Indexed OCR Text
Pages 81-100
تحفظ الولدَ، ولا اضطُّرَّت إلى طرحه، وبذلت جُهدَها فيه، والله تعالى مُنزَّه عن الاضطرار، فلا يطرح عبدَهُ في النار البتَّةَ(١). * ٤١٩ - وعَنْ أَبي هريرةَ ﴿ه، قال: قالَ رَسُولُ اللهِصلحه: ((لَمَّا خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ، كَتَبَ فِي كِتَابٍ، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبي)). وفي روايةٍ: ((غَلَبَتْ غَضَبِي))، وفي روايةٍ: ((سَبَقَتْ غَضَبِي))، متفق عليه . (البَافِقُ) * قوله ◌َّ: ((لما قضى الله الخلق))، وفي رواية الترمذيِّ: ((إنَّ اللهَ حِينَ خلقَ الخلقَ، كتب بيده على نفسه: أن رَحْمَتِي تَغِلبُ غَضَبي)»، قال: هذا حديثٌ حسنٌ صَحِيحٌ(٢). (قض): ((القضاء)): فَصْل الأمر، سواء كان بفعل أو قول، والمُراد به هاهنا: الخَلْقُ؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَقَضَنُهُنَّ﴾ [فصلت: ١٢]؛ أي: لمَّا خلقَ الخلقَ؛ حكم حكماً جازماً، ووعد وعداً لازماً لا خُلْفَ فيه؛ بأنَّ رَحْمَتِي سبقت غَضَبِي، شبّهَ حُكمَه الجازمَ الذي لا يَعتَرِيهِ نَسَخٌ، ولا يَتطرّقُ إليه تغييرٌ بحُكم الحاكم إذا قضى أمراً، وأراد إحكامَه؛ عقدَ علیه سِجِلاً، (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٦٤). (٢) رواه الترمذي (٣٥٤٣)، من حديث أبي هريرة ◌َظُه. وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (١٧٥٥). ٨١ وحُفِظ عنده؛ ليكون ذلك حُجَّة باقية مَحفُوظةً عن التَّبديل والتَّحريف(١). وقوله: ((فوق العرش)) تنبيه على تعظيم الأمر، وجَلالة القدر؛ فإن اللوحَ المحفوظَ تحت العَرْش، والكتابُ المُشتَمِل على هذا الحكم فوقَ العَرْش، ولعل السببَ في ذلك - والعلم عند الله -: أن ما تحت العَرْش عالَمُ الأسباب والمُسبَّات، واللَّوْح مشتملٌ على تفاصيل ذلك، وقضية هذا العالم - وهو عالَم العَدْل، وإليه أشار بقوله: ((بالعَدْلِ قامَتِ السَّماواتُ والأَرضُ)) - إثابة المُطيع، وعِقَابُ العاصي، حَسْبَما يقتضيه العملُ من خير أو شرٌّ، وذلك يستدعي غلبةَ الغَضَب على الرَّحْمة؛ لكثرة مُوجِبه ومُقتضيه؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمِ مَا تَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١]، فيكون سَعةُ الرحمة وشُمولُها على البرِيَّة، وقَبولُ إنابة التائب، والعَفْوُ عن المُشتغل بذنبه، المُنهَمِك فيه؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلِهِمٌ ﴾ [الرعد: ٦]، أمراً خارجاً عنه، مُرتقياً منه إلى عالَمِ الفَضْل، الذي هو فوق العَرْش، وفي أمثال هذا الحديث أسرارٌ إفشاؤها بدعةٌ، فكُن من الواصلين إلى العَيْنِ دُونَ السَّامعين للخبر(٢). (ط): فإن قلت: ما المناسبة بين قضاء الخلق، وسَبْق الرحمة على الغضب؟ قلت: لم يكن قضاء الخلق إلا للعبادة؛ قضاءً لشكر تلك النعمة، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَفْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، فمن الخلق مَن (١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ٧٩). (٢) المرجع السابق، (٢ / ٨٠). ٨٢ قام بالشكر على قَدْر استطاعته لا بمُوجَبه؛ لأن أحداً لم يقدر على أن يشكره حَقَّ شكره، ومنهم مَن قَصَّر فيه، فسبقت رحمة الله في حق الشاكر بأن وَفَى جزاءه، وزاد عليه بسَعة رحمته مالا يدخل تحت الحَصْر، وفي حَقِّ المُقصِّر إذا تاب ورجع أن يغفرَ له، ويتجاوزَ عنه وبَدَّلها حَسناتٍ، ولم يغضب عليه؛ نحو قوله تعالى: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ [الأنعام: ١٢]، ثم تعليله بقوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوَءَ ابِجَهَلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ،﴾ [الأنعام: ٥٤] الآية، وعلى هذا (قضى) بمعنى فصَلَ؛ أي: فصَل أمرَ الخلق، فمِن [مُنعَم] عليهم بالرحمة، ومِن مغضُوبٍ عليهم بالسُّخط، ومعنى (سبقت رحمتي) تمثيلٌ لكثرتها وغلَبتِها على الغضب بفَرَسَيْ رهان، تسابقتا، فسبقت إحداهما الأُخرى، وهذا التوجيه أَنسبُ بالباب(١). (تو): يحتمل أن يكون المُرادُ بالكتاب اللوحَ المَحفُوظ، ويكون معنی قوله: ((فهو عنده))؛ أي: فعُلِم ذلك عنده، ويحتمل أن يكون المُراد القضاءَ الذي قضاه، وعلى الوجهين؛ فإن قوله: ((فهو عنده فوق العرش)) تنبيهٌ على كونه مَكنُوناً عن سائر الخلائق، مرفوعاً عن حَيِّز الإدراك، وفي سَبْق الرحمة بيانُ أن قِسْطَ الخلق منها أكبرُ من قِسْطهم من الغضب؛ فإنها تنالهم من غير استحقاق، وأن الغضب لا ينالهم إلا بالاستحقاق، ألا ترى أنها تشمل الإنسان جنيناً، ورَضِيعاً، وفَطِيماً، وناشئاً من غير أن تصدر منه طاعةٌ استوجب لَا يَزَالُونَ بها ذلك، ولا يلحقه الغضب إلا بما صدر عنه من المخالفات، مُخْتَلِفِينَ ﴿ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨ -١١٩]؛ أي: وللرحمة (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٦٠). ٨٣ خلقهم، فله الحمد على ما ساق إلينا من النُّعَم قبل استحقاقنا. (ط): (إن) في قوله: ((إن رحمتي)) يحتمل أن تكون مفتوحة بدلاً من ((كتاباً))، ومكسورة؛ حكاية عن مضمون الكتاب، وهو على وِزان قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةٌ﴾ [الأنعام: ٥٤]؛ أي: أوجب وعداً أن يرحمهم قطعاً، بخلاف ما يترتب عليه [مقتضى] الغضب من العقاب؛ فإن الله غفورٌ كريم يَتجاوزُ عنه بفَضْله، وأُنشِدَ: وإنِّي وإنْ أَوْعَدْتُهُ أو وَعَدْتُه لَمُخْلِفُ مِيعَادِي ومُنْجِزُ مَوْعِدي فالمراد بالسَّبق هاهنا القطعُ بوقوعها(١). (ن): غَضبُ الله ورضاه يرجعان إلى معنى الإرادة، فإرادةُ الإثابة للمُطيع ومنفعة العبد تسمَّى رِضاً ورحمة، وإرادةُ عقاب العاصي وخِذْلانه تسمَّى غضباً، والمُراد بالسَّبق والغَلَبة كثرةُ الرحمة وشُمولُها؛ كما يقال: غلب على فلان الكرمُ والشَّجاعةُ (٢). (ق): معنى غلبة الرحمة أو سَبْقها: أن رِفْقَه بالخلق، وإنعامَه عليهم، ولُطفَه بهم أكثرُ من انتقامه وأَخْذه، كيف لا؟ وابتداؤه الخلقَ، وتكميلُه، وإتقانُهُ، وترتيبُه، وخلقُ أول نوع الإنسان في الجنة، [كلُّ] ذلك من رحمته السابقة، وكذلك ما رُبِّب على ذلك من النِّعَم والألطاف في الدنيا والآخرة، كُّ ذلك رَحماتٌ مُتلاحقةٌ، ولو بدأ بالانتقام؛ لَمَا كمَل لهذا العالم نظامٌ، ثم إن الانتقامَ به كَمَلت الرَّحمةُ والإنعام، وذلك أن بانتقامه من الكافرين كمَلَت (١) المرجع السابق، (١١ / ٣٦٠١)، وما بين معكوفتين منه. (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٦٨). ومذهب السلف إثبات صفتي الرضا والغضب لله تعالى بلا تكييف ولا تأويل ولا تشبيه ولا تعطيل. ٨٤ رحمته على المؤمنین؛ إذ بذلك حصل صلاحُهم وإصلاحُهم، وتَمَّ لهم دینُهم وفلاحُهم، وظهر لهم قَدْرُ نعمة الله عليهم في صَرْف ذلك الانتقام عنهم، فقد ظهر أن إنعامَه غلب انتقامَه(١). (ش): ورحمته سبقت غضبه في المُعذّبين أيضاً؛ فإنه أنشأهم برحمته، وغَذَاهُم برحمته، ورزقهم وعافاهم برحمته، وأرسل إليهم الرُّسلَ برحمته، وأسبابُ النِّقْمة والعذاب مُتأخِّرةٌ عن أسباب الرحمة، طارئة عليها، فرحمته سبقت غضبه فيهم، وخلقهم على خِلْقةٍ تكون رحمتُه إليهم أقربَ مِن عُقوبته وغضبه؛ و[لهذا] ترى أطفالَ الكُفَّار قد ألُقي عليهم رحمتُه، فمَن رآهم؛ رحمهم؛ ولذا نھی عن قتلهم، فرحمته سبقت غضبه فيهم(٢). ٤٢٠ - وعنه، قال: سمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَلِهِ، يقولُ: ((جَعَلَ اللهُ الرَّحْمَةَ مِئَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ، وأَنْزَلَ في الأَرْضِ جُزْءاً واحِداً، فَمِنْ ذَلِكَ الجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الخَلَائِقُ حَتَّى تَرْفَعَ الدَّابَّةُ حَافِرَها عَنْ وَلَدِها خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ)». وفي روايةٍ: ((إِنَّاللّهِ تَعَالى مِئَةَ رَحْمَةٍ، أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الجِنِّ والإنْسِ وَالْبَهائمِ وَالهَوامٌّ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبَها تَعْطِفُ الوَحْشُ عَلَى وَلَدِها، وَأَخَّرَ الله تعالى تِسْعاً وتِسْعِينَ (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٨٢). (٢) انظر: ((حادي الأرواح)) لابن القيم (ص: ٢٦٦). ٨٥ رَحْمَةً يَرْحَمُ بها عِبَادَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ»، متفقٌ عليه. ورواهُ مسلمٌ أيضاً من روايةٍ سَلْمَانَ الفَارِسيِّ ◌َ﴾، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إِنَّ لِلّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَمِنْها رَحْمَةٌ يَتَرَاحَمُ بِها الخَلْقُ بَيْنَهُمْ، وَتِسْعٌ وَتِسْعُونَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ». وفي روايةٍ: ((إِنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَواتِ والأَرْضَ مِئَةَ رَحْمَةٍ، كُلُّ رَحْمَةٍ طِبَاقُ مَا بَيْنَ السَّماءِ إلَى الأَرْضِ، فَجَعَلَ مِنْها في الأَرْض رَحْمَةً، فَبِها تَعْطِفُ الوَالِدَةُ عَلَى وَلَدِهَا، وَالوَحْشُ وَالطَّيْرُ بَعْضُها عَلَى بَعْضٍ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ، أَكْمَلَهَا بِهِذِهِ الرَّحْمَةِ)). (ن): هذا من أحاديث الرَّجاء والبِشَارة للمُسلمين؛ لأنه إذا حصل للإنسان من رحمة واحدة في هذه الدار المَبِنِيَّة على الأكدار الإسلامُ، والقرآنُ، والصَّلاةُ، والرَّحمةُ في قلبه، وغيرُ ذلك مِمَّا أنعم الله تعالى به، فكيف في دار الآخرة، وهي دار الجَزاء ودار القَرار؟! (١) (ش): جانب الرحمة أغلبُ في هذه الدار الباطلة الفانية الزائلة عن قُرْبٍ مِن جانب العقوبة، ولولا ذاك؛ لَما عُمِّرت، ولا قام لها وجودٌ؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمِ مَاتَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَةٍ ﴾ [النحل: ٦١]، فلولا (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٦٨). ٨٦ سَعةُ رحمته، ومَغفرتِهِ، وعَفْوِهِ؛ لَما قام العالم، ومع هذا فالذي أظهره من الرَّحمة في هذه الدار، وأنزله بين الخلائق جُزءٌ من مائة جزءٌ من الرحمة، نالت البَرَّ والفاجرَ، والمُؤمن والكافر، مع قيام مُقْتَضِي العُقوبة، ومُباشرته له، وتَمكُّنهِ من إغضاب رَبِّه، والسَّعي في مَساخطه، فكيف لا يغلب جانبُ الرحمة في دار تكون الرَّحمةُ مُضاعفةً على ما في هذه الدار تسعةً وتسعين ضِعْفاً(١). (تو): رحمة الله غير متناهية، فلا يَعْتَوِرُها التجزئةُ والتقسيم، وإنما أراد النبيُّ ◌َ ◌ّ﴿ أن يضربَ للأُمّة مثلاً، فيعرفوا به التناسُبَ بين الجزئين، ويجعل له مثالاً، فيفهموا به التفاوتَ الذي بين القِسْطين؛ قِسْطِ أهل الإيمان منها في الآخرة، وقِسْط الكافَّة المَربوبين في الأُولى، فجَعل مقدارَ حَظُّ الفئتين من الرحمة في الدارين على الأقسام المذكورة؛ تنبيهاً على المُستَعْجَم، وتوفيقاً على المُستبهَم، ولم يُرد به تحديدَ ما قد جلَّ عن الحَد، أو تعديدَ ما تجاوز العَد. (ق): هذا صريحٌ في أن الرحمةَ بذاتها مُتعلَّق إرادة الحق سبحانه، لا نفس الإرادة، وأنها راجعة إلى المنافع والنِّعم، ومُقتضى هذا الحديث: أن الله تعالى عَلِم أن أنواعَ النعم التي يُنْعِم بها على خلقه مائةُ نوع، فأرسل منها في هذه الدار نوعاً واحداً، فيه انتظمت مصالحُهم؛ كما نبَّه (٢) عليها في الحديث، فإذا كان يومُ القيامة؛ كَمَّل لعباده المؤمنين ما بقي في علمه، وهو التسعة والتسعون، وعند هذا يُفهَم معنى قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ (١) انظر: ((حادي الأرواح)) لابن القيم (ص: ٢٧٢). (٢) في الأصل: ((كائنة)). ٨٧ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]؛ فإن [رحيماً] من أبنية المُبالغة، ويفهم من هذا أن الکافرین لا یبقی لهم من النار رحمةٌ، ولا ینالهم نعمةٌ، لا من جنس رحمات الدنيا، ولا من غيرها؛ إذ كَمُل كل ما عَلِم الله من الرَّحَمات للمؤمنين، ختم الله لنا بما ختم للمؤمنين. وما قلناه في الحديث أَوْلَى من قول مَن قال: إن المُرادَ به التكثيرُ؛ لأنه لم تجر عادتُهم بذلك في مائة، وإنما جرت بالسبعين، ولو جرت بذلك؛ لكان ذلك مجازاً، وما ذكرناه حقيقةٌ، فكان أَوْلَی(١). * قوله وَي: ((إن الله خلق يوم خلق السماوات والأرض مئة رحمة)): (ق): معنى ((خلق)) هاهنا: قَدَّر، وهو أصل هذا اللفظ؛ كما قال زُهیرٌ: ـضُ القَوْمِ يَخلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي ولأَنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْ أي: يُقدِّر، ويكون معناه: أن الله أظهر تقديرَه لتلك الرَّحَمات؛ أي: عِلمَه بها يومَ أظهر تقديرَه لاختراع السَّماوات، ويصح أن يقال: معنى (خلق): اخترع وأوجد(٢). وقوله: ((كل رحمة طباق بين السماء والأرض)) المُراد به التكثيرُ، وقد جاء هذا [الإغيَاءُ بهذا] النوع كثيراً في الشرع واللغة. (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧/ ٨٢)، وما بين معكوفتين منه. (٢) المرجع السابق، (٧ / ٨٤). ٨٨ ٤٢١ - وعنهُ، عن النبيِّ وَ﴿ِ، فِيمَا يَحْكِي عَن رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، قال: ((أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْباً، فقالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فقالَ اللهُ تَبَارَكَ وتعالى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْباً، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبّاً يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فقال: أَيْ رَبِّ! اغْفِرْ لي ذَنْبِيٍ، فقالَ تَبَارَكَ وتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْباً، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبّاً يَغْفِرُ الذَّنبَ، وَيَأْخُذُ بالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فقال: أَيْ رَبِّ! اغْفِرْ لي ذَنْبِي، فقال تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنباً، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبّاً يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، فَلْيَفْعَلْ مَا شَاءَ»، متفقٌ عليه. وقولُه تعالى: ((فَلْيَفْعَلْ مَا شَاءَ»: أَيْ: مَا دَامَ يَفْعَلُ هَكَذَا، يُذْنِبُ، وَيَتُوبُ، أَغْفِرُ لَهُ؛ فَإِنَّ الثَّوبةَ تَهدِمُ ما قَبْلَها. (الحَشِيرُ) (ق): في هذا الحديث دلالةٌ على فائدة الاستغفار، وعلى عِظَم فضل الله تعالى، وسَعة رحمته، وحِلْمِه، وكَرَمه، ولا شكّ في أن هذا الاستغفار ليس هو الذي يُنطَق باللِّسان، بل الذي يثبت معناه في الجَنان، فيحُلُّ به عُقدةَ الإصرار، ويَندمُ معه على ما سَلَف من الأَوْزَار، فإذاً؛ الاستغفار ترجمةُ التوبة، وعبارةٌ عنها؛ ولذلك قال: ((خِيَارُكُمْ كُلُّ مُفتَنِ تَوَّابٍ))(١)، (١) رواه البزار في ((مسنده)) (٧٠٠)، من حديث علي ظُه. وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٢٢٤١). ٨٩ قيل: هو الذي يتكرر منه الذنبُ والتوبة، فكُلَّما وقع في الذنب؛ عاد إلى التوبة : وفيه: أن العَوْدَ إلى الذنب وإن كان أقبحَ من ابتدائه؛ فالعَوْدُ إلى التوبة أَحسنُ من ابتدائها؛ لأنه انضاف إليها مُلازمةُ الإلحاح بباب الکریم؛ فإنه لا غافرَ للذنب سِواهُ(١). (ط): الفاء في ((فاغفر لي)) سَبةٌ، جُعل اعترافهُ بالذنب سبباً للمغفرة؟ حيث أوجب الله تعالى المغفرةَ للتائبين المُعترفين بالسَّيِّئات على سبيل الوعد. والهمزة في ((أعلم عبدي؟)) يجوز أن تكون استخباراً من الملائكة، وهو أعلم بهم؛ للمُباهاة، وأن تكون استفهاماً؛ للتقرير والتعجيب، والتفاتاً، عدَلَ من الخطاب، وهو (أعلم عبدي) إلى الغَيْبة؛ شكراً لصَنِيعه إلى غيره، وإِحْمَاداً له على فعله(٢). ((فليفعل ما شاء)» معناه: لو تكرر الذنب مائةَ مَرَّة، أو ألفَ مَرَّة وأكثر، وتاب في كل مَرّة؛ قُبلت توبتُه، وسقطت ذنوبُه، ولو تاب عن الجمیع توبةً واحدة بعد جمیعھا؛ صحّت توبتُه. (ق): هذا الأمر يحتمل أن يكون معناه الإكرامَ، فيكون من باب قوله تعالى: ﴿اَدْخُلُوهَاِسَلَّمٍ﴾ [ق: ٣٤]، وآخرُ الكلام خبرٌ عن حال المُخاطَب؛ بأنه مغفورٌ له ما سلف من ذنبه، ومَحفوظٌ إن شاء الله فيما يُستَقبَل من شأنه(٣). (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٨٥). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٤٣). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٨٦). ٩٠ (تو): (فليفعل ما شاء) كلام يستعمل تارة في مَعرِض السَّخْطة والنَّكير، وطوراً في صورة التلَطُّف والحَفَاوة، وليس المُرادُ منه في كلتا الصورتين الحَثَّ على الفعل، أو الترخُصِ فيه، وعلى السَّخْطة والنَّكير ورد قولُه تعالى: ﴿أَعَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠]، وعلى الحَفَاوة والتلَطُّف ورد هذا الحديثُ، وذلك مثل قولك لمَن تَوَدُّه، وترى منه الجفاءَ: اعمل ما شئت، فلستُ بتارك لك، وقوله ◌َّهَ فِي حَقِّ حَاطِب بن أبي بَلْتَعَةَ: (لعلَّ اللهَ الطَّلَعَ على أَهْلِ بَدْرٍ، وقال: اعمَلُوا مَا شِئْتُم؛ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ))(١). ٤٢٢ - وعنهُ، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا، لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ تَعَالَى، فَيَغْفِرُ لَهُمْ))، رواه مسلم. ٤٢٣ - وعَنْ أَبِي أَيُّوبَ خَالِدِ بْنِ زيدٍ، ﴿ه، قال: سمعتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ يقول: ((لَوْلا أَنَّكُمْ تُذْنِبُونَ، لَخَلَقَ اللهُ خَلقاً يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ، فَيَغْفِرُ لَّهُم))، رواه مسلم. (الجَّادِي عَنْشَةَ» * قوله قطر: ((لو لم تذنبوا لذهب الله بكم)): (ق): هذا خبرٌ من الله تعالى عن مُمِكن مُقدَّر الوقوعِ، مع علم الله (١) رواه البخاري (٣٩٨٣)، ومسلم (٢٤٩٤ / ١٦١)، من حديث علي ◌َظ ◌ُهـ ٩١ تعالى بأنه لا يقع، فحصَل منه أن الله تعالى يعلمُ الحالَ المُقدَّرَ الوُقوعِ؛ كما يعلم حال المُحقَّق الوُقوعِ؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَوْرُدُ والَعَادُ واْلِمَا نُهُواْعَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]. وقد عَبَّر بعضُ العلماء عن هذا؛ بأن قال: إن الله تعالى يعلم ما كان، وما يكون، وما لو كان؛ كيف يكون، وحاصل هذا الحديث: أن الله تعالى سبق في علمه أن يخلُقَ من يَعصيه، فيغفرَ له، ويُظهِرَ ما تضمَّنه اسمُه الغَفَّارِ(١). (تو): لم يَرِدْ هذا الحديثُ مَورِدَ تسلية المُنهَمِكين في الذنوب، وقِلَّة احتفال منهم بمُواقعة الذنوب على ما يتوهّمه أهلُ الغِرَّة؛ فإن الأنبياء صلوات الله عليهم إنما بُعثوا؛ ليردعوا الناس عن غِشْيان الذنوب، بل ورد مَورِدَ البيان لعفو الله عن المذنبين، وحُسن التجَاوُز عنهم؛ ليُعظموا الرغبةَ في التوبة والاستغفار. والمعنى المُراد من الحديث: هو أن الله تعالى؛ كما أحبّ أن يُحسِن إلى المُحسِن؛ أَحبَّ أن يتجاوز عن المُسيء، وقد دل على ذلك غيرُ واحد من أسمائه؛ الغَفَّار، الحَلِيم، التوَّاب، العَفُو، لم يكن ليجعل ذلك شأناً(٢) واحداً؛ كالملائكة مجبولين على التنزّه من الذنوب، بل يخلق فيهم مَن يكون بطبعه مائلاً إلى الهوى، مُفْتَناً بما يقتضيه طبعُه، ثم يكلِّفه التوقِّيَ عنه، ويُحذِّره عن مُداناته، ويُعرِّفه التوبةَ بعد الابتلاء، فإن وَفَى؛ فأجرُه (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٨١). (٢) في الأصل: ((بناناً))، والمثبت من ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٤١). ٩٢ على الله، وإن أخطأ الطريقَ؛ فالتوبة بين يديه، فأراد النبيُّ ◌َّر: إنكم لو كنتم مَجبُّولين على ما جُبِلَت عليه الملائكةُ؛ لجاء الله بقوم يتأتَّى منهم الذنبُ، فيتجلَّى لهم بتلك الصِّفات على مُقتضى الحِكمة؛ فإن الغَفَّارَ يستدعي مغفوراً؛ كما أن الرَزَّاق يستدعي مرزوقاً. (ط): تصدير الحديث بالقَسَم رَدٌّ لمَن يُنكر صُدورَ الذنب عن العباد، ويَعدُّه نقصاً فيهم مُطلقاً، وأن الله لم يُرِدْ من العباد صُدورَه؛ كالمُعتزلة، ومَن [سلك] مَسْلَكهم، فنظروا إلى ظاهره، وأنه مَفسدةٌ صِرفةٌ، ولم يقفوا على سِرِّه أنه مُستجلِبٌ للتوبة والاستغفار الذي هو مَوقِعُ محبة الله تعالى، ولعل السِّرَّ في هذا إظهارُ صفة الكَرَم، والحِلْم، والغفران، ولو لم يوجد؛ لانْثَلَم طرفٌ من صفات الأُلوهية(١). ٤٢٤ - وعَنْ أَبي هريرةَ، ﴿هِ، قالَ: كُنَّا قُعُوداً مَعَ رَسُولِ اللهَِّه مَعَنَا أَبُوَ بَكْرٍ وَعُمَرُ ﴾ فِي نَفَرٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ◌َ﴿ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَاَ، فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا، فَخَشِيْنَا أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا، فَفَزِعْنَا، فَقُمْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ، فَخَرَجْتُ أَبْتَغِي رَسُولَ اللهِ وَّهِ، حَتَّى أَتَيْتُ حَائِطَاً لِلأَنْصَارِ. وَذَكَرَ الحَديثَ بِطُولِهِ إِلَى قَوْلِهِ: فقالَ رسولُ اللهِوَّهِ: ((اذْهَبْ، فَمَنْ لَقِيتَ وَرَاءَ هَذَا الحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، مُسْتَيْقِناً بِهَا قَلِبُهُ، فَبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ»، رواه مسلم . (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٤١). ٩٣ (الثَّانِى عَنْشَ) سيأتي هذا الحديثُ بتمامه في (الباب الخامس والتسعين). الجماعةُ المعنيُّون بكونهم من وراء الحائط هم النفَرُ الذين كان منهم أبو بكر وعمر، وكانوا قد اجتمعوا لطلب النبيِّ وَّهِ، ولا شكَّ أن أولئك كانوا من أهل الجنة، وهذا ظاهر اللفظ، ويحتمل أن يكون ذلك القيدُ مُلغىّ، والمراد هم وكلُّ مَن شاركهم في التلفُّظ بالشهادتين، واستيقان القلب بهما. (ن): معناه: أَخبِرْهم أنَّ مَن كانت هذه صفتَهُ؛ فهو من أهل الجَنَّة، وإلا؛ فأبو هريرة لا يَعلمُ استيقانَ قلوبهم، وفي هذا الحديث: دلالةٌ ظاهرة لمذهب أهل الحق؛ أنه لا ينفع اعتقادُ التوحيد دون النُّطْق، ولا النُّطقُ دون الاعتقاد، بل لابدَّ من الجمع بينهما (١). (ق): ((اليقين)): هو العلم الرَّاسِخُ في القلب، الثابتُ فيه، يقال: يَقِنْتُ الأمرَ بالكسر يقيناً، وأَيقَنْتُ، واستَيقنْتُ، وتَقَّنتُ، كُلُّه بمعنى واحد، وقيل: هو السُّكون مع الوُضوح، يقال: يَقِنَ الماءُ؛ أي: سكن، وظهر ما تحته(٢). (ن): ذكر القلب هاهنا؛ للتأكيد، ونفي توهُّم المَجاز، وإلا؛ فالاستيقانُ لا يكون إلا بالقلب(٣). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ٢٣٧). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٠٦). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ٢٣٧). ٩٤ ٤٢٥ - وعَنْ عبدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ ﴿﴾: أَنَّ النبيَّ ◌َ ثَلا قَوْلَ اللهِ وَكَ فِي إِبْرَاهِيَمِ نَّهِ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِّ فَمَنْ تَبِّعَنِى فَإِنَّهُ مِنِّى﴾ [إبراهيم: ٣٦]، وَقَوْلَ عيسىِنَّهِ: ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادَُكٌ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَرَبِزُ لْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، فَرَفَعَ يَدَيْه، وقال: ((اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَتِي))، وَبَكَى، فقال الله ◌َّ: (يَا جِبْرِيلُ! اذْهَبْ إلى مُحَمَّدٍ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ، فَسَلْهُ: مَا يُبْكِيهِ؟))، فَأَاهُ جِبِرِيلُ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِوَهِ بِمَا قال: وَهُوَ أَعْلَمُ، فقال الله تعالى: ((يا جِبريلُ! اذهَبْ إلى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيِكَ فِي أُمَّتِكَ وَلاَ نَسُوءُكَ))، رواه مسلم. (الثّالث عشر * قوله: (وقال عیسی»: (ن): ((قال)) هاهنا اسم للقول، لا فعل، يقال: قال قَوْلاً، وقالاً، وقِيلاً، کأنه قال: وتلا قولَ عیسی(١). (ق) إن إبراهيم وعيسى عليهما السلام لم يجزما في الدُّعاء لعصاة أُمَّتيهما، ولمَّا فهم نبينا ◌َّغْرِ ذلك؛ انبعث بحُكم ما يَجِدُه من شِدَّة شفَقَته، ورأفته، وكثرة حِرْصِه على نجاة أُمَّته جازماً في الدُّعاء، مجتهداً فيه لهم، مُتضرِّعاً، باكياً، مُلِحّاً، يقول: (أُمَّتِي أُمَّتِي)) فِعْلَ المُحِبِّ المُستَهتر بمَحُبُوبه(٢)؛ ثم لم يزل كذلك حتى أجابه اللهُ فيهم، وبَشَّره بما يَسُرُّه من مآل حالهم؛ حيث (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣ / ٧٨). (٢) أي: المولع بمحبوبه. ٩٥ قال: (إنا سنرضيك في أمتك)) وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ﴾ [الضحى: ٥]. قال بعضُ العلماء: والله؛ ما يرضى مُحمَّدٌ، وواحد من أُمَّته في النار، وهذا كلُّه يدل على أنه ◌َّهُ خُصَّ من كرم الخُلق، ومن طِيب النفس، ومن مقام الفُتوَّة بما لم يُخَصَّ [به] غيره، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] (١). (ط): لعله ◌َ ﴿ أتى بذكر الشَّفاعة التي صدرت عن الخليل ورُوح الله عليهما السلام بتقدير الشَّرط والصِّيغة الشرطية وعَقَّبه بقوله: ((اللهم؛ أمتي أمتي))؛ ليبيِّنَ الفرق بين الشفاعتين، وتحريره: أن قوله: (أمتي أمتي) مُتعلِّق بمحذوف؛ إما أن يُقدّر: شفعّني في أُمَّتي وأرضني فيها، أو: أُمَّتي ارحمهم، وأرضني بالشفاعة فيهم، والحذف؛ لضيق المقام، وشدة الاهتمام، وهذا يدل على الجزم، والقطع، والتكريرُ؛ لمزيد التقرير، ومِن ثَمّةَ أُجيب بـ ((إنا سنرضيك))؛ حيث أتى بـ (إنّ)، وضمير التعظيم، وسين التوكيد، ثم أتبعه بقوله: ((ولا نسوءك))؛ تقريراً بعد تقرير على الطَّرْد والعكس، وفي التنزيل: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ﴾ [الضحى: ٥]، زيد لام الابتداء على حرف الاستقبال، ولفظ ﴿رَبُّكَ﴾، وجمع بين حرفي التأكيد والتأخير، فيكون المعنى: ولأنت سوف يُعطيك رَبُّك وإن تأخّر العَطاءُ (٢). * قوله: ((وربك أعلم)) من باب التتميم؛ صيانة عَمَّا لا ينبغي أن يُتوهّم. (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٤٥٤). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١ / ٣٥٢٥). ٩٦ (ق): أمر الله تعالى جبريل بأن يسأل نبيّنا عليه الصلاة والسلام عن سبب بكائه؛ ليعلم جبريلُ عليه السلام تمُّنَ نبينا في مقام الفُتُوَّة، وغايةَ اعتنائه بأُمَته(١). (ن): هذا الحديث مُشتملٌ على أنواع الفوائد؛ منها: بيانُ كمال شفَقَة النبيِّ ◌َّهِ على أُمَّته، واعتنائه بمَصالحهم، واهتمامه بأمرهم، ومنها: استحبابُ رفع اليدين في الدُّعاء، ومنها: البِشَارة العظيمة لهذه الأُمّة زادها الله شرفاً بما وعدها الله تعالى، وهذا من أرجى الأحاديث لهذه الأُمّة، أو أرجاها، ومنها: بيانُ عَظيم منزله النبيِّ وَ ﴿ عند الله، وعَظِيم لُطفِه سبحانه به وٍَّ. والحِكمةُ في إرسال جبريل عليه السلام لسؤاله ويّو إظهارٌ لشرفه وَّهِ، وأنه بالمَحَلِّ الأعلى، فسَيُرضى ويُكرَم بما يُرضيه، وأما قوله: (ولا نسوءك): فقال صاحب ((التحرير)): هو تأكيد للمعنى؛ أي: لا يَحُنك؛ لأن الإرضاء قد يحصل في البعض بالعفو عنهم، ويدخل الباقي النارَ، فقال تعالى: نُرضيك، ولا نُدخل عليك حُزناً، بل ننجي الجميع(٢). ٤٢٦ - وعن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﴿ه، قال: كُنْتُ رِدْفَ النبيِّ لَه على حِمار، فَقَالَ: ((يا مُعَاذُ! هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَمَا حَقُّ العِبَادِ عَلى الله؟ قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قالَ: ((فَإِنَّ حَقَّ (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٤٥٥). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ٧٨). ٩٧ اللهِ عَلَى العِبَادِ: أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَحَقَّ العِبَادِ عَلَى اللهِ: أَنْ لا يُعَذِّبَ مَنْ لا يُشرِكُ بِهِ شَيئاً)، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ الله! أَفَلا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: ((لا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا))، متفقٌ عليه. (الظَرةُ عَنْشَر) (ن): (الردف): بكسر الراء وإسكان الدال، وحُكي فتح الراء وكسر الدال، وهو الراكب خلف الراكب، يقال منه: رَدِفْتُه أَرْدَقُه بكسر الدال في الماضي، وفتحها في المضارع: إذا ركبتَ خلفه، وسبق في (الحديث الرابع) من هذا الباب، و((عفير)) بعين مهملة مضمومة، ثم فاء مفتوحة، وهو الحِمار الذي كان له وَّ، قيل: إنه مات في حَجَّة الوَداع(١). (ق): ((عفير)) تصغير أَعفرَ تصغيرَ الترخيم؛ كسُوَيد تصغير أسود، والعُفْرةُ: بياضٌ يخالطه صُفرة؛ كعُفْرة الأرض والظِّبَاء، وفيه: جواز ركوب الاثنين على الحِمار، وعلى تواضعه وَل﴾(٢). * قوله ◌َافي: ((أتدري ما حق الله؟)): (ط): ((الدراية)): المعرفة، قال الزمَخشريُّ: هي معرفة تحصُل بنوع من الخداع؛ ولذلك لا يوصف الباري تعالى بها(٣) . (ن): قال صاحب ((التحرير)): اعلم أن الحَقَّ: [كلُّ] موجود مُتحقّق، أو ما سيوجد لا مَحالة؛ فالله تعالى هو الحق الموجود الأزليُّ، الباقي الأَبديُّ، (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ٢٣٠، ٢٣٢). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٠٢). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤٧٣). ٩٨ والمَوت، والسَّاعة، والجَنَّة، والنار حَقٌّ؛ لأنها واقعة لا مَحالةَ، وإذا قيل للكلام الصِّدْق: حقٌّ؛ فمعناه: أن الشيء المُخبَر عنه بذلك الخبر واقعٌ مُتحقّق لا تردُّدَ فيه، وكذلك الحَقُّ المستحق [على] العبد(١) من غير أن يكون فيه تردُّد وتحيزُ، فحَقُّ الله على العباد معناه: ما يستَحِقُّه عليهم، وجعله مُتحتِّماً عليهم، وحَقُّ العباد على الله معناه: أنه مُتحقِّق لا مَحالةَ، وقال غيره: إنما قال: (حقهم على الله تعالى) على جهة المُقابلة لحَقُّه عليهم، ويجوز أن يكون من نحو قول الرجل لصاحبه: حَقُّك واجبٌ عليَّ؛ أي: مُتَأْكِّد قيامي به ومنه الحديث: ((حَقٌّ على كُلِّ مُسلِمٍ أن يَغْتَسِلَ في كُلِّ سَبعَةٍ أَيَّامٍ))(٢). وقوله: ((ولا يشركوا به شيئاً) إنما ذكره بعد العبادة؛ لأن الكُفار كانوا يعبدون معه أوثاناً يَزْعُمون أنها شرکاءُ، فنفى هذا. (ط): قد يَتَّخِذ أمثالَ هذه الأحاديث المُبطِلةُ والمُباحية ذريعةً إلى طرح التكاليف، ورفع الأحكام، مُعتقدين أن الشهادةَ وعدمَ الإشراك كافٍ، ورُبَّما يتمسّك به المُرجئة، وهذا الاعتقاد يستلزم طيَّ بسَاطِ الشريعة، وإبطالَ الحُدود والزَّوَاجر السَّمعية، ويوجب أن يكون التكليف بالترغيب والترهيب غيرَ مُتَضمِّن طائلاً(٣)، وبالأصل باطلاً، بل يقتضي الانخلاع عن رِبِقَة الدَّين والمِلَّة، والانسلال عن قيد الشريعة والسُّنَّة، والخُروج عن الضَّبْط، والوُلوج في الخَبْط، وترك الناس سُدىّ مُهملين يموج بعضُهم في بعض، [مُعطَّينَ] من غير مانع ولا دافع، وذلك (١) في الأصل: ((حق المستحق الغير)). (٢) رواه البخاري (٨٩٧)، ومسلم (٩/٨٤٩)، من حديث أبي هريرة ﴿ه، وانظر: «شرح مسلم» للنووي (١ / ٢٣٢). (٣) في الأصل: ((دلائلاً))، والتصويب من ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤٧٧). ٩٩ يُفضي إلى خراب الدنيا بعد أن أفضى إلى خراب الأُخرى، والتشبُّث بهذا الحديث ونظائره ساقطٌ؛ فإن قولَه: ((يعبدوه)) يتضمَّن جميع أنواع التكاليف الشرعية، وقوله: ((لا تشركوا)) يشتمل كلا قِسْمَي الشِّرك الجَليِّ والخفِيِّ. قال أهل التحقيق: العبادة لها ثلاث درجات: الأُولى: يعبد الله؛ طمعاً في الثواب، وهرباً من العقاب، وهذا هو المُسمَّى بالعبادة، وهذه درجة نازلة جداً؛ لأن مَعبودَه بالحقيقة هو ذلك الثواب، وقد جعل الحَقَّ وسيلةً. الثانية: أن يعبد الله لأجل أن يتشرَّف بعبادته، وبقبول تكاليفه، وبالانتساب إليه، وهذه أعلى من الأُولى، إلا أنها ليست بخالصة؛ لأن المقصودَ بالذات غيرُ الله، وهذا هو المُسمَّى بالعُبودية. الثالث: أن يعبد الله؛ لكونه إلهاً وخالقاً، ولكونك عبداً له، والإلهية توجب الهيبة(١) والعِزَّة، والعبودية توجب الخضوعَ والذِّلَّة، وهذا أعلى المقامات، وأعلى الدرجات، وهذا هو المُستحِقُّ بأن يُسمَّى العبودة(٢)، وإليه الإشارة بقول المُصلِّي في أول صلاته: أُصلِّي لله، فإذا قال: أُصلي لثواب الله، أو للهرب من عقاب الله؛ بطلت صلاته(٣). (١) في الأصل: ((الإلهية)). (٢) في الأصل: («العبودية)). (٣) انظر: ((تفسير الرازي)) (١ / ٢٠٢). وفي هذا الكلام نظر، كيف وقد وصف سبحانه عباده الخلَّص بقوله: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ، وَيَخَافُونَ عَذَابَهٌُ﴾ [الإسراء: ٥٧]، وقال: ﴿ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧]، وقال في وصف أنبيائه: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَا﴾ [الأنبياء: ٩٠]، وغير ذلك كثير، فكيف تكون هذه درجة نازلة، وقد وصف بها الأنبياء عليهم السلام؟ ! . ١٠٠