Indexed OCR Text
Pages 361-380
(ط): ومنه قول الفرزدق في زَيْن العابدين عليٍّ بن الحُسين
حُلْوُ الشَّمَائِلِ تحْلُو عِندَهُ نَعَمُ
حَمَّالُ أَنْقَالٍ أَقْوَامٍ إذا فُدِحُوا
لَوْلا التَّشْهُّدُ لم يَنْطِقْ بِذَاكَ فَمُ (١)
ما قَالَ لا قَطُّ إلاَّ فِي تَشَهُّدِه
٥٤٩ - وعنُه: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قالَ: ((قالَ اللهُ تَعالَى: أَنْفِقْ
يَا بْنَ آدَمَ يُنْفَقْ عَلَيْكَ))، متفقٌ عليه.
سبق في (الباب السادس والثلاثين).
٥٥٠ - وعنْ عبدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﴾: أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ
رَسُولَ اللهِوَهَ: أَيُّ الإسلامِ خَيْرٌ؟ قالَ: ((تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ
السَّلامَ عَلى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَّمْ تَعْرِفْ))، متفقٌ عليه.
(النَّسَادِينُ)
* قوله: ((أي الإسلام خير؟)):
(ن): أي: أيُّ خِصَاله؛ أو أُموره وأحواله؟ وفي بعض الروايات:
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٢ / ٣٧٠٢).
٣٦١
((أيُّ المسلمين خير؟، قال: مَن سَلِمَ المُسلِمونَ مِن لسَانِهِ ويَدِه))، قال
العُلماء: إنما وقع اختلافُ الجواب في خير المسلمين؛ لاختلاف حال
السائل والحاضرين، فكان في أحد الموضعين الحاجةُ إلى إفشاء السلام،
وإطعام الطعام أكثرَ وأهَمَّ؛ لما حصل من إهمالهما، والتساهُل في أمرهما،
أو نحو ذلك، وفي الموضع الآخر الكَفُّ عن إيذاء المسلمين(١).
(ك): واعلم أن السائل الأول يسأل عن أفضل التُّروك، والثاني عن
خير الأفعال، أو أن الأول يسأل عَمَّا يدفع المَضارَّ، والثاني عَمَّا يَجلِبُ
المنافعَ، أو أنهما بالحقيقة مُتلازمان؛ إذ الإطعام مُستلزِمٌ لسلامة اليد،
والسلام لسلامة اللِّسان.
وفيه: الحَثُّ على الجُود والسَّخاء، وعلى مكارم الأخلاق، وخَفْض
الجَناح للمُسلمين، والتواضُع، والحَثُّ على تألُّفُ قُلوبهم، واجتماع كلمتهم،
وتَوادِّهم، واستجلاب ما يُحصِّل ذلك، والحديث مُشتملٌ على نوعي المَكارم؛
لأنها إما ماليةٌ، والإطعام إشارةٌ إليها، وإما بدنيةٌ، والسلام إشارةٌ إليها(٢).
(قض): الأُلفة إحدى فرائض الإسلام، وأركان الشريعة، ونظام
شَمْلِ الدِّين.
(خط): دل صَرْفُ الجواب على جُملة خِصَال الإسلام وأعماله
إلى ما يجب من حُقوق الآدميين على أن المسألة إنما عَرَضَتْ من السائل
عن حُقوقهم الواجبة عليهم، فجَعل خيرَ أفعالها في المَثوبة إطعامَ الطعام
الذي به قِوامُ الأبدان، ثم ما يكون به قضاءُ حقوقهم من الأقوال، فجَعل
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٠).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ٩٣).
٣٦٢
خيرَها إفشاءَ السلام(١).
(ك): فإن قلت: كيف يصِحُّ أن يقال: الخير تُطْعِمَ، بل يقال: أن تُطْعِم؟
قلت: هو مثل قولهم: تسمعَ بالمُعَيْديِّ خيرٌ من أن تراه، فهو في تقدير
المصدر (٢) .
* قوله : ((وتقرأ السلام):
(نه): يقال: أقرئ فلاناً السَّلامَ، واقرأ عليه السلام، كأنه حين يُلِغُه
سلامَه يحملُه على أن يقرأ السَّلامَ ويرُدَّه(٣) .
(ق): قال أبو حاتم: تقول: اقرأ عليه السلام، وأقرئه الكتابَ، ولا تقول
أقرئه السلامَ إلا في لغة سَوْء، إلا أن يكون مكتوباً؛ فتقول: أقرئه السلامَ؛ أي
اجعله يقرؤه، وجمع له بين الإطعام والإفشاء؛ لاجتماعهما في استلزام المَحبَّة
الدِّينية، والألفة الإسلامية؛ كما قال: ((أَلَا أَدُّكُمُ عَلَى شَيْءٍ إذا فَعَلْتُمُوهُ؛
تَحَابَيْتُم؟ أَفَشُوا السَّلامَ بِيَكُمْ))(٤)، وفيه: دليلٌ على أن السلام لا يُقصَر على من
يُعَرف، بل على المسلمين كافَّةً؛ لأنه قال عليه الصلاة والسلام: ((السَّلامُ
شِعَارٌ لِمِلَّتِنا، وأَمَانٌ لِذِمَّتِنا»(٥).
(١) انظر: ((أعلام الحديث)) للخطابي (١ / ٣٢).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ٩٢).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ٣١).
(٤) رواه مسلم (٥٤) من حديث أبي هريرة ﴾.
(٥) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١/ ٢٢٢ -٢٢٣)، والحديث رواه الطبراني في ((المعجم
الكبير)) (٧٥١٨) من حديث أبي أمامة ه بلفظ: ((السلام تحية ... )) وهو حديث
ضعيف. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٣٠٦٤).
٣٦٣
(ك): أي: لا تخُصَّ به أحداً؛ كما يفعله بعضُهم؛ تكبِّراً، أو تَهاوُناً،
ولا يكون مُصانعةً ولا مَلَقاً، بل مراعاةً لأُخوَّة الإسلام؛ تعظيماً لشعار
الشريعة، ويكون خالصاً لله تعالى(١).
(تو): لعل تخصيصَهما؛ لعلمه بأنهما يُناسبان حالَ السائل؛ ولذلك
أسندهما إليه، وكأن سُؤالَه عمَّا يُعامِل به المسلمين في إسلامه، وخَبَّره
بذلك، وخُصَّا به بإضافة الفعل إليه؛ ليكون أدعى إلى العمل، والخبرُ قد
وقع مَوْقِعَ الأمر.
٥٥١ - وعنه قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِوَلِ: ((أَرْبَعُونَ خَصْلَةً:
أعْلاهَا مَنِيحَةُ العَنْزِ، مَا مِنْ عَامِلٍ يَعْمَلُ بِخَصْلَةٍ مِنْهَا رَجَاءَ ثَوَابِهَا
وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا، إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللهُ تَعَالَى بِهَا الجَنَّةَ)) رواه البخاري.
وقد سبقَ بيانُ هَذَا الحديثِ في (بابِ بَيَانِ كَثْرَةِ طُرُقِ الخَيْرِ).
(الثَّاصِرُ)) (٢)
(٢)
سبق في (الباب الثالث عشر).
٥٥٢ _ وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ صُدَيِّ بْنِ عُجْلانَ ﴾، قال: قالَ
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ٩٣).
(٢) كذا في الأصل، وحفه أن يكون (السابع).
٣٦٤
رَسُولُ اللهِ﴿: ((يَا بْنَ آدَمَ! إِنَّكَ أَنْ تَبَّذُلَ الفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وأَنْ
تُمْسِكَهُ شَرّ لَكَ، وَلا تُلامُ عَلَى كَفَافٍ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، واليَدُ
العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ البَدِ السُّفْلَى))، رواه مسلم.
(التََّّة)
سبق في (الباب السادس والخمسين).
٥٥٣ _ وعَنْ أَنَسِ ﴿ه، قالَ: ما سُئِلَ رَسُولُ اللهِوَفْ عَلَى
الإسْلام شَيْئاً إِلاَّ أَعْطاه، وَلَقَدْ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَأَعْطَاهُ غَنَماً بَيْنَ
جَبَلَيْنَ، فَرَجَعَ إِلى قَومِهِ، فَقَالَ: يَا قَوْمٍ! أَسْلِمُوا؛ فَإِنَّ مُحَمَّداً
يُعْطِي عَطَاءَ مَنْ لا يَخْشَى الفَقْرَ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ
إِلَّ الدُّنْيَا، فَمَا يَلْبَثُ إلَّ يَسِيراً حَتَّى يَكُونَ الإِسْلامُ أَحَبَّ إِلَيْهِ منَ
الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْها، رواه مسلم.
(الَشِرُ)
* قوله: ((یا قوم! أسلموا»:
فإن قلت: كيف دلَّ هذا الوصف على وجوب الإسلام؟
قلت: مَقَامُ ادِّعاء النبوّة مع العَطاء الجَزيل يدلُّ على وثوقه على مَن
أرسله إلى دعوة الخلق؛ فإن من جِبِلَّة الإنسان خوفُ الفقر.
٣٦٥
* وقوله: ((من لا يخاف الفقر)) يجوز أن يكون حالاً من ضمير
(يعطي))، وأن يكون صفة لـ ((عطاء))، والتنكير فيه للتعظيم؛ أي: عطاءً وأيَّ
عطاءٍ؟! عطاءَ ما يَخافُ الفقرَ معه.
قوله: ((ما يريد إلا الدنیا» :
(ق): ظاهر مَسَاق هذا الكلام: أن إسلامَه الأول لم يكن صحيحاً؛
لأنه كان يبتغي به الدنيا، وإنما يصِحُ له الإسلام إذا استقرَّ الإسلامُ بقلبه،
وكان آثرَ عنده، وأحبّ إليه من الدنيا وما عليها؛ كما قال تعالى: ﴿ قُلٌ إِن
كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَتُكُمْ وَأَزْوَجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالُ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَنَجَرَّةٌ
تَّخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَاَ أَحَبَ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِى
سَبِيلِهِ، فَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِى اللَّهُ بِأَمْرِ﴾ [التوبة: ٢٤]، وهذا معنىّ صحيحٌ، لكنه
ليس بمَقصُود الحديث، وإنما مُراد النبيِّ أن الرجلَ كان يدخل في دين
الإسلام؛ رغبةً في كثرة العطاء، فلا يزال يُعطى حتى ينشرحَ صَدرُه
للإسلام، ويستقرَّ فيه، ويتنوَّرَ بأنواره، حتى يكون الإسلامُ أحبَّ إليه من
الدنيا وما فيها؛ كما صرح بذلك صَفْوانُ حيث قال: والله؛ لقد أعطاني
رسولُ اللهِ ◌ِّ ما أعطاني، وإنه لأبغضُ الناس إليَّ، فما برح يُعطِيني حتَّى
إنه لأَحبُّ الناس إليَّ، وهكذا اتفق لمُعظم المُؤلَّفة قلوبُهم(١).
٥٥٤ - وعن عُمَرَ ﴿ه، قال: قَسَمَ رَسُولُ اللهِوَّهِ قَسْماً، فَقُلتُ:
يا رَسُولَ الله! لَغَيْرُ هَؤُلاءِ كَانُوا أَحَقَّ بِهِ مِنْهُم؟ قالَ: ((إِنَّهُمْ خَيَّرُوني أَنْ
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١٠٥ - ١٠٦).
٣٦٦
يَسْأَلُونِي بِالفُحْشِ، أَوْ يُتَغِّلُونِي، وَلَسْتُ بِبَاخِلٍ))، رواه مسلم.
[الجَادِي عَشَرَ]
* قوله تعالى: ((ولست بياخل)):
(ن): معناه أنهم ألُّوا في المسألة؛ لضعف إيمانهم، وألجؤوني
بمقتضى حالهم إلى السُّؤال بالفُخْش، أو نسبتي إلى البُخل، ولست بياخل،
ولا ينبغي احتمالٌ واحد من الأمرين، ففيه مُداراة أهل الجهل والقَسْوة وتألّفهم
إذا كان فيهم مصلحةٌ، وجواز لدفع إليهم لهذه المصلحة (١).
(ق): أي: أنهم قصدوا بالإلحاح أحدَ شيئين: إما إن يصلوا إلى
ما طلبوه، أو ينسبوه إلى البُخل، فاختار النبيُّ وَّهِ ما يقتضيه كرمُه؛ من
إعطائهم ما سألوه، وصبر على جَفْوَتهم، فسَلِم من نسبة البُخل إليه؛ إذ
لا يليق به، وحَلُم عنهم؛ كي يتألَّفَهم، وكان عمر ◌ُ عَتِبَ عليه في ذلك؛
نظراً إلى أن أهل الدِّين والغَناء فيه أحقُّ بالمَعونة عليه، وهذا الذي ظهر
لسعد بن أبي وقاص، فأعلمهم النبيُّ ◌َّهِ بِمَصالح أُخرَ لم تَخْطُر لهم، وهي
أولى مِمَّا ظهر لهم، انتهى(٢).
وقد سبق للقُرطيِّ رحمه الله في الحديث السابع من (الباب السابع
والخمسين) فائدةٌ حَسنةٌ لهذا الحديث.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٤٦).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣ / ١٠١).
٣٦٧
٥٥٥ _ وعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم ﴿هَ: أَنَّهُ قالَ: بَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ مَعَ
النَّبِّ ◌َ﴿ مَقْفَلَهُ مِنْ حُنَيَّنٍ، فَعَلِقَهُ الأَعْرَابُ يَسْأَلُونَهُ، حَتَّى اضْطَرُوهُ
إلى سَمُرَةٍ، فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ، فَوَقَفَ النَّبِيُّ ◌َغْرِ فقالَ: «أَعْطُوني
رِدَائِي، فَلَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هَذِهِ العِضَاءِ نَعَماً، لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ
لا تَجِدُوني بَخِيلاً، وَلا كَذَّاباً، وَلا جَبَاناً»، رواه البخاري.
(مَقْفَلَهُ)): أَيْ: حَالِ رُجُوعِهِ. وَ«السَّمُرَةُ»: شَجَرَةٌ، وَ(«العِضَاهُ»:
شَجَرٌ لَهُ شَوْكٌ.
[الثَّانِي عَشَ]
ع سرـ
* قوله: «مقفله» :
(ط): هو مصدر ميمي، أو اسم زمان؛ أي: عند رجوعه، أو زمان
رجوعه، وقوله: ((فعلقت الأعراب))؛ أي: طفقت، وقيل: تَشْبَّئت، وقوله:
((فخطفت))؛ أي: علق رداؤه بها، فاستُعير لها الخَطْفُ(١).
(نه): ((العضاه)) شجرُ أُمِّ غَيْلانَ، وكل شجر عظيم له شَوْك، الواحد:
عِضَةٌ، وأصلُها: عِضَهَةٌ، وقيل: واحدته ◌ِضَاهَةٌ، وعَضَهْتُ العِضَاهَ: إذا
قطعتَها(٢).
(ط): ((عدد)) منصوبٌ على المصدر؛ أي: بعدد عددها، أو على نزع
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٢ / ٣٧٠٣).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٢٥٥).
٣٦٨
الخافض؛ أي: بعددها(١).
* قوله {قلقي: «ثم لا تجدوني بخيلاً):
(مظ): يعني: إذا جربتموني في الوقائع؛ لا تجدوني مُتَّصفاً بالأوصاف
الرذيلة، وفيه: دليلٌ على جواز تعريف الإنسان نفسَه بالأوصاف الحميدة لمَن
لا یعرفه؛ لیعتمدَ علیه(٢).
(ط): (ثم) هنا للتراخي في الرُّتبة؛ يعني: أنا في ذلك العطاء لست
بِمُضطرٍّ إليه، بل أُعطيه مع أَرْيَحِيَّة نفس، ووفور نشاط، ولا بكَذُوب أَدفعُكم
عن نفسي، ثم أمنعكم عنه، ولا بجبان أخافُ أحداً، فهو كالتتميم للكلام
السابق(٣) .
٥٥٦ - وعن أَبِي هُريرةَ ﴿ه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: ((مَا
نَفَصَتِ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، ومَا زَادَ اللهُ عَبْدَاً بِعَفْوٍ إلَّ عِزّاً، وَما تَوَاضَعَ
أَحَدٌ للهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللهُ﴾ك))، رواه مسلم.
(الثَّالِثُ عَشَر)
· قوله ◌َله: ((ما نقصت صدقة من مال)):
(ن): ذکروا فیه وجھین.
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٢ / ٣٧٠٣).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٦ / ١٤٢).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٢ / ٣٧٠٣).
٣٦٩
أحدهما: معناه: أنه يبارَكُ فيه، ويُدفع عنه المُفسدات، فينجبر نقصُ
الصورة بالبركة الخَفِية، وهذا مُدْرَك بالحِسِّ والعادة.
والثاني: أنه وإن نقصت صورتُه؛ كان في الثواب المُرتَّب عليه جبرٌ
لنَقْصِه، وزيادةٌ إلى أضعاف كثيرة(١).
(ط): ((من)) هذه يحتمل أن تكون زائدة؛ أي: ما نَقَصَت صدقةٌ مالاً،
ويحتمل أن تكون صلة لـ ((نقصت))، والمفعول الأول محذوفٌ؛ أي:
ما نقَصَتْ شيئاً من مال، انتهى(٢).
هذا بخلاف ما يقول المَاجِنُ: بيني وبينك الميزان، فكم من مال
جزيل ما أُدِّي منه الزكاة عاد هباءً منثوراً، وأهله بُوراً، وكم من مال قليل
أُخرج منه حقُّ الله فرَبًا ونما، وبقي في الأعقاب، وتناقلته الأيدي الصَّالحةُ.
* قوله يلي: ((وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً):
(ن): فيه أيضاً: وجهان، أحدهما: أنه على ظاهره، وأن مَن عُرف
بالعفو والصَّفح؛ ساد وعَظُم في القلوب، وزاد ◌ِزَّاً وكرامةً، والثاني: أن
المراد أجره في الآخرة وعِزُّه هناك، انتهى(٣).
عن الحسن البصريِّ: ينادي مُنادٍ يوم القيامة: ألا لیقم مَن كان له على
الله أجرٌ، فلا يقوم إلا مَن عفا في الدنيا، ثم قرأ: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى
اللَّهِ ﴾ [الشورى: ٤٠]، قيل: ومَن استغفر لظالمه؛ فقد هزم الشيطان.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٤١).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٥٤٠).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٤١).
٣٧٠
* قوله {قر: «وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)):
(ن): فيه أيضاً: وجهان، أحدهما: أنه يرفعه في الدنيا، ويُثبِتُ له
بتواضُعه في القلوب منزلةً، ويرفعه الله عند الناس، ويُجِلُّ مكانَه.
الثاني: أن المراد ثوابُه في الآخرة، ورَفعُه فيها بتواضُعه في الدنيا،
قال العلماء: وهذه الأوجه في الألفاظ الثلاثة موجودةٌ، في العادة معروفٌ،
وقد يكون المُراد الوجهين معاً في جميعها في الدنيا والآخرة(١).
(ق): ((التواضع)): الانكسار والتذلُّل، والتواضع يقتضي مُتواضَعاً له،
فإن كان المُتواضَع له كالرسول، والإمام، والحاكم، والعالم، والوالد؛ فهو
التواضُع الواجب المَحمودُ الذي يرفع الله به صاحبه في الدنيا والآخرة، وأما
التواضُع لسائر الخلق: فالأصل فيه: أنه محمودٌ، ومندوبٌ إليه، ومُرغَّبٌ
فيه إذا قُصِدَ به وجهُ الله، ومَن كان كذلك؛ رفع الله قَدْرَه في القلوب، وَطَيَّب
ذكره في الأفواه، ورفع درجتَه.
وأما التواضُع لأهل الدنيا والظلمة: فذلك هو الذُّلُّ الذي لا عِزَّ معه،
والخِسَّة التي لا رِفْعة معها، بل يترتَّب عليه ذُلُّ الآخرة، وكلُّ صفقة
خاسرة، نعوذ بالله(٢).
(ط): لمَّا كانت من الجِبلَّة الإنسانية الشُّحُ بالمال، ومُتابعة السَّبُعِيَّة من
آثار الغضَب، والانتقام، والاسترسال في الكِبْر؛ أمر بقلعها من سِنْخِهَا (٣)
(١) المرجع السابق (١٦ / ١٤٢).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٧٥).
(٣) أي: من أصلها.
٣٧١
فحَثَّ أولاً على الصدقة؛ ليتحلَّى بالسّخاء والكرم، وثانياً على العَفْو؛ ليتعزَّر
بِعِزِّ الحِلم والوَقار، وثالثاً على التواضع؛ ليرفع درجاتِه في الدَّارين.
٥٥٧ - وعن أَبِي كَبْشَةَ عُمَرَ بْنِ سَعدِ الأَنمَارِيِّ﴾: أَنَّهُ
سمعَ رَسُولَ اللهِوَلِهِ يَقُولُ: ((ثَلاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ، وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثاً
فَاحْفَظُوهُ: مَا نَقَصَ مَالُ عَبدٍ مِن صَدَقَةٍ، وَلا تُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً
صَبَرَ عَلَيْهَا، إلَّ زَادَهُ الله عِزَاً، وَلا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسَلَةٍ، إِلاَّ فَتَحَ
اللهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ))، أَوْ كَلِمَةً نحْوَهَا، ((وَأُحَدِّئُكُمْ حَدِيثاً فَاحْفَظُوهُ -
قالَ - إِنَّمَا الدُّنْيَا لأرْبَعَةِ نَفَرِ: عَبدٍ رَزَقَه الله مَالاً وَعِلْماً، فَهُوَ يَتَّقي
فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ للهِ فِيهِ حَقّاً، فَهَذَا بِأَفْضَل
المَنَازِل، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ عِلْماً، وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالاً، فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ
يَقُولُ: لَو أَنَّ لي مَالاَ، لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلانٍ، فَهُوَ بِنَتِهِ، فَأَجْرُهُمَا
سَوَاءٌ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ مَالاً، وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْماً، فَهُوَ يَخْبِطُ في مالِهِ
بِغَيرِ عِلمٍ، لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلا يَعلَمُ لِلَّهِ فِيهِ
حَقّاً، فَهذَا بِأَخْبَثِ المَنَازِلِ، وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللهِ مَالاً وَلا عِلْماً،
فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لي مَالاً، لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَل فُلانٍ، فَهُوَ
نِيُّهُ، فَوِزْرُهُما سَوَاءٌ))، رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ
صحيحٌ.
٣٧٢
* قوله رقيق: ((ثلاثة أقسم عليهن)):
(ط): ليس المُراد تحقيقَ الحَلِفِ، بل تأكيد ثُبُوتها؛ فإن المُدَّعي
ربما يُثبت دعواه تارةً بذكر القَسَم، وأُخرى بلفظ القسم(١).
* قوله: «إلا فتح الله علیه باب فقر) :
قيل: هذا من أحسن الكلام وألطفه، ويتضمَّن الأمرَ بالقَناعة، وما دام
بابُ رحمة الله مفتوحاً؛ فليس للعبد أن يسأل غيرَه، قال ◌َِّ: ((إذا سَأَلْتَ؛
فَاسْأَلِ الله)، ولقد أحسن القائلُ:
وهَانَ عَليْها أَنْ أُمَانَ لِتُكْرَما
تُكَلِّفُنِي إِذْلالَ نَفْسِي لِعِزُّهَا
فِقُلتُ سَلِیهِ رَبَّ يَحْيَى بنِ أَكْثَما
تَقُولُ سَلِ المَعْرُوفَ يَحْيَى بنَ اُكْثَمِ
وفي هذا الحديث: التحذيرُ من السؤال، وإراقة ماء الوجه لتافهٍ يَسيرٍ
يناله السّائلُ من المُسؤول، وإعلام أنه إذا شرَع فيه؛ حبس اللهُ عنه التوفيقَ،
فتفتقر نفسُه، ويَظُنُّ أنه يموت ضُرّاً وجُوعاً.
* قوله: «فهو نِيتُه))(٢):
(ط): مبتدأ وخبر؛ أي: فهو سيِّءُ النية، يدل عليه [وقوعه] في
مُقابلة قوله: ((فهو صادق النية)) في القرينة الأولى(٣).
(١) انظر: (شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٣٢٨).
(٢) في الأصل: ((بنية))، فلعلها كما أُثبت، أو: ((بنيته)).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٣٢٩).
٣٧٣
٥٥٨ _ وعَنْ عائشةَ رضي الله عنها: أنَّهُمْ ذَبَحوا شَاةً، فقالَ
النبيُّ نَّهِ: ((مَا بَقِيَ مِنها؟))، قالت: ما بَقِيَ مِنْها إِلاَّ كَتَفِهَا، قالَ:
(بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا))، رواه الترمذي، وقال: حديثٌ صحيحٌ.
ومعناه: تَصَدَّقُوا بِها إِلَّ كَتِفَهَا، فقالَ: بَقِيَتْ لَنَا في الآخِرَةِ
إلاَّ كَتَفَهَا.
-٧١
[الْمَّيُ عَبْنَةُ)]
* قوله ويقلق: ((بقي كلها غير كتفها)):
(ط): لمَّا جعلت الشاهدَ المَحْسُوسَ باقياً، والغائبَ فائتاً على سبيل
الحَصْر؛ عكس ◌َِّ؛ أي: ما تشاهدونه وتختصَّون به أَنفُسَكم خيالٌ؛ لأنه في
مَعْرِض الفناء، ووَشْك الزوال، وما تؤثرون عليها وإن كان غائباً؛ فهو ثابتٌ
عند الله بوعده الصَّادق: ﴿ مَا عِندَكُمْيَنَفَّدٍّ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦](١).
﴾، قالت: قالَ
٥٥٩ ۔ وعَنْ أَسماءَ بِنْتِ أبي بكرِ الصِّدِّيقِ
لِي رَسُولُ اللهِوَهَ: ((لا تُوكِي فَيُّوكَى عَلَيْكِ)).
وفي روايةٍ: (أَنْفِقِي أَوِ انْفَحِي، أَوِ انْضَحِي، وَلا تُخْصِي
فَيُحْصِيَ اللهُ عَلَيْكِ، وَلا تُوعِي فَيُوعِيَ اللهُ عَلَيْكِ))، متفقٌ عليه.
(١) المرجع السابق (٥ / ١٥٥٦).
٣٧٤
وَ«انْفَحِي)) بالحاءِ المهملة: وهو بمعنى أنْفِقِي، وكذلك:
«انْضحي)).
[السَّسُ عَشَرٌ]
* قوله: ((لا توكي فیو کي الله عليك»:
(نه): أي: لا تدَّخري وتَشُدِّي على ما عندك، وتمنعي ما في يدك،
فتنقطعَ مادَّةُ الرِّزق عنك(١).
(خط): (الإيكاء): شدُّ الوِعَاء، والوِكَاء: هو الخيط الذي يُشَدُّ به رأسُ
الوعاء، والقِرْبة، ونحوها، تقول لا تبخلي، فتّدخري الموجودَ؛ ضَناً به،
ولا تُقَتِّري في الواجب؛ فيُقتَّر عليك(٢).
(ن): (النضح): العطاء، ويطلق على الصبّ، فلعله المُراد هنا،
ويكون أبلغَ في النَّفْح، ومعناه: الحَثُّ على النفقة في الطاعة، والنهي عن
الإمساك والبُخل، وعن ادِّخار المال في الوعاء، وقوله: ((يحصي الله عليك،
ويوعي عليك)) من باب مُقابلة اللفظ باللفظ؛ للتجنيس؛ كما قال:
﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اَللَّهُ ﴾ [آل عمران: ٥٤]، ومعناه: يمنعُكِ كما منعت،
ويقتِّر عليك كما قَّرتِ، ويمسِكُ فضلَه عنكِ كما أمسكتِ، وقيل: معناه
لا تُحصي؛ أي: لا تعديه، فتستكثريه، فيكون سبباً لانقطاع إنفاقك(٣).
(تو): (الإحصاء): الإحاطة بالشيء حَصْراً وتعدُّداً، والمراد به ههنا:
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٥ / ٢٢٢).
(٢) انظر: ((أعلام الحديث)) للخطابي (١ / ٣٧٦).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١١٨ - ١١٩).
٣٧٥
عَدُّ الشيء؛ للتَّقِية، وادِّخاره؛ للاعتداد به، وترك الإنفاق منه في سبيل الله،
وقوله: «فیحصي الله علیك» یحتمل وجھین:
أحدهما: أنه يَحبسُ عنك مادَّةَ الرِّزق، ويُقلِّله بقطع البركة حتَّى يصير
كالشيء المعدود.
والآخر: أنه يُحاسِبُك عليه في الآخرة، و«الإيعاء)»: حفظ الأمتعة في
الوعاء، وجعلها فيه، والمُراد: أن لا تمنعي فضل الزاد عمَّن افتقر إليه،
فيُوعي الله عليك؛ أي: يمنع عنك فضلَه، ويَسُدُّ عليك بابَ المزيد.
٥٦٠ - وعن أبي هُريرةَ ه: أنه سمعَ رَسُولَ اللهِ وَلِهِ يَقولُ:
(مَثَلُ البَخِيلِ والمُنْفِقِ، كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُنَّتَانِ مِن حَدِيدٍ مِن
تُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَأَمَّا المُنْفِقُ، فَلا يُنْفِقُ إِلَّ سَبَغَتْ، أَوْ
وَفَرَتْ على جِلْدِهِ حَتَّى تُخْفِيَ بَانَهُ، وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ، وَأَمَّا البَخِيلُ،
فَلَا يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيئاً إِلاَّ لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا، فَهُوَ يُوَسِّعُهَا فَلا
تَسِعُ))، متفقٌ عليه.
وَ«الجُنَُّ)): الدِّرِعُ؛ وَمَعْنَاهُ: أَن المُنْفِقَ كُلَّمَا أَنْفَقَ، سَبَغَتْ،
وطَالَتْ حتى تَجُرَّ وَرَاءَهُ، وتُخْفِي رِجْلَيهِ وأَثَرَ مَشْبِهِ وخُطُوَاتِهِ.
(السَّارِقُ عَشْـ
٧ سروع
٧,
(ن): ((جنتان)) هو بالنون في هذا الموضع بلا شكِّ، ولا خلافَ ((تجن
٣٧٦
بنانه)) بالجيم والنون؛ أي: تستر، و((بنانه)) أنامله، قيل: هذا تمثيلٌ لكثرة
الجُود والبُخل، وأن المُعطيَ إذا أعطى؛ انبسطت يداه بالعطاء، وتعوَّد ذلك،
وإذا أمسك؛ صار ذلك عادةً له.
وقيل: معنى «تمحو أثره))؛ أي: تذهب بخطاياه وتمحوها، والحديث
جاء على التمثيل، لا عن الخبر عن كائن، وقيل: ضرب المثل بهما؛ لأن
المنفق يستره الله بنفقته، ويستر عَوْراتِه في الدنيا والآخرة؛ كستر هذه الجُنَّة
لابسَها، والبخيل كمَن لبس جُنَّة إلى ثدييه، فيبقى مكشوفاً، وباديَ العورة،
مُفْتَضَحاً في الدنيا والآخرة(١).
(ك): مُتعرِّضاً للآفات(٢).
(ق): هذان المثلان للبخيل والمتصدِّق واقعان؛ لأن كل واحد منهما
إنما يتصرَّف بما يجد من نفسه، فمَن غلب عليه الإعطاءُ والبَذْل؛ طابت
نفسُه بالإنفاق، وتوسَّعت فيه، ومَن غلب عليه البُخلُ؛ كُلَّما خطر بباله
إخراجُ شيءٍ مِمَّا بيده؛ شَحَت نفسُه بذلك، فانقبضت يده؛ للضِّق الذي
يجده في صدره، ولشُحِّ نفسه الذي مَن وُقِيَه؛ فقد أفلح(٣).
(ط): أوقع المتصدِّق مقابلاً للبخيل، والمقابل الحقيقي السَّخِيُّ؛
إيذاناً بأن السَّخاوةَ هي ما أمر به الشرعُ، وندب إليه من الإنفاق، لا ما يتعاناه
المُبدِّرون، وخَصَّ المشبّه بهما بلُبس الجُنَّتين من الحديد؛ إعلاماً بأن
القَبْضَ والشُّحَّ من جِبَلَّةِ الإنسان وخِلْقَته، ومن ثَمَّ أضاف الشُّخَّ إليه في قوله
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٠٩).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٧ / ٢٠٦).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٦٦).
٣٧٧
تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، ﴾ [الحشر: ٩]؛ فإن السَّخَاوة من عطاء الله
يمنحها مَن يشاء من عباده المُفلحين، وخَصَّ اليد بالذِّكر؛ لأن السَّخِيَّ
والبخيل يُوصفان بَبْسط اليد وقَبْضِها، فإذا أُريد المُبالغةُ في البخل؛ قيل:
يدُه مغلولة إلى عُنقه، وثَدْيه، وتراقيه، والأُسلوب من التشبيه المُفرَّق، شَبَّه
السخيَّ المُوفق إذا قصد التصدُّقَ يسهل عليه(١) [ويطاوعه قلبه بمَن عليه
الدِّرع، ويده تحت الدِّرع، فإن أراد أن يخرجها منها وينزعها؛ يَسهُل عليه](٢)،
والبخيل على عكسه(٣).
(خط): هذا مثل ضربه النبيُّ ◌َّهِ للجَواد المُنفق، والبخيل المُمسك،
شبههما برجلين أراد كلٌّ أن يلبسَ دِرْعاً يَستجِنُّ بها، فصَبَّها على رأسه
ليلبسها، والدِّرع أول ما يُلبس إنما يقع على موضع الصَّدْر والثديين إلى أن
يسلك لابسُها يديه في كُمَّيها، ويُرسِلَ ذَيْلَها على أسفل بدنه، فيستمر
سُفْلاً، فجعل رسول الله وَ﴿ مثلَ المُنفق مثلَ مَن لبس درعاً سابغة،
فاسترسلت حتی سترت جمیعَ بدنه وحَصَّنته، وجعل البخيلَ کرجل كانت
يداه مغلولتين إلى عُنقه ناتئتين دون صدره، فإذا أراد لُبْسَ الدِّرع؛ حالت
يداه بينها وبين أن تَمُرَّ سُفْلاً على البدن، واجتمعت على عُنقه، فلزمت
تَرْقُوَتَه، وكانت ثِقَلاً ووبالاً عليه من غير وقاية له، أو تحصین لبدنه،
وحقيقة المعنى في هذا: أن الجَواد إذا هَمَّ بالنفقة؛ اتسع لذلك صَدْرُه،
(١) كذا في الأصل، و((شرح المشكاة)) للطيبي، ولعلها زائدة.
(٢) ما بين معكوفتين من ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٥٢٥).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٥٢٥).
٣٧٨
وطاوعته يداه، فامتدتا بالعَطاء والبَذْل، وأن البخيل يَضِيِقُ صَدْرُه،
وتنقبض يدُه عن الإنفاق بالمعروف(١).
٥٦١ - وعنهُ، قالَ: قالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ: ((مَنْ تَصَدَّقَ بِعِدْلِ
تَمْرَةٍ مِن كَسْبٍ طَيِّبٍ، ولا يَقْبَلُ اللهُ إلَّ الطَّيِّبَ، فَإِنَّ اللهَ يَقبَلُهَا
بِيَّمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيها لِصَاحِبِهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تكُونَ
مِثْلَ الجَبَلِ))، متفقٌ عليه.
((الفَلُوُ)) بفتح الفاءِ وضم اللام وتشديد الواو، ويقال أيضاً:
بكسر الفاءِ وإسكان اللام وتخفيف الواو وهو: المُهْرُ.
[الثَّامِن عَبْشَةَ)]
* قوله {قلهو: «من تصدق بعدل تمرة» :
(نه): (العدل) بكسر العين وفتحها، بمعنى المِثْل، وقيل: هو بالفتح:
ما عادله من جنسه، وبالكسر: ما ليس من جنسه، وقيل: بالعكس(٢).
(خط): ((بعدل تمرة)) يريد قيمةَ تمرة، يقال: هذا عَدْله بفتح العين؛
أي: مثْلُه في القيمة، وعِدْله؛ أي: مِثْلُه في المَنظر(٣).
(١) انظر: ((أعلام الحديث)) للخطابي (١ / ٣٧٧ - ٣٧٨).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ١٩١).
(٣) انظر: ((أعلام الحديث)) للخطابي (١ / ٣٧٠).
٣٧٩
(ن): المراد بالطيِّب هاهنا: الحَلالُ، قال القاضي: لمَّا كان الشيء
الذي يُرتَضى ويُعَزُّ يُتلقَّى باليمين، ويُؤخذ بها؛ استعمل في مثل هذا، واستُعير
للقَبول والرِّضا؛ [كما قال الشاعر]:
إذا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لمَجْدٍ
تَلَقَّاهَا عَرَابةُ باليَمِينِ
وقيل: عَبَّر باليمين هنا عن جهة القَبول والرِّضا؛ إذ الشِّمال بضِدِه
في هذا.
وقيل في تربيتها وتعظيمها حتى تكون أعظمَ من الجبل: إن المُرادَ
بذلك تعظيمُ أجرها، وتضعيفُ ثوابها، ويصِحُّ أن يكون على ظاهره، وأن
يُعظِّم ذاتَها، ويبارك الله فيها، ويزيدها من فضله حتى تثقُلَ في الميزان،
وهذا الحديث نحو قوله تعالى: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِّبَواْ وَيُرْبِىِ الصَّدَقَتِ﴾ [البقرة:
٢٧٦](١) .
(تو): المراد من التقبُّل باليمين حُسْنُ القَبول من الله، ووقوع الصدقة
منه موقعَ الرِّضا، وإنما ضرب المثلَ بالفَلُوِّ؛ لأن الصدقة نِتاجُ عمله، ولأن
صاحبَه لا يزال يتعاهدُه ويتولّى تربيته، ثم إن النتاجَ أحوجُ ما يكون إلى
التربية فَطِيماً، وإذا أحسن القيام به، وأصلحه؛ انتهى إلى حَدِّ الكمال،
وكذلك عملُ ابن آدم، لا سِيَّما الصَّدقةِ التي يُجاذبها الشُّ، ويتشبَّث بها
الهوى، ويُفنيها الرِّياء، ولا تكاد تَخلُص إلى الله إلا مَوسُومةً بنقائصَ
لا يجبرها إلا نظرُ الرحمن، وإذا تصدَّق العبدُ من كَسْب طَيِّب، مُستعدّ
للقَبول؛ فُتح دونها بابُ الرحمة، فلا يزال نظر الله إليه يُلبسها نعتَ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٩٨ - ٩٩).
٣٨٠