوذٌ من
الفقار، كأنه كسر فقارَه، ولذلك فُسِّر الفقير بالذي لا شيء له أصلاً،
واستعاذ ◌َّ من الفقر (١).
(مظ): يعني: مَن احتجب دون حاجة الناس وخَلَّتهم؛ فعل الله به
يوم القيامة ما فعل بالمسلمين(٢).
(ط): لعل هذا الوجه؛ أعني: التقييدَ بيوم القيامة أرجحُ؛ لأن الترقِّي
في قوله: ((حاجته وخلته وفقره)) في شأن المُلوك والسَّلاطين يُؤذِنُ بسَدِّ باب
فوزهم بمطلوبهم، ونجاح حوائجهم بالكُلِّيّة، وليس ذلك إلا في العُقبى،
ونحوه قوله تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِهِمْ يَوْمَيِذٍ لََّحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]؛ تغليظاً
عليهم، وتشديداً، ولمَّا كان جزاء المُقسطين يوم القيامة أن يكونوا على منابر
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ٥٥٨ - ٥٥٩).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٤ / ٣١١).
٦٣٥

من نور عن يمين الرحمن؛ كان جزاء القاسطين البُعْدَ والاحتجابَ عنهم،
والإقناط عن مباغيهم، ويؤيده ما في رواية البيهقي: ((أَغْلَقَ اللهُ دُونَهُ أبوابَ
رَحْمَتِهِ عندَ حَاجَتِهِ وَفَقْرِهِ أَفْقَرَ ما يَكونُ إِلَيْهِ»(١).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨/ ٢٥٩٣)، والحديث رواه الإمام أحمد في
«المسند» (٣/ ٤٤١) من حديث رجل من أصحاب النبي ټژ، وهو حديث حسن.
انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (٢٢١٠).
٦٣٦

٧٩ -باب
الوالي العادلِ
: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاَلْإِحْسَنِ﴾ [النحل: ٩٠].
* وقال تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوَآَ إِنَّاللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩].
(الباب التاسع والسبعون)
(في الوالي العادل)
سبق معنى العدل في (الباب الرابع والخمسين).
* قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل: ٩٠]، سبق في الباب قبله.
* قوله تعالى: ﴿وَأَقْسِطُواْ﴾ [الحجرات: ٩]؛ أي: اعدلوا بينهم فيما كان
أصاب بعضهم لبعض ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩] وفي ((مسند
ابن أبي حاتم)) عن عبدالله بن عمرو: أن رسول الله وَّم قال: «إنَّ المُقْسِطينَ
في الدُّنيا على مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ بَيْنَ يَدَىِ الرَّحْمَنِ بِمَا أَقْسَطُوا فِي الدُّنيا))(١).
*
(١) انظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (١٠ / ٣٣٠٤). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح
الجامع الصغير)) (١٩٥٣).
٦٣٧

٦٦٠ - وعَنْ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو بنِ العاصِ ﴾، قالَ: قالَ
رَسُولُ اللهِ: ((إِنَّ المُفْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَبِرَ مِنْ نُورِ، الَّذِينَ
يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا»، رواهُ مسلم.
(الَّانِ)
(ن): ((المقسطين)): هم العادلون، والإقساط والقِسْطُ بكسر القاف:
العدل، قال تعالى: ﴿وَأَقْسِطُواْ﴾ [الحجرات: ٩]، ويقال: قَسَطَ يَقْسِط بفتح الياء
وكسر السين قُسوطاً وقَسْطاً بفتح القاف، فهو قاسط: إذا جار، قال تعالى:
﴿ وَمَّا الْقَسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥](١) .
(تو): (القسط) بالكسر: العدل، والأصل فيه النصيب تقول منه: قَسَط
الرجل: إذا جار، وهو أن يأخذ قِسْطَ غيره، وأقسط: إذا عدل، وهو أن يُعطيَ
نصيبَ غيره، ويحتمل أن الألف دخل فيه لسلب المعنى؛ كما دخل في كثير
من الأفعال، فيكون الإقساط إزالةَ القُسوط.
(ن): ((على منابر)) جمع منبر، سُمِّي به؛ لارتفاعه، قال القاضي:
يحتمل أن يكون على منابر حقيقة، ويحتمل أن يكون كنايةً عن المنازل
الرفيعة، قلت: والظاهر الأول، فهم على منابر حقيقة، ومنازلهم رفيعة،
وفي بعض الروايات: ((عن يمين الرحمن))، وهو من أحاديث الصفات،
ومن العلماء من قال: نؤمن بها، ولا نتكلم في تأويلها، نعرف معناها، لكن
نعتقد أن ظاهرها غيرُ مراد، وأن لها معنىً يليق بالله تعالى، وهذا مذهب
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٢١١).
٦٣٨

جماهيرِ السَّلَف، وطوائف المُتكلِّمين.
والثاني: أنها تتأوَّل على ما يليق بها، وهذا قول أكثر المتكلمين(١)،
فالمراد بكونهم عن اليمين الحالةَ الحسَنةَ، والمنزلةَ الرفيعة، قال ابن عرفة:
يقال أتاه عن يمينه: إذا جاء من الجهة المحمودة، والعرب تنسُب الفعلَ
المحمود، والإحسانَ إلى اليمين، وضِدَّه إلى اليسار، واليمين مأخوذ من
اليُمْن، وأما قوله: ((وكلتا يديه يمين)): فتنبيهٌ على أنه ليس المراد باليمين
جارحةً، تعالى الله عن ذلك؛ فإنها مستحيلة في حَقِّه سُبحانه(٢).
(قض): هذا دفعٌ لتوهُم مَن يتوهم أن له يميناً من جنس أيماننا التي
يقابلها يسار، وأن مَن سبق إلى التقرُّب إليه حتى فاز بالوصول إلى مرتبة من
مراتب الزُّلفى من الله؛ عاق غيره عن أن يفوز بمثله؛ كالسابق إلى محل من
مجلس السلطان، بل جهاته وجوانبه التي يتقرَّب إليها العبادُ سواء(٣).
(ط): ((عند الله)) خبر؛ أي: أن المُقسطين مُقرَّبون عند الله، و(على
منابر) يجوز أن يكون خبراً بعد خبر، أو حالاً من الضمير المُستَقِرِّ في الظرف،
و((من نور)) صفة (منابر) صفة مُختصَّة لبيان الحقيقة، و((عن يمين الرحمن))
صفة أخرى لـ (منابر) مُبيِّئة للرتبة والمنزلة، ويجوز [أن يكون] حالاً بعد
(١) من المتأخرين، ولا ريب أن الصواب والسلامة في اقتفاء آثار المتقدمين من
السلف الصالح من التسليم والإيمان في أمثال هذه المواضع دون الخوض فيها،
مع الإيمان أن لتلك الصفات معنى يليق بالباري جلَّ وعلا، كما نقل النووي
رحمه الله هنا.
(٢) المرجع السابق (١٢ / ٢١١ - ٢١٢).
(٣) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ٥٥١).
٦٣٩

حال على التداخل، ووضع (الرحمن) موضع ضمير (الله)؛ لأنه من صفة
الإكرام، فدل اليمين على أن الله تعالى يفيض عليهم حينئذ من جلائل
نعمته، وفضائل نعمه ما لا يُحصی، فیکون قوله: (وكلتا یدیه یمین) تذييلاً
للكلام السابق، فعلى هذا اللام في (المقسطين) للتعريف؛ كما في الرجل
والفرس، ويجوز أن تكون موصولة، وتكون الظروف كلُّها متصلاتٍ
بالصِّلة، وخبر ((إن)) [قوله]: ((الذين يعدلون)) وقوله: (كلتا يديه يمين)
معترضة بين اسم (إن) وخبره؛ صيانةً لجلال الله وعظمته عمَّا لا يليق(١).
* قوله {قال: ((الذین یعدلون»:
(ن): معناه: أن الفضل إنما هو لِمَن عدل فيما يُقلَّده من خلافة، أو
إمارة، أو حِسْبَةٍ، أو نظر على يتيم، أو صدقة، أو وقف، وفيما يلزمه
من حقوق أهله وعياله، وغير ذلك(٢).
وقوله: ((وما ولوا)) هو بفتح الواو وضم اللام المخففة؛ أي: كانت
لهم ولایة علیھم.
(مظ): (وليوا) على وزن: علموا، نقلت ضمة الياء إلى اللام،
وحذفت؛ لالتقاء الساكنين(٣).
(ط): (الذين يعدلون) يحتمل وجوهاً من الإعراب، أن يكون خبر
لـ (إن) كما سبق، وأن يكون صفة لـ (المقسطين) على تأويل ذوات لها
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٥٧١).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٢١٢).
(٣) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٤ / ٣٠١).
٦٤٠