Indexed OCR Text
Pages 341-360
رسولَ اللهِوَ ﴿ يقول: ((مَنْ بَلغَهُ مَعروفٌ [عن] أَخِيهِ مِن غَيْرِ مَسْأَلَةٍ، ولا إِشْرَافِ نَفْسٍ؛ فَلْيَقبَلْهُ، ولا يَرُدُّه، فإنَّما هو رِزْقٌ سَاقَهُ اللهُ إِلَيْهِ))(١). (١) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٣٤٠٤)، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)» (٨٤٨). ٣٤١ ٥٩-بار الحثِّ على الأكلِ من عَمَلِ يدِه والتعفُّفِ به عن السؤالِ والتعرُّضِ للإعطاءِ * قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنتَشِرُواْ فِى الْأَرْضِ وَأَبْثَغُواْ مِن فَضْلِ اَللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]. (الباب التاسع والخمسون) (في الحث على الأكل من عمل يده والتعفف به عن السؤال والتعرض للإعطاء) * قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنْتَشِرُ واْ فِ الْأَرْضِ وَآَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ ﴾ [الجمعة: ١٠]، كان عِرَاكُ بن مالك إذا صلى الجمعة؛ وقف على باب المسجد، فقال: اللهم؛ أَجبتُ دعوتَك، وصَلَّيتُ فريضتَك، وانتشرت كما أمرتني؛ فارزقني من فضلك، وأنت خير الرازقين، رواه ابن أبي حاتم(١). وروي عن بعض السَّلَف أنه قال: مَن باع واشترى في يوم جمعة بعد الصلاة؛ بارك الله له سبعين مرة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَانْتَشِرُواْ فِ اَلْأَرْضِ وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ ﴾ [الجمعة: ١٠]. قوله: ﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ ﴾ [الجمعة: ١٠]؛ أي: في حال بَيْعِكُم، وشِرائكم، (١) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره)) (١٠ / ٣٣٥٦). ٣٤٢ وأَخْذِكم، وعطائكم، ولا تَشْغَلْكُم الدنيا عن الذي ينفعكم في الآخرة. (الكشاف): عن ابن عباس: لم يُؤمروا بطلب شيء من الدنيا، إنما هو عِيادةُ المَرضى، وحُضور الجنائز، وزيارة أخ في الله، وعن الحسن، وابن المُسيَّب: طلبُ العِلْم(١). ٥٣٩ - عن أَبي عبدِ الله الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ ﴿﴾، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ﴾: ((لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ أَحْبُلَهُ، ثُمَّ يَأْتِيَ الجَبَلَ، فَيَأْيَ بِحُزْمَةٍ مِنْ خَطَبٍ عَلَى ظَهرِهِ، فَبِيِعَهَا، فَيَكُفَّ اللهُ بِهَا وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أن يَسألَ النَّاسَ، أَعْطَوْهُ، أَوْ مَنَعُوهُ»، رواه البخاري. ٥٤٠ - وعن أَبِي هُرِيرةَ ◌َُه، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((لأَنْ يَخْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةٌ عَلَى ظَهْرِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِن أَنْ يَسأَلَ أَحَداً، فَيُعْطِيَهُ، أَو يَمْنَعَهُ))، متفقٌ عليه. * قوله وقال: ((لأن يأخذ أحدكم أحبله»: (ك): اللام ابتدائية، أو جواب قسم محذوف، وقوله: ((فیکف الله بها وجهه))؛ أي: فيمنع الله بها وجهَه من أن يُراقَ ماؤُه بالسؤال عن الناس، فهو خير له؛ لأنه إن أعطاه؛ ففيه ثِقَلُ المِنَّة، وذُلُّ السؤال، وإن منعه، فمع الذُِّّ الخَيْبةُ والحِرمان، وذكر الاحتطابَ من الحِرَف، لما فيه من امتحان (١) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٤ / ٥٣٨). ٣٤٣ المَرْء نفسَه من المَشقَّة التي فيه(١). (ن): فيه: الحَثُّ على الصدقة؛ وعلى الأكل من عمل يده، والاكتساب بالمُباحات؛ كالحطب، والحشيش النابتين في مَوات، انتهى(٢). لبعضهم في الحَثِّ على الاكتساب والتعقُّف عن السُّؤال: وشُرْبُ مَاءِ القُلُبِ المَالِحَةُ أُقْسِمُ باللهِ لَرَضْخُ النَّوَى ومِنْ سُؤَالِ الأَوْجُهِ الكَالِحَةُ أَعَزُّ للإِنْسَانِ مِنْ حِرْصِهِ مُغْتَبِطاً بِالصَّفْقَةِ الرَّابِحَةْ فَاسْتَشْعِرِ الْيَأْسَ تَعِشْ ذَا غِنَىّ ورَغْبَةُ النَّفْسِ لَهَا فَاضِحَةْ [فَالْيَأْسِ عِزٌّ والثُّقَى سُؤْدَدٌ](٣) * ٥٤١ - وعنهُ، عنِ النبيِّ وَّهِ، قال: ((كانَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَأْكُلُ إِلاَّ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ»، رواه البخاري. * قوله ◌َّل: ((كان داود عليه السلام لا يأكل إلا من عمل يديه)): (مظ): فيه: فضيلة الكَسْب؛ يعني: الاكتساب من سُنن الأنبياء، وسُنن الأنبياء فيها سعادة الدنيا والآخرة، فإن قيل: لم يكتسب نبيِّنَا بَّر، فلا يكون الکَسْبُ سنةً. قلنا: قد أمر بذلك، وحَرَّض عليه، فصار سُنَّةً، وأما قوله: لم يكن رَّ (١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٨ /١٦). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٣١). (٣) ما بين معكوفيتن من ((حلية الأولياء)) لأبي نعيم (٨ / ٣٤٦). ٣٤٤ منسوباً إلى كسب: قلنا: هذا عَدَمٌ، والعدَمُ ليس بسُنَّة؛ يعني: عدم اكتسابه لا يدلُّ على أن عدمَ الكَسْب سُنَّة، ألا ترى أنه مَّهِ لم يُغسِّل ميتاً، ومع ذلك هو فرضٌ على الكفاية، ولم يُؤذِّن والأذان سُنّة؛ لأمره بذلك. انتهى(١). يمكن أن يُستدلَّ على اكتسابه وَّه بما في ((صحيح البخاري)) عن أبي هريرة ، عن النبيِّ نَّه قال: ((ما بعثَ اللهُ فيها نَبِيّاً إلاَّ رَعَى الغَنَمَ))، فقال له أصحابهُ: وأنت؟ قال: ((نَعَمْ، كنتُ أَرْعَاها على قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكََّ))(٢)، قال سُويد بن سعيد: يعني كلَّ شَاةٍ بِقِيرَاط، وقال إبراهيم الحَرْبِيُّ: قَرَارِيطُ: مَوضعٌ ولم [يُرِدْ] بذلك القراريط من الفِضَّة. وروى ابن الجوزيٌّ: في [ ... ](٣) بسنده عن السَّائب بن [أبي] السَّائب: أنه كان يُشارك رسولَ الله ◌َّ قبل الإسلام في التجارة فلما كان يومُ الفتح؛ جاءه، فقال: ((مَرْحَباً بأَخِي وشَرِيكِي، كانَ لا يُدَارِى ولا يُمَارِي))(٤) قوله: ((يدارئ)) مهموز، بمعنی يُشاغب ويُخاصِم. وسفره ◌َّه إلى بُصرى من أرض الشام في تجارة لخديجة رضي الله عنها مشهورٌ في كتب السِّير، وأما بعدما أكرمه الله بالنبوّة: فقال: ((جُعِلَ رِزْقِي (١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ٣٨٤). (٢) رواه البخاري (٢١٤٣). (٣) كلمة غير واضحة في الأصل. (٤) ورواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ٤٢٥) والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٦٦١٨)، وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (١ / ٩٤): رواه أحمد والطبراني في ((الكبير)) ورجاله رجال الصحيح. ٣٤٥ تحتَ ظِلِّ رُمْحِي))(١). * ٥٤٢ - وعنهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قالَ: ((كانَ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلامُ نجَّاراً)، رواه مسلم. * قوله ◌َلفي: ((كان زكريا عليه السلام نجاراً): (ق): هذا الحديثُ يدلُّ على شرف النِّجارة، وعلى أن التحرُّفَ بالصناعات لا يغضُّ مناصبَ أهل الفضائل [بل] نقول: إن الحَرفَ والصِّناعاتِ غير الرَّكيكة زيادةٌ في فضيلة أهل الفضل، يحصل التواضع في أنفسهم، والاستغناء عن غيرهم، وكَسْب الحلال الخَلِيِّ من الامتنان الذي هو خيرُ المَكاسِب؛ كما نصَّ عليه النبيُّ ◌َّهِ: ((إنَّ خَيْرَ ما أَكَلَ المُؤْمِنُ مِن عَمَلِ يَدِه)(٢)، وقد نُقُل عن كثير من الأنبياء أنهم كانوا يحاولون الأعمالَ، فأوَّلُهم آدمُ عليه السلام، عَلَّمه الله صناعةَ الحِراثة، ونوحٌ عليه السلام عَلَّمه الله صناعةَ النِّجارة، وداود عليه السلام عَلَّمه الله صناعةَ الحِدادة، وقيل: إن موسى عليه السلام كان كاتباً يكتب التوراةَ بيده، وكلَّهم قد رعى الغنمَ؛ کما قال ێ، انتھی(٣). روى الحافظ يعقوبُ بن سُفيان، عن ابن عطاء، عن أبيه: أن سُليمانَ (١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٢ / ٥٠)، والبخاري (٣ / ١٠٦٧) تعليقاً، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٢٨٣١). (٢) رواه البخاري (١٩٦٦)، بنحوه من حديث المقدام څته. (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٢٢٧ - ٢٢٨). ٣٤٦ بن داود عليهما السلام كان يَسُفُّ الخُوصَ، ويأكل خبز الشعير بالنَّوى(١) من عمل يديه، وروى ابن سفيان أيضاً عن سعيد بن المُسيَّب قال: كان لُقمانُ خَيّاطاً، وروى أن يحيى بن زكريا عليهما السلام قال: كان داودُ يأكل من عمل يديه، ولا يُدرى ما أصلُ طعامه إلا من عُشب الأرض، وأطراف الشجر، وكان يحيى من أطيب الناس طعاماً، وقال الحسن البصريُّ: مَطعمان طيبان: رجلٌ يعمل بيده، وآخرُ على ظهره. ٥٤٣ - وعَنِ المِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ◌َ﴿ه، عن النبيِ وَِّ، قال: ((مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَاماً قَطُّ خَيْراً مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللّهِ دَاوُدَ ﴿ِ كَانَ يَأْكُلِ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ»، رواه البخاري. * قوله وَّج: ((ما أكل أحد قط طعاماً خيراً من أن يأكل من عمل یدیه» : (مظ): فيه: التحريض على الكسب الحلال؛ فإن فيه فوائدَ كثيرة: إحداها: إيصال النفع إلى المُكتَسِب؛ بأخذ الأجرة إن كان العملُ لغيره، وبحُصول الزيادة على رأس المال إن كان العملُ تجارةً، أو زراعة، أو غرس الأشجار، ونحوها. الثانية: إيصال النفع إلى الناس؛ بتهيئة أسبابهم من نَسْج ثيابهم وخياطتها، وغيرهما من الحِرَف، وبحصول أقواتهم؛ بأن يشتروا من الأقوات والثمار. (١) في الأصل: ((بالمرئ)). ٣٤٧ الثالثة: أن يشغل المُكتسِبُ نفسَه بالكَسْب عن البطالة واللَّهْو. الرابعة: أن النفس تنكسر بالكَسْب، ويقِلُّ طُغيانُها ومَرَحُها. وشرطُ المُكتسِب أن لا يعتقدَ الرِّزقَ من الكَسْب، بل من الله الكريم، ونسبة الكَسْب إلى الرِّزق كنسبة الطعام إلى الشِّبَع، فرُبَّ أكلة بلا شِبَع إذا لم يُقدِّر الله فيها الشِّبَع، فكذلك رُبَّ مكتسب لا يُحصِّل المالَ إذا لم يُقدَّر له(١). (ط): ومن فوائد الكسب التعفُّفُ عن ذِلَّة السُّؤال، والاحتياج إلى الغير. * وقوله: ((نبي الله داود ... )) إلى آخره، تَوكيدٌ للتحريض، وتقرير له؛ يعني: أن الاكتسابَ من سُنن الأنبياء؛ فإن نبيَّ الله داود يعمل السَّرْدَ، ويبيعه لقُوته؛ فاستثُّوا به(٢). (ن): اختلف في الأفضل من المكاسب، قال المَاوَزْديُّ: أُصول المَكاسِب: الزِّراعة، والتِّجارة، والصَّنْعة، وأيُّها أطيبُ؟ فيه: ثلاثة مذاهب للناس، أشبهها بمذهب الشافعي: أن التجارة أطيبُ، قال: وعندي أن الزراعة أطيبُ؛ لأنها أقربُ إلى التوُّل. قلت: قولُه: ((ما أكَلَ أَحَدٌ طَعَاماً قَطُّ خَيْرٌ مِن أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عمَل يَدِه)) الحديثَ؛ صريحٌ في ترجيح الزراعة والصَّنعة؛ لكونهما عملَ يده، لكن الزراعة أفضلُ؛ لعموم النفع بها للآدميِّ وغيره، وعُموم الحاجة. إليها، انتھی(٣). (١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ٣٨٣ - ٣٨٤). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧ / ٢٠٩٥). (٣) انظر: ((المجموع)) للنووي (٩ / ٥٤). ٣٤٨ وقد ورد في فضيلة الكَسْب، وطلب الحلال أخبارٌ وآثارٌ نذكر طرفاً منها، قال ◌َّهِ: ((مَن طلبَ الدُّنيا حَلالاً؛ اسْتِعْفَافاً عنِ المَسْأَلَةِ، وسَعْياً على عِيَالِهِ، وتَعَطُّفاً على جَارِهِ؛ لِقِيَ اللهَ ووَجْهُه كالقَمَرِ ليلةَ البَدْرِ»، أخرجه البيهقيُّ، وأبو نُعيم، وأبو الشيخ(١). و[عن] كعب بن عُجْرةَ: أنه مَزَّ على النبيِّ ◌َ رجلٌ، فرأى أصحابُ رسول الله وَ﴿ مِن جَلَدِه ونشاطه، فقالوا: يا رسولَ الله؛ لو كان هذا في سبيل الله، فقال ◌َّهِ: ((إنْ كانَ خَرجَ يَسْعَى على وُلْدِه صغاراً؛ فهُوَ في سَبيلِ الله، وإن كانَ خرجَ يَسْعَى على أَبَوينِ شَيْخَينِ كَبِرَيْنِ؛ فَهُوَ فِي سَبِيلِ الله، وإنْ كانَ يَسْعَى على نَفْسِهِ يُعِفُّها؛ فهُوَ في سَبيلِ الله، وإِنْ كانَ خرِجَ يَسْعَى رِيَاءَ ومُفَاخَرةً؛ فَهُوَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ))، رواه الطبرانيُّ، قال المنذري: ورجاله رجال الصحيح(٢). وعن ابن عمر ◌ًَّا، عن النبيِّ وَ لَ قال: ((إنَّ اللهَ يُحِبُّ المؤمِنَ المُحْتَرِفَ))، رواه الطبراني في ((الكبير))، والبيهقيُّ(٣). ورُوي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسولُ اللهِوَل ◌ُهُ: ((مَنْ أَمْسَى كَالاً مِنْ عَمَلِ يَدِهِ؛ باتَ مَغْفُوراً لَهُ، وأَصْبَحَ واللهُ عَنْهُ رَاضٍ))، رواه (١) رواه البيهقي في (شعب الإيمان)) (١٠٣٧٤)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء)) (٣/ ١١٠) من حديث أبي هريرة ظه، وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (١٠٣٢). (٢) رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٦٨٣٥)، وانظر: ((الترغيب والترهيب)) للمنذري (٢ / ٣٣٥)، وقد ورد في الأصل: ((ولده صغار)). (٣) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٣٢٠٠)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٢٣٧)، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (١٧٠٤). ٣٤٩ الطبرانيُّ في ((الأوسط))، والأصفهانيُّ من حديث ابن عباس(١). وروي عن عيسى عليه السلام [أنه] رأى رجلاً، فقال: ما تصنعُ؟ فقال: أَتعبَّدُ، قال: مَن يَعُولُك؟ قال: أخي، قال: أَخُوك أَعْبَدُ منك. وعن أبي جَبَلَةَ بن حَيَّان، عن أبيه قال: مَرَّ داود عليه السلام على إِسْكَافٍ، وهو يعمل، فقال: اعمل وكُلْ؛ فإن الله يُحِبُّ مَن [يَعملُ] ويأكل، ولا يُحِبُّ من يأكل ولا يعمل، رواه يعقوب بن سفيان. وقال لُقْمانُ لابنه: يا بُنيَّ؛ استعن بالكَسْب الحلال عن الفقر؛ فإنه ما افتقر أحدٌ قطُّ إلا أصابه ثلاثُ خِلال: رِقََّ في دينه، وضعفٌ في عقله، وذهابٌ في مُروءته، وأَعظَمُ من هذه الثلاث استخفافُ الناس به. وقال أبو سُليمان: ليس العبادةُ أن تصُفَّ قدميك، وغيرُك يَقُوتُ لك، ولكن ابدأ برغيفك، فَأَحْرِزْها ثم تَعبَّد. (١) رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٧٥٢٠)، وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٢٦٢٦). ٣٥٠ ٦٠- باب الكرم والجودِ والإنفاق في وجوه الخيرِ ثقة بالله تعالى * قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُةٌ ﴾ [سبأ: ٣٩]. ؛ وقال تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا أَبْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِّ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَنَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٢]. وقال تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ، عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٧٣]. (الباب الستون) (في الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقةً بالله تعالى) (الراغب): الكرم إذا وصف به الإنسان؛ [فهو] اسمٌ للأفعال، والأخلاق المحمودة، ولا يقال: هو كريم حتى يظهرَ ذلك منه، وقيل: الكرم كالحُرية، إلا أنها قد تقال في المَحاسن الصغيرة والكبيرة، والكرم لا يقال إلا في المَحاسن الكبيرة؛ كمَن يُنفق مالاً في تجهيز جيش في سبيل ٣٥١ الله، وتَحمُّل حَمَالةٍ يُرقَأُ بها دماءُ قوم، والجُود: بذل المُقتنيات مالاً كان أو علماً(١). (ش): الجُود عشر مراتب: أحدها: الجود بالنفس، وهو أعلى مراتبه، قال الشاعر: والجُودُ بالنَّفْسِ أَقْصَى غَايَةِ الجُودِ يَجُودُ بالنَّفْسِ إِذْ ضَنَّ الجَوَادُ بِهَا ثانيها: الجُود بالرئاسة فيجود بالرئاسة [فيحمل الجوادَ جودُه على امتهان] رئاسته [والجود بها، والإيثار في] (٢) قضاء حاجة المُلْتَمِس. ثالثها: الجُود براحته ورَفاهِيَتّه، وإجمام نفسه، فيجُود بها [تعباً وكدّاً في مصلحة غيره، ومن هذا جُود الإنسان بنومه ولذَّته لمُسامِره؛ كما قال : هَبْ لِي جَمِيعَ كَرَى عَيْنَكَ لَمْ يَنَمِ مُتِيَّمٌ بالنَّدَى لو قالَ سائِلُهُ رابعها: الجُود بالعلم وبَذْلُه، وهو من أعلى مراتب الجُود، وهو أفضل من الجُود بالمال؛ لأنه أشرفُ، وقد اقتضت حكمةُ الله وتقدیرُه أنه لا ينفع به بخيلاً أبداً، ومن الجُود به أن تبذله لمن لا يسألك عنه، بل تطرحه عليه طرحاً. الخامسة: الجُود بالنفع بالجاه، والمشي بالرجل إلى ذي سُلطان ونحوه، وذلك زكاة الجاه المُطالَبُ به العبدُ؛ لأن التعليمَ وبَذْلَ العلم زكاةُ العلم . (١) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٤٢٨ -٤٢٩). (٢) ما بين معكوفتين من ((مدارج السالكين)) لابن القيم (٢ / ٤٤). ٣٥٢ السادسة: الجُود بنفع البدن؛ كما في الحديث: ((تَعْدِلُ بينَ الاثنَيْنِ، وتَعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَتِهِ، وتُزِيلُ الأَذَى)(١). السابعة: الجُود بالعِرْض كأبي ضَمْضَم؛ كان إذا أصبح، قال: اللَّهُمَّ؛ لا مال لي فأتصدَّق به على الناس، وقد تَصدَّقت عليهم بعِرْضي، فمَن شتمني، أو قذفني؛ فهو في حِلِّ، قَال ◌َّهِ: ((مَنْ يَستَطِيعُ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ كأبِي ضَمْضَم؟!)). الثامنة: الجُود بالصَّبر، والاحتمال، والإِغْضَاء، وهو أنفعُ لصاحبه من الجُود بالمال، وأعزُّ له، وأنصَرُ له، وأَملَكُ لنفسه، ولا يقدر على هذا إلا النفوسُ الكبار، وهذا جُود الفُتَوَّة، قال تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصُ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَجَزَّاوُاْ سَيْئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَاْ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ،عَلَى اللّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]. التاسعة: الجُود بالخُلق والبِشْر، وهو فوق الجُود بالصبر، والاحتمال، والعَفْو، وهو الذي بلغ بصاحبه درجةَ الصائم القائم، وهو أثقل ما يُوضَع في الميزان، وفيه من المنافع والمصالح ما فيه، ولا يمكنه أن يسع الناسَ بماله، ويمكنه أن يسَعهم بخُلقه واحتماله. العاشرة: الجُود بتركه ما في أيدي الناس عليهم، فلا يلتفت إليه، ولا يَسْتَشرِفُ له بقلبه، ولا يتعرَّض له بحاله، ولا لسانه، هذا هو الذي قال عبدالله بن المبارك: إنه أفضل من جُود البَذْل، فلسان حال القَدَر يقول للفقير الجَواد: إن لم أُعطِك مالاً تجود به على الناس؛ فجُد عليهم بأموالهم؛ (١) رواه مسلم (١٠٠٩) من حديث أبي هريرة ضُه. ٣٥٣ تزاحمهم في الجُود، وتنفرد عنهم بالراحة (١). * قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَهُوَ يُتْلِفٌُ,﴾ [سبأ: ٣٩]، سبق في (الباب السادس والثلاثين). قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَآءُ ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، عن ابن عباس ظَهَا، عن النبيِّ وَّ: أنه كان يأمرُ بأن لا يُتصدَّقَ إلا على أهل الإسلام، حتى نزلت هذه الآيةُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، فأمر بالصدقة بعدها علی کل من سألك من کل دِین * قوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا أَبْتِغَاءَ وَجْهِ اَللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، قال الحسن البصريُّ: نفقة المؤمن لنفسه، ولا ينفق المؤمن إذا أنفق إلا ابتغاءَ وجه الله. وقال عطاء الخُرَاسانيُّ: يعني: إذا أعطيتَ لوجه الله؛ فلا عليك ما كان من عمله، وهذا معنىّ حسنٌ، وحاصله: أن المُتصدِّق إذا تصدق ابتغاءً وجه الله؛ فقد وقع أجرُه على الله، سواء أصاب بَرّاً مُستحِقّاً، أو غيرَه، وهو مُثاب على قَصْدِه، ويدل عليه الحديثُ الصحيح: ((لأَنصَدَّقَنَّ اللَّيلةَ بِصَدَقَةٍ، فخرج فوضعها في يد زانية ... )) الحديثَ(٢). (م): قولك: (لوجه زيد) أبلغُ في الذِّكر من قولك: (فعلته له)؛ لأن وجه الشيء أشرفُ ما فيه، وأيضاً؛ قولك: (فعلت هذا له) يحتمل أن يكون فعلته له ولغيره، وقولك: (فعلته لوجهه) يدلُّ على أنك فعلتَه له فقط . وأجمعوا على أنه لا يجوز صرفُ الزكاة إلى غير المسلم، فهذه الآية (١) انظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (٢ / ٢٩٣ - ٢٩٦). (٢) رواه مسلم (١٠٢٢) من حديث أبي هريرة حصته. ٣٥٤ مُختصَّة بصدقة التطوُّع، وجَوَّز أبو حنيفة ظُه صرفَ صدقة الفطر إلى أهل الذِّمَّة، وأباه غيره. عن بعض العلماء: لو كان شرّ خلق الله؛ لكان لك صدقةً نفعتك(١). (قض): ﴿فَلِأَنفُسِكُمْ﴾؛ أي: فهو لأنفسكم، لا ينتفع به غیرُكم، فلا تَمنَّوا عليه، ولا تنفقوا الخبيث، ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا أَبْتِغَاءَ وَجْهِ اُللَّهِ ﴾ [البقرة: ٢٧٢] حالٌ، فكأنه قال: وما تنفقوا من خيرِ فلأنفسكم غيرَ مُنفقين إلا ابتغاءَ وجه الله، وطلبَ ثوابه، أو عطف على ما قبله؛ أي: وليس نفقتُكم إلا ابتغاءَ وجهه، فما لكم تَمنُّون بها، وتُنفقون الخبيثَ، وقيل: نفي في معنى النهي، ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٧] ثوابهُ أضعافاً مُضاعفةً، فهو تأكيد للشرطية السابقة، أو يُوفَّ إليكم ما يُخلَفُ للمُنفق؛ استجابةً لقوله عليه السلام: ((اللَّهُمَّ اجَعَلْ لمُنفِقٍ خَلَفاً، ولمُمْسِكِ تَلَفَا))(٢). وأنتم لا تظلمون؛ أي: لا تُنْقَصُون ثوابَ نفقتكم(٣). * قوله تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ، عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٧٣]: (م): هذا يجري مَجرى ما إذا قال السلطان العظيم لعبده الذي استحسن خِدْمتَه: أما يكفيك أن يكون عِلْمِي شاهداً بكيفية طاعتك، وحُسْن خِدْمَتك؟! فإنَّ هذا أعظمُ وَقْعاً مِمَّا لو قال: إن أجرَك واصلٌ إليك(٤). (١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٧/ ٦٩). (٢) رواه البخاري (١٣٧٤)، ومسلم (١٠١٠) من حديث أبي هريرة ظـ (٣) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (١ / ٥٧٢). (٤) انظر: ((تفسير الرازي)) (٧/ ٧٣). ٣٥٥ ٥٤٤ _ وعَنِ ابنِ مسعودٍ ، عن النبيِ وَفِ، قالَ: ((لا حَسَدَ إِلاَّ في اثْتَيْنِ: رَجُلٌ آتاهُ اللهُ مَالاَ، فَسَلَّطَهِ عَلى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً، فَهُوَ يَقْضِي بِهَا، وَيُعَلِّمُها))، متفقٌ عليه. معناه: يَنْبَغِي أَن لا يُغْبَطَ أَحَدٌ إِلاَّ عَلَى إِحْدَى هَاتَيْنِ الخَصْلَتَيْنِ. (ق): (الحسد): هو تمنِّي زوال النعمة عن المُنعَم عليه، ثم قد يكون مذموماً وغيرَ مذموم، فالمذموم: أن تتمنَّى زوالَ نعمة الله عن أخيك المُسلم، سواء تَمنَّيت مع ذلك أن يعودَ إليك، أو لا، وأما غيرُ المذموم: فقد يكون محموداً؛ مثل أن تتمنَّى زوال النعمة عن الكافر، أو عَمَّن يستعين بها على المعصية. وأما الغِبْطةُ: فهو أن تتمنَّى أن يكون لك [من] النعمة والخير مثلُ ما لغيرك من غير أن يزولَ عنه، والحِرْصُ على هذا يُسمَّى مُنافسةً، ومنه: ﴿وَفِى ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَفِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]، غيرَ أنه قد يُطلق على الغِبْطة حَسَداً؛ كما في الحديث، وقد نبّه البخاري على هذا؛ [حيث بوب على هذا](١) الحديث (باب الاغتباط في العلم والحكمة)(٢). (خط): الحسد هاهنا معناه: شِدَّة الحِرْص والرَّغبة، كنَّى بالحسد عنهما؛ لأنهما سببُ الحسد، والداعي عليه، ونفسُ الحسد مُخَّرم محظور، (١) ما بين معكوفتين من ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٤٤٥). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٤٤٥ - ٤٤٦). ٣٥٦ ومعنى الحديث: التحريض والترغيب في تعليم العلم والتصدُّق بالمال. وقيل: إن هذا إنما هو تخصيصٌ لإباحة نوع من الحسد، وإخراجٌ له عن جُملة ما حُظر منه؛ كما رخص في نوع من الكذب، وإن كانت جملتُه محظورةً؛ كقوله ◌َّهِ: ((إنَّ الكَذِبَ لا يَحِلُّ إلاَّ فِي ثَلاثٍ: الرَّجُلُ یَكذِبُ في الحَرْبِ، والرَّجُلُ يُصْلِحُ بين اثنين، ويُحدِّثُ أهلَهُ فِيَكْذِبُها))(١)؛ أي: يترضَّاها، ومعنى ((لا حسد))؛ أي: لا إباحةَ لشيء من نوع الحَسَد إلا فيما كان هذا سبيلَه، ووجه الحديث هو المعنى الأول(٢). (ط): قيل: إنما رُخِّص فيهما؛ لما يتضمَّن مصلحةً في الدِّين، قال أبو تَمَّام : ومَا حَاسِدٌ في المَكْرُمَاتِ بِحَاسِد كما رُخِّص في الكذب؛ لما تضمَّن من فائدة هي فوق آفَةِ الكذب(٣). (ك): يحتمل أن يكون من مثل قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا اَلْمَوْنَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَىّ﴾ [الدخان: ٥٦]؛ أي: لا حسدَ إلا في هذين الاثنين، [وفيهما] لا حسد أيضاً، فلا حسد أصلاً(٤). (ط): أثبت الحسد في الحديث؛ لإرادة المُبالغة في تحصيل تلك النعمتين الخطيرتين؛ يعني؛ لو حصلتا بهذا الطريق المَذموم؛ فينبغي أن (١) رواه الترمذي (١٩٣٩)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (١١٠٩٨) من حديث أسماء بنت يزيد رضي الله عنها، وهو حديث صحيح. انظر: ((السلسلة الصحيحة)) (٥٤٥). (٢) انظر: ((أعلام الحديث)) للخطابي (١ / ٥٩ - ٦٠). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٦٦٢). (٤) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢ / ٤٣). ٣٥٧ يتحرَّى ويجتهدَ في تحصيلها، فكيف بالطريق المحمود؟! بل أقول: هذا الطريق المحمودُ لذاته، والمأمور في قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]، والمُرغَّب فيه بقوله: ﴿ وَالسََّبِقُونَ السَّبِقُونَ ) أُوْلَكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١١]؛ فإنَّ السَّبْقَ هو رَوْمُ نَيَّل ما لصاحبك، واختصاصك به، وهو الحسد المباح الذي سبق ذكره، وكيف لا؟ وكل واحد من هاتين الخَصْلتين قد بلغت غايةً لا أمَدَ فوقها، ولو اجتمعتا في امرئ؛ بلغ من العَلیاء كلَّ مكان(١). (تو): يُروی: ((لا حسد إلا في اثنین)) فیکون (رجل) بدلاً منه، وروي: ((في اثنتين))؛ أي: خَصْلتين اثنتين، فلا بُدَّ من تقدير مضاف؛ ليستقيم المعنى، والتقدير خصلة رجل(٢)، وقد اختلف رُواة ((كتاب البخاري)) في هذه الألفاظ، وأوثق الروايات: ((إلا في اثنين: رجل)) على البدل. (ط): ((فسلطه على هلكته)) فيه مُبالغتان، أحدهما: التسليط فإنه يدل على الغلَبة وقهر النفوس المجبولة على الشُّحِّ البالغ. وثانيهما: قوله: ((على هلكته)) فإنه يدل على أنه لا يُبقي من المال باقياً، فلما أوهم القرينتان الإسراف والتبذير المَقُول فيهما: (لا خيرَ في السَّرَفِ)؛ كمَّله بقوله: ((في الحق))؛ كما قيل: (لا سرفَ في الخير). وكذا القرينة الأخرى اشتملت على مبالغات: إحداها: الحكمة؛ فإنها تدل على علم دقيق، مع إتقان في العمل . (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٦٦٢ - ٦٦٣). (٢) غير واضح في الأصل، والمثبت من ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٦٦٣). ٣٥٨ ثانيتها: ((يقضي))؛ أي: يقضي بين الناس. وثالثتها: ((يعلمها))، والقضاء والتعليم، [وهي] من مرتبة سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، قال تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَبَ وَ الْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: ٢](١). (تو): (الحكمة): إصابة الحق بالعلم والعقل . (نه): (الحكمة): عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويقال لمَن يُحسِنُ دقائقَ الصِّناعات ويُتقِنها: حكيم(٢). (ك): لفظ (الحكمة) إشارةٌ إلى الكمال العلمي، (ويقضي) إلى الكمال العملي، و(يعلمها) إلى التكميل، واعلم أن الفضيلة؛ إما داخلية، وإما خارجية، وأصل الفضائل الداخلية: العلم، وأصل الفضائل الخارجية: المال، ثم الفضائل إما تامّة، وإما فوق التامّة، والأُخرى أفضل من الأولى؛ لأنها مُكمِّلة مُتعدِّية، وهذه قاصرة غير [مُتعدِّية]. فإن قلت: لم نكَّر (مالاً) وعَرَّف (الحكمة)؟ قلت: لأن الحكمة المُرادُ بها معرفةُ الأشياء التي جاء الشرع بها، فأراد التعريف بلام العهد، بخلاف المال؛ ولهذا يدخل صاحبُه بأيِّ قَدْر من المال أَهْلگه في الحق تحت هذا الحكم. قال ابنُ بَطَّال: وفيه من الفقه: أن الغنيَّ إذا قام بشروط المال، وفعل به ما يرضي به ربَّه تعالى؛ فهو أفضل من الفقير الذي لا يقدر على مثل حاله(٣). (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٦٦٣). (٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٤١٩). (٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢ / ٤٣). ٣٥٩ (ط): هذا الحديث شاهدٌ على وجوب أداء لفظ الحديث من غير إبدال؛ إذ لو وُضع مكان (لا حسد): لا غبطة، ومكان (سلطه)، و(هلكته) غيرَهما، وأُبدلت الحكمة بالعلم، وهَلُمَّ جرّاً؛ لفاتت تلك الفوائدُ المقصودة(١). ٥٤٦ - وعَن عَدِيِّ بْنِ حاتم ◌َ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قال: (اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقٌّ تَمْرَةٍ»، متفقٌ عليه. (الثَّالِثُ)) سبق في (الباب الثالث عشر). ٥٤٧ - وعَنْ جابرٍ ◌َُه، قال: ما سُئِلَ رَسُولُ اللهِ،وَلِهِ شَيئاً قَطُّ فقالَ: لا ، متفقٌ عليه. ٤٠ * قوله: ((شيئاً قط)): (ن): أي: من متاع الدنيا (٢). (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٦٦٣). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ٧١). ٣٦٠