Indexed OCR Text

Pages 601-620

(ط): الفاء في قوله (فقال) عاطفة على ((قال: أشركنا)) إما لتعقيب
القول بعد القول، أو تعقيب المُفسَّر بالمُفسِّر، و(كلمة) نكرة نصب بـ (قال)
على معنى تكلم، فالفاء على الأول تقتضي أن يكون القول الثاني غيرَ الأول،
وعلى الثاني هو الأول؛ بياناً وتفسيراً، وإنما نَكَّرها؛ تفخيماً لشأنها.
وعلى كلا التقديرين الكلمةُ يراد بها الجُملة من الكلام؛ كقوله
تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَاقِيَةٌ﴾ [الزخرف: ٢٨]، والظاهر أن المراد بالكلمة ما
سبق، وأيُّ فضيلة لعمر ضه أرفعُ وأسنى من قوله: ((أشركنا يا أُخيَّ في
دعائك))؟ حيث وَصَّاه بالشِّرْكة في الدُّعاء، ومَن أشرك غيرَه مع نفسه،
جعله مُصاحباً وقریناً له، ثم ترقی من کونه قریناً له إلی کونه قريباً له وبمنزلة
أخ، ثم ترقّى بالتصغير إلى أن ذلك الأخ ليس كسائر الإخوة، بل كأخ شفيق
مُتعطِّف، ثم توكيد الوصِيّة بقوله: ((لا تنسنا)) إظهارٌ لغاية الاهتمام بما
أوصاه به، وأنه مُستقِلٌّ به، ولا يصدُر ذلك إلا عن مثله، وأن دعاءَه
مُستجابٌ البتَّةَ، فينبغي أن يُشرِكَه فيه(١).
٣٧٤ - وعنِ ابنِ عُمَرَ ﴾، قالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَهِ يَزُورُ قُبَاءَ
رَاكِباً وَمَاشِياً، فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ: كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءَ كُلَّ سَبْتٍ رَاكِباً
وَمَاشِياً، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ.
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٧١٦).
٦٠١

(الَِّ عَبِيَّةِ))
(ن): الصحيح المشهور في ((قباء)) المَدُّ والتذكير والصَّرْف، وفي لغة
مقصورٌ، وفي لغة مُؤنَّث، وفي لغة مُذكَّر غيرُ مصروف، وهو قريبٌ من
المدينة من عَوَاليها(١).
(ق): همزة (قباء) للإلحاق، لا للتأنيث، فلذلك صُرف، وفي إتيانه ◌َله
قُباء كلَّ سبت دليلٌ على جواز تخصيص بعض الأيام ببعض الأعمال
الصالحة، والمُداومة على ذلك، وأصل مذهب مالك كراهيةُ تخصيص شيء
من الأوقات بشيء من القُرَب، إلا ما ثبت به توقيفٌ، وكونه ◌َّي يأتيها راكباً
وماشياً؛ إنما كان ذلك بحسَب ما اتفق له، وكان تعاهُدُه لقُباء؛ لفضيلة
مسجدها، ولتفقّد أغنيائهم وتشريفاً لهم(٢).
(ن): فيه: جواز تخصيص بعض الأيام بالزِّيارة على ما عليه الجمهور،
وكرهه محمد بن مَسْلَمة المالكيُّ، ولعله لم تبلغه هذه الأحاديث(٣).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٩ / ١٧٠).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٥١٠).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٩ / ١٧١).
٦٠٢

٤٦-يا
فضلِ الحبِّ في اللهِ، والحثّ عليه،
وإعلامِ الرجلِ مَنْ يحبُّه أنه يحبُّه، وماذا يقولُ له إذا أعلَمَه
0
قال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ الهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِذَاءُ عَلَى الْكُفَّارِ
رُحَدُ بَيْنَهُمّ ﴾ [الفتح: ٢٩] إلى آخر السورة.
* وقال تعالى: ﴿وَاُلَّذِينَ تَبَوَّهُو الذَّارَ وَاَلْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ
هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحشر: ٩].
(الباب السادس والأربعون)
(في فضل الحُبِّ في الله والحَثِّ علیه،
وإعلام الرجل من يحبه أنه يحبه، وما يقول له إذا أعلمه)
* قوله تعالى: ﴿تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩]؛ أي: هو رسوله حقاً بلا
شَكٍّ ولا رَيْب، وهذا مبتدأ وخبر، وهو مشتمل على كل وصف جميل، ثم
ثَنَّى بالثناء على أصحابه، فوصفهم بكونهم ﴿أَشِدَاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمّ﴾؛
كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّهُو الدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ
إِلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٥٤]، وهذه صفة المؤمنين؛ أن يكون أحدُهم شديداً عنيفاً
على الكُفَّار رحيماً بَرّاً بالأخيار، ثم وصفهم بكثرة العمل، وكثرة الصلاة،
٦٠٣

وهي خير الأعمال، ووصفهم بالإخلاص فيها لله، والاحتساب عند الله
جزيلَ الثواب.
قال ابن عباس: ﴿سِيمَاهُمْ فِ وُجُودِهِمْ﴾ [الفتح: ٢٩]؛ يعني: السَّمْتَ
الحسنَ.
وقال مُجاهدٌ: يعني: الخشوع والتواضع، وقال السُّدِّيُّ: الصلاة تُحسِّن
وُجوهَهم، وقال بعضُ السَّلَف: مَن كثُرت صلاُه بالليل؛ حَسُن وجهُه بالنهار.
وقال بعضُهم: إن للحسنة لنوراً في القلب، وضياءً في الوجه، وسَعةً
في الرِّزق، ومحبةً في قلوب الناس.
وقال أمير المؤمنين عثمانُ له: ما أسرَّ عبدٌ سريرةً؛ إلا أبداها الله
على صفَحَات وجهه، وفَلَتَات لسانه، وروى الإمام أحمدُ عن أبي سعيد،
عن رسول الله ◌َله: (لو أنَّ أَحدَكُم يعمَلُ في صَخْرَةٍ صَمَّاءَ ليس لها بابٌ
ولا كُوَّةٌ؛ لَخرجَ عمَلُه للنَّاسِ كائناً ما كانَ)(١)، فالصَّحابة مُ خَلُصَتْ نِيَّتُهم،
وحَسُنت أعمالُهم، فكل مَن نظر إليهم؛ أعجبوه في سَمْتِهِم وهَدْيِهِم.
وقال مالك رحمه الله: بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة
الذين فتحوا الشام؛ يقولون: والله؛ هؤلاء خيرٌ [من] الحَوارِيِّن فيما
بلغنا، وصدقوا في ذلك؛ فإن هذه الأُمّة معظَّمةٌ في الكتب المتقدمة،
وأعظمها وأفضلها أصحابُ رسول الله وَّ، وقد نوَّه الله بذكرهم في الكتب
المنزلة؛ ولذلك قال: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِ التَّوْرَنَةِ﴾، ثم قال: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِى الْإِنجِيلِ
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ٢٨). وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة
الضعيفة)) (١٨٠٧).
٦٠٤

كَزَوَعْ أَخْرَجَ شَطَهُ﴾؛ أي: فِراخَه، ﴿فَازَرَهُ﴾؛ أي: شَدَّه، ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾؛
أي: شَبَّ وطال، ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾، فكذلك الصحابة آزروه وأيّدوه
ونصروه، فهم معه كالشَّطْء مع الزرع، ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارُ ﴾ [الفتح: ٢٩]،
ومن هذه الآية انتزع الإمام مالك في رواية عنه بتكفير الرَّوافض الذين
يُغِضون الصحابة، قال: لأنهم يَغيظُونهم ومَن غاظه الصحابةُ؛ فهو كافر ؛
لهذه الآية، ووافقه طائفة من العلماء(١).
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّهُو الدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ
إِلَيْهِمْ﴾ [الحشر: ٩]؛ أي: سكنوا دارَ الهجرة من قبل المنافقين، وآمنوا قبل
كثير منهم، ومن كرَمهم وشرَفهم يُحبُّون المهاجرين، ويُواسُونهم بأموالهم،
وروى الإمام أحمد عن أنس حظّه قال: قال المُهاجرون: يا رسولَ الله؛
ما رأينا مثلَ قوم قدمنا عليهم أحسنَ مُواساةً في قليل، ولا أحسنَ بَذْلاً في
كثير، كَفَوْنا المُؤنةَ، وأشركونا في المهنا، حتى خشينا أن يذهبوا بالأجر
كُلِّه، قال: ((لا، ما أَثْنَيْتُم عَلَيْهِم ودَعَوْتُم الله لَهُم))(٢).
(م): أي: من قبل قدوم المهاجرين عليهم؛ أي: تبوؤوا الدار،
وأخلصوا الإيمان؛ کقوله:
مُتقلِّداً سَيْفاً ورُمْحا
أو جعل الإيمان مُستقَرّاً ووطناً لهم؛ لتمكِّنهم منه، واستقامتهم عليه؛
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٣ / ١٣٤).
(٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٣ / ٤٨٨)، والحديث رواه الإمام أحمد في ((المسند))
(٣/ ٢٠٠). وإسناده صحيح.
٦٠٥

كما أنهم سألوا سلمانَ عن نسبه؛ فقال: أنا ابنُ الإسلام(١).
٣٧٥ - وعن أَنَسٍ ﴿، عن النبيِ وَّهِ، قال: ((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ
فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ خَلَاَوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا
سِواهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إلاَّ للهِ، وَأَنْ يَكْرَةَ أَنْ يَعُودَ في
الكُفْرِ بَعْدَ أنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ في النَّارِ»، متفقٌ
عليه .
(ط): ((ثلاث)) مبتدأ، والجملة الشرطية خبره، وجاز ذلك؛ لأن
التقدير خِصَال ثلاثٌ(٢).
(ك): فيكون صفةً موصوف محذوف هو مبتدأ بالحقيقة، أو يكون
التنوين في (ثلاث) بدلاً من المضاف إليه؛ أي: ثلاث خصال(٣).
(ط): ويجوز أن تكون الجملة الشرطية صفةً لـ (ثلاث)؛ كما أنه يجوز
أن تكون خبر المبتدأ في قولك: زيد إن تعطه؛ يشكرك، أو صلة للموصول؛
كما في قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْتَرَّكُواْ﴾ [النساء: ٩]، أو حالاً لذي
الحال؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ ﴾ [الأعراف: ١٧٦]، ويكون
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٤٩/٢٩).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤٤٤).
(٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ١٠٠).
٦٠٦

الخبر «من کان الله ورسوله أحبَّ إلیه»، وعلی التقدیرین لا بُدَّ من تقدیر مضاف
قبل (من كان)؛ لأنه على الأول؛ إما بدل عن (ثلاث)، أو بيان، وعلى الثاني
خبرٌ، [قيل: لا بُدَّ من إضمار مضاف قبل كُلٌّ؛ لاستقامة المعنى] (١)، تقديره
قبل (من) الأولى والثانية: محبة مَن كان الله ورسوله، ومحبة من أحبَّ عبداً،
وقبل (من) الثالثة : وكراهة من كره أن يعود، ولشدة اتصال المضاف بالمضاف
إليه في الإضافات الثلاث، وغلبة المَحبَّة والكراهة عليهم؛ حذف المضاف
منها .
و(حلاوة الإيمان)) استعارة، شُبِّهت رغبة المؤمن في إيمانه بشيء
ذي حلاوة، وأُثُبت له لازمُ ذلك الشيء، وأضيف إليه على التخييلية (٢).
التيمي: يقال: حلا في الفم، وإن حَسُن في القلب والعين، يقال: حلا
بعيني.
(ق): ((حلاوة الإيمان)) عبارةٌ عَمَّا يجده المؤمن المُحقِّق في إيمانه؛
من انشراح صدره، وتنويره بمعرفة الله تعالى، ومعرفة رسوله وَّر، ومعرفة
مِنَه تعالى عليه في أن أنعم عليه بالإسلام، ونظَمَه في سِلْك ◌ُمَّة خير الأنام،
وحَبَّب إليه الإيمان، وكرَّه إليه الكفرَ والفُسوقَ والعِصيان، وأنجاه من قبيح
أفعال(٣) الكفار، ورَكيك أحوالهم، فعند مُطالعة هذه المِنَن يطير قلبه فرحاً
وسروراً، ويمتلئ إشراقاً وأنواراً، ولا يخلو أحد من المؤمنين عن إدراك
تلك الحلاوة، غير أنهم في تَمكّنها ودوامها مُتفاوتون، وما منهم إلا وله
(١) ما بين معكوفتين من ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤٤٤).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤٤٤).
(٣) في الأصل: ((أحوال)).
٦٠٧

منها شِرْبٌ معلوم(١).
(ن): معنى حلاوة الإيمان: استلذاذُ الطاعات، وتحمُّل المَشاقِّ في
رضا الله تعالى، وإيثار ذلك على هوى نفسه، وأغراض الدُّنيا، ومَن وجد
الإيمانَ؛ اطمأن به نفسُه، وانشرح له صدرُه، وخالط لحمَه ودمَه، وأحبَّ
اللهَ ورسولَه؛ بفعل الطاعة، وترك المخالفة.
إِنَّ المُحِبَّ لمَنْ أَحبَّ مُطِيعُ
وقيل: المحبة مواطأة القلب على ما يرضي الربّ سبحانه، فيُحِبُّ ما
أحبَّ، ويَكره ما كره، وبالجملة أصل المحبة: المَيْلُ إلى ما يوافق المُحَبَّ، ثم
الميل قد يكون لما يحبه الإنسان ويستلِذُّه؛ كحُسن الصورة، والصوت،
والطعام، ونحوها، وقد يستلذُّ بعقله للمعاني الباطنة؛ كمَحبَّة الصالحين،
والعلماء، وأهل الفضل مطلقاً، وقد يكون لإحسانه إليه، ودفع المكاره
والمضارِّ عنه.
وهذه المعاني كلَّها موجودة في النبيِّ ◌َِّ؛ لما جمع من جمال الظاهر
والباطن، وكمال خِلال الجَلال، وأنواع الفضائل، وإحسانه إلى جميع
المسلمين؛ بهدايته إياهم إلى صراط مستقيم، ودوام النعيم، والإبعاد عن
الجحيم، وقد أشار بعضُهم إلى أن هذا مُتصوَّر في حق الله تعالى؛ فإن الخير
کلَّه منه سبحانه.
وقال مالك وغيره: المَحبَّ في الله من واجبات الإسلام(٢).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢١٠).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٣).
٦٠٨

(ق): تأوَّل المُتكلِّمون محبة العبد لله تعالى بطاعته له، وتعظيمه إياه،
وموافقته له على ما يريده، وأما أرباب القلوب: فمنهم مَن لم يتأوَّل، وقال:
المَحبَّة لله هي المَيْلُ الدائم بالقلب الهائم.
وقال القُشيريُّ: هي حالة يجدها العبد من قلبه تلُطف عن العبارة، وقد
تحمله تلك الحالة على التعظيم الله تعالى، وإيثار رضاه، وقلَّة الصبر عنه،
ووجود الاستئناس بدوام ذكره.
وهذا الذي قالوه صحيح؛ إذ مَن اتصف بالعلوم الشريفة، والأفعال
الكريمة، والأخلاق الحميدة؛ لا بَد أن تميل إليه النفوس الزكية الفاضلة،
والقلوب الكاملة مَيْلاً عظيماً، لاسيّما إذا كان الموصوف بذلك الکمال قد
أحسن إلينا، وفاضت نعمُه علينا، ووصلنا برُّه وعطفُه ولُطفُه؛ تضاعف
ذلك المَيْل، وتجدَّد ذلك الأُنس، حتى لا نصبر عنه، بل يستغرقنا ذلك
الحال إلى أن نذهَل عن جميع الأشغال.
وإذا كان ذلك في حَقِّ مَن جمالهُ وكمالهُ [مقيَّداً مَشُوباً بالنقص معرّضاً
للزوال؛ كان من كماله وجماله](١) واجباً مطلقاً لا يَشُوبِه نقصٌ، ولا يعتريه
زوالٌ، وكان إنعامهُ وإحسانهُ أكثرَ؛ بحيث لا ينحصر ولا يُعَدُّ؛ أَوْلی بذلك
المَيل، وأحقَّ بذلك الحُبِّ، وليس ذلك إلا لله وحده، ثم لمَن خَصَّه الله
تعالى بما شاء من ذلك الكمال، وأكمل نوع الإنسان محمدٌ عليه أفضل
الصلاة والسلام، فمَن تحقَّق ما ذكرناه واتصف بما وصفناه؛ كان الله
ورسولُه أحبَّ إليه مِن سواهما(٢).
(١) ما بين معكوفتين من ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢١٤).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢١٢).
٦٠٩

(قض): المراد بالحُبِّ ههنا الحُبُّ العقلي الذي هو إيثار ما يقتضي
[العقلُ السَّلیمُ] رُجحانه، ويستدعي اختیارَه، وإن کان على خلاف الهوى،
ألا ترى أن المريض يعافُ الدواء، وینفِرُ عنه طبعُه، ویمیل إلیه باختياره،
ویهوی تناولَهُ بمقتضى عقله؛ لما علم أن صلاحَه فيه؟!
فالمَرءُ لا يؤمن إلا إذا تيقَّن أن الشارع لا يأمر ولا ينهى إلا بما فيه
صلاحٌ عاجليٍّ وإخلاص آجليٍّ، والعقل يقتضي ترجيحَ جانبه وكماله؛ بأن
تتمرَّن نفسه؛ بحيث يصير هواه تبعاً لعقله، ويلتذَّ به التذاذاً عقلياً؛ إذ اللذّة
إدراك ما هو كمال وخير من حيث هو كذلك، وليست بين هذه اللَّة
واللذَّات الحِسِّية نسبةٌ يُعتدُّ بها، والشارع عَبَّر عن هذه الحالة بالحلاوة؛
لأنها أظهرُ اللَّذائذ المحسوسة.
وإنما جعل هذه الأمور الثلاثة عُنواناً لكمال الإيمان المُحصِّل لتلك
اللذَّة؛ لأنه لا يتم إيمان امرئ حتى يتمكَّن في نفسه أن المُنعمَ والقادرَ على
الإطلاق هو الله تعالى، ولا مانح ولا مانع سواه، وما عداه وسائطُ لها،
وأن الرسول وسي﴿ هو العَطُوف الحقيقيُّ، السَّاعي في إصلاح شأنه، وإعلاء
مكانه، وذلك يقتضي أن يتوجَّه بشَراشِره(١) نحوه، ولا يُحِبُّ ما يحبه إلا
لكونه وسطاً بينه وبينه، وأن يتيقَّن أن جملة ما وعد به وأوعد حَقٌّ لا يحوم
الرَّيْبُ حوله، فيتيقن أن المَوعود كالواقع، وأن الاشتغال بما يؤول إليه
الشيءُ كمُلابسته، فيَحسَبُ مجالسَ الذِّكر رياضَ الجنة، وأكل مال اليتيم
أكلَ النار، والعَوْدَ إلى الكفر الإلقاءَ في النار(٢).
(١) أي: بكلِّيته.
(٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٤٠ - ٤٢).
٦١٠

(ن): إنما قال: ((مما سواهما))، ولم يقل: (ممن)؛ لأن (ما) أعمُّ،
وفيه: دليلٌ على أنه لا بأس بمثل هذه التثنية، وأما قوله للذي خطب،
وقال: (ومن يَعصِهما؛ فقد غوى): ((بئسَ الخَطِيبُ أَنْتَ))(١) فليس من هذا
النوع؛ لأن المراد من الخُطَب الإيضاحُ، لا الرُّموز، وأما ههنا: فالمراد
الإيجازُ في اللفظ؛ ليُحفظ، ومِمَّا يدل عليه ما جاء في ((سنن أبي داود)):
((مَنْ يُطِعِ اللهَ ورسُولَهُ؛ فَقَدْ رَشَدَ، ومَن يَعصِهمَا؛ فلا يَضُرُّ إلَّ نفَسهُ))(٢).
(ك): قال الأُصوليون: أمرَ بالإفراد؛ لأنه أشدُّ تعظيماً، والمقام يقتضي
ذلك(٣).
(قض): ثَنَّى الضمير ههنا؛ إيماءً إلى أن المعتبر هو المجموع المُرَّب
من المَحبَّين، لا كل واحدة؛ فإنها وحدها ضائعةٌ لاغِيَةٌ، وأمر بالإفراد في
حديث عَدِيٍّ؛ إشعاراً بأن كلَّ واحد من العصيانين مُسْتِقِلٌّ باستلزام الغِوَاية؛
فإن قوله: ((ومن عصى الله ورسوله))(٤) من حيث إن العطف في تقدیر التکریر،
والأصل فيه استقلال كلٍّ من المعطوف والمعطوف عليه في الحكم في قوة
قولنا: من عصی الله؛ فقد غوی، ومن عصی الرسول؛ فقد غوی.
(ط): هذا كلام حسَنٌ متين، ويؤيِّدُه الكتابُ والسُّنة، أما الكتاب:
فقوله: ﴿إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبَّكُمُ اللَّهُ ﴾ [آل عمران: ٣١]؛ حيث أوقع
(١) رواه مسلم (٨٧٠ / ٤٨)، من حديث عدي بن حاتم ضـ
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ١٥٩)، والحديث رواه أبو داود (١٠٩٧)، من
حديث ابن مسعود عظ. وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف سنن أبي داود))
(٢٠٢).
(٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١/ ١٠٢).
(٤) رواه مسلم (٨٧٠ / ٤٨)، من حديث عدي بن حاتم ضـ
٦١١

مُتابعتَهِ وَ﴿ مُكتَنَفَةً بين نظري محبة العباد لله، ومحبة الله العباد، وقوله:
﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَّمَّيِ مِنْكُمْ ﴾ [النساء: ٥٩]، لم يُعد ﴿ أَطِيعُوا﴾ في
﴿وَأُوْلِ الْأَمِّ مِنْكُمْ﴾ كما أعاد في ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾؛ ليؤذن بأنهم لا استقلالَ
لهم في الطاعة استقلالَ الرسول وَّه.
وأما السُّنة: فما روى الترمذيُّ، وأبو داود، وابن ماجَهْ عن المقدام بن
معد يكرب قال: قال رسول الله وَّهِ: ((ألا إنِّي أُوتِيتُ الكِتابَ ومِثلَهُ معَهُ،
لا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعانُ على أَرِيكَتِهِ يَقولُ: عَلَيْكُم بهذا القُرآنِ))(١).
* قوله : ((وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله)):
(ك): ((لا يحبه إلا الله)) جملة حالية [تحتمل] بياناً لهيئة الفاعل
والمفعول، أو كليهما معاً(٢).
(ق): يعني بـ ((المرء)) هنا: المسلمَ المؤمن؛ لأنه هو الذي يُمكِن أن
يُخلِصَ لله في محبته؛ فإنه هو الموصوف بالمَحبَّة الإيمانية، والمَحبَّة
الدِّينية؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: ١٠]، وكما قال:
﴿فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ: إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقد أفاد هذا الحديثُ أن محبة
المؤمن المُوصِلةَ لحلاوة الإيمان لابدَّ وأن تكون خالصةً لله، غيرَ مَشُوبة
بالأغراض الدُّنيوية، ولا الحُظوظ البشرية؛ فإن مَن أحبه لذلك؛ انقطعت
محبتُه؛ بأن حصل له ذلك الغرضُ، أو يئس من حُصوله، ومحبته المؤمن
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤٤٥)، والحديث رواه الترمذي (٢٦٦٤)، وأبو
داود (٤٦٠٤)، وابن ماجه (١٢). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع
الصغير)) (٢٦٤٣).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ١٠٠).
٦١٢

دائمةٌ، وُجدت الأغراضُ، أو عُدمت، ولمَّا كانت المَحبَّة للأغراض هي
الغالبةَ؛ قَلَّ وُجدان تلك الحلاوة، بل قد انعدم، لاسيَّما في هذه الأزمان
التي قد انمحى فيها أكثرُ الإيمان(١).
* قوله: ((أن يعود في الكفر»:
(ك): المشهور: عاد إليه مُعدَّىّ بكلمة الانتهاء، لا بآلة الظرف، وإنما
عَدَّاه بـ (في)؛ لأنه قد ضمَّن فيه معنى الاستقرار(٢)، كأنه قال: يعود مُستقرًّا
فيه، والكراهة: هي ضِدُّ الإرادة، ويستعمل عُرْفاً بمعنى التَّفير (٣).
(ن): ((يعود)) أو ((يرجع)) معناه يصير، وقد جاء العَوْدُ والرُّجوع بمعنى
الصَّيرورة(٤).
(ق): ((القذف)): الرَّمي، وهذه الكراهية موجَبةٌ؛ لما انكشف للمؤمن
[من] محاسن الإسلام، ولِمَا دخل قلبَه من نور الإيمان(٥).
٣٧٦ - وعن أبي هريرةَ ﴿ه، عن النَّبِيِّ وَِّ، قال: ((سَبْعَةٌ
يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ في
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢١٤).
(٢) في الأصل: ((الاستغراق)).
(٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ١٠٠).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٤).
(٥) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢١٥).
٦١٣

عِبَادَةِ اللهِ وَكَ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالمَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابًّا في
اللهِ، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ، وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ حُسْنٍ
وَجَمَالٍ، فقال: إنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ، فَأَخْفَاهَا
حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِياً، فَفَاضَتْ
عَيْنَاهُ))، متفقٌ عليه.
الثّاني
* قوله ◌َ: ((سبعة يظلهم الله في ظله)):
(ن): قال القاضي: إضافة الظُّلِّ إلى الله تعالى إضافةُ مُلك، وكل
ظل؛ فهو لله، ومُلكه، وخَلقُه، وسُلطانه، والمراد هنا: ظل العَرش؛ كما
جاء في حديث آخر مُبيِّناً، والمراد: يوم القيامة إذا قام الناس لربّ
العالمين، ودنت منهم الشمسُ، واشتدَّ عليهم حَرُّها، وأخذهم العَرَقُ، ولا
ظِلَّ هناك لشيء إلا العَرش، وقد يراد به ههنا: ظِلُّ الجنة، وهو نعيمُها،
والكون فيها؛ كما قال تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: ٥٧]، وقيل:
المراد بالظُّلِّ هنا: الكرامةُ، والكَنَفُ، يقال: فلان في ظِلِّ فلان؛ أي: في
كَنَفِه وحمايته.
قال القاضي: وهذا أولى الأقوال، وتكون إضافته إلى العرش؛ لأنه
مكان التقريب والكرامة، وإلا؛ فالشَّمسُ وسائرُ العالم تحت العَرش وفي
ظِلِّه(١).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٢٠).
٦١٤

(ط): (في ظله) تأكيد وتقرير لقوله: ((يظلهم))؛ فإن (يظلهم) يحتمل
أن يراد به ظِلُّه أوظلُّ، غيره، فجيء به؛ نفياً لظل الغير، وكذا قوله: ((يوم
لا ظل إلا ظله)» على نفي جنس الظل، وإثباتُ ظله تقريرٌ له؛ يعني: أن الله
يحرسهم من كَرْب الآخرة، ويَكنُفُهم في كَنَفَ رحمته؛ كما أنهم أخلصوا
أعمالهم لله تعالى؛ جعلهم تحت ظل رحمته؛ ولهذا السِّرِّ لم يقل: سلطان
عادل، بل قيل: ((إمام عادل))(١).
(ن): هو كلُّ مَن إليه نظرٌ في شيء من أُمور المسلمين؛ من الولاة
والحُكَّام، وبدأ به؛ لكثرة مصالحه، وعُموم نفعه(٢).
(ك): هو الواضع كلَّ شيء في موضعه، وقيل: المتوسط بين طرفي
الإفراط والتفريط، سواء كان في العقائد، أو في الأعمال، أو في الأخلاق،
وقيل: الجامع بين أُمَّهات كمالات الإنسان الثلاثة، وهي الحكمة، والشجاعة،
والعِفَّة، التي أوساط القوى الثلاث؛ أعني: القوة العقلية، والغَضَبية،
والشَّهوانية، وقيل: المطيع لأحكام الله تعالى، وقيل: المُراعي لحُقوق الرَّعيَّة(٣).
* قوله: ((في عبادة الله)):
(ن): هكذا هو المشهور في رواية هذا الحديث، ووقع في جميع
نسخ ((مسلم)): ((بعبادة الله)) بالباء، وكلاهما صحیح، ومعنى رواية الباء:
نشأ مُتَلَبِّساً بالعبادة، أو مُصاحباً لها، أو مُتعلِّقاً(٤).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٩٣٣).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٢١).
(٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٥ / ٤٦).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٢١).
٦١٥

(ق): نشأ؛ أي: نبت وابتدأ؛ أي: لم يكن له صَبْوةٌ(١)، وهو الذي
قال فيه في الحديث: ((عَجِبَ رَبُّكَ مِن شَابٌ ليسَتْ لهُ صَبْوةٌ) (٢)، وإنما كان
ذلك؛ لغلبة التقوى التي بسببها ارتفعت الصَّبْوةُ(٣).
(ك): لم يقل بدل ((شاب)): (رجل)؛ لأن العبادة في الشباب أشدُّ
وأوثقُ؛ لكثرة الدَّوَاعي، وغلبة الشَّهوات، وقُوَّة البَواعث على متابعة الهوى (٤).
(ن): ((قلبه معلق)» هكذا هو في أكثر النسخ، وفي بعضها: (متعلق)
بالتاء، وكلاهما صحيح، ورُوي: ((في المساجد))، و((بالمساجد))، ومعناه
شديدُ الحُبِّ لها، والمُلازمة للجماعة فيها، وليس معناه دوامَ القعود فيها،
ومعنى ((اجتمعا عليه وتفرقا عليه))؛ أي: كان سببُ اجتماعهما حُبَّ الله
تعالى، واستمرّا على ذلك حتى تفرّقا من مجلسهما، وهما صادقان في
حُبِّ كلِّ واحد منهما صاحبه لله تعالى حالَ اجتماعهما واقترافهما.
وفي هذا الحديث: الحَثُّ على التحابٌّ في الله تعالى، وبيان عِظَم
فضله، وهو من المُهِمَّات؛ لأن الحُبَّ في الله، والبُغْضَ في الله مِن الإيمان،
وهو بحمد الله كثير، يُوقَّق له أكثر الناس(٥).
* قوله: ((إني أخاف الله)):
(١) في هامش الأصل: ((الصَّبْوة: المَيْلُ إلى الهوى)).
(٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٤ / ١٥١)، من حديث عقبة بن عامر ظته. وهو
حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (١٦٥٨).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٧٥).
(٤) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٥/ ٤٦).
(٥) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٢١).
٦١٦

(ن): قال القاضي: يحتمل قولَه باللِّسان، ويحتمل قولَه في قلبه؛
ليزجرَ نفسَه، وخَصَّ ذات المَنصِب والجمال؛ لكثرة الرغبة فيها، وعُسر
حُصولها، وهي جامعةٌ للمَنصِب؛ أي: الحَسَب، والنَّسَب الشريف،
والجَمال، لاسيَّما وهي داعيةٌ إلى نفسها؛ أي: إلى الزِّنا بها، فالصبر عنها؛
لخوف الله تعالى مِن أكمل المراتب، وأعظم الطاعات.
قال القاضي: ويحتمل أنها دَعَتْه لنكاحها، فخاف العَجْزَ عن القيام
بحَقِّها، أو أن الخوف من الله تعالى شغله عن لذَّات الدُّنيا وشهواتها،
والصواب الاحتمال الأول(١).
(ق): امتناعه لخوف الله تعالى دليلٌ على عِظَم معرفته بالله تعالى،
وشِدَّة خوفه من عقابه، ومتين تقواه وحيائه من الله تعالى، وهذا هو المقام
اليوسفيُّ، انتھی(٢).
أنشدوا لدى الإمام نوَّر الله ضريحَه؛ حيث عَرض له هذا الحَالُ:
وفي الهَوى أَحْوَالُها كحَالي
ومُشْتَهِىَ طَبْعاً بَبَيْتٍ خَالي
تَركتُها من خَوفِ ذِي الجَلالِ
لا خوفَ لي عِرْضاً ولا فِي مَالي
منَ الهَوى بحَيثُ زالَ لُبِّي
ويَعلمُ اللهُ بِمَا فِي قَلْبِي
ومِنْ سُؤالِي عِلْمُه بحَالي
إذ رَاوَدَثْنِي قُلتُ حَسْبِي ربِي
(ط): هذا هو المقام الدَّحْضُ، الذي لا تثبت فيه إلا أقدام المُخلِصين،
(١) المرجع السابق (٧/ ١٢٢).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٧٦).
٦١٧

قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَ ا فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ
اٌلْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١]، سمعت والدي قَدَّس الله سِرَّه يقول: كان من
التابعين فتىّ جميلُ الصورة، وضِيءُ الوجه، راودته امرأة ذاتُ حَسَب
وجمال، فامتنع، فأبت إلا ما أرادت، فغَلَّقتَ الأبوابَ، فلما اضطر؛ آذَنَ
لدخول الخلاء فلوَّث ثيابَه بالعَذِرَة ووجهَه، وخرج، فلمَّا رأته؛ طردته، فرأى
يوسفَ في المنام، فشكر صنيعَه، وبزَق في فَمِهِ، فَرُزق علمَ رؤيا المنام،
وتأويل الأحاديث(١).
* قوله: «ما تنفق يمينه» :
(ن): فيه: فضل صدقة السِّرِّ، قال العلماء: وهذا في صدقة التطوع، والسِّرُّ
فيها أفضل؛ لأنه أَقربُ إلى الإخلاص، وأبعدُ من الرِّياء، وأما الزكاة الواجبة:
فإعلانها أفضل، وهكذا حكم الصلاة، فإعلان الفرائض أفضلُ، وإسرار النوافل
أفضل، وذكر اليمين والشمال؛ مُبالغةً في الإخفاء والإسرار بالصدقة، وضربَ
المثَلَ بهما؛ لقُرب اليمين، أو لملازمتها لها، ومعناه: لو قُدِّرت الشِّمال رجلاً
مُتيقّظاً؛ لَما علم صدقة اليمين؛ لمُبالغته في الإخفاء، ونقل عن بعضهم: أن
المراد مَن على يَمينه وشِماله من الناس، والصَّوابُ الأوَّل(٢).
(ق): قد سمعنا من بعض المشايخ في المبالغة في الإخفاء: أن ذلك أن
يتصدق على الضعيف في صُورة المشتري، فيدفعَ له درهماً مثلاً في شيء
يساوي نصفَ درهم، فالصورة مُبايعةٌ، والحقيقة صدقةٌ، وهو اعتبار حسَنٌ (٣).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣ / ٩٣٣).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٢٢).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٧٧).
٦١٨

* قوله وخلفه: ((ورجل ذكر الله خالياً):
(ق): يعني: من الخلق، ومن الالتفات إلى غير الله، وفَيْضُ العين:
بكاؤها، وهو على حسَب حال الذِّكر، وبحسَب ما ينكشف له من أوصافه
تعالى، فإن انكشف له غضبُه وسَخَطُه؛ فبكاؤه عن خوف، وإن انكشف له
جمالُهُ وجَلاله؛ فبكاؤه عن مَحبَّةٍ وشوق، وهكذا يتلوَّن الذاكر بتلوُّن
ما يَذْكرُ من الأسماء والصِّفات(١).
(ن): فيه: فضيلة البكاء من خشية الله تعالى، وفضل طاعة السرِّ؛
لکمال الإخلاص فیھا(٢).
(ك): أسند الفَيْضَ إلى العين، وإن كان الدَّمعُ هو الفائضَ؛ مُبالغةً،
كأنها الفائضُ، فإن قلت: المذكور ثمانيةٌ؛ لأنه قال: (رجلان تحابا).
قلت: لمَّا كانت المَحبَّةُ أمراً نِسبيًّا لا بُدَّ لها من المُنتسبين؛ وذكرها
كذلك، والمراد رجل يُحبُّ غيرَه في الله، فإن قلت: أهذا مختصٌّ بالرجل
أم النساء أيضاً كذلك؟
قلت: لیس مُختصًا.
قال أكثر الأصوليين: أحكام الشرع عامَّةٌ لجميع المُكلَّفين، وحكمه
على الواحد حكمٌ على الجماعة، إلا ما دَلَّ الدليلُ على خُصوص البَعْض،
وأما التخصيص بذكر هذه السبعة: فيحتمل أن يقال فيه ذلك؛ لأن الطاعة؛
إما أن تكون بين العبد وبين الله، أو بينه وبين الخلق، والأول؛ إما أن يكون
(١) المرجع السابق، الموضع نفسه.
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٢٣).
٦١٩

باللِّسان أو بالقلب، أو بجميع البدن، والثاني؛ إما أن يكون عامًّا، وهو
العدل، أو خاصًّا، وهو إما من جهة النفس، وهو التحابُّ، أو من جهة
البدن، أو من جهة المال، انتھی(١).
أنشد الإمام شهابُ الدِّين عبدُ الرَّحمن بن أبي شامة :
يُظِلُّهُمُ اللهُ الكَرِيمُ بظِلِّهِ
وقالَ النَّبِيُّ المُصطَفى إنْ سَبْعَةٌ
وبَاكٍ مُصَلِّ وَالإِمَامُ بِعَدْلِهِ
عَفِيفٌ مُحِبُّ نَاشِئٌ مُتَصَدِّقٌ
* قوله: ((سبعة يظلهم الله)) ليس فيه انحصارُ الإظلال في هؤلاء؛ فإن
التخصيصَ بالعدد لا يدل على الزائد والناقص؛ كما تقرر في الأُصول، وقد
ورد الإظلالُ في ظِلِّ العَرش لجماعة أُخرَ؛ منها: قوله وَِّ: ((مَن أَنْظرَ
مُعْسِراً، أو وضَعَ عنه؛ أَظلَّه اللهُ في ظِلِّهِ))، رواه مسلم في ((صحيحه))،
ولفظه: ((وضع له))، والترمذيُّ، وقال: حديث حسَنٌ صحيح، والبَغَويُّ،
وحسّنه(٢)، ومعنى (وضع له)، أي: ترك له شيئاً ممّا له عليه.
وعن رجل من الأنصار - وكان بدرياً - قال: قال رسول الله وَّ: (مَن
أَحبّ أن يَستظِلَّ - أوَ يُظِلَّهُ اللهُ - مِن فَيْحِ جَهَنَّمَ، أَو مِن فَوْحِ جَهِنَّمَ؟))، فقال
القوم كلُّهم: نحن يا رسول الله، قال: ((مَن أَنَظرَ مُعْسِراً، أو وضَعَ عَن
غَرِيمِه))، رواه عبدُ بن حُمَيد(٣).
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٥ / ٤٧).
(٢) رواه مسلم (٣٠٠٦)، والترمذي (١٣٠٦)، والبغوي في ((شرح السنة)) (٢١٤٢)،
من حديث أبي اليسر ﴾.
(٣) رواه عبد بن حميد في ((مسنده)) (٣٧٨).
٦٢٠