Indexed OCR Text
Pages 221-240
وتَقْدَمُ عليه غداً يوم لا يُغني مولىّ عن مولىّ شيئاً، أنشد أبو العَتاهِيَة: مَالٍ تَمُوتُ وَأنتَ تُمْسِكُهُ مَاذَا تُؤَمِّلُ لا أَبالكَ مِنْ سَ المَالُ ما تَمْضِي وتَتْرُكُهُ مَا المَالُ إلَّ مَا تُقَدِّمُ لَيْـ مِمَّا استَفَدْتَ فلستَ تَمْلِكُهُ مَا لَمْ يَكُنْ لكَ فِيهِ مَنْفَعٌ ولغيره : لوَارِثِهِ مَا ثَمَّرَ المَالَ كَاسِبُهْ يَقُولُ الفَتَى ثَمَّرتُ مَالِي وَإِنَّما ويَتْرُكُهِ نَهْباً لمَنْ لا يُحَاسَبُهْ يُحَاسِبُ فِيهِ نفسَهُ في حَيَاتِهِ شَحِيحَاً وَدَهْراً تَعْتَرِيكَ نَوَائِبُهْ فَكُلْهُ وَأَطْعِمُهُ وَخَالِسْهُ وَارِثاً ويُعْطَى المُنَى مِن حَيْثُ يُحَرمُ صَاحِبُهْ يَخِيبُ الفَتَى مِنْ حَيْثُ يُرِزَقُ غَيْرُهُ ٤٨٤ - وعن عبدِ اللهِ بنِ مُغَفَّلٍ ﴾، قال: قالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ◌َّ: يا رَسُولَ الله! واللهِ! إِنِّي لأُحِبُّكَ، فقال: «انْظُرْ ماذا تَقُولُ؟»، قال: واللهِ! إنِّي لأُحِبُّكَ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فقال: ((إنْ كُنْتَ تُحِبُّبِي، فَأَعِدَّ لِلفَقْرِ تِجْفَافاً؛ فإنَّ الفقرَ أَسْرَعُ إِلَى مَنْ يُحِبُِّي مِنَ السَّيْلِ إِلَى مُنْتُهَاهُ))، رواه الترمِذِيُّ وقال حديثٌ حسنٌ. ((التِّجْفَافُ)) بكسرِ التاءِ المثناةِ فوقُ وإسكانِ الچِيم وبالفاءِ المكررة، وَهُوَ: شَيْءٌ يُلْبَسُهُ الفَرَسُ، لِيَتَّقَى بِهِ الأَذَى، وَقَدْ يَلْبَسُهُ الإنْسَانُ. ٢٢١ 345 (ط): ((انظر ما تقول))، أي: رُمْتَ أمراً عظيماً، وخَطْباً خطيراً، فتفكّر فيه؛ فإنك تُوقِع نفسَك في خطَرٍ وأيٍّ خطرٍ، تشهد فيها غَرَضاً لسِهَام البلايا والمصائب، فهذا تمهيدٌ لقوله: ((فأعد للفقر تجفافاً)، استُعير للصبر وتَحمُّل المَشاقِ التِّجْفافُ على الاستعارة التخييلية، وشَبَّه الفقرَ بالقَرْنِ الذي له سِهامٌ وأَسِنَّة، وأخرجه مخرجَ الاستعارة المكنِية، والقرينة الاستعارةُ التخييلية، يريد رشْقَه بالبلايا وطعْنَه بالمَصائب، فيستعِدَّ له من الصبر والقناعة والرِّضا تِجْفافاً، ثم ترقَّى منه إلى الاستعارة بالسَّيْل؛ دلالةً على أن تلك البلايا والمصائب لاحقةٌ به بُسرعة؛ كالسَّيْل إلى منتهاه، فلا خلاصَ ولا مَناصَ، هذا على معنى قوله وَّهِ((المَرْءُ معَ مَنْ أَحبَّ))(١)، وقوله في جواب مَنْ سأل: أيُّ الناس أشدُّ بلاء؟: ((الأنبياءُ، ثم الأمثل فالأمثل)) (٢)، وهو سيد الأنبياء، فيكون بلاؤه أشدَّ من بلائهم، وفيه أن الفقر أشدُّ البلايا، انتهى(٣). قال الشيخ أبو بكر محمدُ بن إسحاقَ الكَلابَاذِيُّ رحمه الله: قوله إنَّه : ((فأعد الفقر تجفافاً)) يحتمل معنيين: أحدهما: أن يراد به الفقرُ المَعروف، الذي هو قِلَّة المال، والضُّرُّ، فمعنى (أعد له تجفافاً)؛ أي: تَعِدُّ له ما تَصُونه به، وتدفع عنه ما يقدح فيه، من الجَزَع فيه، والنُّكْرةِ له؛ فإن الفقر جائزةُ الله لمَن أحبني، وخِلعتُه عليه، (١) رواه البخاري (٦١٦٨)، ومسلم (٢٦٤٠ / ١٦٥)، من حديث عبدالله بن مسعود څ. (٢) رواه الترمذي (٢٣٩٨) من حديث سعد بن أبي وقاص څه، وقال: حديث حسن صحیح. (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٣١٦). ٢٢٢ وبِرُّه به؛ لأنه زِيُّ الأنبياء، وحِلْيةُ الأولياء، وزينةُ المؤمنين، وشِعار الصالحين، قاله؛ تعظيماً للفقر، وإجلالاً لقَدره. ثانيهما: أن يكون تنبيهاً له، وحَثًّا على العمل، واستعداداً لفقر يوم الحساب، كأنه يقول: لا تَتَّكِل على ذلك، واعمل؛ كيلا يأتيَ يومُ القيامة، وليس لك عملٌ صالح، ويدل على هذا قوله: تجفافاً؛ إذ التِّجْفاف إنما يكون لردِّ الشيء، وأن يحول بينه وبينك، وفقر الدنيا لمَن أحبَّ رسول الله وَّه جائرةٌ من الله، وعطاءٌ وعطاؤه لا يُردُّ، انتهى(١). لكن يشكل هذا الاحتمال الثاني بقوله ويتر: ((فإن الفقر إلى من يحبني أسرعُ من السيل إلى منتهاه))؛ وذلك أن المعرفةَ المُعادَة عينُ الأولى، سواء كان الألف واللام للجنس، أو العهد، كما في قوله: ﴿إِنَّمَعَالْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥]، فإن كان المُرادُ بالفقر المذكور أولاً الفقرَ الأُخرويَّ؛ وجب أن يكون الثاني أيضاً كذلك، ولا يصِحُ أن يُسرعَ الفقرُ الأُخرويُّ إلی مُحبِّه، ویمکن أن يُجابَ عنه؛ بأن القاعدة النَّحْوية في كون المعرفة المُعادة عينَ الأولى؛ حيثُ لا قرينةَ هناك، فإن كانت قرينةٌ صارفةٌ؛ لا يكون كذلك؛ كقوله تعالى: ﴿ قُلِ اَللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِ اَلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، وهاهنا القرينة في المُغايرة ظاهرة. ٤٨٥ _ وعَنْ كَعْبٍ بْنِ مالكِ، ◌َ﴿له، قال: قالَ رَسُولُ اللهِ ◌َله: (١) انظر: ((معاني الأخبار)) للكلاباذي (ص: ٨٥). ٢٢٣ (مَا ذِئْبَانِ جَائِعانِ أُرْسِلا فِي غَثَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ المَرْءِ عَلَى المَالِ وَالشَّرَفِ، لِدِينِهِ)، رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. [التَّائِ وَالَبِمَع * قوله وَّة: ((ما ذئبان جائعان أرسلا)) الحديثَ: (ط): ((ما)) بمعنى ليس، ((ذئبان)) اسمُها، و((جائعان)) صفةٌ له، و((أرسلا)) صفةٌ بعد صفة، و((بأفسد)) صفة لـ (ما)، والباء زائدة، وهو أفعل التفضيل؛ أي بأشدَّ فساداً، والضمير في ((لها)) للغنم، واعتبر فيه الجنسية؛ ولهذا أُنِّث، وقوله: ((من حرص المرء)) هو المفضَّل عليه لاسم التفضيل، والمراد بالشَّرف: الجَاهُ. وقوله: ((لدينه)) اللام فيه بيانٌ؛ كما في قوله تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَن يُثِّ الرّضَاعَةٌ ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، كأنه قيل: يُرضعن لمَن؟ قيل: [لمن] أراد، وكذلك هاهنا، كأنه قيل: بأفسدَ لأيِّ شيء؟ قيل: (لدينه)، ومعناه لیس ذئبان جائعان أرسلا في جماعة من جنس الغَنم بأشدَّ إفساداً لتلك الغنم من حِرْص المَرء على المال والجاه؛ فإن إفسادَه لدينِ المَرْء أشدُّ من إفساد الذئبين الجائعين لجماعة من الغَنم إذا (أُرسلا) فيها، وفي أُرسلا تتميم في غاية من الرِّقَّة واللُّطف؛ فإن الإرسالَ مسبوقٌ بالمنع، والممنوع أشدُّ حرصاً مِمَّا لم يمنع، ونظيره في المعنى قول الشاعر: كَأَنِّي وضَوْءُ الصُّبْحِ يَستَعجِلُ الدُّجَى نُطِيرُ غُرَاباً ذَا قَوَادِمَ جُونٍ ٢٢٤ راعى معنى الاستعجال في قوله: (نطير غرابا)؛ لأن الغراب إذا أُزعج؛ كان أسرعَ في الطيران. أما المال: فإفساده: أنه نوعٌ من القدرة يُحرِّك داعيةَ الشهوات، ویجرُّ إلى التنعُّم في المباحات، فيصير التنعُم مألوفاً، وربما يشتدُّ أُنْسُه بالمال، ويَعجِزُ عن كَسْب الحَلال، فيقتحم في الشُّبُهات مع أنها مُلهِيةٌ عن ذكر الله تعالى. وأما الجَاه: فكفى به إفساداً؛ لأن المال يُبذلُ للجاه، وهو الشِّركُ الخفيُّ، فيخوض في المْرَاءاة، والمُداهنة، والنِّفاق، وسائر الأخلاق الذَّميمة، انتھی(١). قال يحيى بن معاذ الرازيُّ رحمه الله: حُبُّ الرِّياسة سيفُ إبليس في بني آدم، قطع به العُبودية، ومَن وضع تاجَ الرِّياسة على رأسه؛ فقد خُذِل مع المَخذُولين، وحُتُّ الرِّياسة يخرج الرجلَ من إخلاص العبادة، مكتوبٌ في الحِكمة: أربعة كُنَّ في أربعة: السَّلامةُ في السُّكوت، والعافية في ترك الرِّياسة، والشَّرف في التقوى، والمَحبَّة في ترك الفُضول. وقيل: مَن طلب الرِّياسةَ بغير حَقٍّ؛ حُرم الطاعة بحَقِّ، ولبعضهم: ولا تَقْوَى الإِلَهِ هيَ الخَسَاسَةْ رياسَاتُ الرِّجَالِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وخَيْرُ رِيَاسَةٍ تَرِكُ الرِّيَاسَةُ وأَشْرَفُ مَنْزِلٍ وأَعزُّ عِزّ قال الحافظ أحمدُ بن رجب البغداديُّ الحنبليُّ: هذا المثل العظيم يتضمَّن غايةَ التحذير من الحِرْص على المال، والشرف في الدنيا، والحِرْصُ (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٨٧). ٢٢٥ على المال نوعان: أحدهما: شِدَّة مَحبَّة المال، مع طلبه من وجوهه المُباحة، وقد ورد أن سببَ هذا الحديث كان وقوعَ بعض أفراد هذا النوع؛ كما خرَّجه الطبرانيُّ من حديث عاصم بن عديٍّ قال: اشتريت مائة سهم من سهام خيبر، فبلغ ذلك النبيَّ نَّهِ، فقال: ((مَا ذِئْبَانِ ضَارِيَانِ ظَلَا فِي غَنَمِ أَضاعَها رَبُّها بِأَفْسَدَ مِن طَلبِ المُسْلِمِ المَالَ والشَّرفَ لدينه))(١)، ولو لم [يكن] في الحِرْص على المال إلا تضييعُ العُمر الشريف، الذي لا قيمة له في طلب رزق يتركه لغيره، ويبقى الحساب عليه؛ لكفى بذلك ذَمًّا للحِرْص. وفي بعض الآثار الإسرائيلية: الرِّزق مَقسومُ، والحريصُ مَحرومٌ، ابنَ آدم؛ إذا أفنيت عُمُرك في طلب الدنيا؛ فمتى تطلب الآخرة؟! أنشد بعضُهم : الحِرْصُ دَاءٌ قَدْ أَضرَّ بمَنْ تَرى إلاَّ القَلِيلا ستُ الحِرْصَ صَيَّرَهُ ذَلِيلا كَمْ مِن عَزِيزٍ قَدْ رَأَيْـ ــذَرْ أَنْ تَكُوَن لها قَتِيلا وتَجنّبِ الشَّهَواتِ واحْـ قَدْ أَورَثَتْ حُزْناً طَوِيلا فَلَرُبَّ شَهْوَةِ سَاعَةٍ النوع الثاني من الحِرْص على المال: أن يطلبَه من الوجوه المُحرَّمة ويمنع حُقوقَه الواجبة، فهذا من الشُّحِّ المذموم، قال تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُعَ نَفْسِهِ، (١) رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٥٣١٧)، وهو حديث حسن. انظر: ((مجمع الزوائد» للهيثمي (١٠ / ٢٥٠). ٢٢٦ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: ٩]، وقد قيل: إن المعاصيَ كُلَّها من الشحِّ، وأما حرصُ المَرء على الشَّرف: فهو أشدُّ هلاكاً من الحِرص على المال؛ إذ المالُ يبذل في طلب الرِّياسة والشرف، والحِرصُ على الشَّرف قسمين: أحدهما: طلبُ الشرف بالولاية والسُّلطان، وهو في الغالب يمنع خيرَ الآخرة وشرفها. والثاني: طلبه بالأُمور الدِّينية؛ كالعلم، والعمل، والزُّهد، وهذا أفحشُ من الأول، وأشدُّ فساداً، وأخطر؛ ففي ((السنن)) عن النبيِّ وَّم قال: ((مَنْ طلبَ العِلْمَ لِيُمَاِي به السُّفَهَاءَ، أو ليُجَارِيَ به العُلماءَ، أو يَصْرفَ به وُجوهَ النَّاسِ إِلَيْه؛ أَدخلَهُ اللهُ النَّارَ))(١). وما أحسن قول أبي الفتح البُسْتِيِّ: يَتَشِوَّفَانِ بِخُلْطَةٍ وتَلاقِي أَمْرَانِ مُفتَرقانٍ لَسْتَ تَراهُما فدَعِ الَّذِي يَفْنَى لمَا هُوَ بَاقِي طَلبُ المَعَادِ معَ الرِّياسَةِ والعُلاَ ٤٨٦ - وعن عبدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍَُه، قال: نَمَ رَسُولُ اللهِ وَه على حَصِيرٍ، فَقَامَ وَقَدْ أَثِّرَ فِي جَنْبِهِ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِا لَوٍ اتَّخَذْنَا لَكَ وِطَاءً! فقالَ: ((مَا لي وَلِلدُّنْيًا؟! مَا أنَاَ في الدُّنْيَا إِلاَّ كَرَاكِبِ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وتَرَكَهَا»، رواه الترمذي، (١) رواه الترمذي (٢٦٥٤) من حديث كعب بن مالك ه، وابن ماجه (٢٥٣) من حديث ابن عمر ﴾. وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٦٣٨٣). ٢٢٧ وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. [الثَّلَّتُونَ) * قوله لي: «ثم راح وتركها»: (ط): أي: ليس حالي مع الدنيا إلا كحال راكب مُستَظلٌّ، وهو من التشبيه التمثيليٍّ، ووجه التشبيه سُرعةُ الرحيل، وقِلَّة المُكْثِ، ومِن ثَمَّ خُصَّ الرَّاكبُ، واللام في ((وللدنيا» مُقْحَمةٌ؛ للتأكید، إن کان الواو بمعنى (مع)، وإن كان للعطف؛ فتقديره: مالي وللدنيا، وما للدنيا معي؟! انتهى(١). قيل: هذا الكلام منه وَّ﴿ تحقيرٌ للدنيا؛ أي: مَثلي ومَثلُ الدنيا كالمُسافر نزل في حَميم الهَاجرة تحت شجرة يستظلُّ بها، ثم راح وتركها غيرَ مُلتَفِت إليها، فينبغي للمُوفَّق أن لا يكترث بها بأكثرَ من المَقِيل تحتَها. قال الأوزاعيُّ: ما بقيَ من الدنيا إلا كذَنَب العقرب فيها سُمُّها وحُمَتُها. أنشد بعضُهم : قَضَى وَطَراً مِنْ حَاجَةٍ ثُمَّ هَجَّرا ألا إنَّما الدُّنْيَا مَقِيلٌ لعَابرٍ ٤٨٧ - وعن أبي هريرةَ ◌َ ◌ُه، قال: قالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾: (يَدْخُلُ الفُقَرَاءُ الجَنَّةَ قَبْلَ الأَغْنِيَاءِ بِخَمْسٍ مِائَةٍ عَامٍ))، رواه الترمذي، وقال: حديثٌ صحيحٌ. (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠/ ٣٢٩٠). ٢٢٨ الَّادِي وَ الثلاثون * قوله: ((بخمس مئة عام)): (شف): فإن قلت: كيف التوفيق بين هذا الحديث(١) وبين قوله واله: ((إن فُقَراءَ المُهَاجِرِينَ يَسبِقُونَ الأَغْنِيَاءَ يومَ القِيامَةِ إلى الجَنَّةِ بِأَرْبَعينَ خَرِيفاً))، رواه مسلم؟(٢) قلت: يمكن أن يكون المراد من الحديث الصحيح: أغنياءُ المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفاً، ومن الحديث الآخر: الأغنياءُ الذين ليسوا من المهاجرين، فلا تناقض. وقال في: ((جامع الأصول)): الجمع بينهما: أن الأربعين أراد بها تقدُّمَ الفقير الحَريص على الغنيِّ الحريص، وأراد بـ ((خمسمائة)) تقدُّمَ الفقير الزاهد على الغنيِّ الراغب، فكان الفقير الحريصُ على درجتين من خمس وعشرين درجة من الفقير الزاهد، وهذه نسبة الأربعين إلى الخمسمائة، ولا يظنَّ أن هذا التقديرَ وأمثاله يجري على لسان النبيِّ وَّ جُزافاً، ولا بالاتفاق، بل لسِرٍّ أدركه، ونِسْبَةٍ أحاط بها علمُه؛ فإنه ◌َّهِ ما يَنطِقُ عن الهوى(٣). (ق): وجه الجمع: أن يقال: يدخل الجنةَ فقراءُ كل فريق قبل أغنيائهم بالمقدار المذكور، فيدخل فقراءُ المُهاجرين قبل أغنياء المُهاجرين بأربعين خريفاً، ويدخل فُقراءُ المُسلمين من كل قَرْنٍ قبل أغنيائهم (١) في الأصل: ((الحديثين)). (٢) رواه مسلم (٢٩٧٩) من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص (٣) انظر: ((جامع الأصول)) لابن الأثير (٤ / ٦٧٢ - ٦٧٣). ٢٢٩ بخمسمائة عام، ويحتمل أن يقال: بأن سُبَّاقَ الفقراء يسبقون سُبَّاق الأغنياء بأربعين عاماً، وغير سُبَّاق الأغنياء بخمسمائة عام؛ إذ في كل صنف من الفریقین سُبَّاق. هذا الحديث فيه حُجَّةٌ واضحة على تفضيل الفقر على الغِنى، ويتقرر ذلك من وجهين: أحدُهما: أن النبيَّ وَّ﴿ قال هذا؛ ليَجبُرَ [كسرًا قُلوبِ الفقراء ويُهُّونَ عليهم ما يجدونه من مَرارة الفقر وشدائده بمَزيَّة تحصل لهم في الدار الآخرة على الأغنياء؛ عِوَضاً لهم عمَّا حُرموه من الدنيا. وثانيهما: أن السَّبْقَ إلى الجنة ونعيمها أَوْلَى من التأخّر عنها، ومن المُقام في تلك الأهوال بالضّرورة، فهو أفضل، فلا يُلتفت إلی قول من قال إن السَّبقَ إلى الجنة لا يدل على أفضلية السابق، وزَخرف ذلك؛ بأن النبيَّ ◌َّ أفضلُ الخليقة، ومع ذلك؛ فدُخوله الجنة مُتأخِّرٌ عن دخول هؤلاء؛ إذ هو في أرض القيامة تارة عند الميزان، وتارة عند الصِّراط، وتارة عند الحَوْض؛ كما صَحَّ ذلك عنه، وهذا قولٌ باطل صدر عَمَّن هو بالنقل جاهل، فكأنه لم يسمع قولَه ◌َّهِ: ((أنا أَوَّلُ مَن يَقْرَعُ بابَ الجَنَّةِ»، فيقول الخَازِنُ: مَن أنت؟ فأقول: (أنا مُحمَّدٌ))، فيقول الخَازِنُ: بك أُمِرْتُ، لا أفتحُ لأحدٍ قبلكَ(١). وعلى هذا: فيدخل هو ◌َِّ الجَنَّةَ، ويُبوِّى الفُقراءَ منازلَهم، ثم يرجع إلى أرض القيامة، ليُخلِّصَ أُمَّته؛ لما جعل الله في قلبه من الشَّفقة عليهم، والرَّأفة بهم، وهو مع ذلك [في] أعلى نَعِيم الجَنَّة، والجَاه الذي لم ينله (١) رواه مسلم (١٩٧) من حديث أنس ظـ ٢٣٠ غيرُه؛ من المَقام المَحمُود. قال القاضي عياضٌ: ويحتمل أن هؤلاء السابقين إلى الجنة يَتنعَّمون في أَفْنِيَتها وظِلالها، ويتلذَّذون بما هُم فيه إلى أن يدخل مُحمدٌ وَله بعد تمام شفاعته، ثم يدخلونها معه على قَدْر منازلهم وسَبْقِهم. قلت: ولا يُحتاج إلى هذا التقدير؛ لأن الذي هو فيه من التنقُّم بما ذكرناه أعلى وأشرفُ مِمَّا هم فيه، فلا يكون سَبْقُهم لأدنى النعيمين أَشرفَ مِمَّن سبق إلى أعظمها، وهذا واضح(١). (ش): تختلف مُدَّة السَّبْق بحسَب أحوال الفقراء والأغنياء، فمنهم مَن يسبق بأربعين خريفاً، ومنهم من يسبق بخمسمائة عام، كما يتأخر مُكْثُ العُصاة من المُوحِّدين في النار بحسَب جزائهم، ولكن هاهنا أمرٌ يجب التنبيهُ عليه، وهو: أنه لا يلزم من سَبْقِهم في الدخول ارتفاعُ منازلهم عليهم، بل قد يكون المُتأخّر أعلى منزلةً، وإن سُبق في غير الدخول، والدليل على هذا أن مِن الأُمَّة مَن يدخل الجنة بغير حساب، وهم سبعون ألفاً، قد يكون بعضُ مَن يُحاسب أفضلَ من أكثرهم، والغنيُّ إذا حُوسب على غناه، فوُجدَ قد شكر اللهَ فيه، وتقرَّب إليه بأنواع البِرِّ والخير، والصَّدقة والمعروف؛ كان أعلى درجةً من الفقير الذي سبقه في الدخول، ولم يكن له تلك الأعمالُ لا سيَّما إذا شاركه الغنيُّ في أعماله وزاد عليه فيها، والله لا يُضِيعُ أجرَ مَن أحسن عملاً، فالمَزِيَّة مزيتان؛ مَزِيَّة سَبْق، ومَزِيَّة رِفْعَة، وقد يجتمعان، وينفردان، فيحصل للواحد السَّبْقُ والرِّفعةُ، ويُعدَمهُما آخرُ ويحصل لآخر السَّبْقُ دون الرِّفعة، (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٣٥ - ١٣٧). ٢٣١ ولآخرَ الرِّفعةُ دون السَّبْق، وهذا بحسَب المُقتضِي للأمرين، أو لأحدهما، وعَدمِه، وبالله التوفيق(١). *، عن ٤٨٨ - وعنِ ابنِ عَبَّاسٍ، وعِمْرَانَ بْنِ الحُصَيْنِ النبيِّ وَّه قالَ: ((اطَّلَعْتُ فِي الجَنَّةِ، فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الفُقَرَاءَ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ، فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ»، متفقٌ عليه من رواية ابن عباسٍ. ورواه البخاري أيضاً من روايةٍ عِمْرَانَ بْنِ الحُصَيْنِ . 3. * قوله وتيفر: ((اطلعت في الجنة)): (ط): ضَمَّن ((اطلعت)) معنى: (تأملت)، و(رأيت) بمعنى علمت؛ ولذا عَدَّاه إلى مفعولين، ولو كان بمعناه الحقيقيِّ؛ كفاه مفعولٌ واحد، انتھی(٢). * قوله عليه: «فرأيت أكثر أهلها النساء)): وورد في الصَّحيح في صفة أهل الجَنَّة: لكُلِّ واحد منهم زوجتان، وسيأتي وجهُ الجَمْعِ بينهما في آخر باب من هذا الكتاب. (١) انظر: ((حادي الأرواح)) لابن القيم (ص: ٨١). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٣١٠). ٢٣٢ ٤٩٠ - وعن أبي هُريرةَ ﴾، عن النبيِّوَإِ، قال: ((أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللهَ بَاطِلُ))، متفقٌ عليه . [الثَّالِوَالتَّلَتُونَ * قوله : «أصدق كلمة»: (ن): المُراد بالكلمة هاهنا: القطعةُ من الكلام، والمراد بالباطل: الفاني المُضْمَحِلُ، وفيه مَنْقبةٌ للَبِيد، وهو لَبِيدُ بن ربيعة، صحابيُّ ◌َ﴾(١). (ط): إنما كان أصدقَ؛ لأنه مُوافقٌ لأصدق الكلام، وهو قوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴾ [الرحمن: ٢٦](٢) . (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ١٢ - ١٣). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٠٩٩). ٢٣٣ ٥٦- بس ٥٦ فضلِ الجوعِ وخشونةِ العيشِ والاقتصارِ على القليلِ من المأكولِ والمشروبِ والملبوسِ وغيرِها من حظوظ النفسِ وتركِ الشهواتِ * قال الله تعالى: ﴿َلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُّ أَضَاعُواْ الصَّلَوَةَ وَأَتَّبَعُواْ الشَّهَوَتِّ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥ إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَِحًا فَأُوْلَكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٥٩ -٦٠]. * وقال تعالى: ﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، فِ زِينَتِهِّ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ اُلْحَيَوَةَ الدُّنْيَا يَلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوِى قَرُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍ عَظِيمٍ ) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اَللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾ [القصص: ٧٩ - ٨٠]. * وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَؤْمَيِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾ [التكاثر: ٨]. ، وقال تعالى: ﴿مِّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن تُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُجَهَنَّمَ يَصْلَئِهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨]. والآياتُ في البابِ كثيرةٌ مَعْلُومَةٌ . ٢٣٤ (الباب السادس والخمسون) (في فضل الجُوع وخُشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حُظوظ النفس وترك الشهوات) : قوله تعالى: ﴿َلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُ أَضَاعُواْ الصَّلَوَةَ وَأَتَّبَعُواْ الشَّهَوَتِّ﴾ [مريم: ٥٩]، لما ذكر حِزْبَ السُّعداء، وهم الأنبياء عليهم السلام، ومن اتبعهم من القائمين بحُدود الله؛ ذكر أنه خلف من بعدهم خَلْف؛ أي: قُرونٌ أضاعوا الصلاةَ، وإذا أضاعوها؛ فهم لما سواها من الواجبات أَضْيَعُ؛ لأنها عِمادُ الدِّين وقِوامُه، وأقبلوا على شهوات الدنيا ومَلاذِها، ورضوا بالحياة الدنيا، واطمأنوا بها، فهؤلاء سَيلقَوْن غَيّاً؛ أي: خساراً يوم القيامة . واختلفوا في المراد بإضاعة الصلاة، فقيل: تركها بالكُلُّية، واختاره ابن جرير، وقيل: هي إضاعة المواقيت، ولو كان تركاً كان كفراً، وقرأ عمر ابن عبد العزيز هذه الآيةَ، فقال: لم يكن إضاعتُهم تركَها، ولكن أضاعوا الوقتَ، وقال مُجاهد في هذه الآية: عند قيام الساعة، وذهاب صالحي أُمَّة محمد ◌َِّ يَنْزُو بعضُهم على بعض في الأزِقَّةَ، وقال الحسنُ البصريُّ: عَطَّلُوا المساجدَ، ولزموا الضَّيْعَات. وقيل: أوحى الله إلى داود عليه السلام: يا داود؛ حَذِّر وأنذر أصحابَك أكلَ الشَّهَوات؛ فإن القلوبَ المُعلَّقة بشهوات الدنيا عُقولُها عَنِّي محجوبةٌ، وإن ٢٣٥ أهونَ ما أصنع بالعبد من عبيدي إذا آثرَ شهوةً من شهواته عليَّ؛ أَن أَحْرِمَه طاعتي. وقال ابن عباس: ﴿غَيًّا﴾؛ أي: خُسراناً، وقال قتادة: شراً، وروي عن ابن مسعود أنه واد في جهنم بَعِيدُ القَعْر، خبيث الطَّعْم. روى ابن جرير عن أبي أمامةَ: أن رسولَ اللهِوَّه قال: ((لَوْ أَنَّ صَخْرَةً زِنةَ عَشرةٍ أَوَاقٍ قُذِفَ بها من شَفِير جَهنَّمَ؛ ما بلغت قَعْرَها خَمْسِينَ خَرِيفاً، ثم تَنْتَهِي إلى غَيِّ وأثَامٍ))، قلت: وما غَيِّ وأثامٌ؟ قال: ((بِرَانِ فِي أَسْفَلِ جَهَّمَ، يَسيلُ فِيهِمَا صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ، وهُما اللَّذان ذَكرَهُما اللهُ في كتابه ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]، وقوله في (الفرقان): ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ﴾ [الفرقان: ٦٨]، هذا حديث غريبٌ، ورفعه مُنكرّ(١). وقوله: ﴿إِلَّا مَن تَابَ﴾ [مريم: ٦٠]؛ أي: إلا مَن رجع عن ترك الصلاة، واتباع الشهوات؛ فالله يقبل توبتهَ، ويُحسِنُ عاقبتَه؛ وذلك أن التوبةَ تجُبُّ ما قبلها، وأن التائب من الذنب كمن لا ذنبَ له، ولا يُنقَص هؤلاء التائبون من أعمالهم التي عملوها شيئاً، ولا قُوبلوا بما عملوا بعدها من المعاصي؛ لأن [ذلك] ذهب هَذْراً، وتُرك نَسْياً؛ من كرم الكريم، وحِلْم الحليم. (م): يقال في عَقِب الخير: خلف بفتح اللام، وفي عَقِب الشرِّ: خَلْف بالسُّكون(٢). وقوله: ﴿وَأَتَّبَعُواْ الشَّهَوَتِّ﴾ [مريم: ٥٩]، قال ابن عباس: هم اليهود، (١) رواه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) (١٦ / ١٠٠)، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (٢١٤٧). (٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢١ / ٢٠١). ٢٣٦ تركوا الصلاة المفروضة، وشربوا الخمرَ، واستحَلُّوا نكاحَ الأُخت من الأب. * قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، فِ زِينَتِهٌ﴾ [القصص: ٧٩]، يقول تعالى مُخبراً عن قارونَ: إنه خرج ذات يوم على قومه في زينة عظيمة، وتَجمُّل بَاهر؛ من مراكبَ وملابسَ عليه، وعلى خَدَمِهِ وحَشَمِهِ، فلما رآه من يُريد الحياةَ الدنيا، ويَميلُ إلى زُخرفها وزينتها؛ تمنَّوا أَنْ لو كان لهم مثلُ الذي أُعطي، وقالوا: إنه لذو حَظّ وافر من الدنيا، فلمَّا سمع مَقالتَهم أهلُ العلم النافع، قالوا لهم: ﴿َوَيَكُمْ تَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾ [القصص: ٨٠]؛ أي: جزاءُ الله لعباده المؤمنين الصالحين في الدار الآخرة خيرٌ مِمَّا تَرَوْنَ، وما يُلقَّى الجنةَ إلا الصابرون، قاله السُّدِّي، وكأنه جعل ذلك من تمام كلام الذين أُوتوا العلم، وقال ابن جرير: وما يُلقَّى هذه الكلمةَ إلا الصابرون عن محبة الدنيا، الراغبون في الدار الآخرة، وكأنه جعل ذلك مقطوعاً من كلام أُولئك، وجعله من كلام الله ثَ، وإخباره بذلك. (الكشاف): ﴿فِيِ زِينَتِهٌِ﴾ قال الحسنُ: في الحُمرة والصُّفرة، وقيل: خرج على بَغْلةٍ شَهْباء، عليه الأُرْجُوان، وعليها سَرْجٌ من ذهب، ومعه أربعة آلاف على زِيِّه وقيل: عليهم وعلى خيولهم الدِّيباج الأحمرُ، وعن يمينه ثلاثمائة غلام، وعن يساره ثلاثُمائة جاريةٍ بيضٍ، عليهن الحُليُّ والدِّيباج، وقيل: في تسعين ألفاً، عليهم المُعَصْفَراتُ، وهو أول [يوم] رُئِّيَ فيه المُعصفَر، و(الحظ)) الجَدُّ، وهو البَخْت، يقال: ما الدُّنيا إلا أَحَاظُ وجُدود، ((ويلك)): أصله الدعاء بالهلاك، ثم استُعمل في الزَّجْر والرَّدْع والبَعْث على ٢٣٧ ترك ما لا يُرتضى(١). * قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَؤْمَيِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]، سبق في الباب قبله. قوله تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاِلَةَ عَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَنْ تُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨]، يخبر تعالى أنه ما كُلُّ مَن طلب الدنيا وما فيها مِن النعيم؛ يحصُل له، بل إنما يحصل لمَن أراد الله ما يشاء ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُجَهَنَّمَ﴾؛ أي: في الدار الآخرة، ﴿يَصْلَنهَا﴾ [الإسراء: ١٨]؛ أي: يدخلها حتى تَغْمُرُه من جميع جوانبه ﴿مَذْمُومًا﴾ على سُوء تصرُّفه وصنيعه؛ إذ اختار الفانيَ على الباقي، ﴿مَّدْحُورًا ﴾ مُبْعَداً، مَقْصِيَّاً، حقيراً، ذليلاً، مَهِيناً. وفي ((مسند أحمد)) عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسولُ الله ◌ٍَّ: ((الدُّنيا دَارُ مَنْ لا دارَ لَهُ، ومَالُ مَن لا مَالَ لَهُ، ولها يَجْمَعُ مَن لا عَقْلَ لَهُ» (٢). (الكشاف): قيد بقيدين، أحدُهما: تقييد المُعجَّل بمشيئته، والثاني: تقييد المُعجَّل له بإرادته، وهكذا الحال، ترى كثيراً من هؤلاء يتمنَّون ما يتمنَّون، ولا يُعطَوْن إلا بعضاً منه، وكثيراً منهم يتمنَّون ذلك البعض، وقد حُرموه، فاجتمع عليهم فقرُ(٣) الدنيا، وفقرُ الآخرة، وأما المؤمن التقي: فقد اختار غِنى الآخرة، فما يبالي أُوتي حَظًّا من الدنيا، أم لم يُؤْتَ، فإن أُوتِيَ فيها، وإلا؛ فربما كان الفقرُ خيراً له، وأعونَ على مُرداه. وقوله: ﴿لِمَنْ تُّرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨] بدلٌ مِن ﴿لَهُ﴾، وهو بدل البعض (١) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٣/ ٤٣٦ - ٤٣٧). (٢) رواه الإمام أحمد في «المسند)) (٦ / ٧١)، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)» (٣٠١٢). (٣) في الأصل: ((فقراء)) في الموضعين، والمثبت من ((الكشاف)). ٢٣٨ من الكُلِّ؛ لأن الضمير يرجع إلى ﴿مَّن﴾، وهو في معنى الكَثْرةِ(١). ٤٩١ - وعنْ عائشةَ رضي الله عنها، قالت: مَا شَبعَ آلُ مُحَمَّدٍ ◌َ﴿ مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى قُبِضَ، متفقٌ عليه. وفي رواية: مَا شَبِعَ آلُ مُحمَّدٍ ﴿ مُنْذُ قَدِمَ المَدِينَةَ مِنْ طَعَامِ البُرِّ ثَلاَثَ لَيَالٍ تِبَاعاً حَتَّى قُبِضَ. ٤٩٢ - وعَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عائشةَ رضي الله عنها: أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: وَاللهِ يَا بْنَ أُخْتِي! إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الِهِلالِ، ثُمَّ الِهِلالِ، ثُمَّ الهِلالِ: ثَلاَثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوْقِدَ في أَبَيَاتِ رَسُولِ اللهِ، نَاَرٌ، قُلْتُ: يَا خَالَةٌ! فَمَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتِ: الأَسْوَدَانِ: الثَّمْرُ، وَالمَاءُ، إِلاَّ أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ جِيرانٌ مِنَ الأَنْصَارِ، وَكَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ، وكَانُوا يُرْسِلُونَ إِلَى رَسُولِ اللهِنَّهِ مِنْ أَلْبَانِها، فَيَسْقِينا، متفق عليه . ٤٩٣ - وعَنْ أَبي سَعيدِ المَقْبُرِيِّ، عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾: أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ شَاءٌ مَصْلِيَّةٌ، فَدَعَوْهُ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ، وقال: خَرجَ رَسُولُ اللهِوَهِ مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعيرِ، رواه البخاري. (١) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٢/ ٣١٦). ٢٣٩ ((مَصْلِيَّةٌ)) بفتحِ الميم: أَيْ: مَشْوِيَّةٌ. ٤٩٤ - وعن أَنَسٍ ، قالَ: لَمْ يَأْكُلِ النَّبِيُّ ◌َهُ عَلى خِوَانٍ حَتَّى مَاتَ، وَمَا أَكَلَ خُبْزاً مرَقَّقاً حَتَّى مَاتَ، رواه البخاري. وفي روايةٍ له: وَلاَ رَأَى شَاةَ سَمِيطاً بِعَيْنِهِ قَطُّ . ٤٩٥ - وعنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ ﴾، قالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ نَبِيَّكُمْ وَّه ومَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ ما يَمْلأُ بِهِ بَطْنَهُ، رواه مسلم. الدَّقَلُ: تَمْرٌ رَدِيءٌ. ٤٩٦ - وعَنْ سَهْلِ بْنِ سعدٍ ﴿ه، قال: ما رَأَى رَسُولُ اللهِ وَلـ النَّقِيَّ مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ اللهُ تَعالَى حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ تَعَالَى، فَقِيلَ لَهُ: هَلْ كَانَ لَكُمْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِوَهِ مَنَاخِلُ؟ قالَ: مَا رَأَى رَسُولُ اللهِ وَّ مُنْخُلاً مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ اللهُ تَعالَى حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ تَعالَى، فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ الشَّعِيرَ غَيْرَ مَنْخُولٍ؟ قالَ: كُنَّا نَطْحَنُهُ، وَنَنْفُخُهُ، فَيَطِيرُ ما طارَ، وما بَقِيَ ثَرَّيْناهُ، رواهُ البخاري. قوله: ((النَّقِيّ)): هو بفتح النون وكسر القاف وتشديد الياء، وهُوَ: الخُبْزُ الحُوَّارَى، وَهُوَ: الدَّرْمَكُ. قوله: (ثَرَّيْنَاهُ»: هُوَ بثاءٍ مُثَلَّثَةٍ، ثُمَّ راءٍ مُشَدَّدَةٍ، ثُمَّ ياءِ مُثَنَّاةٍ مِنْ تحت ثمَّ نون: أيْ: بَلَلْنَاهُ وَعَجَنَّاهُ. ٢٤٠