Indexed OCR Text
Pages 581-600
ولا أُمَ لك، ولم يُرد وقوعُ الأمر، وقيل: قصد بها وقوع الأمر؛ لتعدِّيه ذواتِ الدِّين إلى ذوات المال والجمال، ومعناه: تربت يداك إن لم تفعل ما أَمرتُك به، والأوَّل أَوْلِى(١). (ط): إنما كان الأوَّل أوجهَ؛ لأنه من باب العكس تعجُّباً؛ وذلك أنهم إذا رأوا مِقْدَاماً أبلى في الحرب بلاء حسناً؛ يقولون: قاتله الله ما أشجعه! إنما يريدون به ما يزيده قُوَّة وشجاعة، كذلك ما نحن فيه؛ فإن الرجل إنما يؤثر تلك الثلاثة على ذات الدِّين؛ لإعدامها مالاً وجمالاً وحسباً، فينبغي أن يُحمَل الدُّعاء على ما يُجَّب عنه [من] الفقر؛ أي: عليك بذات الدِّين يُغْنِك الله، فيوافق معنى الحديث النصَّ التنزيلي: ﴿وَأَنكِحُواْ الْأَيَمَى مِنكُمْ وَالصَِّحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَآَبِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ الَّهُ مِن فَضْلِ ﴾ [النور: ٣٢](٢). (حس): رُوي أن رجلاً جاء إلى الحسن، فقال: إن لي بنتاً أُحبُّها، وقد خطبها غيرُ واحد، فمن تشير عليَّ أن أُزْوِّجَها؟ قال: زوَّجها رجلاً يتقي الله؛ فإنه إن أحبَّها؛ أكرمها، وإن أَبغضَها؛ لم يَظلِمْها، انتهى(٣). قال الإمام الغزاليُّ: ينبغي لمن أراد النكاحَ أن يعتنيَ بصَلاح المرأة ودينها؛ فإنها إن كانت ضعيفةَ الدِّين في صيانة نفسها وفَرْجها؛ أَزْرَت بزوجها، وسَوَّدت بين الناس وجهه، وشؤَّشت بالغَيْرة قلبَه، وتَنَغَّص بذلك عيشُه، فإن سلك فيه سبيلَ الحَمِيَّة والغَيْرة؛ لم يزل في بلاء ومِحْنة، وإن (١) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (٩/ ٨). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧ / ٢٢٥٨). (٣) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (٩ / ١١). ٥٨١ سلك سبيل التَّساهُل؛ كان مُتهاوناً بدينه وعِرْضه، ومنسوباً إلى قِلَّة الحَمِيّة والأَنفَة . وإذا كانت مع الفساد جميلةً؛ كان بلاؤها أشدَّ؛ إذ يشُقُّ على الزوج مفارقتها، فلا يصبر عنها، وإن كانت فاسدةَ الدِّين باستهلاك ماله أو بوجه آخر؛ لم يزل العيشُ مُشوَّشاً معهما، وإن سكت [و] لم ينكر؛ كان شريكاً في المعصية؛ لقوله تعالى: ﴿قُوَاْأَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْنَارًا﴾ [التحريم: ٦]، وإن أنكر وخاصم ومنع؛ تَنَّص العيشُ؛ ولهذا بالغ رسول الله وَّهِ بقوله: ((فاظفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ)(١)، وفي حديث آخر: ((مَنْ نكحَ المَرأةَ لِمَالِها وجَمَالِها؛ حُرِمَ مَالَها وجَمالَها؛ ومَن نكَحَها لِدِينِهَا؛ رزقَهُ اللهُ مالَها وجَمَالَها))(٢)، وقال أيضاً: ((لا تَنْكِحِ المَرَأَةَ لجَمَالِها؛ فلعَلَّ جَمالَها يُردِيها، ولا لِمَالِها؛ فلعَلَّ مالَها يطُغِيها، وانكِحِ المَرأةَ لِدِينها))(٣)، وإنما بالغ في الحَثِّ على الدِّين؛ لأن مثلَ هذه المرأة يكون عَوْناً على الدِّين، انتهى(٤). وفي ((المعجم الكبير)) للطبرانيٍّ عن أنس مرفوعاً: ((من تَزْوُّجَ امرأةٌ (١) رواه البخاري (٤٨٠٢)، من حديث أبي هريرة ـ ـُه . (٢) رواه الطبراني في ((مسند الشاميين)) (١/ ٢٩)، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٥/ ٢٤٥)، وابن حبان في ((المجروحين)) (٢/ ١٥١)، من حديث أنس ، بنحوه. وفيه عبد السلام بن عبد القدوس بن حبيب، قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٤ / ٢٥٤): ضعيف . (٣) رواه ابن ماجه (١٨٥٩) بنحوه من حديث عبدالله بن عمرو حولها. قال الحافظ العراقي في ((المغني عن حمل الأسفار)) (١ / ٣٨٣): سنده ضعيف. (٤) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٢ / ٣٧). ٥٨٢ لِعِزِّها؛ لم يَزِدْهُ اللهُ إلَّ ذُلاً، ومَن تزوَّجَها لِمَالِها؛ لم يَزِدْهُ اللهُ إلاَّ فقَرْاً، ومَن تزوَّجَها لحُسْنِها؛ لم يَزِدْهُ اللهُ إلَّ دَمامةً، ومَن تَزوَّج امرَأةً لم يُرِد بها إلا أن يَغُضَّ بصرَهُ، أو يُخْصِنَ فَرْجَه، أو يَصِلَ رَحِمَه؛ باركَ اللهُ فيها، وبارَكَ لهَا فِيهِ))، رواه الدَّيلميُّ في ((مسند الفردوس))(١). ٣٦٥ - وعنْ ابنِ عباسٍ ﴾، قال: قال النبيُّ ◌َ* لِجِبْرِيلَ: (مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَزُورَنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا؟))، فَنَزَلَتْ: ﴿ وَمَا نَتَغَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِكٌ لَهُ, مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [مريم: ٦٤]، رواه البخاري. (التَّاكِينِ ) ١١٧،١ فيه: استحبابُ طلب الزيارة من الصالحين وأهل الخير، والتبرك بهم، وزيارتهم والتقُّب إليهم. ٣٦٦ - وعن أبي سعيدِ الخُدْرِيِّ ◌َلُ، عن النبي ◌ِِّ، قال: (لاَ تُصَاحِبْ إلاَّ مُؤْمِناً، وَلاَ يَأْكُلْ طَعَامَكَ إلاَّ تَقِيٌّ))، رواه أبو داود، والترمذي بإسْنَادٍ لا بأس بِهِ . (١) رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٢٣٤٢). وفيه عبد السلام بن عبد القدوس، وهو ضعيف كما تقدم قريباً. ٥٨٣ التَّائِّةُ) * قوله ◌َفي: ((لا تصاحب إلا مؤمناً): (ط): (المؤمن) يجوز أن يراد به العامُّ، وأن يراد به الخاصُّ الذي يقابله الفاسق؛ لقوله تعالى: ﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا﴾ [السجدة: ١٨]، المعنى: لا تُصاحِب إلا صالحاً وقوله: ((لا يأكل)) نهيٌّ لغير التقيِّ أن يأكل طعامَه، والمراد نهيُه عن أن يتعرَّضَ لِما لا يأكل التقيُّ طعامَه من كسب الحرام، وتعاطي ما لا يَنفُر عنه التقيُّ، فالمعنى: لا تُصاحب إلا مُطيعاً، ولا تُخالِل إلا تقيًّا(١). (خط): حَدَّر ◌َِّ عن صُحبة مَن ليس بتقيٍّ، وزجر عن مخالطته ومُؤاكلته؛ لأن المُطاعمة تُوقِعُ الأُلفة والمَودَّة في القلوب، والمراد بالطعام هو الذي هيأه لنفسه، وهو مشغول بأكله؛ أي: لا تؤاكل إلا الأتقياءَ، سواء طلبوك أوطلبتهم، وليس معناه أن لا ينفق إلا على الأتقياء؛ فإن إطعام الطعام مَحمودٌ ممدوحٌ مُرغَّبٌ فيه لكل جائع، سواء كان مسلماً أو كافراً، وقد مدح الله سبحانه مَن يطعم الكُفَّار فقال: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨]، وأراد بالأسير الكافرَ؛ فإن المسلم لا يكون أسيراً في أيدي المسلمین، انتهى(٢). روي أنه استضاف مَجُوسيٌّ إبراهيمَ الخليل عليه السلام، فقال بشرط أن تُسلِم، فمرَّ المَجُوسيُّ، فأوحى الله إليه: منذ خمسين سنةً نُطْعِمُه على (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٠٦). (٢) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٤ /١١٤). ٥٨٤ كُفره، فلو ناولته لُقمةً من غير أن تطالبَه بتغيير دينه، فمضى إبراهيمُ عليه السلام على أثَرِه، واعتذر إليه، فسأله عن السبب، فذكر له، فأسلم المَجُوسيُّ. ٣٦٧ - وعن أبي هريرةَ ◌َُ: أن النبي ◌َِّ قال: ((الرَّجُلُ عَلى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ))، رواه أبو داود، والترمذي بإسنادٍ صحيح، وقال الترمذي: حديثٌ حسنٌ. (الثَّاصُِ)) * قوله ويتلقى: ((الرجل على دين خليله)): (نه): ((الدِّين)): العادة، يريد به أخلاقَه، و((الخُلة)) بالضم: الصداقة والمحبة التي تخللت القلبَ، فصارت خِلالَه؛ أي: في باطنه، و((الخليل)): فعيل بمعنى مُفاعِل، أو مفعول، انتهى(١). قال بعضُ العلماء: إن الإنسان يَرتضخ من خليله أخلاقَه، وأقوالَه، وأفعاله، ويسلك طريقَه، فإن كان صالحاً؛ صلح بمُخاللته، وإن كان طالحاً؛ طلح. وقيل: إياك ومجالسةَ الشِّرِّير؛ فإن طبعَك يَسرِقُ من طبعه، وأنت لا تدري، فكأنه وَّ يأمر أن لا يُخالَّ إلا الصالحُ والمُصلِحُ الكريم المُفلِحِ، (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٧٢). ٥٨٥ الذي يُحسِّن لك الحسنَ، ويُقبِّح القبيح، ولا يردُّك عن هَذْي، ولا يدعوك إلى رَدِيٍّ، وفائدة الحديث: [الحثُّ] على اختيار الخليل، والبحث عن أحواله، ثم الإقدام على صُحبته وخلاله. قال الشيخ أبو حامد الغزاليُّ: مُجالسةُ الحَريص ومُخالطته تجزُّك إلى الحِرْص، ومُجالسة الزَّاهد ومُخاللتُه تزهِّد في الدُّنيا؛ لأن الطّباع مجبولةُ على التشبُّه والاقتداء، بل الطبع يسرقُ من الطبع من حيث لا يدري(١). ٣٦٨ - وعن أَبَي موسى الأشْعَرِيِّ ه: أن النبي ◌َِّ قال: ((المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ))، متفقٌ عليه. وفي رواية قال: قِيلَ لِلنَّبِيِّ نَّهِ: الرَّجُلُ يُحِبُّ القَوْمَ، وَلمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ؟ قال: ((المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ». ء دارـ * قوله ويتلقى: ((المرء مع من أحب)) سبق في الحديث السابع من (الباب الثاني). ٣٦٩ - وعن أَنَسِ هِ: أَنَّ أَعرابياً قالَ لرسولِ اللهِوَّهِ: مَتَى (١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٢ / ١٧٣). ٥٨٦ السَّاعَةُ؟ قالَ رسولُ اللهِ: ((مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟))، قال: حُبَّ اللهِ ورسولِهِ، قال: ((أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَيْتَ))، متفقٌ عليه، وهذا لفظ مسلم . وفي روايةٍ لهما: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ كَثِيرِ صَوْمٍ، وَلَ صَلاةٍ، وَلَاَ صَدَقَةٍ، وَلكِنِّي أُحِبُّ الله وَرَسُولَهُ. ٣٧٠ - وعن ابن مسعودٍ ﴿، قال: جَاءَ رَجُلٌ إلى رسولِ اللهِ وَّهِ فَقَالَ: يَا رَسولَ الله! كَيْفَ تَقُولُ فِي رَجُلِ أَحَبَّ قَوْماً، وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ؟ فقال رسولُ اللهِّهِ: «المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ))، متفقٌ عليه. [الَشْرُ)] * قوله ريقال: ((ما أعددت لها؟»: (ط): سلك مع السائل طريقَ أسلوب الحكيم؛ لأنه سأل عن وقت الساعة، وأيّانَ إرساؤُها، فقيل له: ﴿فِيَ أَنْتَ مِن ذِكْرَهَا﴾ [النازعات: ٤٣]، وإنما يَهُمُّك أن تهتمَّ بأُهبتها، وتعتنيَ بما ينفعك عند إرسائها؛ من العقائد الحَقّة، والأعمال الصالحة، فأجاب بقوله: ((ما أعددت لها إلا أني أحب الله ورسوله»(١). (١) كذا في الأصل و((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠/ ٣٢٠١)، ولعل الصواب أن يكتفي بقوله: ((ما أعددتَ لها؟))، دون زيادة: ((إلا أني ... ))؛ لأن الذي أجاب هو رسول الله وَّله بقوله: ((ما أعددت لها))، قال القاري في ((مرقاة المفاتيح)) (٩/ ٢١٤) بعد نقله كلام الطيبي هذا: (ويُعْده من المبنى والمعنى لا يخفى). ٥٨٧ وقوله: ((أنت مع من أحببت))؛ أي: مُلحَقٌ بهم، وداخل في زُمرتهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّلِحِينَّ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩](١). قوله: ((ما أعددت لها كثير صلاة ولا صدقة)): (ق): يعني بذلك: النوافلَ؛ من الصلاة، والصوم، والصدقة؛ لأن الفرائضَ لا بُدَّ له منها، فيكون معناه أنه لم يأت منها بالكثير الذي يَعتمِدُ عليه، ويرتَجِي دخولَ الجنة بسببه، هذا ظاهره، ويحتمل أن يكون أراد أن الذي فعله من تلك الأُمور وإن كان كثيراً؛ فإنه مُحتقَرٌ بالنسبة إلى ما عنده من مَحبَّة الله ورسوله، فكأنه ظهر له أن مَحبَّة الله ورسوله أفضل الأعمال، فجعلها عُمدتَه، واتخذها عُدَّتَه، وأَعظِمْ بأمر يُلحق المُقصِّرَ بالمُشمِّر، والمُتأخِّر بالمُتقدِّم! ولما فهم أنس بن مالك ﴿ أن هذا اللفظَ مَحمولٌ على عُمومه؛ عَلَّق به رجاءَه، وحَقَّق فيه ظَنَّه، فقال: فأنا أُحِبُّ الله ورسوله، وأبا بكر، وعُمرَ؛ فأرجو أن أكون معهم، وإن لم أعمل بعملهم، والوجه الذي تعلَّق به أنسٌ يشمل المُسلمين المُحبِّن كلَّ نفس؛ فلذلك تعلَّقت أطماعُنا بذلك، وإن كنا مُقصِّرين، ورجونا رحمةَ الرحمن، وإن كنا غيرَ مستأهلين(٢). (١) انظر: ((شرح المشكاة) للطيبي (١٠ / ٣٢٠١). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٤٧). ٥٨٨ ٣٧١ - وعن أبي هُريرةَ ◌َُه، عن النبيِّ وَّهِ، قال: ((النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادنِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، خِيَارُهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ في الإِسْلامِ إِذَا فَقِهُوا، وَالأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا، ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا، اخْتَلَفَ))، رواه مسلم. وروى البخاري قوله: («الأرْوَاحُ ... )) إلخ من رواية عائشةً رضي الله عنها. (الثَّانِيُ عَشَر) (نه): ((مجندة))؛ أي: مجموعة؛ كما يقال: أُلُوف مُؤلّفة، وقناطيرُ مُقنطَرَةٌ، ومعناه: الإخبار عن مبدأ كون الأرواح، وتقدُّمها على الأجساد؛ أي: أنها خُلقت أول خِلْقَتها على قسمين من ائتلاف واختلاف؛ كالجنود المجموعة إذا تقابلت وتواجهت، ومعنى تقابل الأرواح: ما جعلها الله عليه من السَّعادة، والشَّقاوَة، والأخلاق في مبدأ الخلق، يقول: الأجساد التي فيها الأرواح تلتقي في الدنيا، فتأتلف وتختلف على حسب ما خُلقت عليه؛ ولهذا ترى الخيِر يُحِبُّ الأخيارَ، ويَميل إليهم، والشِّرِّير يُحِبُّ الأشرارَ، ويَميل إليهم(١). (ن): أما تعارفها: فهو لأمر جعلها الله تعالى عليه، [وقيل: إنها موافقة صفاتها التي جعلها الله عليها] (٢) وتناسبها في شِيَمها، وقيل: لأنها خُلقت مجتمعة، ثم فَرِّقت في أجسادها، فمَن وافق بشِيَمه؛ ألفه، ومن (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١/ ٣٠٥). (٢) ما بين معكوفتين من ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٨٥). ٥٨٩ باعده؛ نافره وخالفه(١). (ق): ولهذا شاع قولُهم: المناسبة تؤلف بين الأشخاص، والشَّكل يألفُ شكله، والمِثْلُ يجذب مثلَه، وقيل في معنى: ((ما تعارف ... )) إلى آخره: هو ما تعرَّف الله تعالى به إليها من صفاته، ودلّها عليه من لُطفه وأفعاله، فكل رُوح عَرفَ من الآخر أنه تعرَّف إلى الله بمثل ما تعرَّف هو به إليه، ويستفاد من هذا الحديث: أن الإنسان إذا وجد من نفسه نَفْرةً مِمَّن له فضيلة أو صلاح، فتش عن المُوجِب لتلك النَّفْرة، وبحث عنها بنور العلم؛ فإنه يَنكشِفُ له، فيتعين عليه أن يسعى في إزالة ذلك بالرِّياضة السِّياسية، والمُجاهدة الشرعية، حتى يتخلَّص من ذلك الوصف المذموم، فيميلَ إلى أهل الفضائل والعلوم، وكذلك القول فيما إذا وجد ميلاً لمَن فيه شرٌّ أو وصفٌ مَذمومٌ، انتهى(٢). قال الإمام الغزاليُّ: روي عنه ◌َّهِ: ((الأَروَاحُ جُنودٌ مُجَنَّدَةٌ، تلتقي فتَشام كما تَشْامُّ الخَيْلُ، فمَا تعارفَ منها؛ ائتلفَ، وما تنَكَر منها؛ اختَلفَ))(٣)، وروي عنه وَّهِ: (لو أنَّ مُؤمناً جاءَ إلى مَجلِسٍ فيه مائةُ مُنافِقٍ، وليسَ فِيهمْ إلاَّ مُؤْمِنٌ؛ لَجاءَ حتَّى جلسَ إليه، ولو أنَّ مُنافِقاً دخل إلى مَجلِسٍ فيه مائةُ مُؤمنٍ، ومُنافق واحد؛ لَجاءَ حتَّى جلسَ إليه)(٤). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٨٥). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٤٥). (٣) رواه الطبراني في (المعجم الأوسط)) (٥٢٢٠)، من حديث علي ظُه، بنحوه، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (١٤١١). ورواه بلفظه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٩٠٣٨)، من حديث ابن مسعود موقوفاً. (٤) هو تتمة الحديث السابق عند البيهقي . ٥٩٠ وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كانت امرأةٌ بمكَّةَ تدخل على نساء قريش تُضحِكُهن، فلمَّا هاجرت إلى المدينة؛ دخلت المدينة، [قالت عائشة]: دخلت عليَّ، قلت: فلانةُ ما أقدمك؟ قالت: إليكن، قلت: فأين نزلت؟ قالت: على فلانةَ، امرأة مُضحِكة بالمدينة، فدخل رسول الله وَلآ، قلت: يا رسولَ الله؛ دخلت فلانةُ المُضحِكة؟ قال ◌َّهِ: ((فَعَلى مَنْ نزلَتْ؟)) قلت: على فلانةَ، قال: المُضحكةُ؟ قلت: نعم، قال: ((الحمدُ لله؛ إنَّ الأَروَاحَ جُنودٌ مُجَنَّدةٌ)) الحديث. وهذا يدلُّ على أن شِبْهَ الشيء مُنجذِبٌ إليه بالطبع، وإن كان هو لا(١) يشعر به، قال الشاعر: وشِبْهُ الشَّيءِ مُنجَذِبٌ إِلَیْهِ وأَشْبَهُنا بدُنيَانا الطّغَام وكان مالك بن دينار يقول: لا يتفق اثنان في عشرة إلا وفي أحدهما وصفٌ من الآخر، وإن أشكالَ الناس كأجناس الطيور، فلا يتفق نوعان من الطير في الطَّيَران إلا وبينَهُما مناسبةٌ، قال: فرأى يوماً غُراباً مع حمامة، فتعجب من ذلك، فقال: اتفقا وليسا من شكل واحد! ثم طارا، فإذا هما أعرجان، فقال: من ههنا اتفقا (٢). (حس): فيه: دليلٌ على أن الأرواح ليست بأعراض، وأنها كانت موجودة قبل الأجساد في الخِلْقة، وأنها تبقى بعد فناء الأجساد؛ كما أخبر النبيُّ وَِّ عن الشهداء: ((إنَّ أرواحَهُم في جَوْفِ طَيْرِ خُضْرٍ تَسْرَحُ في الجَنَّة (١) في الأصل: ((كانوا هؤلاء)). (٢) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٢ / ١٦١). ٥٩١ حيثُ شَاءَتْ))(١). (ط): الفاء في قوله: ((فما تعارف منها)) للتعقيب أتبعت المُجمَل بالتفصيل، فدل قوله: (ما تعارف) على تقُّدم اشتباك واختلاط في الأزل، ثم تفرّق بعد ذلك في اللايزال أزمنةً مُتطاولة، ثم ائتلافٍ بعد التَّعارُف، كمَن فقد أنيسَه وأليفَه، ثم اتصل به، فلزمه وأَنِس به. ودلّ قوله: ((وما تناكر)) على أن ذلك الفقيدَ لحِقَ لمَن لم يكن له سَبْقُ اختلاط معه، فاشمأزَّ منه، وفارقه، ودلَّ تشبيه الأرواح بالجُنود المُجنَّدة على أن الاجتماعَ في الأزل كان لأمر عظيم وخَطْب جَسِيم، ومِن عادة الأجناد المتحزِّبة أن يُسوَّمَ كلُّ واحد من أحد الحزبين بعلامة ترفع التناكرَ من البیْن، فمتى شاهدوها؛ ائتلفوا. فعلى هذا بنى قوله: ((فما تعارف منها؛ ائتلف، وما تناكر منها؛ اختلف)»، فهو تفريع على التشبيه بمنزلة ترشيح الاستعارة، وهذا التعارف إلهاماتٌ يقذفها(٢) الله في قلوب العباد من غير إشعار منهم بالسَّابقة، ولا يمنع من هذا التعارف فَصلُه بالأباعد والأجانب، ولا تضعُّه شُجْنَةٌ الأرحام والأوَاصِر، قال : كَانَتْ مَوَدَّةُ سَلْمَانٍ لَهُ نَسَباً ولم يَكُنْ بینَ نُوح وائِنِهِ رَحِمُ ولم يَحْظَ به آل قُصَيٍّ، وحَظِيت به أُمُّ مَعْبَد، ولا يدفعُه بُعْدُ الدار، ولا یجمعُه قُربُها. (١) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١٣ / ٥٧). (٢) في الأصل: ((يقدمها)). ٥٩٢ وإلاَّ فأينَ التُّركُ مِن سَاكِنِي نَجْدِ(١) مُناسَبةِ الأروَاحِ بَيْني وبَيْنَها ٣٧٢ - وعن أُسيْرِ بْنِ عَمْرٍو - وَيُقَالُ: ابْنُ جابِر - وهو بضم الهمزةِ وفتح السين المهملة، قال: كَانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﴾ إذا أَتَى عَلَيْهِ أَمْدَادُ أَهْلِ اليَمنِ، سَأَلَهُمْ: أَفِيَكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ حَتَّى أَتَى عَلى أُوَيْسٍ ﴾، فقال له: أَنْتَ أُوَيْسُ بْنُ عامِرٍ؟ قال: نَعَمْ، قال: مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرٍَ؟ قال: نَعَمْ، قال: فَكَانَ بِكَ بَرَصٌ، فَبَرَأْتَ مِنْهُ إِلَّ مَوْضِعَ دِرْهَمٍ؟ قال: نَعَمْ، قال: لَكَ وَالِدَةٌ؟ قال: نَعَمْ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِلَّهُ يقول: ((يَأْتِي عليكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ اليَمَن، مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ، فَبَرَأَ مِنْهُ إِلَّ مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٍّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلى الله لِأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ، فَافْعَلْ))، فَاسْتَغْفِرْ لي، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، فقال له عُمَرُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قال: الكُوْفَةَ، قال: ألا أَكْتُبُ لَكَ إِلى عَامِلِهَا؟ قال: أَكُونُ فِي غَبْرَاءِ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ العَامِ المُقْبِلِ، حَجَّ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، فَوَافَىَ عُمَرَ، فَسَأَلَهُ عَنْ أُوَيْسٍ، فقال: تَرَكْتُهُ رَثَّ البَيْتِ، قَلِيلَ المَتَاعِ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ وَّهِ يقول: ((يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامٍِ (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١٩٨). ٥٩٣ مَعَ أَمْدَادٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، مِنْ مُرادٍ، ثُمَّ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ، فَبَرَأْ مِنْهُ إلَّ مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بٍَّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلى الله، لِأَبَرَّهُ، فَإِنَ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ، فَافْعَلْ))، فَأَتَى أُوَيْساً، فقال: اسْتَغْفِرْ لي، قال: أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْداً بِسَفَرٍ صَالِحٍ، فَاسْتَغْفِرْ لي، قال: لَقِيتَ عُمَرَ؟ قال: نَعَمْ، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَفَطِنَ لَهُ النَّاسُ، فَانْطَلَقَ عَلَى وَجهِهِ، رواه مسلم. وفي روايةٍ لمسلمٍ أيضاً عن أُسَيْر بن جابٍِ ﴾: أَنْ أهلَ الكُوفَةِ وَفَدُوا عَلَى عُمَرَ ﴾، وَفِيهِمْ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ يَسْخَرُ بِأُوَيْسٍ، فقالَ عُمَرُ: هَلْ هَاهُنا أحَدٌ مِنَ القَرَّنِيِّينَ؟ فَجَاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فقالَ عُمَرُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ﴿ قد قالَ: ((إنَّ رَجُلاً يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَنِ يُقالُ لَهُ: أُوَيْسٌ، لاَ يَدَعُ بِاليَمَنِ غَيْرَ أُمُّ لَهُ، قَدْ كَانَ بِهِ بَيَاضِرٌ، فَدَعَا اللهَ تعالى، فَأَذْهَبَهُ إلَّ مَوضِعَ الدِّينارِ أوِ الدِّرْهَمِ، فَمَنْ لَقِيَهُ مِنْكُمْ، فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ)). وفي روايةٍ له عَن عمرَ ﴿ه، قال: إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ◌ِله يقول: ((إنَّ خَيْرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقالُ لَه: أُوَيْسٌ، وَلَه والدَةٌ، وَكَانَ بِهِ بَيَاضٌ، فَمُرُوهُ، فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ)). قوله: ((غَبْراءِ النَّاسِ)): بفتح الغين المعجمة، وإسكان الباءِ وبِالمد، وهم فَقَرَاؤُهُمْ وَصَعَالِيكُهُمْ، وَمَنْ لاَ يُعْرَفُ عَيْنُهُ مِن ٥٩٤ أخلاطِهِمْ، ((وَالأَمْداد)»: جَمْع مَدَدٍ، وَهُم الأَعْوَان وَالنَّاصِرُونَ الَّذِينَ كَانُوا يُمِدُّونَ المُسْلِمِينَ في الجهَاد. (الثّالث عشر) (ق): أويس بن عامر بن جَزْء المُراديُّ ثم القَرَنيُّ بفتح الراء، منسوبٌ إلى قَرَن قبيلة معروفة، كان من أولياء الله المُحقِّقين الذين لا يُؤبَهُ بهم، ولولا أن رسول الله ﴿﴿ أخبر عنه ووصفه بَوْصفه لَما عرَفُ أحد. كان موجوداً في حياة النبيِّ نَّه، وآمن به وصَدَّقه، ولم يلقه، ولم يكاتبه، فلم يُعدَّ في الصحابة، وقد أخبر النبيُّ ◌َّ أنه من التابعين، قال: ((إِنَّهُ خَيْرُ التَّابعِينَ))(١)، وقد اختلف في زمن موته، فرُوي عن عبدالله بن مسلم قال: غزونا أذربيجان زمنَ عمر بن الخطاب، ومعنا أُوَيسٌ القَرَنيُّ، فلما رجعنا؛ مرض، فحملناه، فلم يَستَمْسِك، فمات، فنزلنا؛ فإذا قبرٌ محفورٌ، وماء مسكوبٌ، وكفَنٌ وحَنوط، فغسَّلناه، وكفَّناه، وصلينا عليه، فقال بعضُنا لبعض: لو رجعنا فعَلَّمنا قبرَه؛ فإذا لا قبرٌ، ولا أَثَرٌّ. وروي أنه وجد في قتلى أصحاب عليٍّ ◌َُّه يوم صِفِّين، وله أخبار كثيرة، وكرامات ظاهرة، ذكرها أبو نُعيم، وابنُ الجوزيِّ، وأُوَيسٌ تصغير أَوس، وأَوْس: الذئب(٢)، وقيل: أُوَيس مصدر أُسْتُ الرجلَ أَوْساً: إذا (١) رواه مسلم (٢٥٤٢ / ٢٢٤)، من حديث عمر ظ﴾ . (٢) في الأصل: ((الصغير أويس المذنب)). ٥٩٥ أعطيتَه، فالأَوْسُ: العَطِيَّةِ(١). (ن): بفتح القاف والراء: بطنٌ من مراد، وقد وقع في ((صحاح الجوهري)) أن أويساً منسوب إلى قَرْن المنازل؛ الجبل المعروف؛ ميقات إحرام أهل نجد، وهذا غلط فاحش نبّهت عليه؛ لئلا يُغترَّ به، وفي قوله: ((فاستغفر لي)» مَنقبةٌ ظاهرة لأُويس، وفيه: استحبابُ الدعاء والاستغفار من أهل الصَّلاح، وإن كان الطالب أفضلَ منهم(٢). (ق): في قوله ◌َّ لعمر: ((إذا استطعت أن يستغفر لك؛ فافعل)) [إخبارٌ] بأنَّ أُويساً مِمَّن يُستجاب دُعاؤه، وإرشادٌ لعمر إلى الازدياد من الخير، واغتنام دعوة مَن ترتجى إجابتهُ، وهذا كما رُوي أنه وَِّ قال لمَن خرج ليعتمر: (أَشْرِكْنَا يا أُخَيَّ فِي دُعَائِكَ))(٣)، وهذا أيضاً نَحْو مِمَّا أمر النبيُّ ◌َيه من الدُّعاء له، والصَّلاة عليه، وسؤال الوسيلة له، وإن كان النبيُّ وََّ أفضلَ ولد آدم(٤). (مظ): يحتمل أن يكون ذلك تطبيباً لقلب أُوَيس؛ لأنه كان يمكنه أن يهاجر إلى النبيِّ وَّل، لكن بِرُّه بأُمِّه منعه عن ذلك؛ فلهذا أمرهم بالاستغفار منه؛ ليُعلم أنه مُصِيبٌ في تَخلُّقه(٥). (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٤٩٥). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ٩٤). (٣) رواه أبو داود (١٤٩٨)، من حديث ابن عمر ته. وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف سنن أبي داود)) (٢٦٤). (٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٤٩٧). (٥) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٦ / ٣٥٧). ٥٩٦ * قوله: ((أكون في غبراء الناس)): (ق): بفتح الغين المعجمة، وسكون الموحدة، وهمزة ممدودة؛ يعني به: فُقراءَ الناس، وضُعفاءَهم، و((الغبراء)): الأرض، ويقال للفقراء: بنو غَبْراء، كأن الفقر والحاجة ألصقتهم بها؛ كما قال تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةِ﴾ [البلد: ١٦]؛ أي: ذا حاجة ألصقته بالتراب، وروي بضم الغین وتشديد الباء، جمع غابر؛ نحو شاهد وشُهَّد؛ يعني به: بقايا الناس ومُتأخِّريهم؛ لأن وجوه الناس ورؤساءَهم يتقدّمون للأمور، وينهضون بها، أراد أن يكون خَامِلاً؛ بحيثُ لا يُلتفت إليه، طالباً للسلامة، وظافراً بالغنيمة(١). (ن): الرَّثاثة والبَذاذة بمعنى، وهو حقارة المَتاع، وضِيق العيش، انتھی(٢). قال بشرٌ الحافي: مِن عُرْي أُوَيس أنه جلس في قَوْصَرَة، ثم قال بشر: هذا وأبيك الزَّاهد الغنيُّ. (ن): وفيه: فضل برِّ الوالدين، وفضل العُزلة، وإخفاء الأحوال(٣). (ق): ((أحدث عهداً)؛ أي: أقرب، و(عهداً) منصوب على التمييز؛ كقوله: ﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثَثَا وَرِهْيَا﴾ [مريم: ٧٤] (٤). * قوله: ((ممن كان يسخر بأويس)) ؛ أي: يحتقره ويستهزئ به، وهذا (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٤٩٧). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ٩٦). (٣) المرجع السابق، الموضع نفسه. (٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٤٩٧). ٥٩٧ دليلٌ على أنه كان يُخفي حالَه، ويكتم السرَّ الذي بينه وبين الله، ولا يظهر منه شيءٌ يدل على ذلك، وهذا طريق العارفين وخواصِّ الأولياء. * قوله : ((إن خیر التابعين رجل يقال له: أويس)) (ن): هذا صريح في أنه خير التابعين، وقال أحمد بن حنبل: إن أفضل التابعين سعيدُ بن المُسيِّب، والمراد أن سعيداً أفضل في العلوم الشرعية؛ كالحديث، والتفسير، والفقه، وغيرها، لا في الخير عند الله، وفي هذا اللفظ معجزةٌ ظاهرة لرسول الله ﴿﴿(١) . (ق): وفي هذا الحديث: معجزة ظاهرة؛ فإنه ◌َّ﴿ أخبر باسمه، ونسَبِهِ، وصِفته، وبعلامته، وأنَّ يجتمع بعمر عظُه، وكل ذلك من باب الإخبار بالغَيْب الواقع على ما أخبر به من غیر ریب، انتهى(٢). وفيه: جُمَل من الفوائد: منها: استحباب الدعاء بالعافية عند الابتلاء بالعاهات؛ لقوله: ((فدعا الله، فبرأ))، ولعل بقاء موضع الدِّينار أو الدِّرهم؛ ليكون زيادةً في حِليته، ونَعْته، وتعريفه للصحابة، أو لئلا يُمحى اسمُه من ديوان أهل البلاء. ومنها: فضيلة كون الإنسان خفيفَ الحَاذِ، تاركاً للشهوات والمَلاذٌّ، حَصُوراً؛ فإن الاشتغال بالأهل والمال قاطعٌ للأكثر عن سَيْرهم. ومنها: أن من التُّمِس منه الدُّعاءُ؛ ينبغي له أن يُسعِفَ مُلتمسيه، ولا يقول: مَن أنا؟ وأنى لي هذه المرتبة؟ فإنَّ بابَ الإجابة مفتوحٌ للمُطيع (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ٩٥). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٤٩٨). ٥٩٨ والعاصي، وربما امتنع بعضُ السلف من ذلك هَضْماً لنفسه، ثم أجاب مُلتمِسَهم ودعا، رُوي أن بعضَ الصالحين جاء إلى أحمد بن حنبل، وقال: ابتُليت بكَرْب وشِدَّة؛ فادع الله لي، فغضب وقال: تظنني نبياً؟! فلمَّا سكَن عنه ذلك؛ دعا الله له، ففُرُّجَ عنه. ٣٧٣ - وعن عمرَ بنِ الخَطَّابِ ﴿ه، قال: اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ ◌َ﴾ في العُمْرَةِ، فَأَذِنَ لي، وقال: ((لا تَنْسَنَاَ -يَا أُخَيَّ - مِنْ دُعَائِكَ)) فقال كَلِمَةً مَا يَسُرُّني أَنَّ لي بِها الذُّنْيَا. وفي روايةٍ قال: ((أَشْرِكْنَا - ◌َا أُخَيَّ - في دُعائِكَ)). حديثٌ صحيحٌ، رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. (الَّزَةُ عَنْشَر) * قوله تعالي: ((أشركنا يا أخي في دعائك)): (قض): في هذا الالتماس إظهارُ الخُضوع والمسكنة في مقام العبودية، وتَحضيضٌ للأُمَّة على الرَّغبة في دعاء الصالحين، وتفخيم شأن عمر، وإشادة بذكره، وإرشاد إلى ما يحمي دُعاءَه من الردِّ، ويوجب إجابته، وتعليمٌ للُمَّة بأن لا يخصُّوا أنفُسَهم بالدُّعاء، ويشاركوا فيه أقاربَهم وأَحِبَّاءَهم، لاسيَّما في مَظانٌّ الإجابة، وأتى (أُخَي)) بالتصغير؛ تلطُّفاً وتعَطُّفاً؛ كالتصغير في (يا بُنيَّ). وقوله: ((فقال كلمة)) يحتمل أن يكون المُراد بها ما سبق، وأن يكون ٥٩٩ غيرَه، ولم يُصرِّح به؛ توقِّياً عن تفاخُر ونحوه، والباء في ((بها)) بدَليةٌ؛ أي: لو كانت الدُّنيا بدلَ تلك الكلمة؛ لَما سَرَّني؛ لعلمي بأن تلك الكلمةَ خيرٌ لي من الدنيا(١). (تو): يحتمل أن تكون قضية أخرى، ولم يُصرِّح بها؛ توقُّياً عن استحلاء الطَّبْعِ، وغير ذلك مِمَّا لا يُؤمَن عليه من آفات النفوس. فإن قيل: أوليس قد حَدَّث بما حَدَّث، ولم يَخْلُ ذلك عن مثل ما تدَّعي فيه التوقي؟! قلنا: يحتمل أنه حَدَّث به؛ لأنه ◌َّرِ حدث به على ملأ من الناس، ثم إنا قَدَّرنا القولَ؛ نظراً إلى علم عمر بالله، وخشيته منه، ومعرفته بآفات النفوس، وتباعده عن حُبِّ الثناء والمَحْمَدة، وإلا؛ فالمسألة التي يُنكَرُ عليها بمَعِزِل من هذه التقديرات سؤالاً وجواباً؛ وذلك لأن الثناء إذا كان من قِبَل الرسول وَّ﴾؛ كان مُتجانباً عن مَظانٌّ الآفات، ومن حَقِّ صاحبه أن يتحدَّث به لو جھین: أحدهما: أنه قولٌ صدر عَمَّن أيَّده الله بالعِصْمةِ في مقاله في سائر أحواله، فحُقَّ أن يُسَرَّ به ولا يُسِرَّ؛ لأنه الحقُّ الأَبْلَجِ، والبُشرى من الله العزيز. والثاني: أن النبيَّ ◌َ ◌ِّ عارفٌ بأوضاع الأمَّة لا يُواجِه أحداً منهم بتزكية أو ثناء إلا قد ألهم بسلامته عَمَّا يُتوقَّع في ضمن ذلك من الآفة، وما أحقَّ هذا الوجه بالصواب! وهو الذي سأل اللهَ سبحانه أن يجعل لَعْنَه وشَتْمَه وضَرْبَه لمَن قصد به زكاةً ورحمةً، فأنى يُتوهّم أن يعودَ مدحُه ذَمّاً، أو يَعقُبَ ثناؤه وبالاً، يأبى الله ذلك، ویأباه مَن نوَّر الله قلبه بالإيمان. (١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ /١١). ٦٠٠