Indexed OCR Text
Pages 441-460
ظَهْرِي إليَّ، فإذا وُلِّيْتُكَ اليومَ، وصِرْتَ إليَّ؛ فستَرى صَنيعي بك، قال:
فيتَّسِعُ له مَدَّ بصَرِهِ، ويُفتَحُ له بابٌ إلى الجَنَّة.
وإذا دُفِنَ العَبدُ الفَاجِرُ والكَافِرُ؛ فيقُولُ القَبْرُ: لا مَرْحَباً ولا أَهْلاً، أَمَا إن
كُنْتَ لِأَبْغَضَ مَن يَمْشِي على ظَهْرِي إليَّ، فإذا وُلِّيْتُكَ اليومَ، وصِرْتَ إليَّ؛
فسَتَرى صَنيعي بك، قال: فيَلْتَئِمُ عليهِ حَتَّى تَلْتِقِيَ عَليه، وتختَلِفَ أَضْلاَعُه)).
قال: وأخذ رسولُ الله ◌َي بأصابعه، فأدخل بعضَها في جَوْف بعض،
قال: ((ويُقَيَّضُ له سَبْعُونَ تِنِيناً، لَو أنَّ وَاحِداً منها نفخَ في الأَرْضِ؛ ما أَنْتَتْ
شَيْئاً ما بَقِيَّتِ الدُّنيا، فَتَنْهَشُه، وتَخْدِشُه، حتَّى يُفْضِيَ به إلى الحِسَاب))،
قال: قال رسول الله وَله: ((إنَّما القَبْرُ رَوْضَةٌ مِن رِيَاضِ الجَنَّة، أو حُفْرَةٌ مِن
حُفَرِ النِّيرَانِ))(١).
وعن ابن عمر عليها قال: أتيتُ النبيَّ ◌َِّ عاشرَ عشرة، فقام رجلٌ من
الأنصار، فقال: يا نبيَّ الله؛ مَن أَكْيَسُ الناس، وأحزمُ الناس؟ قال: ((أَكثرُهُم
ذِكْراً للمَوْتِ، وأَكْثَرُهُم اسْتِعْدَاداً للمَوْتِ، أُولِئِكَ الأَكْيَاسُ، ذَهَبُوا بِشَرَفِ
الدُّنيا، وكَرَامَةِ الآخِرَةِ))، رواه ابن أبي الدُّنيا، والطبرانيُّ في ((الصغير)) بإسناد
حسن، ورواه ابنُ ماجَه مختصراً بإسناد جَيِّد(٢)، قاله الحافظ المُنذريُّ(٣).
وعن سَهْل بن سعد ◌َ ◌ّه قال: مات رجلٌ من أصحاب النبيِّ ◌َِّ، فجعل
أصحابُ رسول الله وَّه يُثْنون عليه، ويذكرون مِن عبادته، ورسولُ اللهِ وَله.
سَاكِتٌ، فلمَّا سكتوا؛ قال رسول الله وَّهِ: (هَلْ كَانَ يُكْثِرُ ذِكْرَ المَوْتِ؟)) قالوا:
(١) رواه الترمذي (٢٤٦٠).
(٢) رواه ابن ماجه (٤٢٥٩)، والطبراني في ((المعجم الصغير)) (١٠٠٨).
(٣) انظر: ((الترغيب والترهيب)) للمنذري (٤ /١١٩).
٤٤١
لا ، قال: ((فَهَلْ كَانَ يَدَعُ كَثِيراً مِمَّا يَشْتَهِي؟» قالوا: لا، قال: ((ما بلغَ صَاحِبُكُم
كَثِيراً مِمَّا تَذْهَبُونَ إِلَيْهِ»(١)، رواه الطبرانيُّ بإسناد حسن(٢).
قال الشيخ أبو عبدالله مُحمَّد بن أحمد القُرطبيُّ: رُوي عن أنس قال:
قال النبيُّ نَّهِ: ((أَكْثِرُوا ذِكْرَ المَوْتِ؛ فإنَّه يُمَخِّصُ الذُّنُوبَ، ويُزَهِّدُ في
الدُّنيا))(٣)، ويُروى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((كَفَى بالمَوْتِ
وَاعِظاً»(٤)، وقيل له: يا رسولَ الله؛ هل يُحشَر مع الشهداء أحدٌ؟ قال: ((مَنْ
يَذْكُرُ المَوْتَ في الْيَوْمِ واللَّيْلةِ عِشْرِينَ مَرَّةً».
وقال السُّدِّي في قوله تعالى: ﴿الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوَةَ لِبْلُوَّكُمْ أَيُّوْأَحْسَنُ
عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]: أي: أكثركم للموت ذكراً، وله أَحْسَنُ استعداداً، ومنه
أشدُّ خوفاً وحذراً(٥).
قال القرطبيُّ المَذكورُ: قوله عليه الصلاة والسلام: ((أَكْثِرِوا ذِكْرَ هَادِمِ
اللذَّات؛ المَوْتِ)) كلامٌ مختصر وجيز، قد جمع التذكرة؛ فإن مَن ذكر
(١) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٦/ ١٨٥) وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة
الضعيفة» (٦٥٠٧).
(٢) انظر: ((الترغيب والترهيب)) للمنذري (١١٩/٤)، و((مجمع الزوائد)) للهيثمي
(١٠/ ٣٠٩). وانظر تعقب الشيخ الألباني لتحسينهما للحديث في ((السلسلة الضعيفة))
(٦٥٠٧).
(٣) انظر: ((التذكرة)) للقرطبي (١/ ١٢١)، وإسناده ضعيف جدًّا. انظر: ((المغني عن
حمل الأسفار)) للعراقي (٢ / ١٢٠١).
(٤) رواه الإمام أحمد في ((الزهد)) (ص: ١٧٦) من حديث عمار بن ياسر ﴿ه، وهو
حديث ضعيف جدًّا. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٤١٥٨).
(٥) انظر: ((التذكرة)) للقرطبي (١ / ١٢١ - ١٢٢).
٤٤٢
الموت حقيقةَ ذكره؛ نغَّصَ عليه للَّتَه الحاضرة، ومنعه من تَمنِيها في
المستقبل، وزَهَّده فيما كان منها يُؤْمَل، ولكن النفوس الذاهلة، والقُلوب
الغافلة تحتاج إلى تطويل الوُنَّاظ، وتَزْوِيق الألفاظ؛ وإلا؛ ففي هذا مع
قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْوَتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] ما يكفي السَّامعَ له،
ويشغل الناظرَ له(١).
واعلم أن ذكرَ الموت يُورث استشعارَ الانزعاج عن هذه الدار الفانية،
والتوجّه في كل لحظة إلى الآخرة الباقية، ثم إن الإنسان لا ينفَكُّ عن حالَتي
ضِيق وسَعة، ففي حال الضِّق ذكرُ الموت يُسهّل عليه بعضَ ما هو فيه؛
فإنه لا يدوم، والموت أصعب منه، أو في حال نعمة وسَعة؛ فذكر الموت
يمنعُه من الاغترار بها، ولقد أحسن مَن قال :
وتَجَهَّزْ لمَصْرعٍ سَوْفَ يَأْتِي
اذْكُرِ المَوْتَ هَادِمَ اللذَّاتِ
وقال آخر :
فِي ادِّكَارِ المَوْتِ تَقْصِيرُ الأَمَلْ
اذْكُرِ المَوْتَ تَجِدْهُ رَاحَةً
والموت ليس له سِنّ معلوم، ولا زمن معلوم، ولا مرض معلوم،
وذلك ليكون المرء على أُهْيَةٍ من ذلك.
كان بعض الصالحين ينادي بالليل على سُور المدينة: الرَّحيلَ
الرَّحيلَ، فلما تُوفِّي فَقدَ صوتَه أميرُ تلك المدينة، فسأل عنه، فقيل: إنه قد
مات، قال :
ما زَالَ يَلْهَجُ بالرَّحِيلِ وَذِكْرِهِ
حَتَّى أَنَاخَ بِبَابِهِ الجَمَّالُ
(١) المرجع السابق، (١/ ١٢٢ - ١٢٣).
٤٤٣
فَأَصَابَهُ مُتَيقظاً مُتَشَمِّراً
ذَا أُهْبَةٍ لَمْ تُلْهِهِ الْآمَالُ
*
٥٨٠ - وعن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ◌َُه: كَانَ رَسُولُ اللهِّهِ إذا ذَهَبَ
ثُلُثُ اللَّيْلِ، قامَ فقالَ: ((يا أَيُّهَا النَّاسُ! اذْكُرُوا اللهَ، جاءَتِ الرَّاجِفَةُ
تَتَّبَعُها الرَّادِفَةُ، جاءَ المَوْتُ بِما فِيهِ، جاءَ المَوْتُ بما فِيهِ، جاءَ المَوْتُ
بما فِيهِ»، قلتُ: يا رَسُولَ الله! إنِّي أُكْثِرُ الصَّلاةَ عَلَيْكَ، فَكَمْ أَجْعَلُ
لكَ مِن صَلاتي؟ قال: ((ما شِئْتَ))، قُلْتُ: الرُّبُعَ؟ قال: ((ما شِئْتَ،
فَإِنْ زِدْتَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ))، قُلْتُ: فَالنِّصْفَ؟ قالَ ((ما شِئْتَ، فإنْ
زِدْتَ، فهو خَيْرٌ لَكَ))، قُلْتُ: فَالثلثَيْنِ؟ قالَ: ((ما شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ،
فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ)) قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلاتِي كُلَّها؟ قالَ: ((إذاً تُكْفَى
هَمَّكَ، ويُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُّكَ))، رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ.
فيه: الحَثُّ على ذكر الله، وفضيلة قيام الليل، ويمكن أن يُستدلَّ بهذا
الحديث على استحباب المُذكِّرين بالأَسْحَار، ودُعائهم الناسَ للتوبة
والاستغفار، وفيه: الحَثُّ على انتهاز الفُرْصَة، واغتنام المُهْلة قبل سَكْرة
الموت، وحَسْرة الفَوْت.
(نه): ((الراجفة»: النفخة الأُولى التي يموت لها الخلائق، و((الرادفة)):
النفخة الثانية التي يَحْيَوْن لها يوم القيامة، وأصل الرَّجْف: الحركة
٤٤٤
والاضطراب، انتهى(١).
* قوله ◌َّي: ((جاء الموت بما فيه))؛ أي: قَرُبَ نزول الموت مع ما فيه
من هَوْل المَطْلَع، ووَحْشَته، وظُلْمَته، وسَدِّ باب المزيد، وانقطاع الأعمال،
وما يُعاين من بعده من الأهوال الثُّقال، والشدائد التي لا يقوم لها الجبال؛
ولهذا لمَّا سمعه أُبيُّ بن كعب ◌َُّه؛ انزعج من ذلك(٢) وجعل يسأل النبيَّ ◌َّ
عمَّا ينفعه من الأعمال الصالحة.
(تو): المعنى: كم أجعل لك من دعائي الذي أدعو به لنفسي؟ ولم
يزل يُفاوِضُه؛ ليُوقفَه على حَدِّ من ذلك، ولم ير النبيُّ ◌ٍَّ أن يحُدَّ له في
ذلك حدّاً؛ لئلا يلتبس الفضيلةُ بالفريضة أولاً، ثم لا يُغلق عليه بابَ المَزيد
ثانياً، فلم يزل يجعل الأمر فيه إليه مُراعياً لقرينة الترغيب، والحَثِّ على
المَزيد، حتى قال: ((إذن أجعل لك صلاتي كلها))؛ أي: أُصلي عليك بدلَ
ما أدعو لنفسي، فقال: (إذاً، تكفى همك)؛ أي: ما يَهُمُّك من أمر دِينك
ودُنياك؛ لأن الصلاة عليه مُشتملة على ذكر الله، وتعظيم الرسول بَّهِ،
والاشتغال بأداء حَقَّه عن مقاصد نفسه، وإيثاره بالدُّعاء له على نفسه،
وما أعظمها من خِلال جليلة الأخطار، وأعمال كريمة الآثار! وأرى
هذا الحديثَ تابعاً في المعنى لقوله بَّهِ: (مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي؛
أَعْطَيْتُه أَفْضَلَ ما أُعْطِي السَّائِلِينَ)» (٣).
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢/ ٢٠٣).
(٢) في الأصل: ((داء)).
(٣) رواه الترمذي (٢٩٢٦) من حديث أبي سعيد الخدري ظُ وهو حديث ضعيف.
انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٦٤٣٥).
٤٤٥
(ط): قد تقرر أن العبدَ إذا صلى على النبيِّ نَّر؛ صلى الله عليه عشراً،
وأنه إذا صلى عليه؛ وُقُّقْ لمُوافقة الله، ودخل في زُمرة الملائكة المُقرَّبين في
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَئِ كَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]؛ فإنه يُوازي هذا
دُعاءَه لنفسه(١).
(مظ): (كفى) يتعدَّى إلى مفعولين، وهنا المفعول الأول فيه مُضمَرٌ
أُقيم مُقَامَ الفاعل، و((همك)) المفعول الثاني، و(الهَمُّ): ما يُقصَدُ من أمر
الدنيا والآخرة.
وفي هذا الحديث: [تنبيهٌ] على أن الصلاة على النبيِّ وَّ الرَّجُل أفضلُ
من الدُّعاء لنفسه(٢).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣ / ١٠٤٦).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٢ / ١٦٦).
٤٤٦
٦٦-باب
استحبابِ زيارة القبورِ للرجالِ،
وما يقوله الزائرُ
(الباب السادس والستون)
(في زيارة القبور وما يقوله الزائر)
٥٨١ - عَنْ بُرَيْدَةَ ﴿ه: قال: قالَ رَسُولُ اللهِ: ((كُنْتُ نَهَيُكُمْ
عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ، فَزُورُوها))، رواهُ مسلم.
[الأول]
(ق): ((فزورها)) نصٌّ في النَّسْخ للمَنْعِ المُتقدِّم، لكن اختُلف هل
النسخ عامٌّ للرِّجال والنساء، أو هو خاصٌّ بالرِّجال، وبقي حكمُ النساء على
المنع؟ والأوّل أظهر، وقد دل على صِحَّة ذلك أنه وَّ ه رأى امرأة تبكي على
قبر، فلم ينُكِر عليها الزِّيارةَ، وإنما أنكر عليها البُكاءَ؛ كما تقدم في (كتاب
الصبر).
وفي (صحيح مسلم)): ((زُورُوا القُبُورَ؛ فإنَّها تُذكِّرُ المَوْتَ))(١)، وتَذُّر
الموت يحتاج إليه الرجال والنساء، على أن أصحّ ما في نَهْي النساء عن زيارة
(١) رواه مسلم (٩٧٦).
٤٤٧
القبور: ((لَعَنَ اللهُ زَوَّارَاتِ القُبُورِ)) صححه الترمذيُّ (١)، على أن في إسناده عُمرَ
ابن أبي سَلَمَة، وهو ضعيفٌ عندهم، ثم إن هذا اللَّعْنَ للمُكثرات من الزيارة؛
لأن ((زَوَّارَات)) للمُبالغة، وإنما يُمنَعْن من إكثارها؛ لما تؤدِّي إليه من تضييع
حُقوق الزوج، والتبرُّج، والشُّهْرة، والتشبيه بمَن يلازم القبور لتعظيمها، ولِما
يُخاف عليها من الصُّراخ، وغير ذلك(٢) .
(ن): في زيارة القبور للنساء ثلاثة أَوجُه لأصحابنا:
أحدها: تحريمها عليهن؛ لحديث: (لَعَنَ اللهُ زَوَّارَاتِ القُبُورِ)).
والثاني : يكره.
والثالث: يباح، ويُستدل له بهذا الحديث، ويُجاب عنه؛ بأن ((نهيتكم))
ضمير ذكور، فلا يدخل فيه النساءُ على المذهب الصَّحيح المُختار(٣).
(ط): الفاء مُتعلِّق بمحذوف؛ أي: نهيتكم عن زيارة القبور؛ [لأن]
المباهاةَ بتكاثر الأموات فعلُ الجاهلية، وأما الآن: فقد جاء الإسلام،
وهدم قواعدَ الشِّرك؛ فزوروها؛ فإنها تُورِثُ رِقَّة القلوب، وتُذكِّر الموتَ
والبِلَى، وغيرَ ذلك من الفوائد (٤).
*
٠
٥٨٢ - وعَنْ عائشَةَ رضيَ الله عنها، قالت: كانَ رَسُولُ اللهِ﴾،
(١) رواه الترمذي (١٠٥٦)، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير))
(٥١٠٩).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٦٣٢ - ٦٣٣).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٤٥).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٤٣٣).
٤٤٨
كُلَّمَا كانَ لَيَْتُّهَا مِنْ رَسُولِ اللهَِّهِ يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلى البَقِيعِ،
فَيَّقُولُ: (السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وأَنَاكُمْ ما تُوعَدُونَ، غَداً
مُؤَجَّلُونَ، وإنَّ إِنْ شاءَ اللهُ بِكُمْ لاحِقُونَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَهْلِ بَقِيعِ
الغَرْقَدِ))، رواهُ مسلم.
(ط): قوله: ((كلما)) ظرفٌ فيه معنى الشرط؛ لعُمومه، وجوابه
(يخرج))، وهو العامل فيه، والجملة خبر ((كان))، وهو معنى قولها، لا لفظها
الذي تلفظت به، والمعنى: كان مِن عادة الرسول ◌َّهو إذا بات عند عائشة
رضي الله عنها؛ أن يخرج، انتهى(١).
فيه: استحبابُ تكرار زيارة القبور، وفيه: أن أفضل الأوقات لزيارتها
آخرُ الليل؛ لتَحرِّيهِ وَ ◌ّ ذلك، ولأن المطلوبَ من زيارة القبور شيئان،
أحدهما: التفكُّر والاعتبار، والليل وقتُ هُدوء الأصوات، وسُكون
الحركات، وهو أجمع للهَمِّ، وأدعى للتفكُّر والاعتبار، مع ما حصل للنفس
من الاستراحة؛ بسبب النوم، وزوال الفُتور والثَّعَب عنه.
ثانيهما: الإحسان على الأموات بالاستغفار، والدُّعاء لهم، وطلب
نزول الرحمة عليهم، وآخرُ الليل وقت استجابة الدعاء، ونزول الرحمة
الإلهية .
(ن): فيه: فضيلة الدعاء آخرَ الليل، وفضيلة زيارة البَقِيع، وفيه:
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤/ ١٤٣٥).
٤٤٩
دليلٌ لاستحباب زيارة القبور، والسلام على أهلها، والدُّعاء لهم، والترُم
علیهم(١).
(ق): تسليمه وَّهِ؛ لبيان مشروعية ذلك، وفيه: معنى الدُّعاء لهم،
ويدل أيضاً على حُسْن التعاهُد، وكرَم العَهْد، وعلى دوام الحُرْمة، وقد ذكر
أبو عمر بن عبد البَرِّ حديثاً صحيحاً عن أبي هريرة مرفوعاً قال: ((مَا مِنْ
مُسْلِمٍ يَمُرُّ بقَبْرِ أَخِيهِ المُسْلِمِ كانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنيا، فيُسَلِّمُ عَلَيْهِ؛ إلاَّ ردَّ عَليهِ
السَّلامَ مِن قَبْرِه)(٢).
(ن): فيه: أن السَّلامَ على الأحياء والأموات سَواءٌ في تقديم (السلام)
على (عليكم)، بخلاف ما كانت الجاهلية عليه من قولهم:
عَلَيْكَ سَلامُ اللهِ قَيْسَ بِنَ عَاصِمٍ
ورَحْمَتُهُ مَا شَاءَ أَنْ يَتَرِحَّمَا(٣)
(خط): استُحِبَّ تقديم الدُّعاء على الاسم، لا تقديم الاسم على
الدُّعاء؛ كما يفعله العامة، وكذلك هو في كل دعاء بخير؛ كقوله تعالى:
﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَانُهُ عَلَيْكُمْ﴾ [هود: ٧٣]، وقوله: ﴿سَلَمُّ عَلَى إِلَ يَاسِينَ﴾ [الصافات:
١٣٠]، وقال في خلاف ذلك: ﴿ وَإِنَّ عَلَيَّكَ لَغْنَتِىَ ﴾ [ص: ٧٨] (٤).
(ق): وأما ما رُوي أن النبيَّ ◌ٍَّ سلم عليه رجلٌ، فقال: عليك
السَّلامُ يا رسولَ الله، فقال: ((لا تَقُلْ: عَلَيْكَ السَّلامُ؛ فإن (عَلْيكَ السَّلامُ)
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٤١).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٥٠٠).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٤١).
(٤) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (١ / ٣١٧).
٤٥٠
تَحِيَّةُ المَيِّتِ))(١): لا حُجَّةَ لهم فيه؛ لأن النبيَّ ◌َّهِ إنما كره منه ذلك؛ لأن
تلك كانت تحيَّةَ الجاهلية للموتى، ومَقصودُهُ وَِّ أن سلامَ المُسلمين على
الأحياء والموتى مُخالِفٌ لما كانت الجاهلية تفعله وتقوله(٢).
(ن): ((دار) منصوبٌ على النداء؛ أي: يا أهلَ دارٍ، فحُذف المُضافُ،
وأُقيم المُضاف إليه مُقَامَه، وقيل: منصوبٌ على الاختصاص.
قال صاحب ((المطالع)): ويجوز جَرُّه على البدل من الضمير في ((عليكم).
قال الخَطَّابِيُّ: فيه: أن الدارَ تقع على المقابر، قال: وهو صحيحٌ؛
فإن الدار في اللغة تقع على الرَّبْع المَسكون، وعلى الخراب غير المَأْهُول،
قال النَّابغةُ :
يا دَارَ مَيَّةَ بالعَلْيَاءِ فَالسَّنَدِ
أَقْوَتْ وطَالَ عليها سَالِفُ الأَبْدِ (٣)
(نه): سُمِّي موضعُ القبور داراً؛ تشبيهاً له بدار الأحياء؛ لاجتماع الموتى
فيها (٤).
(ط): ((مؤجلون)) إعرابه مُشكِل، وإن حُمل على الحال المُؤكِّدة من
الواو في ((توعدون)) على حذف الواو والمبتدأ؛ كان فيه شذوذان، ويجوز
حملُه على الإبدال من ((ما توعدون))؛ أي: أتاكم ما مُؤجِّلونه أنتم،
(١) رواه أبو داود (٤٠٨٤)، والترمذي (٢٧٢١) وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح
الجامع الصغير)) (٧٤٠٢).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٦٣٦).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٤١).
(٤) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ١٣٩).
٤٥١
والأجل: الوقت المَضروبُ المَحدُودُ في المستقبل؛ لأن ما هو آتٍ بمنزلة
الحاضر، انتھی(١
هذا الكلام فيه تسليةٌ لهم كأنه يقول: لاتستبطئوا قيام الساعة، ووصولَكم
إلى النعيم المُقيم؛ لأن ما هو كائن فكأن قَدْ
* قوله: «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون»:
(نه): قيل: معناه: إذ شاء الله، وقيل: إن شرطية، والمعنى: لاحقون
بكم في المُوافاة على الإيمان، وقيل: هو للتَّبُّك والتفويض، كقوله تعالى:
﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ مَامِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، وقيل: هو على
التأُّب.
عن أحمد بن يحيى: استثنى الله تعالى فيما يعلم؛ ليستثنيَ الخلق فيما
لا يعلمون، وأمر بذلك في قوله: ﴿ وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍإِنِّ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًّا ؟
إِلَّا أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] (٢).
(ن): وقيل: عائد إلى تلك التربة بعينها(٣).
(ق): وهذا الوجه أولى من كل ما ذكر؛ فإنه كان قد علم أنه يموت
بالمدينة، ويُدفَن بها، فإنه قال للأنصار: ((المَحْيَا مَحْيَاكُم، والمَمَاتُ
مَمَاتُكُم))(٤)، لكن لم يُعيَّن له البُقعةُ التي يكون فيها إذ ذاك، فقال: إن شاء الله
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٤٣٦).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ٢٣٨).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٤١).
(٤) رواه مسلم (١٧٨٠) من حديث أبي هريرة ظ
٤٥٢
لاحقونَ بكم في هذه البُقْعَة الخاصَّة(١).
(ط): لمَّا بيّن أنهم مؤمنون؛ طلب اللُّحُوقَ بهم، ووسَّط في البين
كلمة التبرُّك، ومنه قول يوسف عليه السلام: ﴿تَوَقَّتِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى
بِالصَّلِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١](٢).
(خط): قيل: إنه دخل المَقْبُرةَ معه قومٌ مؤمنون مُتحقِّقون بالإيمان،
وآخرون يُظَنُّ بهم النفاقُ، وكان استثناؤه مُنصرفاً إليهم دون المؤمنين،
فمعناه: اللُّحوق بهم في الإيمان، وقيل: إن الاستثناء إنما وقع في
استصحاب [الإيمان] إلى الموت، لا نفس الموت(٣).
(ن): هذان القولان، وإن كانا مشهورين فيهما خطأ ظاهر، قاله في:
(استحباب إطالة الغُرَّة والتَّحْجِيل)، وقيل: إنه عادة للمُتكلِّم يُحَسِّن كلامُه
به، حکاه الخطابيُّ وغیره(٤).
(نه): البقيع من الأرض: المَكانُ المُتَّسع، ولا يُسمَّى بقيعاً إلا وفيه
شجرٌ، أو أُصولُها، و((بقيع الغَرقَد)): موضع بظاهر المدينة، فيه قبور
أهلها، كان به شجر الغَرْقَد، فذهب وبقي اسمُهُ(٥).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٥٠١).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٤٣٤).
(٣) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (١ / ٣١٨).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣ / ١٣٨).
(٥) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ١٤٦).
٤٥٣
٥٨٣ - وعَنْ بُرَيْدَةَ ﴾، قالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يُعَلِّمُهُمْ إذا
خَرَجُوا إلى المَقابر أَنْ يَقُولَ قَائِلُهُم: ((السَّلامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيارِ
مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ، أَسْأَلُ
اللهَ لَنَا وَلَكُمُ العافِيَةِ))، رواهُ مسلم.
[التّالِثُ]
(ط): ((نسأل الله)) استئنافٌ؛ فإنهم لمَّا سَلَّموا عليهم؛ ودعوا اللهَ أن
يُلحِقَهم بهم؛ قالوا بلسان الحال: فما جاء بكم؟ وماذا تسألون؟ فأجابوا:
جئنا سائلين اللهَ الخلاصَ لنا ولكم من المَكَاره في الدنيا، والبَرْزَخ،
والقيامة(١).
٥٨٤ - وعنِ ابنِ عَبَّاسِ ﴿﴾، قال: مَرَّ رسُولُ اللهِوَّهِ بِقُبُورِ
بالمَدِينَةِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ، فقالَ: ((السَّلامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ القُبُورِ،
يَغْفِرُ اللهُلَنَا وَلَكُمْ، أَنَُّم سَلَفُنا، ونَحْنُ بِالأَثَرِ))، رواه الترمذي وقال:
حديثٌ حسنٌ.
3
٤٧
* قوله: «فأقبل علیھم بوجهه» :
(مظ): اعلم أن زيارة المیت کزيارته في حال حياته، يستقبله بوجهه،
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٤٣٥).
٤٥٤
فإن كان في الحياة إذا رآه؛ يجلس منه على البُعد؛ لكونه عظيمَ القَدْر؛ فكذلك
في زيارته ميتاً یجلس منه بالبُعْد، انتهى(١).
قال القاضي بهاء الدين في ((شرح الينابيع)): ينبغي أن يحترمَ القبرَ ظالمٌ
مُسْتَولٍ على رقاب الناس.
قال في ((تكملة المحيط)): ولا يضع الرجل الأجنبيُّ يدَه على قبر
أجنبية؛ كما لا يُصافِحُها في حال الحياة.
(مظ): في قوله: ((يغفر الله لنا ولكم)) دلالةٌ على أن مَن يدعو للحيِّ
والميِّت؛ يُقدِّم دُعاءَ الميت، وكذلك مَن يدعو لحاضر وغائب؛ يُقدِّم دُعاءَ
الحاضر على دُعاء الغائب، يقول يغفر الله لك وله، وعليك وعليه السلام،
وما أشبه ذلك(٢).
* قوله: «أنتم سلفنا» :
(نه): قيل: هو مِن سَلَف المال، كأنه أسلفه، وجعله ثمناً للأجر والثواب
الذي يُجازى على الصبر عليه، وقيل: سَلَفُ الإنسان: مَن تَقَدَّمَهُ بالمَوْت من
آبائه وذَوِي قرابته؛ ولهذا سُمِّي الصَّدْر الأول من التابعين بالسَّلَف الصالح(٣).
* قوله: ((نحن بالأثر)):
(غب): ((أثر الشيء)): ما يدُلُّ على حُصوله، يقال: [أَثَر وآإِثْرٌ، والجمع:
آثار، ومنه قوله تعالى: ﴿هُمْ أُوْلَاءٍ عَلَى أَثَرِى﴾ [طه: ٨٤]، انتهى (٤).
(١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٢ / ٤٦٨ - ٤٦٩).
(٢) المرجع السابق، (٢ / ٤٦٩).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٣٩٠).
(٤) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٩).
٤٥٥
هذا أيضاً تسليةٌ للموتى؛ كقوله تعالى: ﴿أَفَإِيْنِ مِّتَ فَهُمُ الْخَلِدُونَ ﴾
[الأنبياء: ٣٤]؛ أي: ليس لنا توقّفٌ في هذه الدار بعدكم، وإنما أنتم سائرون
إلى طريق الآخرة، ونحن على آثاركم، وما أقربَ السائر على الأثر بمَن
مضی!
أنشد الشيخ الإمام:
قَدْ حَلَّهُ العُلَمَاءُ قَبْلي
وَلَقَدْ نَزَلْتُ بَمْنزِلٍ
ما طَابَ مِن وَبْلِي وَطلِّي
وغَرَفْتُ مِن سَلْسَالِهِمْ
عَمَّا قَليِلٍ صَاحِ قُلْ لِي
وأَنَا عَلى آثَارِهِمْ
عَجِّلْ فصَحْبُكَ بالمَحَلِّ
مَاذا انْتِظَارُكَ بَعْدَنا
قال الشيخ أبو عبدالله محمَّدُ بن أحمدَ القُرطبيُّ: ينبغي لمَن زار القبور
أن يتأذَّبَ، ويُحْضِرَ قلبَه في إتيانها، ولا يكون حَظَّهُ منها الطَّافَ على
الأجداث فقط؛ فإن هذه حالةٌ يشاركه فيها البَهِيمةُ، ويجتنبَ المشيَ على
المقابر، وليَخْلَعْ نعليه كما جاء في أحاديثَ، ويُسلِّم إذا دخل، ويخاطبهم
خطابَ الحاضرين، وإذا وصل إلى قبر مَيِّته الذي يعرفه؛ يسلم عليه أيضاً، ثم
يعتبر بمَن صار تحت التراب، وانقطع عن الأهل والأحباب، ونافسَ
الأصحاب والعشائر، وجمع الأموالَ والذَّخائر، فجاءه الموت في وقت لم
يحتسبه، وهَوْل لم يرتقبه، فكيف انقطعت آمالُهم، ولم تُغْنِ عنهم أموالُهم،
ومحا الترابُ محاسنَ وجوههم، وافترقت في القبور أجزاؤهم، وترمَّل بعدهم
نساؤهم، وشَمِلَ ذلُّ الْيُتْم أولادَهم، واقتسم غيرُهم طريقَهم وتِلادَهم؟!
وليتذكر تردُّدَهم في المَآرب، وحِرْصَهم على نَيَّل المَطالب، وانخداعَهم
٤٥٦
لمُواتاة الأسباب، ورُكونهم [إلى] الصِّحَّة والشباب، وليعلم أن مَيْلَه إلى اللهو
كمَيْلهم، وغَفْلَته كغفلتهم، وأنه لا بدَّ صائرٌ إلى مصيرهم، وعند هذا التذكُّر
والاعتبار يُقبل على الأعمال الأخروية، وطاعة مَوْلاه، ويزهد في دُنياه (١).
(١) انظر: ((التذكرة)) للقرطبي (١٣٤/١ - ١٣٥).
٤٥٧
٦٧- باب
كراهية تمنّي الموتِ بسببٍ ضُرِّ نزلَ بهِ
ولا بأسَ بهِ لخوفِ الفتنةِ في الدينِ
(الباب السابع والستون)
(في كراهة تَمنِّي الموت بسبب ضُرِّ نزل به،
ولا بأس لخوف فتنة في الدِّين)
٥٨٥ - عَنْ أَبِي هُرِيرة ◌ُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّهِ قالَ: ((لا يَتَمَنَّى
أَحَدُكُمُ المَوْتَ؛ إِمَّا مُحْسِناً، فَلَعَلَّهُ يَزْدادُ، وَإِمَّا مُسِئاً، فَلَعَلَّهُ
يَسْتَعْتِبُ))، متفقٌ عليه، وهذا لفظ البخاري.
وفي روايةٍ لمسلمٍ عن أبي هرَيْرَة ◌َ﴾، عن رسُولِ اللهِوَ﴾
قال: ((لا يَتَمنَّى أَحَدُكُمُ المَوْتَ، وَلا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ؛ إِنَّهُ إذا
ماتَ، انْقَطَعَ عَمَلُهُ، وَإِنَّهُ لا يَزِيدُ المُؤْمِنَ عُمُرُهُ إلَّ خَيراً).
[ لَوْلُ وَالثَّانِخ ◌ْ]
* قوله {يَافر: ((لا يتمنى أحدكم)»:
(تو): الياء في ((لا يتمنى)) مُثبتةٌ في كتب الحديث، فلعله نهيٌ ورد
على صيغة الخبر، والمُراد منه: لا يتمنَّ، ويحتمل أن بعضَ الرُّواة أثبتها
٤٥٨
في الخَطِّ، فرُوي كذلك.
(قض): (لا يتمنى) نهيّ أُخرج في صورة النفي؛ للتأكيد(١).
(ط): هذا أولى، ونظيره قوله تعالى: ﴿الَِّ لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةٌ﴾ [النور:
٣]؛ إذ قد قرئ: (لا يَنْكِحْ) بالجزم على النهي، والمرفوعُ أيضاً فيه معنى
النهي، لكنه أبلغُ وآكد؛ لأنه قَدَّر أن المنهيَّ حين ورد عليه النهيُ؛ انتهى عند
المنهيِّ عنه، وهو يخبر عن انتهائه، ولو ترك على النفي والإخبار المَحْض؛
لكان أبلغَ، كأنه يقول: لا ينبغي للمؤمن المتزوِّد للآخرة، والسَّاعي في
ازدياد ما يُثاب عليه من العمل الصالح أن يتمنَّى ما يمنعه عن الترقِّي والسُّلوك
الطريق الله، وعليه ما ورد: ((خَيْرُكُمْ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ، وحَسُنَ عَمَلُه))(٢)؛ لأن
مَن شَأْنُهُ الازديادَ والترقِّي من مقام إلى مقام، حتى ينتهيَ إلى مقام القُرْب،
كيف يطلب القطعَ عن مطلوبه(٣)؟!
(تو): النهيُ عن تمنِّي الموت وإن أُطلق، لكن المراد منه المُقْيَّد؛ لما في
حديث أنس: ((لا يَمَنََّنَّ أَحدُكُمْ المَوْتَ مِن ضُرِّ أَصَابَهُ)(٤)، وقوله ◌َلّ:
((وَتَوَقَّني إذا كانَتِ الوَفَاةُ خَيْراً لِي))(٥)، فعلى هذا: يكره تمنِّي الموت من ضُرِّ
أصابه في نفسه، أو ماله؛ لأنه في معنى التبرُّم عن قضاء الله في أمر يضُرُّه في
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٤٢٧).
(٢) رواه الترمذي (٢٣٢٩) من حديث عبدالله بن بسر ظه، وهو حديث صحيح. انظر:
((صحيح الترغيب والترهيب)) (٣٣٦٤).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٣٦١).
(٤) رواه البخاري (٥٣٤٧)، ومسلم (٢٦٨٠).
(٥) رواه البخاري (٥٣٤٧)، ومسلم (٢٦٨٠)، وهو تتمة الحديث السابق.
٤٥٩
دنياه، وینفعه في آخرته، ولا يُکره التمنِّي لخَوْف في دينه من فساد، انتهى.
نهى عن تَمنِّي الموت لضُرّ؛ إذ الموت على الجملة أَذْهَى وَأَمَرُّ، ثم لعله
لم يُرتِّب أحوالَ آخرته، فكيف يتمنى الموتَ على غير أُهْبَة له؟ وما هو مَدفوعٌ
إليه لعَلَّ مصلحتَه فيه، فإن كان مرضاً؛ فقد أُرْصِدَ له العِوَضُ، وعلى الصبر
عليه الثوابُ الدائم، وإن كان مُصيبةً؛ فصلواتٌ ورحمة إذا صبر ولم يَجْزَع،
وإن كان جُوعاً فلمكان رغيفين يَسُدُّ جَوْعتَه لا ينبغي أن يتمنَّى الموتَ.
وفي كتاب ((الزهد)) لأحمد بن حنبل الإمام: عن جابر ◌ُبه قال: قال
رسولُ اللهَ﴾: ((لا تَتَمَنُّوا المَوْتَ؛ فإنَّ هَوْلَ المَطْلَعِ شَدِيدٌ، وإنَّ مِنْ سَعَادَةِ
العَبْدِ أَن يَطُولَ عُمُرُهُ، ويَرِزُقَهُ اللهُ تَّ الإِنابةَ)(١).
قوله: ((إما محسناً)):
(ط): قال المالكيُّ: تقديره: إما أن يكون مُحسناً، وإما أن يكون
مُسيئاً، فحذف (يكون) مع اسمها مرتين، وأبقى الخبر، وأكثر ما يكون
ذلك بعد (إن) و(لو)؛ كقول الشاعر:
انْطِقْ بِخَيْرٍ وإِنْ مُسْتَخْرِجاً إِحَناً
فإِنَّ ذَا الحَقِّ غَلَّبٌ وَإِنْ غُلِبا
و کقوله :
نَدَاكَ وَلَوْ غَرْثَانَ ظَمْآَنَ عَارِيا
عَلِمْتُكَ مَنَّاناً فَلَسْتُ بِآمِلٍ
و(لعل) في هذين الموضعين للرجاء المُجرَّد من التعليل، وأكثر مجيئها
(١) رواه الإمام أحمد في ((الزهد)) (ص: ٢١)، وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة
الضعيفة)) (٨٨٥).
٤٦٠