Indexed OCR Text

Pages 561-580

الله عنها عن خُلُق رسول اللهَِ﴿ه، فقالت: ((كانَ خُلُقُه القُرْآنَ))(١)، معنى هذا:
أنه ◌َِّ صارَ امتثالُ القرآن أَمْراً ونَهْياً سَجِيَّةً له، مع ما جبله الله عليه من الخُلُق
العظيم؛ من الحياء، والكرم، والشجاعة، والصَّفْح، والحِلْم، وكلِّ خُلُق
جميل، وفي «مسند أحمد)) عن أبي هريرة ◌ُه قال: قال رسول الله وَله: ((إنَّما
يُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ))(٢).
(م): كلمة (على) للاستعلاء؛ أي: أنت مُستعلٍ على الأخلاق
الحميدة، مُستولٍ عليها، وقولها: ((كانَ خُلُقُه القُرآنَ) إشارةٌ إلى أنَّ نفسَه
المُقدَّسة كانت بالطّبْعِ مُنجَذِبةً إلى عالم الغَيْب، وإلى كلِّ ما يتعلق به،
وكانت شديدةَ العُزوف عن اللذَّات البَدنية، والسَّعادات الدُّنيوية بالطّبْعِ،
ومُقتضى الفِطرة.
ثم أقول: إنه تعالى وصف ما يرجع إلى قوته النظرية بأنه عظيم،
فقال: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمّ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيَّكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]،
ووصف ما يرجع إلى قُوَّته العِلْمية بأنه عظيم، فقال: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ
عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، فلم يبق للإنسان بعد هاتين القُوَّتين شيءٌ، فدَلَّ مجموعُ
هاتين الآيتين على أن رُوحَه فيما بين الأرواح والبشر كانت عظيمةً عالية
الدرجة(٣).
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٦ / ٩١) وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع
الصغير)) (٤٨١١).
(٢) رواه الإمام أحمد في («المسند» (٢/ ٣٨١)، وفيه: ((لأتمم صالح الأخلاق))، ورجاله
رجال الصحيح. انظر: ((مجمع الزوائد» للهيثمي (٨ / ١٨٨).
(٣) انظر: ((تفسير الرازي) (٣٠/ ٧٢).
٥٦١

قوله تعالى: ﴿وَاَلْكَظِمِينَ الْفَيْفَ وَاَلْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ﴾ [آل عمران:
١٣٤]؛ أي: إذا أثارهم الغيظُ؛ كتموه، وعفَوْا عَمَّن أساء إليهم، وفي بعض
الآثار: يقولُ الله تعالى: ((يا بْنَ آدَمَ؛ اذْكُرْنِي إذا غَضِبْتَ؛ أَذْكُرْكَ إذا
غَضِبْتُ، فمَا أُهْلِكُكَ فيمَنْ أُهلِكُ))، رواه ابن أبي حاتم (١).
وفي (مسند أحمد)) عنه ◌َّهِ قال: ((الصُّرَعَةُ كُلُّ الصُّرَعَةِ الَّذِي يَغْضَبُ،
فِيَشْتَدُّ غَضَبُهُ، ويَحْمَرُّ وَجْهُهُ، وَيَقْشَعِرُّ شَعْرُه، فَيَصْرَعُ غَضَبَهُ»(٢).
وفيه أيضاً: أن رجلاً قال: يا رسول الله؛ أَوْصِني، قال: ((لا تَغْضَبْ))(٣)،
قال الرجل: فَفَكَّرَتُ حين قال النبيُّونَ﴿ ما قال؛ فإذا الغضبُ يجمعُ الشّرَّكُلَّه.
وفيه أيضاً: عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَّهِ: ((ما مِنْ جَرْعَةٍ أَحَبُّ
إِلَى اللهِ مِنْ جَرْعَةِ غَيْظِ يَكْظِمُها عَبْدٌ، ما كَظَم عبدٌ له؛ إلا مَلأَ اللهُ جَوُفَهُ إِيمَاناً)(٤).
وفي ((سنن أبي داود)) عن رجل من أبناء أصحاب رسول الله وَلاء، [عن
أبيه قال: قال رسول الله وَجه](٥): ((مَنْ كَظَمَ غَيْظاً، وهُوَ قَادِرٌ على أَنْ يُنْفِذَهُ؛
(١) انظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (٣/ ٩٦٥).
(٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥/ ٣٦٧)، وهو حديث حسن. انظر:
((صحيح الجامع الصغير)) (٣٨٥٩).
(٣) رواه الإمام أحمد في «المسند» (٥/ ٣٧٣) وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح
الترغيب والترهيب» (٢٧٤٦).
(٤) رواه الإمام أحمد في («المسند» (١ / ٣٢٧) من حديث ابن عباس ه، وهو حديث
موضوع. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٥١٦٣). وانظر حديث ابن عمر عند ابن
ماجه (٤١٨٩)، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (٢٧٥٢).
(٥) ما بين معكوفتين من ((سنن أبي داود)).
٥٦٢

مَلأَه اللهُ أمناً وإِقَاناً)(١)، ورواه أحمدُ عن معاذ بن أنس، عن أبيه
أن رسولَ الله ◌َوَّ﴿ قال: ((مَنْ كَظَمَ غَيْظاً، وهُوَ قَادِرٌ على أَنْ يُنْفِذَهُ؛ دَعاهُ اللهُ
على رُؤُوسِ الخَلَائِقِ، حَتَّى يُخَيِّرَه مِن أَيِّ الحُورِ شَاءَ»(٢).
وقوله: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ﴾ [آل عمران: ١٣٤]؛ أي يعفون عَمَّن
ظلمهم، ولا يبقى في أنفسهم مَوْجِدةٌ على أحد، وهذا أكمل الأحوال؛ فلهذا
قال: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، فهذا من مَقامات الإحسان.
وروى الحاكم في ((مستدركه)) [عن رسول الله وَ ليم] قال: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ
يُشْرَفَ له البُنْيَانُ، وترفعَ لهُ الدَّرَجَاتُ؛ فليَعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَهُ، ويُعْطِ مَن
حَرَمَهُ، وَيَصِلْ مَن قَطَعَهُ))، ثم قال: صحيح على شرطهما (٣).
وروى ابن مَرْدُويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَيٍ: ((إذا كانَ
يومُ القِيامَةِ؛ نَدَى مُنَادٍ يقول: أينَ العَافُونَ عنِ النَّاسِ؟ هَلُوا إلى رَبِّكُم،
خُذُوا أَجُورَكُم، وحَقٌّ على كُلِّ مُسْلِمٍ إذا عَفَا أَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ)).
(م): يقال: كظم غيظه: إذا سكت عليه، ولم يُظهره بقَوْل ولا بفعل،
قال المُبرِّد: تأويلُه أنه كتمه(٤).
قوله: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِِّ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، قال القَفَّال: يحتمل
(١) رواه أبو داود (٤٧٧٨).
(٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ٤٤٠) وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح
الترغيب والترهيب)) (٢٧٥٣).
(٣) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٣١٦١) وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الترغيب
والترهيب)» (١٤٦٤).
(٤) انظر: ((تفسير الرازي)) (٩ / ٧).
٥٦٣

أن يكون هذا راجعاً إلى ما ذُمَّ من فعل المشركين في الرِّبا، فنُهي المُسلمون
عن قول ذلك، ونُدِبوا إلى العفو عن المُعسرین.
ورُوي عن عيسى بن مريم عليه السلام: ليس الإحسانُ أن تحسن إلى من
أحسن إليك، ذلك مُكافأة، وإنما الإحسانُ أن تحسن إلى مَن أساء إليك.
واعلم أن الإحسانَ إلى الغير؛ إما بإيصال النفع إليه، أو بدفع الضُّرِّ
عنه، أما إيصال النفع: فهو المُراد بقوله: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِ الشََّّآءِ وَالضَّرَآءِ ﴾
[آل عمران: ١٣٤]، ويدخل فيه إنفاقُ العلم؛ بتعليم الجاهلين، وهداية
الضالِّين، ويدخل فيه إنفاقُ المال، وأما دفع الضُّرِّ عن الغير: فهو إما في
الدنيا، وهو أن لا يُقابلَ الإساءة بإساءة أُخرى، وهو كَظْم الغيظ، وإما في
الآخرة، وهو أن يُبْرِئَّ ذِمَّة الظالم عن التَّبِعَات، والمطالبات في الآخرة،
وهو العفو عن الناس؛ ولهذا أعظمَ الله ثوابَها بقوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
[آل عمران: ١٣٤].
(الكشاف): عن عائشة رضي الله عنها: أن خادماً لها غاظها، فقالت:
لله دَرُّ التقوى، ما تركت لذي غَيْظ شفاء(١).
*
٦٢٢ - وعنهُ، قالَ: مَا مَسِسْتُ دِيباجاً وَلاَ حَريراً أَلْيَنَ مِنْ
كَفِّ رَسُولِ اللهِّهِ، وَلاَ شَمَمْتُ رائِحَةٌ قَطُّ أَطْيَبَ مِنْ رَائِحَةٍ
رَسُولِ اللهِوَّهِ، وَلَقَدْ خَدَمْتُ رَسُولَ اللهِلَّهِ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ
لِي قَطُّ: أُفٍّ، وَلاَ قالَ لِشَيءٍ فَعَلْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَهُ؟ وَلاَ لِشَيءٍ لَمْ
(١) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (١ / ٤٤٣).
٥٦٤

أَفْعَلْهُ: أَلَا فَعَلْتَ كَذَا؟ متفقٌ عليه.
الَوْ
(ن): فيه: بيانُ طيب ريحه صلوات الله عليه، وهو مِمَّا أكرمه الله
سبحانه وتعالى به، قالوا: هذه الريح الطيِّبةُ صفتُه، وإن لم يَمَسَّ طِيباً،
ومع هذا كان يستعمل الطَّيبَ في كثير من الأوقات؛ مُبالغةً في طِيب ريحه؛
لملاقاة الملائكة، وأَخْذ الوحي الكريم، ومُجالسة المسلمين(١).
(ق): ولأنه مُستلذٌّ لحِسُّ الشَّمِّ؛ كالحَلاوة لحِسِّ الذَّوْق، ولأنه مُقَوِّ
للدماغ، ولأنه مِمَّا يرضي الله سبحانه إذا قُصِدَ به القُرْبةُ و[للصلاة](٢).
[و(قط) فيها لغات (قَطُّ) و(قُطُّ) بفتح القاف وضمها مع تشديد الطاء
المضمومة و(قَطِّ) بفتح القاف وكسر الطاء](٣) المشددة، و(قَطْ) بفتح القاف
وإسكان الطاء، و(قَطِ) بفتح القاف وكسر الطاء المخففة، وهي لتوكيد نفي
الماضي.
و«أف» فيها عشر لغات؛ فتح الفاء، وضمها، وکسرها بلا تنوين،
وبالتنوين، فهذه ستةٌ، و(أُف) بضم الهمزة وإسكان الفاء، و(إِف) بكسر
الهمزة وفتح الفاء، و(أُفِّي) و(أُفِه) بضم همزتهما، قالوا: وأصل الأُفِّ
والُّفِّ: وسخ الأظفار، وتستعمل هذه الكلمة في كل ما يستقذر، وهي
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ٨٥).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ١٢٢).
(٣) ما بين معكوفتين من ((شرح مسلم)) للنووي.
٥٦٥

اسم فعل يستعمل في الواحد، والاثنين، والجمع، والمُذكَّر، والمُؤنَّث
بلفظ واحد.
قال الهَرَوُّ: يقال لكل ما يُضجَر منه، ويُستثقل: أُفٍّ له، وقيل: معناه
الاحتقار؛ مأخوذ من الأفَف، وهو القليل(١).
*
٠٠
٦٢٣ - وعن الصَّعبِ بنِ جَثَّمَةَ ﴿ه قال: أَهْدَيْتُ رَسُولَ اللهِّ}
حِمَاراً وَحْشِيّاً، فَرَدَّهُ عَليَّ، فلمّا رأى مَافي وَجْهي قالَ: ((إنََّ لَمْ نَرَّدَّهُ
عَلَيْكَ إلا أَنَّا حُرٌُ))، متفقٌ عليه.
[الثَّانِى)]
* قوله: ((أهديت إلى النبي﴾ حماراً وحشياً):
(ن): ترجم له البخاري؛ بأنه كان حَيّاً، وفي رواية لمسلم: ((من لَحْمٍ
حِمَارِ وَحْشٍ)»(٢)، وفي رواية: ((عَجُزْ حِمَّار وَحْشٍ يَقْطُرْ دَماً)(٣)، وفي رواية:
((شِقِّ حِمَارِ وَحْشٍ)(٤)، وفي رواية: ((عُضْوٌ مِن لَحْم صَيْدٍ))(٥)، وهذه الروايات
صريحة في أنه مذبوحٌ، وإنما أُهدي له بعضُ لحم صيد لا كلُّه(٦).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ٧٠).
(٢) رواه مسلم (١١٩٣ / ٥٢).
(٣) رواه مسلم (١١٩٤ / ٥٤).
(٤) رواه مسلم (١١٩٤ / ٥٤).
(٥) رواه مسلم (١١٩٥ / ٥٥).
(٦) في الأصل: ((فأكله)).
٥٦٦

وقوله ويّي: ((إنا لم نرده)) هو بفتح الدال، قال القاضي: هذا غلطٌّ من
الرُّواة، وصوابه ضمُّ الدال، وهو الصواب على مذهب سيبويه في مثل هذا
من المُضاعف إذا دخلت عليه الهاءُ أن يُضَمَّ ما قبلها؛ مُراعاةً للواو التي
توجبها ضمَّةُ الهاء بعدها؛ لخفاء الهاء، وقوله: ((إلا أنا حرم)) بفتح الهمزة
من (أنا) و(حرم) بضم الحاء والراء: مُحرمون (١).
(ط): لام التعليل محذوفٌ، والمستثنى منه مُقدَّر؛ أي: إنا لا نردُّه
لعلة من العلل إلا لأَنَّا حُرُم(٢).
(ن): فيه: جواز قَبول الهدية للنبيٍّ وَطِّ، بخلاف الصدقة، وفيه: أنه
يُستحبَّ لمَن امتنع من قَبول الهدية ونحوها لعُذر أن يعتذر بذلك إلى المُهدي،
تطبيباً لقلبه(٣).
واتفق العلماء على تحريم الاصطياد على المُحرم، قال الشافعيُّ وآخرون:
ويحرم عليه تَملُّك الصيد بالبيع، والهِبة، ونحوها، وفي مُلكه إياه بالإرث
خلافٌ، وأما لحم الصيد: فإن صاده، أو صِيدَ له؛ [فهو حرامٌ، سواء صيدَ
له](٤) بإذنه أم بغير إذنه، وإن صاده حلالٌ لنفسه، ولم يقصد المُحرم، ثم
أهدى من لحمه للمُحرم، أو باعه؛ لم يَحرُم عليه، هذا مذهبنا، وبه قال مالك،
وأحمدُ، وداود، وقال أبو حنيفة: لا يحرم عليه ما صيدَ له بغير إعانة منه.
وقالت طائفة: لا يَحِلُّ له لحمُ الصيد أصلاً، سواء صاده، أو صاده غيره
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٨ /١٠٤).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢٠٣٢/٦).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٨ / ١٠٧).
(٤) ما بين معكوفتين من ((شرح مسلم)) للنووي (٨ / ١٠٤).
٥٦٧

له، أو لم يقصده: فيحرم مطلقاً، حكاه القاضي عن عليٍّ، وابن عمر، وابن
عباس ثه؛ لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُمَاً﴾ [المائدة: ٩٦]،
قالوا: المُراد بالصَّيْد: المَصِيد، ولظاهر حديث الصَّعْب بن جَثَّمة؛ لأنه وَاله
رَدَّه، وعلل رَدَّ بأنه مُحرم، ولم يقل: لأنك صِدْتَهُ لنا.
واحتجَّ الشافعيُّ وموافقوه بحديث أبي قتادة لمَّا صاد، وهو حلال؛
قال ◌َِّ للمُحرمين: ((هو حَلالٌ؛ فَكُلُوهُ))، رواه مسلم(١)، وفي رواية له: ((فَهَلْ
مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟)) قالوا: معنا رِجْلُها، فأخذها رسولُ الله ◌ِِّ، فأكلها(٢).
وفي ((سنن أبي داود))، و((الترمذي))، و((النسائي)) عن جابر، عن النبيِّ يَّر:
((صَيْدُ البَرِّ لَكُمْ حَلَاَلٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ، أَوْ يُصَادُ لَكُمْ)(٣)، هكذا الرِّواية ((يصاد))
بالألف، وهي جائزة على لغة ومنه قول الشاعر:
أَلَمْ يَأْتِيكَ والأَنْبَاءُ تَنْمِي
قال أصحابنا: يجب الجمعُ بين هذه الأحاديث، وحديثُ جابر هذا
صريحٌ في الفرق، وهو ظاهرٌ في الدلالة للشافعيِّ ومُوافقيه، ورَدٌّ لما قاله
أهل المذهبين الآخرين، فيحمل حديثُ أبي قتادة على أنه لم يَقْصِدْهم
باصطياده، وحديث الصَّعْب على أنه قصدهم، وتحمل الآيةُ الكريمة على
لحم ما صِيدَ للمُحرم؛ للأحاديث المذكورة المُبيِّنّة للمُراد من الآية(٤).
(١) رواه مسلم (١١٩٦ / ٥٦).
(٢) رواه مسلم (١١٩٦ / ٦٣).
(٣) رواه أبو داود (١٨٥١)، والترمذي (٨٤٦)، والنسائي (٢٨٢٧)، وهو حديث
ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٤٦٦٦).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٨ / ١٠٤ - ١٠٦).
٥٦٨

(قض): لا يقال: حديث أبي قتادة منسوخٌ بهذا؛ لأن حديث أبي قتادة
عامَ الحُدَيبية، وحديث الصَّعب كان في حَجَّة الوَداع؛ لأن النسخ إنما يُصار
إليه إذا تعذَّر الجمعُ، كيف؟ والحديث المُتأخِّر مُحتَمِلٌ، لا دلالَة له على
الحُرمة العامَّة، لا صريحاً ولا ظاهراً، حتى يُعارضَ الأوَّلَ فينسَخَه(١).
(ق): فإن قيل: هذا يشكل على مذهب مالك؛ إذ يحكم بأن ما صِيدَ
لأجل مُحرم؛ لا يَحِلُّ أكلُه، وهو ميتة عنده، ولم ينھھم النبيُّ ێے عنه، بل
سَوَّغه لهم، وتركه في أیدیھم، وأَقرَّهم عليه.
والجواب: أن ذلك الحكمَ إنما يلزم على مذهبه فيما تُحِقَّق أنه صيد
لأجل المحرم، وليس في هذا الحديث ما يدلُّ على أنه ◌ِّ قطعَ بذلك،
وإنما امتنع من ذلك فيما يظهر؛ ورعاً؛ كما قال في الثَّمرة: (لَوْلا أَنِّي
أَخَافُ أَنْ تكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ؛ لأَكَلْتُهَا))(٢)، وقد أجاز غيرُ واحد من العلماء
أكلَ ما صاده حلالٌ للمُحرم لغير ذلك [المحرم]، منهم عثمان رولز(٣).
٦٢٤ - وعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعانَ ﴾، قالَ: سَأَلْتُ
رَسُولَ اللهِوَ﴿ عَنِ البِرِّ والإِثْمِ، فقالَ: ((البِرُّ: حُسْنُ الخُلُقِ، والإِثْمُ:
مَا حَاكَ في نَفْسِكَ، وكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ))، رواهُ مسلم.
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ١٨٤ - ١٨٥).
(٢) رواه البخاري (٢٢٩٩)، ومسلم (١٠٧١) من حديث أنس ظـ
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣ / ٢٧٨ - ٢٧٩).
٥٦٩

(١)
سبق في (الباب الثامن والستين).
٠
٠
٦٢٥ - وعَنْ عبدِ الله بنِ عَمْرِو بْنِ العاص ﴾، قالَ: لم يَكُنْ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ فَاحِشاً ولا مُتَفَكِّشاً، وكان يَقُولُ: ((إنَّ مِن خِيارِكُم
أَحْسَنَكُمْ أَخْلاقاً)، متفقٌ عليه.
(الُِّ)
,٤,
(ن): قال القاضي: أصل الفُحْش: الزيادة والخروج عن الحَدِّ، قال
الطبريُّ: ((الفاحش)): البَذِيءُ، قيل: الفواحش عند العرب: القبائح، قال
الهرويُّ: ((الفاحش)): ذو الفُحْش، و((المُتَفَخِّش)) الذي يتكلَّ الفُحْشَ،
ويتعمَّده؛ لفساد حاله، قال: وقد يكون المُتَفحِّشُ الذي يأتي بالفاحشة(٢).
(ق): ((الفاحش)): المَجبولُ على الفُحْش، وهو الجَفاء في الأقوال
والأفعال، و((المُتَفخِّش)): هو المُتعاطي لذلك، وقد برَّأ الله نبيّهَ وَّ ◌ٍ عن جميع
ذلك، ونزهَّه؛ فإنه كان رحيماً، رفيقاً، لطيفاً، سهلاً، مُتواضِعاً، طَلْقاً، بّراً،
وَصُولاً، مَحبوباً، لا تَقْتَحِمُه عيْنٌ، ولا تَمُجُّه نفسٌ، ولا يصدر عنه شيءٌ
يُكرَهُ، ◌َلے، انتهى(٣).
(١) كذا في الأصل، وحقه أن يكون (الثالث).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ٧٨).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ١١٦).
٥٧٠

قال الإمام الغزاليُّ: حَدُّ الفُحْش وحقيقته: هو التعبير عن الأُمور
المُستَقْبَحة بالعبارات الصَّريحة، ويجري أكثر ذلك في ألفاظ الوِقاع،
وما يتعلَّق به؛ فإن لأهل الفساد عباراتٍ صريحةً فاحشةً يستعملونها فيه،
وأهل الصلاح يتحاشَوْن من التعرُّض لها، بل يَكْنُونَ عنها، قال ابن عباس :
إن الله حَيِيٍّ كريم، يَعُفُّ ويَكْنِي، كَنَى باللَّمس عن الجماع.
فاللَّمْسُ، والمَسُّ، والدُّخول، والصُّحبة كناياتٌ عن الوِقاع، ليست
بفاحشة.
وهناك عباراتٌ فاحشة يُستقبَحُ ذكرُها، أوائلها مَكروهةٌ، وأواخرُها
محظورةٌ، وبينهما درجاتٌ يتردّد فيها، وليس يختصُّ هذا بالوِقاع، بل
الكِنايةُ بقضاء الحاجة عن البول والغائط أَوْلَى من لفظ التغوُّط والخِرَاءة.
وكذلك يُستحسن في العَادة الكِنايةُ عن النساء، فلا يقال: قالت زوجتك
كذا، بل يقال: قيل في الحُجْرة، أو أُمُّ الأولاد، وكذلك مَن به عُيُوبٌ يَستحيي
منها؛ كالبرَص، والقَرَع، والبَواسِير، يقال: الذي يشكوه، وما يجري مجراه.
قال العلاء بن هارون: كان عمر بن عبد العزيز يَتحفّظ في منطقه،
فخرج خُرَاجٌ في إِبْطِه، فقلنا: نسأله ماذا يقول؟ فقلنا مِن أين خرج؟ فقال
مِن باطن اليد.
والباعث على الفُحْش: إما قَصْدُ الإيذاء، وإما الاعتيادُ الحاصل من
مُخالطة الفَُّاق، وأهل اللؤم والخُبْث(١).
* قوله مي: «إن من خياركم أحاسنكم أخلاقاً»:
(١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٣/ ١٢٢).
٥٧١

(ق): هو جمع (أحسن) على وزن (أفعل) التي هي للتفضيل،
ورُوي: ((أحسنكم)) مُوخَّداً، و((الأخلاق)): جمع خُلُق، وهي عبارة عن
أوصاف الإنسان التي بها يُعامل غيرَه، ويخالطه، وهي منقسمة إلى محمود
ومذموم، فالمَحمود: صفات الأنبياء، والأولياء، والفُضَلاء؛ كالصبر عند
المَكاره، والحِلْم عند الجَفاء، وتَحمُّل الأذى، والإحسان إلى الناس،
والتودُّد إليهم، والمُسارعة في حوائجهم، والرَّحمة، والشَّفقة، واللُّطف في
المجادلة، وعلى الجُملة؛ فاعتدالها أن تكون مع غيرك على نفسك،
فتنتصفَ منها، ولا تنتصف لها، فتعفو عَمَّن ظلمك، وتُعطي مَن حَرَمك
والمذموم منها نقيضُ ذلك كلِّه.
وقد جاء هذا الحديث في كتاب غير مسلم بزيادة حسنة، فقال:
((خِيَّارُكُمْ وَأَحَاسِنُكُمْ أَخْلاَقاً، المُوطَّؤُونَ أَكْنَافاً، الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ)(١)،
فهذه الخُلُق، وهؤلاء المُتخلِّقون.
واعلم أن الخُلُقَ جِبلَّة في نوع الإنسان، غير أن الناس في ذلك
يتفاوتون، فمِنَ الناس مَن يَغْلِبُ عليه بعضُها، ويَقِفُ عن بعضها، وهذا هو
المَأمورُ بالرِّياضة، والمُجاهدة حتى يقوى ضعيفُها(٢).
٦٢٦ - وعَنْ أَبِي الدَّرْداءِ ﴿: أَنَّ النبيَّنَّهِ قالَ: ((مَا مِنْ
(١) رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٧٦٩٧) من حديث أبي هريرة ظُه وهو حديث
حسن. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (٢٦٥٨).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ١١٦ - ١١٧).
٥٧٢

شَيْءٍ أَثْقَلُ في مِيزَانِ المُؤْمِنِ يَومَ القِيَامَةِ من حُسْنِ الخُلُقِ، وإِنَّ اللهَ
يُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيَّ))، رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
(البَذِيُّ)): هو الَّذِي يَتَكَلَّم بالفُحشِ ورَدِيءِ الكلامِ.
* قوله : ((إن الله يبغض الفاحش البذيء))، سبق معنى الفاحش
قريباً، قال الجَوهريُّ: ((البَذاء)» بالمَدِّ: الفُحْش، وفلان بَذِيءُ اللِّسان،
والمرأة بذيئة، تقول منه: بَذَوْتُ على القوم، وأَبْذَيْتُ.
(ط): أوقع ((إن الله يبغض الفاحش)) مقابلاً لقوله: ((إن أثقل شيء
يوضع في الميزان))؛ دلالةً على أن أخفَّ ما يُوضَعُ في الميزان هو سُوء
الخُلُق، وأن حُسْنَ الخُلُق أحبُّ الأشياء إلى الله تعالى، والخُلُق السيِّىء
أبغضُها، وأن الفُحْشَ والبذاءةَ أَسْوَأُ شيء من مساوئ الأخلاق، انتهى(١).
٦٢٧ - وعَنْ أَبِي هُرِيرةَ ﴿هِ، قالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِنَّهِ عَنْ
أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الجَنَّةَ؟ قالَ: ((تَقْوَى اللهِ، وَحُسْنُ الخُلُقِ»،
وَسُئِلَ عَنْ أَكثرٍ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ، فَقَالَ: ((الفَمُ وَالفَرْجُ»، رواه
الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٣٥).
٥٧٣

[التشا
* قوله وَ له: ((أكثر ما يدخل الناس الجنة: تقوى الله، وحسن
الخلق))؛ وذلك لأن حاصلَ معنى التقوى: امتثالُ أوامر الله، واجتناب
نواهيه، وحُسْنُ الخُلُق: هو بَسْطُ الوجه، وبذل النَّدى، وكَفُّ
الأذى، فالقائم بالتقوى، وحُسن الخُلُق قائمٌ بحقوق الخالق والخلائق،
وهذه صفة أولياء الله .
وقوله: ((أكثر ما يدخل الناس النار: الفم والفرج))، قيل: إنما خَصَّهما
بالذِّكر؛ لأن أكثر الشَّهوات تتعلق بهما؛ ولذلك كَنَتِ العرب عن اللَّذة الموجودة
لهما بالأَطْيَبَيْن؛ يعنون: الأكلَ والنكاحَ، وهاتان الشهوتان هما اللَّتان تُنْكُسَان
الخلقَ في نار جهنم.
(ط): قوله: (([تقوى الله] تعالى)) إشارةٌ إلى حُسن المعاملة مع الخالق؛
بأن يأتيَ جميع ما أمر به، وينتهيَ عمَّ نهى عنه، و((حسن الخلق)) إشارةٌ إلى
حُسْن المعاملة مع الخَلْق، وهاتان الخَصْلَتان موجبتان لدخول الجنة،
ونقيضُهما لدخول النار، فأوقع الفمَ والفَرْجَ مقابلاً لهما.
أما الفَمُ: فمشتمل على اللِّسان، وحِفْظُه مِلاكُ أمر الدِّين كله، وأكل
الحلال رأسُ التقوى كله، وأما الفَرْجُ: فصَوْنُهُ من أعظم مراتب الدين، قال
الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥]؛ لأن هذه الشهوة
أغلبُ الشهوات على الإنسان، وأعصاها على العقل عند الهَيَجَان، ومَن
ترك الزِّنا؛ خوفاً من الله تعالى معَ القُدْرَة، وارتفاع الموانع، وتيسُّر
الأسباب، لا سِيِّما عند صدق الشهوة؛ وصل إلى درجة الصدِّيقين، قال
٥٧٤

تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَىِ ﴿ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى﴾
[النازعات: ٤٠ -٤١]، وقصة الرشيد في تعليق طلاق زُبَيْدةَ مشهورةٌ.
ومعنى الأكثرية في القرينتين: أن أكثر أسباب السَّعادة الأبدية الجمعُ
بين هاتين الخَلَّتين، وأن أكثر أسباب الشَّقَاوَةِ الجمعُ بين هاتين الخَلَّتين(١).
٦٢٨ - وعنه، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَِّ: ((أَكْمَلُ المُؤْمِنِينَ إِيْمَاناً
أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِسَائِهِمْ))، رواه الترمذي، وقال:
حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٦٢٩ - وعن عائشةَ رضيَ الله عنها، قالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴾
يقولُ: (إِنَّ المُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِ القَائِمِ))، رواه
أبو داود.
(التَّافُِ.
سبق شرحه في (الباب الرابع والثلاثين).
٦٣٠ - وعَنْ أَبِي أَمَامَةَ الباهِلِيِّ ◌َبهِ، قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ:
(أَنَاَ زَعِيمٌ بِبَيْتٍ في رَبَضِ الجنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ المِرَاءَ، وَإِنْ كَانَ مُحِقّاً،
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠/ ٣١٢٠ -٣١٢١).
٥٧٥

وبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الجنَّةِ لِمَن تَرَكَ الكَذِبَ، وَإِن كَانَ مَازِحاً، وَبِبَيْتٍ
فِي أَعْلَى الجَنَّةِ لِمَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ))، حديثٌ صحيحٌ رواه أبو داودَ
بإسنادٍ صحيحٍ.
الزَّعِيمُ: الضَّامِنُ.
التََّّى
(إلى آخر الباب)
(نه): ((ربض الجنة)) بفتح الباء: ما حولها خارجاً عنها؛ تشبيهاً بالأبنية
التي تكون حول المُدُن، وتحت القِلاع(١).
(ط): أي: مَن ترك الجدالَ والمُمَاراةَ، وهو مُحِقٌّ في ذلك الجِدال،
فتركه؛ كسراً لنفسه؛ كيلا يترقَّع على خَصْمِهِ، وأن لا يظهر فضلُه عليه،
فتواضع في ذلك، مع كونه مُحِقّاً فيه؛ بُني له بيتٌ فِي رَبَضِ الجَنَّةُ(٢).
(نه): ((المِراء»: الجدال، والتَّماري والمُماراة: المُجادلة على مذهب
الشَّكِّ والرِّيبة، ويقال للمُناظرة: مُماراة؛ لأن كلَّ واحد منهما يستخرج ما عند
صاحبه، ويَمْتَرِيه، كما يمتري الحالبُ اللَّبنَ من الضَّرْعِ، انتهى(٣).
قال الغزاليُّ رحمه الله: حَدُّ المِراء: هو كل اعتراض على كلام الغير،
بإظهار خَلَلٍ فيه؛ إما في اللفظ، وإما في المعنى، وإما في قَصْدِ المُتكلِّم.
وتَرْكُ المِراء؛ بترك الإنكار والاعتراض، فكلُّ كلام سمعتَه؛ فإن كان
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ١٨٥).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١٢٠).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ٣٢٢).
٥٧٦

حَقّاً؛ فصَدِّق به، وإن كان باطلاً، ولم يتعلق بأمور الدِّين؛ فاسكت عنه(١).
والمِراء معصيةٌ مهما حصل فيه إيذاءُ الغير، ولا تتفقُّ المُماراة عن
الإيذاء وتهييج الغضب، وحَمْل المُعترَض عليه على أن يعود فَيَنصُرَ كلامَه
بما يُمكِنُهُ من حقٍّ أو باطل، ويقدح في قائله بكُلِّ ما يُتصوَّر، فيثور الشِّجارُ
بين المُتمَارِيَتَيْن؛ كما يثور التَّهارُشُ بين الكلبين، يَقصِد كلُّ واحد منهما أن
يَعضَّ صاحبَه بما هو أعظم نِكايةً، وأقوى في إِفْحَامِهِ وإِثْخَانِهِ .
والمُواظبة على المِراء يجعله عادةً وطَبْعاً، حتى يتمكن من النفس،
ويعسُر الصَّبرُ عنه، وأكثر ما يغلب ذلك في المذاهب والعقائد؛ فإن المِراءَ
طَبْعٌ، فإذا ظنَّ أن له عليه ثواباً؛ اشتدَّ حِرْصُه عليه، وتعاون الطَّبْعُ والشرعُ،
وذلك خطأ مَحْضٌ، بل ينبغي للإنسان أن يَكُفَّ لسانَه عن أهل القبلة، وإذا
رأى مُبتدعاً؛ تلطّف في نُصْحه على خَلْوة، لا بطريق المُجادلة؛ [فإن
الجدال] يُخيِّلُ إليه أنه حيلةٌ منه في التلبيس، وأن ذلك صَنِيعةٌ منه يَقْدِرُ
المُجادلون من أهل مذهبه على أمثالها لو أرادوا، فتستمرُّ البدعة في قلبه
بالجدل وتتأكَّد.
فإذا عرف أن النُّصْحَ لا ينفع؛ اشتغل بنفسه وتركه.
وأقلُّ ما يفوتُ المَرْءَ في الخُصومة والمِراء والجِدال طيبُ الكلام،
وما ورد عليه من الثواب؛ إذ أقل درجات طيب الكلام إظهارُ الموافقة،
ولا خُشونةَ في الكلام أعظمُ من الطَّعْن والاعتراض، الذي حاصلُه إما جهلٌ،
أو تكذيبٌ، وقال تعالى: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]، قال ابنُ
(١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٣/ ١١٨).
٥٧٧

عباس: لو قال لي فرعونُ خيراً؛ لرددت عليه.
وفي الخبر: ((الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ)) (١).
وفي الخبر أيضاً: ((اتَّقُوا النَّارَ ولو بشِقِّ تَمْرَةٍ؛ فإِنْ لَمْ يَكُنْ؛ فبكَلِمَةٍ
طَيِّبةٍ)) (٢).
وقال عمر تظُه: البِرُّ شيءٍ هَيِّنٌّ؛ وجهٌ طَلِيقٌ، وكلام لَيِّن.
وقال بعض الحكماء: كلُّ كلام لا يُسخِطُ ربَّك إلا أنه يرضى به
جليسُك؛ فلا تكن به بخيلاً، فلعله يُعوِّضُك منه ثوابُ المُحسنين.
وقيل: الكلام اللَّيِّنُ يغسل الضَّغائنَ المُستكِنَّةَ في الجوارح.
فهذا كلُّه في فضل الكلام الطيِّب، ويضادُّه الخُصومة، والمِراء،
واللَّجَاجُ، والجِدال؛ فإنه الكلام المُستَكْرُهُ المُوحِشُ المُؤذي للقلب،
المُنغِّصُ للعَيْش، المُهيِّج للغضب، المُوغِرُ الصَّدْر.
* قوله ◌َّفر: ((وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب، وإن كان
مازحاً)): قال الإمام الغزاليُّ: الكذب من قبائح الذُّنوب، وفواحش
العُيوب، وإن لم يكن فيه ضررٌ، بل كان مُطايبةً مَخْضةً؛ لا يوصف
صاحبها بالفِسْق، ولكنه يَنْقُص من درجة إيمانه، وفي الخبر: ((لا يَسْتَكْمِلُ
المَرْءُ الإِيمَانَ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ ما يُحِبُّ لنَفْسِهِ وحَتَّى يجْتَنِبَ الكَذِبَ في
مِزَاحِهِ»، انتھی(٣).
(١) رواه البخاري (٢٨٢٧)، ومسلم (١٠٠٩) من حديث أبي هريرة ضُه.
(٢) رواه البخاري (١٣٥١)، ومسلم (١٠١٦)، من حديث عدي بن حاتم ◌ُه.
(٣) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٣/ ١٣٤ - ١٣٥)، والحديث رواه بنحوه : =
٥٧٨

* قوله: ((وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه))؛ وذلك لأن
صاحبَ الخُلُق الحسن لا بُدَّ أن يكون تاركاً للمِراء والكذب، مع تَخلُّيه عن
الرَّذائل، وتَحلِّيه بالفضائل؛ فلهذا كان أعلى درجةً من تارك المراء
والكذب.
*
٦٣١ - وعن جابرٍ ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِلَّهِ قالَ: ((إِنَّ مِنْ
أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ، وَأَقْرَبِكُم مِنِّي مَجْلِساً يَوْمَ القِيَامَةِ، أَحَاسِنُكُم
أَخْلاقاً، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ، وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي يَوْمَ القِيَامَةِ، الثَّرْثَارُونَ،
وَالمُتَشَدِّقُونَ، وَالمُتَفَيْهِقُونَ))، قالوا: يا رَسُولَ الله! قَدْ عَلِمْنَا
الثَّرْثَارُونَ، وَالمُتَشَدِّقُونَ، فَمَا المُتَفَيْهِقُونَ؟ قالَ: ((المُتَكَبِّرُونَ»،
رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ.
(الثَّرْتَارُ)): هُوَ كَثِيرُ الكَلامِ تَكَلُّفاً، ((وَالمُتَشَدِّقُ)): المُتَطاوِلُ
عَلَى النَّاسِ بِكَلامِهِ، وَيَتَكَلَّمُ بِمِلءٍ فيه تَفَاصُحاً وَتَعْظِيماً لِكَلامِهِ؛
(وَالمُتَفَيْهِقُ)): أَصْلُهُ مِنَ الفَهْقِ، وَهُوَ الامْتِلاءُ، وَهُوَ الَّذِي يَمْلأُ فَمَهُ
بِالكَلَامِ، وَيَتَوَسَّعُ فيه، وَيُغْرِبُ بِهِ تَكَبُّراً وَارِفَاعاً، وَإِظْهَاراً للفَضِيلَةِ
عَلی غَيرِهِ .
وروى التِّرمذيُّ عن عبدِاللهِ بنِ المباركِ رحِمه الله في تَفْسِيرِ
= البخاري (١٣)، ومسلم (٤٥)، من حديث أنس ◌َُّه، وانظر: ((المغني عن حمل
الأسفار)) للحافظ العراقي (٢ / ٨١٤).
٥٧٩

حُسْنِ الخُلُق، قال: هُوَ طَلَاقَةُ الوَجِهِ، وَبَذَلُ المَعرُوف، وَكَفُّ
الأَذَى.
* قوله ◌َّفي ((إن من أحبكم إليَّ))، سيأتي في (الباب الثامن عشر بعد
المئتين).
٥٨٠