Indexed OCR Text
Pages 101-120
فقوله ◌َّه: ((حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؛ أن لا يعذبهم)) إشارةٌ إلى
أن هذا لا يَستعِقبُ إلا رفعَ العِقاب، وأما حصولُ الدرجات السَّنِيّة؛ فلا يصل
إليها إلا العاملون، ولا يشرب من عينها العَذْبةِ إلا المُقرَّبون، فالشقِيُّ يستصعبها،
والسعيد يسعى إليها(١).
قوله: ((أفلا أبشر الناس؟)):
(ط): (البِشَارة): إيصال خير إلى أحد، يظهر السُّرور منه على بشرته،
وأما قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيٍ ﴾ [التوبة: ٣٤]: فمن الاستعارة
التهكُّمِيَّة، والاتكال: الاعتمادُ على الشيء؛ من الوَكْلَ، والوُكْلَةِ، ومنه الوكالة،
وأما إخبار مُعاذ الناسَ مع هذا النهي: فقد سبق الجواب عنه في (الحديث
الرابع) من هذا الباب(٢).
٤٢٧ - وعَنِ البَرَاءِ بْنِ عازِبٍ عَ﴾، عن النبيِّ نَّهِ، قالَ: ((المُسْلِمُ
إِذَا سُئِلَ في القَبْرِ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وأَنْ مُحَمَّداً رَسولُ اللهِ،
فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُتَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]»، متفقٌ عليه.
ءِ
* قوله ريلفي: ((إذا سئل)):
(ط): المسؤول عنه مَحذوفٌ؛ أي: عن رَبِّه ونبيِّه، والفاء في ((فذلك))
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤٧٧).
(٢) المرجع السابق (٢ / ٤٧٣).
١٠١
سببية، ولفظ (ذلك) إشارة إلى سرعة الجواب التي يعطيها جَعْلُ الظرف
معمولاً لـ «یشهد) يعني : إذا سُئل؛ لم يتلعثم، ولم یتحيّر کالكافر، بل يُجيب
بديهاً بالشهادتين، وذلك دليلٌ على ثباته عليه، واستقراره على كلمة التوحيد
في الدنيا، ورُسوخها في قلبه؛ ولذلك أتى بلفظ الشهادة؛ لأنها لا تَصدُر إلا
عن صَمِيم القلب، ومُطابقة الظاهر الباطن.
ونظير هذه الفاءِ الباءُ في قوله تعالى: ﴿بِالْقَوْلِ الشَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]،
والتعريف فيه إشارةٌ إلى قوله تعالى: ﴿مَثَلًا كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ كَشَجَرَقْ طَيِّبَةٍ
أَصْلُهَا ثَابِتُ وَفَرْعُهَا فِ السَّمَآِ﴾ [إبراهيم: ٢٤]، وهي كلمة التوحيد، وعن ابن
عباس ظه: شهادة أن لا إله إلا الله، وثبوتُها تمكُّنها في القلب، واعتقاد
حقيقتها، واطمئنان القلب بها، وتثبيتهم في الدنيا: أنهم إذا فُتِنوا؛ لم يَزِلُّوا
عنها، وإن أُلقوا في النار، ولم يرتابوا بالشُّبُهات، وتثبيتُهم في الآخرة:
أنهم إذا سُئلوا في القبر؛ لم يتوقفوا في الجواب، وإذا سُئلوا في الحشر
وعند مَوقف الإشهاد؛ لم يُبْهَتُوا من أهوال الحشر، وأعاد الجارَّ في قوله:
﴿وَفِ الْآَخِرَةِ﴾؛ ليدُلَّ على استقلاله في التثبيت؛ فإن قلت: ليس في الآية
ما يدل على عذاب المؤمن، فما معنى ما ورد في الصَّحيح: أن هذه الآية
نزلت في عذاب القبر؟
قلت: لعله غَلَّب فتنة الكافر على فتنة المؤمن؛ ترهيباً وتخويفاً،
ولأن القبر مقام الهَوْل والوَحْشة، ولأن مُلاقاةَ الملَكين مِمَّا يُهِيبُ المُؤمنَ،
انتھی .
أو يقال: مُراده: أن هذه الآية بتمامها نزلت في عذاب القبر؛ فإن الإضلالَ
١٠٢
مُستَعقِبٌ للعذاب، فإن قيل: أي مناسبة لهذا الحديث بباب(١) الرجاء؟
يقال: يستفاد ذلك من وجهين:
أحدهما: وعده الحق، وهو قوله: ﴿ يُثَبِّتُ ﴾ [إبراهيم: ٢٧]؛ أي: هو
فاعل ذلك لا مَحالةَ، فَيُتْبِّهم في هذه الدار المَشحُونة بالأكدار على التوحيد
والإيمان، وفي البرزخ حتى يجعل قبرَهم روضةً من رياض الجنان.
ثانيهما: أنه رتَّب التثبيتَ للمؤمنين بالقول الثابت في الدارين على
مُجرَّد الإيمان، ولم يُقيِّده بحصول عمل صالح معه، فأفاد أن مَن صدق
عليه أنه من الذين آمنوا؛ يُرجى أن يُثْبَّت(٢).
٤٢٨ - وعَنْ أَنَسِ ﴿ه، عن رَسُولِ اللهِ لِ، قال: ((إِنَّ
الكَافِرَ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً، أُطْعِمَ بِهَا ◌ُعْمَةً مِنَ الدُّنْيَا، وَأَمَا المُؤْمِنُ،
فَإِنَّ الله تَعَالَى يَدَّخِرُ لَهُ حَسَنَاتِهِ فِي الآخِرَةِ، وَيُعْقِبُهُ رِزْقاً في الدُّنْيَا
عَلَى طَاعَتِهِ».
وفي روايةٍ: ((إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مُؤْمِناً حَسَنَةً، يُعْطَى بِهَا في
الدُّنْيَا، وَيُجْزَى بِهَا فِي الآخِرَةِ، وَأَمَّا الكَافِرُ، فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتٍ مَا
عَمِلَ للهِ تعالى في الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآخِرَةِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ
حَسَنَةٌ يُجْزَی بِهَا»، رواه مسلم.
(١) في الأصل: ((بيان)).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٥٨٧).
١٠٣
(ن): أجمع العلماء على أن الكافر الذي مات علی کفره لا ثواب له في
الآخرة، ولا يُجازى فيها بشيء من عمله في الدنيا مُتَقرَّباً به إلى الله تعالى مِمَّا
لا يفتقر صِحَّتُه إلى النية؛ كصلة الرَّحِم، والصدقة، والعِثْق، والضِيّافة،
وسُبُل الخيرات ونحوها؛ من فَكِّ الأسير، وإنقاذ الغريق، وأما المؤمن:
فيُدَّخَر له حسناتُهُ وثوابُ أعماله إلى الآخرة، ويُجزى بها مع ذلك أيضاً في
الدنيا، ولا مانع من جزائه في الآخرة، وقد ورد الشرع به، فيجب اعتقاده،
انتھی.
هذا الحديث كأنه تفسيرٌ لقوله تعالى: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا
وَزِيَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِهَا وَهُمْ فِهَا لَا يُبْخَسُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِالْآَخِرَةِإِلَّا
النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيَهَا وَبَطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ -١٦](١).
* قوله ◌َلي: «إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة)):
(ق): معناه: لا يترك مُجازاتِه بشيء من حسناته، والظّلمُ يطلق بمعنى
النَّقْص، وحقيقة الظلم مُستحيلةٌ على الله، ومعنى ((أفضى إلى الآخرة)): صار
إليها(٢).
(حس): ((لا يظلم))؛ أي: لا ينقص، وهو يتعدى إلى مفعولين، أحدهما
((مؤمناً) والآخر ((حسنة))(٣).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ١٥٠).
(٢) المرجع السابق، الموضع نفسه .
(٣) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١٥ / ١٣١).
١٠٤
(ط): تحرير المعنى: أن المؤمن يجزيه الله الجزاءَ الأَوْفى في الآخرة؛
ولذلك قال: ((يجزى بها))، وما يناله في الدنيا من رَغَد العَيْش المُشار إليه
بقوله: ﴿فَلَتُحْيِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَّةٌ ﴾ [النحل: ٩٧] هو فضلٌ من الله وإحسان؛
ولذلك قال: ((يعطى))، وأما الكافر: فيجزيه الله الجزاءَ الأَوفَى في الدنيا،
وماله في الآخرة من نصيب، وإليه نظر قوله تعالى: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ
اَلْآَخِرَةِ فَزِدْ لَهُ فِ حَرْئِ، وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْتَ الذُّنْيَا نُؤْتِهِ، مِنْهَا وَمَا لَهُ فِى الْآخِرَةِ مِن
تَّصِيبٍ ﴾ [الشورى: ٢٠](١) .
٤٢٩ - وعن جابرٍ ﴿ه، قال: قالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((مَثَلُ
الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ كَمَثَلِ نَهْرٍ جَارٍ غَمْرٍ عَلَى بَابٍ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ
مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ))، رواه مسلم.
((الغَمْرُ)): الكَثِيرُ.
٧،٠
٧ سروع
(غب): ((النهر)): مَجرى الماء الفائض، وجمعه أنهار(٢).
(ن): ((الغمر)) بفتح الغين المعجمة وإسكان الميم، وقوله: ((على
باب أحدكم)) إشارةُ إلى سهولته، وقُرب متناوله(٣).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٧٣).
(٢) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٥٠٦).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥ / ١٧٠).
١٠٥
(ك): فائدة هذا التمثيل: التأكيد، وجعل المعقول كالمحسوس(١).
(ق): ظاهر الحديث: أن الصلوات بانفرادها تستقل بتكفير جميع
الذنوب كبائرها وصغائرها، وليس كذلك لما ثبت: في الصحيح: أن
الصلاة إلى الصلاة مُكفِّراتٌ لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر (٢)، فدل ذلك على
أن المُكفَّر بالصلوات هي جميعُ الصغائر إن شاء الله تعالى(٣).
٤٣٠ - وعنِ ابنِ عَبَّاسِ ﴾، قال: سمعتُ رَسُولَ اللهِ وَه
يقولُ: ((مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلاً
لا يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئاً، إِلاَّ شَفَّعَهُمُ اللهُفِيهِ»، رواه مسلم.
(الثَّامِ عَبَشَ)
٧٧,
(ن): في رواية لمسلم: ((مَا مِنْ مَيتٍ يُصلِّي عليه أُمَّةٌ من المُسلمين
يبلغون مئةً، كُلُّهم يَشفَعُونَ له إلا شُفِّعُوا فيهِ) (٤)، وفي حديث آخر ((ثلاثةُ
صُفوفٍ))، رواه أصحابُ ((السنن))(٥).
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٤ / ١٨٣).
(٢) رواه مسلم (٢٣٣/ ١٦)، من حديث أبي هريرة ﴾.
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٢٩٤).
(٤) رواه مسلم (٩٤٧ / ٥٨)، من حديث عبدالله بن يزيد ﴾ .
(٥) رواه أبو داود (٣١٦٦)، والترمذي (١٠٢٨)، وابن ماجه (١٤٩٠)، من حديث
مالك بن هبيرة . وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٥٢٢٠).
١٠٦
قال القاضي: قيل: هذه الأحاديث خرجت أَجوبةً لسائلين سألوا عن
ذلك، فأجاب كلَّ واحد عن سؤاله هكذا، ويحتمل أن يكون وَي أُخبر
بشفاعة مائة، فأخبر به، ثم بقبول شفاعة أربعين، ثم ثلاثة صفوف، وإن
قَلَّ عدَدُهم فأخبر به، ويحتمل أيضاً أن يقال: هذا مفهومُ عدد، ولا يَحتجُّ
به جماهيرُ الأُصوليين، فلا يلزم من الإخبار عن قَبول شفاعة مائة مَنْعُ ما
دون ذلك، وكذا في الأربعين مع ثلاثة صفوف، وحينئذ كلُّ الأحاديث
معمولٌ بها(١).
(ق): سببُ هذا الاختلاف اختلافُ السُّؤال؛ إذ سُئل عن مائة، ثم
عن أربعين، ولو سُئل عن أقلّ من ذلك؛ لقال ذلك، والله أعلم؛ إذ قد
يُستجاب دُعاءُ الواحد، ويقبل استشفاعُه(٢).
(تو)(٣): السبيل في هذا المقام: أن يكون الأقل من العددين متأخراً؛
لأن الله تعالى إذا وعد المغفرة في المعنى الواحد مرتين، وإحداهما أيسرُ
من الأُخرى؛ لم يكن من سُنَّته أن يَنقُصَ من الفضل الموعود بعد ذلك، بل
یزید علیه؛ فضلاً منه وتَكُّماً على عباده.
٤٣١ - وعَنِ ابْنِ مسعودٍ ﴾، قال: كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله ◌َّفي في
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٧).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٦٠٥).
(٣) في الأصل: ((ن))، والكلام للتوربشتي.
١٠٧
قُبَّةٍ نَحْواً مِنْ أَرْبَعِينَ، فقال: «أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رَبُّعَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟»،
قُلْنَا: نَعَمْ، قال: ((أَتَرْضَونَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟))، قُلْنَا:
نَعَمِ، قالَ: ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ
أَهْلِ الجَنَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُهَا إِلاَّ نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَمَا أَنْتُمْ
فِي أَهْلِ الشِّرْكِ إِلَّ كَالشَّعْرَةِ البَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، أَوْ
كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَحْمَرِ»، متفقٌ عليه.
(التَّايُ عَنْشَرًّا)
* قوله: ((أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة)) إلى أن ذكر الثُّلثَ، ثم
الشَّطْرَ، ولم يقل أولاً: شطر أهل الجنة؛ فلفائدة حسنة، وهي أن ذلك
أَوْقَعُ في نفوسهم، وأبلغ في إكرامهم؛ فإن إعطاءَ الإنسان مَرَّةً بعد أُخرى
دليلٌ على الاعتناء به، ودوام مُلاحظته مَرَّةً بعد أُخرى، وفيه أيضاً: حملهم
على تكُّر شُكر الله، وتكبيره وحمده على كثرة نِعَمِه.
واعلم أنه ثبت في حديث آخر أن أهلَ الجَنَّة عشرون ومائة صَفِّ،
هذه الأمة منها ثمانون صفاً، فهذا دليل على أنهم يكونون تُلني أهل الجنة،
فيكون النبيُّ ◌َ﴿ أخبر أولاً بحديث الشَّطْر، ثم تفضَّل الله سبحانه بالزيادة،
فأعلمه بحديث الصُّفوف، فأخبر به النبيُّ ◌َّه بعد ذلك، ولهذا نظائر كثيرة.
(ق): قوله ◌َّج: ((إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة)) هذه
الطَّمَاعِيَّةُ قد حُقُّقت له بقوله: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ﴾ [الضحى: ٥]،
وبقوله: ((إنا سنرُضِيِكَ في أُمَّتِكَ))(١)؛ كما تقدم، لكن علَّق هذه البُشرى
(١) رواه مسلم (٢٠٢ / ٣٤٦)، من حديث عبدالله بن عمرو ﴾﴾ا.
١٠٨
على الطَّمَع؛ أدباً مع الحضرة الإلهية، ووقوفاً مع أحكام العُبودية (١).
٠
٠٠
٤٣٢ - وعن أَبِي مُوسى الأشعريِّ ◌َ﴿له، قال: قالَ رَسُولُ اللهِ ◌َّه :
(إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ، دَفَعَ اللهُ إِلىَ كُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيَّاً أَوْ نَصْرَانِيّاً،
فَيَقُولُ: هَذَا فِكَاكُكَ مِنَ النَّارِ)).
وفي روايةٍ عنهُ عَنِ النبيِّ ◌َِِّ، قال: ((يَجِيءُ يَوْمَ القِيَامَةِ نَاسٌ
مِنَ المُسْلِمِينَ بِذُنُوبٍ أَمْثَالِ الجِبَالِ يَغْفِرُهَا اللهُ لَهُم))، رواه مسلم.
قوله: ((دَفَعَ إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَهودِيّاً أَوْ نَصَرَانِيّاً، فَيَقُولُ: هَذَا
فِكَاكُكَ مِنَ النَّارِ)) مَعْنَاهُ: مَا جَاءَ في حديث أبي هريرة ظه: ((لِكُلِّ
أَحَدٍ مَنْزِلٌ في الجَنَّةِ، وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ، فَالمُؤْمِنُ إِذَا دَخَلَ الجَنَّةَ،
خَلَفَهُ الكَافِرُ في النَّارِ؛ لأنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِذلِكَ بِكُفْرِهِ»، وَمَعنى
((فِكَاكُكَ)): أَنَّكَ كُنْتَ مُعَرّضاً لِدُخُولِ النَّارِ، وَهَذا فِكَاكُكَ؛ لأنَّ
اللهَ تعالى قَدَّرَ لِلنَّارِ عَدَداً يَمْلَؤُهَا، فَإِذا دَخَلَهَا الكُفَّارُ بِذُنُوبِهِمْ
وَكُفْرِهِم، صَارُوا فِي مَعْنى الفِكَاكِ لِلمُسْلِمِينَ، والله أعلم.
(الَّي)
* قوله ويقي: ((دفع الله إلى كل مسلم)):
(ق): يعني: مسلماً مذنباً؛ بدليل الرواية الأخرى: (يَجِيءُ نَاسٌ من
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٤٧٢).
١٠٩
المُسلِمِينَ بذُنُوبِ أمثالِ الجِبَالِ، فَيَغْفرُها اللهُ لهم، ويَضَعُها على اليَّهُودِ
والنَّصَارى))(١)؛ أي: أن الله يغفر للمسلم ذنوبَه، ويضاعف لليهود والنصارى
عذابَ ذنوبهم، حتى يكون عذابُهم بقدر جُرمِهم، وجُرٍ مذنبي المُسلمين لو
أُخِذوا بذلك، وإنما احتجنا إلى التأويل؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ
أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، ولقوله: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلِإِنسَنِ إِلَّ مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]،
ولقوله: ﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةُ إِلَى عِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبِىُّ﴾ [فاطر: ١٨]،
ولقوله: ﴿كُلُّنَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِنَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]، ولقوله وَّ: ((أَلَا لا يَجْنِي جَانٍ
إلا على نَفْسِه))(٢)، ومثله كثير، وعلى الجملة: فهي قاعدة معلومة من الشرع
لا يختلف فیھا(٣).
(ن): (الفكاك) بكسر الفاء وفتحها، والفتح أفصح وأشهر، وهو
الخَلاصُ والفِداءُ، جاء عن عمر بن عبد العزيز، والشافعيِّ رحمهما الله
أنهما قالا: هذا الحديث أَرْجَى حديث للمُسلمين، وهو كما قالا؛ لما فيه
من التصريح بفداء كل مسلم، وتَعمِيم الفِداء، ولله الحمد، انتهى (٤).
روى الطبرانيُّ في ((المعجم الكبير)): أن عمر بن عبد العزيز قال لأبي
بُرْدةَ: اللهِ الذي لا إلهَ إلا هو؛ لأَنتَ سَمِعْتَ أباك يُحدِّث هذا الحديثَ عن
رسول ◌َي؟ فقال: اللهِ الذي لا إلهَ إلا هُوَ؛ لَحدَّثنيه؛ أي: أنه سمع من
(١) رواه مسلم (٢٧٦٧ / ٥١).
(٢) رواه الترمذي (٢١٥٩)، وابن ماجه (٢٦٦٩)، من حديث عمرو بن الأحوص عظ اته
وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٧٨٨٠).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٢٠٠).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٨٦).
١١٠
رسول ◌َ﴿، فرأيت عمر بن عبد العزيز خرّ لله شُكراً ثلاثَ سَجَدات(١).
٠٠٠
٤٣٣ - وعنِ ابنِ عمرَ ﴾، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَه
يَقولُ: ((يُدْنَى المُؤْمِنُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِن رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ،
فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟
فَقُولُ: رَبِّ أَعْرِفُ، قال: فَإِنِّي قَدْ سَتَرَتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا
أَغْفِرُهَا لَكَ اليَومَ، فَيُعطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ)) متفقٌ عليه.
كَنَفُهُ: سَتْرُهُ وَرَحْمَتُهُ.
(الَّارِوَ قَالَُّ)
* قوله : «یدنی المؤمن يوم القيامة من ربه)):
(ق): هذا إدناءُ تقريب وإكرام، لا إدناء مسافة ومكان(٢)، وقوله: ((حتى
يضع عليه كنفه))؛ أي: سِتْرَه وجناحَ إكرامهِ ولُطِهِ، فيخاطبه خطابَ المُلاطفة،
(١) رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٦٢٠).
(٢) الذي كان عليه السلف الصالح في مثل هذا الحديث: ((يدنى المؤمن يوم القيامة من
ربه ... ))، وفي حديث آخر في ((الصحيح)): ((ثم دنا الجبار رب العزة ... ))، وقوله
في حديثٍ مرَّ قريباً: ((كتب كتاباً فهو عنده فوق العرش ... ))، وغيرها من الأحاديث:
هو قبولها كما جاءت، ولا نحرفها، ولا نكيفها، ولا نعطلها، ولا نتأولها، وعلى
العقول لا نحملها، وبصفات الخلق لا نشبهها، ولا نُعمل رأینا وفكرنا فيها، ولا نزید
عليها، ولا ننقص منها، بل نؤمن بها، ونَكِلُ علمها إلى عالمها، كما فعل السلف
الصالح، وهم القدوة لنا في كل علم. وانظر: ((مجموع الفتاوى)) لشيخ الإسلام ابن
تيمية (٤ / ١٨٥).
١١١
ويناجيه مُناجاةَ المُصَافاة والمُحادثة، فيقول: هل تعرف؟ فيقول بلسان الفرح:
ربِّ أعرف، فيقول الله ممتناً عليه: إني سترتها عليك في الدنيا؛ أي: لم
أفضحك بها بين الخلائق، ولم أُطلِعْهم على شيء منها، ويحتمل أن يكون
سَتْرِه إياها تركَ المُؤاخذة عليها؛ إذ لو آخذه بها؛ لفضَحَتِ العقوبةُ الذنبَ؛
كما افتُضحت ذنوبُ الأُمَم السَّالفة بسبب العُقوبات التي وقعت بهم(١).
(قض): ((كنفه)) حفظه وسَتْره عن أهل الموقف، وصَوْنُه عن الخِزْي
والتفضیح، مُستعارٌ من کنَف الطائر، وهو جناحه، يصون به نفسه، ويستر به
بيضَه، فيحفظه، وأصله الجانب، يقال: كَنَفْتُ الرجلَ: إذا صُنتَه، وقوله:
((فيقرره))؛ أي: يجعله مُقِرًّا؛ بأن أظهر له ذُنوبَه حتى ألجأه إلى الإقرار بها،
انتھی(٢).
قوله: ((قال: فإنى قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم))
فيه: البِشَارةُ بأن مَن ستر الله عن الخلق مَساويَه في الدنيا؛ فهو أكرم من أن
يُبديَها ويَكشِفَها في الآخرة، رُوي عن علي بن أبي طالب رَظُه أنه قال: أُقْسِمُ
على ذلك من غير أن أستثنيَ؛ لا يستر اللهُ على عبد فيفضحُه غداً، ذكره
الترمذيُّ الحكيم في ((النوادر))(٣).
أَنشدَ بعضُهم :
سَتَرْتَ عُوبي كُلَّها عَن عُيُونِهم
وألبَسْتَنِي ثَوْباً جَمِيلاً منَ السَّتْرِ
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٥٩).
(٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣٩٩/٣).
(٣) انظر: ((نوادر الأصول)) للحكيم الترمذي (١ / ٣٩٩).
١١٢
وَلا تُخْزِنِي يَا رَبِّ فِي مَوْقِفِ الحَشْرِ
فَلا تَفْضَحَنِّي في القِيَامِةِ بَيْنَهُم
رُئِّي بعضُ الصالحين في المنام بعد وفاته، فقيل له: ما فعل الله بك؟
قال: أعطاني صحيفتي، فمررت بَزلَّة استَحْيَيْتُ أن أقرأَها، فقلت: إلهي؛
لا تفضحني، قال: حين فعلتَها ولم تستحي ما فضحتُك، فأفضحك وأنت
تستحيي؟!
وروي أن آخِرَ ما قاله محمودٌ الوَرَّاقُ في مرضه الذي مات فيه:
حُسْنُ ظَنِّي بِحُسْنِ عَفْوِكَ يَاربٌ جَمِيلٌ وَأَنْتَ مَالِكُ أَمِْرِي
ـلٍ جَمِيعاً وأَنْتَ مَوضِعُ سَتِري
صُنْتُ سِرِّي عَنِ القَرابَةِ والأَهْـ
ـرٍ فَلا تُخْزِني بهِ يومَ نَشْري
ثِقَةً بِالَّذِي لَدَيْكَ منَ السَّتْـ
ـبٍ فَلا تَفْتِكَنَّ للنَّاسِ سَتْرِي
يَوْمَ هَتْكِ السُّتُورِ عَنْ حُجُبِ الغَيْـ
*
٠٠
٤٣٤ - وعن ابنٍ مسعودٍ : أَنَّ رَجُلاً أَصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ قُبْلَةٌ،
فَتَى النَّبِيَّ ◌َِّ، فَأَخْبَرَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَيِ اُلََّارِ
وَزُلَغَا مِنَ الَّيْلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، فقالَ الرجلُ:
أَلِي هَذَا يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: (لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ))، متفقٌ عليه.
٤٣٥ - وعن أَنَسِ ◌َ﴿ه، قال: جَاءَ رَجُلٌ إلى النبيِّ وَ﴿ِ، فقالَ:
يا رسولَ الله! أَصَبْتُ حدّاً، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، وَحَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَصَلَّى
مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي
١١٣
أَصَبْتُ حَدّاً، فَأَقِمْ فِيَّ كتابَ الله، قال: ((هَلْ حَضَرْتَ مَعَنَا الصَّلاةَ؟))،
قال: نَعَم. قال: ((قد غُفِرَ لَكَ))، متفقٌ عليه.
وقوله: ((أَصَبْتُ حَدّاً) معناه: مَعْصِيَةً تُوجِبُ التَّعْزِيرَ، وَليسَ
المُرَادُ: الحَدَّ الشَّرْعِيَّ الحَقِيقِيَّ؛ كَحَدِّ الزِّنَاَ والخَمْرِ وَغَيْرِهمَا؛ فإِنَّ
هَذِهِ الحُدودَ لا تَسْقُطُ بِالصلاةِ، ولا يجوزُ لِلإمامِ تَرْكُهَا.
٤٣٦ - وعنه، قال: قالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ
العَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ، فَيَحْمَدَهُ عَليها، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ، فَيَحْمَدَهُ
علیها))، رواه مسلم.
((الأَكْلَةُ) بفتح الهمزة، وهي: المرةُ الواحدةُ مِنَ الأكلِ؛
كَالغَدْوَةِ والعَشْوَةِ، والله أعلم.
٤٣٧ - وعن أبي موسى ﴾، عن النبيِّ وَّ﴿، قال: ((إِنَّ اللهَ
تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ
لِيُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا))، رواه مسلم.
(الْتَّائِ الْعَبْرِ) إلى (الخَامِوَالْعَزُ)
* قوله تعالى: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَوةَ ﴾ [هود: ١١٤]:
(ق): إقامة الصلاة: القيامُ بفعلها وسُنَّتها، والمُثابرةُ عليها (١).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٨٧).
١١٤
(ن): اختلفوا في المُراد بالحَسَنات هنا، فنقل الثعلبيُّ عن أكثر المُفسِّرين
أنها الصَّلواتُ الخمسُ، واختاره ابن جرير وغيرُهُ من الأئمّة، وقال مجاهد: هي
قولُ العبد: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله لا الله، والله أكبر(١)، ويحتمل
أنَّ المُرادَ الحسَناتُ مُطلقاً(٢).
؛ وقوله: ﴿وَزُلَفَّا مِّنَ الَّيْلِّ﴾ [هود: ١١٤] هي ساعاته، ويدخل في
صلوات طرفي النهار الصُّبحُ والعصر، وفي ﴿وَزُلَفًا مِّنَ الَّيْلِّ﴾ المَغربُ
والعشاءُ(٣).
(ق): (الزلف) بفتح اللام: الساعات المُتقاربة (٤).
قوله: ﴿ذَلِكَ ذِكْرَى لِلَّكِينَ﴾ [هود: ١١٤]؛ أي: اتُّعاظُ لمَن اتعظ (٥).
قوله: ((ألي هذا؟ )):
(ط): ((هذا)) مبتدأ، و((لي)) خبرُه مُقَدَّم، وحرف الاستفهام؛ الإرادة
التخصيص؛ أي: أمختصٌّ لي هذا الحُكمُ، أو عامٌ؟ فأجاب بقوله: ((لجميع
أمتي كلهم))؛ أي: هذا لهم وأنت منهم، فلا يُقدَّر المبتدأ مؤخراً في الجواب؛
كيلا يختلَّ المعنى، أو يصير التقدير مُختصّاً بجميع المسلمين، فهو خُلْفٌ من
القول؛ لأنه لا يقال: مُختصٌّ بهم، بل يقال: عامٌّ فيهم(٦)، روى الترمذيُّ
(١) رواه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) (١٢ / ١٣٣).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٧٩).
(٣) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٧ / ٤٨٧).
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٨٧).
(٥) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٤ / ٢٤٦).
(٦) في الأصل: ((فیه)).
١١٥
عن أبي اليسرِ: قال أتتني امرأةٌ تبتاع تمراً، فقلت: إن في البيت تمراً أطيبَ
منه، فدخلت معي في البيت، فَأَهْوَيتُ إليها، فقَبَّلتُها، ثم تركتها نادماً، فجاء
باكياً إلى رسول الله وَله، فقال له: ((هَلْ حَضَرْتَ مَعَنا الصَّلاةَ؟» فقال: نعم،
فقال: ((قد غُفِرَ لَكَ))، وقيل: إنها كانت صلاةَ العصر(١).
* قوله: ((إني أصبت حداً):
(ق): هو القُبلة التي عناها في الرواية الأُخرى(٢).
* قوله: ((إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها):
سبق شرحه في (الباب الثالث عشر).
* قوله يلفي: ((إن الله يبسط يده بالليل؛ ليتوب مسيء النهار)):
سبق في (الباب الثاني).
٤٣٨ - وعَنْ أَبِي نجيحِ عَمْرِوِ بْنِ عَبَسَةَ - بفتحِ العين والباء -
السُّلَمِيِّ ﴿هِ، قال: كنتُ وَأَنَا فِي الجَاهِلِيَّةِ أَظُنُّ أنَّ النَّاسَ عَلى
ضَلالَةٍ، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا على شيءٍ، وَهُمْ يَعْبُدُونَ الأَوْثَانَ، فَسَمِعْتُ
بِرَجُلٍ بِمَكَّةَ يُخْبِرُ أَخْبَاراً، فَقَعَدْتُ عَلَى رَاحِلَتِي، فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ،
فإذا رَسُولُ اللهِنَّهِ مُسْتَخْفِياً، جُرَّاءُ عليهِ قَوْمُهُ، فَتَلَطَّفْتُ حَتَّى دَخَلْتُ
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٨٦٥)، والحديث رواه الترمذي (٣١١٥)، وقال:
هذا حديث حسن صحيح، وقیس بن الربيع ضعفه وکیع وغيره.
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٨٧).
١١٦
عَلَيْهِ بِمَكَّةَ، فَقُلْتُ لَهُ: ما أَنْتَ؟ قال: (أَنَا نَبِيُّ))، قلتُ: وما نَبِيٌّ؟
قال: ((أَرْسَلَني الله)، قُلْتُ: وبِأَيُّ شَيْءٍ أَرْسَلَكَ؟ قالَ: ((أَرْسَلني
بِصِلَةِ الأَرْحَامِ، وكَسْرِ الأَوْثَانِ، وَأَنْ يُؤَخَّدَ اللهُ لا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ)»،
قلت: فمَنْ مَعَكَ عَلَى هَذا؟ قال: ((حُرٍّ وَعَبْدٌ))، ومعهُ يَوْمَئِذٍ أبو بكرٍ
وبلالٌ ﴾، قلت: إِنِّي مُتَبِعُكَ، قال: (إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ ذَلِكَ
يَوْمَكَ هَذا؛ أَلَا تَرَى حَالِي وَحَالَ النَّاسِ؟ ولَكِنِ ارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ،
فَإِذَا سَمِعْتَ بِي قد ظَهَرْتُ، فَأْتِنِي))، قال: فَذَهَبْتُ إِلَى أَهْلِي، وَقَدِمَ
رَسُولُ اللهِوَ﴿ِ المَدِينَةَ، وكنتُ في أَهْلِي، فَجَعَلْتُ أَتَخَبَّرُ الأَخْبَارَ،
وَأَسْأَلُ النَّاسَ حِينَ قَدِمَ المدينةَ، حَتَّى قَدِمَ نَفَّرٌ مِنْ أَهْلي المدينةَ،
فقلتُ: مَا فَعَلَ هذا الرَّجُلُ الَّذِي قَدِمَ المدينةَ؟ فقالوا: النَّاسُ إِلَيْهِ
سِرَاعٌ، وَقَدْ أَرَادَ قَوْمُه قَتْلَهُ، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا ذَلِكَ، فَقَدِمْتُ المدينَةَ،
فَدَخَلتُ عليهِ، فقلتُ: يا رَسُولَ الله! أَتَعرِفُني؟ قال: ((نَعَمْ أَنْتَ
الَّذِي لَقِتَنِي بِمَكَّةَ))، قال: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ! أَخْبِرْني عَمَّا
عَلَّمَكَ اللهُ وَأَجْهَلُهُ، أَخْبِرْنِي عَنِ الصَّلاةِ؟ قالَ: ((صَلِّ صَلاَةَ
الصُّيحِ، ثُمَّ اقْصُرْ عَنِ الصَّلاةِ حَتَّى تَرْتَفَعَ الشَّمْسُ قِيدَ رُمْحٍ؛ فَإِنَّهَا
تَطْلَعُ حِينَ تَطْلَعُ بَيْنَ قَرْنَي شَيْطَانٍ، وَحِينِئِذٍ يَسْجُد لها الكُفَّارُ، ثُمَّ
صَلِّ؛ فَإِنَّ الصَّلاةَ مشهودةٌ مَحْضورَةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظُّلُّ بِالرُّمحِ، ثُمَّ
اقْصُرْ عَنِ الصَّلاةِ؛ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ، فَإِذَا أَقْبِلَ الفَيْءُ،
فَصَلِّ؛ فإِنَّ الصَّلاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى تُصَلِّيَ العَصْرَ، ثُمَّ اقْصُرْ
١١٧
عَنِ الصَّلاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَإِنَّها تَغْرُبُ بَيْنَ قَرِنَيْ شيطانٍ،
وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ))، قال: فَقُلْتُ: يا نَبِيَّ اللهِ! فالوُضُوءُ
حَدِّثْنِي عَنْهُ؟ فَقَالَ: ((مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ، فَيَتَمَضْمَضُ
ويَسْتَنْشِقُ فَيَنْتُثِرُ، إِلَّ خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهُ وفِيهِ وخَياشِيمِهِ، ثُمَّ إِذَا
غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ، إلاَّ خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ
مَعَ الماءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ، إِلَّ خَرَّتْ خَطاًا يَدَيْهِ مِنْ
أَنَامِلِهِ مَعَ الماءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ، إِلاَّ خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ
شَعْرِهِ مَعَ الماءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، إِلاَّ خَرَّتْ خَطَابًا
رِجْلَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الماءِ، فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى، فَحَمِدَ اللهَ تعَالى،
وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وفَرَّغَ قَلْبَه للهِ تَعالى، إِلاَّ
انصَرَفَ مِنْ خطيَتِهِ كَهَيْتِّهِ يَوْمَ وَلَدْتُهُ أُمُّهُ».
فحدَّثَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ بِهَذَا الحديثِ أَبَا أُمَامَةَ صاحِبَ
رَسُولِ اللهِِّ، فقالَ له أَبو أُمَامَةَ: يَا عَمْرُو بْنَ عَبَسَةَ! انْظُرْ ما تَقُولُ!
في مَقامٍ وَاحِدٍ يُعْطَى هَذَا الرَّجُلُ؟ فَقَالَ عَمْروٌ: يَا أَبَا أُمَامَةَ! لقدْ
كَبِرَتْ سِنِّي، ورَقَّ عَظْمِي، وَاقْتَرَبَ أَجَلي، وما بِي حَاجَةٌ أَنْ
أَكْذِبَ عَلَى اللهِ تعالى، ولا على رَسُولِ اللهِ ◌ّزِ، لو لم أَسْمَعْهُ مِن
رَسُولِ اللهِ﴿ إِلاَّ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَو ثَلاثاً، حَتَى عَدَّ سَبْعَ مَرَّاتٍ،
ما حَدَّثْتُ أَبَداً بهِ، ولَكِنِّي سَمِعْتُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، رواه مسلم.
١١٨
قولُه: ((جُرَآءُ عليهِ قومُهُ)): هو بجيمٍ مضمومة، وبالمدّ، على
وزنٍ: عُلماءَ؛ أي: جاسِرُونَ مُستطيلونَ غيرُ هائِينَ، هذه الرواية
المشهورةُ، ورواه الحُمَيْدِي وغيرهُ: ((حِراءٌ)) بكسر الحاء المهملة،
وقال: معناه: غِضابٌ ذَوُو غَمِّ وهَمِّ، قد عِيْلَ صَبْرُهُمْ بِهِ، حَتَّى أَّرَ
في أَجْسامِهِمْ، من قوْلِهِم: حَرَى جِسْمُهُ يَحْرَى: إذا نَقَصَ مِنْ أَلَم
أَوْ غَمُّ ونحوِهِ، والصَّحِيحُ أَنَّهُ بالجيمِ.
قوله {َله: ((بين قَرِنَي شيطانٍ))؛ أَيْ: ناحيتي رأسِه، والمرادُ:
الثَّمثيلُ، معناهُ: أنه حينئذٍ يَتَحَرَّكُ الشَّيطانُ وشِيعتُه، وَيَتَسَلَّطُونَ.
وقولُهُ: ((يُقَرِّبُ وَضُوءَه)) معناه: يُحْضِرُ الماءَ الَّذِي يَتَوَضَّأُ به.
وقوله: ((إلاَّ خَرَّتْ خَطايا)) هو بالخاء المعجمة: أَيْ: سَقَطَت،
ورواه بعضُهُم: ((جَرَتْ)) بالجيم، والصحيحُ بالخاءِ، وهو رواية
الجمهور.
وقوله: ((فَيَنْثِرُ)): أَيْ: يَسْتَخرجُ ما فِي أَنَفِهِ مِنْ أَذِى والنَّثْرَةُ:
طَرَفُ الأَنْفِ.
(البَائِوَالْعُ)
* قوله: (جُرآءُ»:
(ق): مرفوع على أنه خبرٌ مُقدَّم، و((قومه)) مبتدأ على مذهب البصريين(١).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٤٦٠).
١١٩
* قوله: ((ما أنت؟)):
(ن): إنما لم يقل: مَن أنت؛ لأنه سأله عن صِفته، لا عن ذاته(١).
(ق): قوله: ((وما نبيّ؟)) سؤال عن النبوّة، وهي مِن جنس ما لا يُعقَل؛
لأنها معنىّ من المعاني(٢).
* قوله وَلي: ((أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحَّد الله)):
(ن): فيه: دلالةٌ ظاهرة على الحَثِّ على صلة الأرحام؛ لأنه وَّر قرنها
بالتوحيد، ولم يذكر له جُزئيّات الأُمور، وإنما ذكر مُهِمَّاتِه وبدأ بالصِّلةِ(٣).
* قوله: «ومعہ یومئذٍ أبو بکر وبلال»:
(ن): فيه: دليلٌ على فضلهما، وقد يَحتجُّ به مَن قال: إنهما أوَّل مَن
أسلم(٤).
(ق): لم يذكر علياً ؛ لِصِغَره؛ فإنه أسلم وهو ابنُ سبع، وقيل :
عشر، ولا خديجةَ رضي الله عنها؛ لأنه إنما فُهِم عنه أنه سأله عن الرجال،
ويشكل هذا الحديث بحديث سعد بن أبي وَقَّاص، فإنه قال: ما أسلم أحدٌ
إلا في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مَكَثْتُ سبعة أيام، وإني لثلث
الإسلام(٥)، فسكوته و ﴿ عن سعد إما ذهولاً عنه، وإما لأن سعداً لم يكن
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ١١٥).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٤٦٠).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ١١٥).
(٤) المرجع السابق، الموضع نفسه.
(٥) رواه البخاري (٣٧٢٧).
١٢٠