Indexed OCR Text
Pages 501-520
وأنشد [جار الله] لبعض البدويات :
قد انْحَصَّ مِن حَسْبِ القَرَّارِيطِ شَارِبُه(١)
عَرِيضُ القَفَا مِيزَانُهُ في شِمَالِهِ
وقيل: القراريط كلمة يذكرها أهلها في المُسابّة، ومعنى الحديث: أن
القومَ لهم دناءةٌ وخِسَّةٌ، أو في لسانهم بذاءة وفُحْش، فإذا استوليتم عليهم،
وتَمَكَّنتم منهم؛ فأَحسِنوا إليهم بالصَّفْحِ والعَفْو عَمَّا تنكرون، ولا يَحملنَّكُم
سُوء أقوالهم وأفعالهم على الإساءة؛ فإن لهم ذِمَّةً ورَحِماً؛ وذلك لأن هاجر
أُمَ إسماعيلَ، ومَاريَةَ أُمَّ إبراهيم بن النبيِّ ◌َِّ كانتا من القِبْطُ(٢).
(ن): ((الذمة)): الحُرمة والحَقُّ، وفي هذا الحديث معجزات ظاهرة؛
منها: إخباره بأنه يكون لهم قُوَّةٌ وشَوْكةٌ بعده؛ بحيث يقهرون العجمَ
والجَبابرةَ، ومنها: أنهم يفتحون مصرَ، ومنها: تنازع الرجلين في موضع
لبنة، وقد وقع ذلك كلُّه، ولله الحمد(٣).
(ق): روى ابن هشام من حديث عمرَ مولى غَفْرةَ: أن رسول الله وَلـ
قال: ((اللهَ في أَهْلِ المَدِرة السَّودَاء السُّحْمِ الجِعَاد؛ فإنَّ لَهُمْ نَسَباً وصِهْراً) (٤)،
قال عمر: فنسبهم: أن أُمَّ إسماعيلَ منهم، وصِهرُهم: أن رسول الله وَل
تسرَّى منهم، المَدِرة واحد المَدَر، والعرب تُسمِّ القريةَ المَدِرة، والسُّحْم:
السُّود، وهو الشديد الأُدْمة، والجِعَاد: المُتكسّر والشُّعور، وهذه أوصاف
(١) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (١ / ٢٥٨).
(٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ٥٢١).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ٩٧).
(٤) رواه ابن هشام في ((السيرة النبوية)) (١ / ١١٢).
٥٠١
أهل صعيد مصر غالباً، وحَفْن: قرية مارية [سُرِّيَّهُ] النبيِّ يَّهِ [وهي التي كلَّم
الحسن بن علي مُعاوية أن يضع الخراج عن أهلها؛ لوصية رسول الله وَّه
بهم] (١)، ففعل معاويةُ ذلك.
قال ابنُ لَهِيعةَ: أُمُّ إسماعيل هاجرُ من قرية يقال لها: الفَرَما، سُمِّيت
باسم بانيها الفَرَما بن قليقس، ويقال: قليس، ومعناه: مُحِبُّ الغَرْس، وهو
أخو الإسكندر بن قليس اليوناني، ذكره الطبري، وذكر أن الإسكندر حين
بنى الإسكندرية قال: أبني مدينة فقيرةً إلى الله، غنية عن الناس، وقال
الفرما: أبني مدينة غنية عن الله، فقيرةً إلى الناس، فسَلَّط الله عليها الخرابَ
سريعاً، فذهب رسْمُها، وبقيت الإسكندرية (٢).
* قوله: ((يختصمان في موضع لبنة)):
(ط): لعله وَّهُ عَلِم من طريق الوَحي أنه ستَحدُث هذه الحادثة في
مصر، ويكون عقيبَ ذلك فتنٌ وشُرورٌ؛ كخروج المصريين على عثمان عظاته
أوَّلاً، وقتلهم محمد بن أبي بكر ثانياً، فأمره بالخروج منها حينما رآه، وعلم
أن في طباع سُكّانها خِسَّةً ومُمَاكسةً، فإذا أفضت الحال إلى أن يتخاصموا في
مثل هذا المُحَقَّ؛ فينبغي أن يحترز من مُخالطتهم، ويجتنبَ عن مُساكنتهم(٣).
(١) ما بين معكوفتين من ((المفهم)) (٦ / ٥٠٠)، ونقل المؤلف عنه فیه اختصارٌ.
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٤٩٩).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٢ / ٣٧٨٩).
٥٠٢
٣٢٩ - وعن أبي هريرة ﴾، قال: لَمَّا نَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ:
﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِنَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، دَعَا رسولُ الله ◌ِلَهـ
قُرَيْشاً، فَاجْتَمَعُوا، فَعَمَّ، وخَصَّ، وقال: ((يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ!
يَا بَبِي كَعْبٍ بنِ لُؤَيِّ! أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي مُرَّةَ بنِ كَعْبٍ !
أَنَّقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَفٍ، أنقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ
النَّارِ، يَا بَنِي هاشِمٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ المُطَلِبِ!
أنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا فَاطِمَةُ! أنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّار؛ فإِنِّي
لا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً، غَيْرَ أنَّ لَكُمْ رَحِماً سَأَلُّهَا بِيِلالها»، رواه
مسلم.
قوله {َِّ ((بِبِلالِهَا) هو بفتح الباءِ الثَّانِيَةِ وَكَسرِهَا، ((وَالبِلالُ»:
المَاءُ. ومعنى الحديث: سَأَصِلُهَا، شَبَّهَ قَطِيعَتَهَا بِالحَرَارَةِ تُطْفَأَ
بِالمَاءِ، وَهذه تُبُرَّدُ بالصِّلَةِ.
(الثَّامِ عَبَشْرَ)
* قوله: «فعم وخص»: عَمَّهم بقوله: «یا بني کعب بن لؤي)، ثم
خَصَّ منهم بني مُرَّة بن كعب، ثم خَصَّ منهم بني عبد مَناف، فلم يزل
يختصُّهم منهم إلى قوله: ((يا فاطمة)) فهي أخصُّ من الكل.
قال صاحب ((المطالع)): ((لؤي)) يهمز آخره، ولا يهمز، والهمز أكثر(١).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٨٠).
٥٠٣
(ن): ((فإني لا أملك لكم من الله شيئاً) معناه: لا تتكِلوا علی قرابتي،
فإني لا أَقدِرُ على دفع مكروه یریده الله بكم(١).
(قض): ((ببلالها)) يقال: للوَصْل بللٌ يقتضي الالتصاق والاتصال،
وللهَجْر يَسٌ يُفضي إلى التفتت والانفصال(٢).
(ط): ((بلالها)) فيه مُبالغةٌ؛ كقوله: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة:
١]؛ أي: زلزالها التي يستوجبه في مشيئة الله تعالى، وهو الزلزال [الشديد]
الذي [ليس] بعده زلزلة، فالمعنى أبلها بما عرف، واشتهر عند الله وعند
الناس ما هو، فلا أترك من ذلك شيئاً، شَبَّه الرَّحِم بأرض إذا بُلَّت بالماء
حَقَّ بِلالها، أثمرت، ويُرى في ثمارها أثرُ النَّضَارة، وإذا تُركت، يبست
وأجدبت، فلم تثمر إلا العداوةَ والقَطِيعة، هذا هو الوجه، والشاعر يشير
إلى هذا المعنى في قوله:
فَلا تُوبِسُوا بَيْنِي وبَيْنِكُمُ الثَّرَى
فإِنَّ الذي بَيْني وبَيْنكُمُ مُثْرِي
وعلى ذلك: قول أهل اللغة: سَنةٌ جَمادٌ لا مطر فيها، وناقةٌ جَمادٌ
لا لبن لها، ولا يجعل السنة والناقة جَماداً إلا على معنى أن السنة مخيلة
بالقَطْر، والناقة لا تَسْخُو بالدَّرَّ(٣).
(١) المرجع السابق، الموضع نفسه .
(٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ٢٤٩).
(٣) انظر: ((شرح المصابيح)) للطيبي (١٠ / ٣١٥٧).
٥٠٤
٣٣٠ - وعن أبي عبدِالله عمرٍو بنِ العاص ﴾، قال: سمعتُ
رسولَ اللهِ﴿ جِهاراً غَيْرَ سِرِّ يَقولُ: ((إِنَّ آلَ بَنِي فُلانٍ لَيْسُوا
بِأَوْلِيَائِي، إِنَّمَا وَلِّيَ اللهُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ، وَلَكِنْ لَهُمْ رَحِمٌ أَلُها
بِبِلالِهَا))، متفق عليه، واللَّفْظُ للبخاري.
التَّاقَ الْخَيْشَرَ
* قوله: «بني فلان)):
(ن): هذه الكناية من بعض الرواة، خشي أن يُسمِّيَه فيترتبَ عليه
مفسدةٌ، أو فتنة؛ إما في حَقِّ نفسه، وإما في حَقِّه وحَقِّ غيره، فكَنَى عنه.
قال القاضي عياضٌ: قيل: المُكْنَى ههنا: هو الحكم بن أبي العاص،
ومعنى الحديث: إنما وليِِّ مَن كان صالحاً وإن بَعُد نسبُه مني، وليس
وليِِّ مَن کان غير صالح وإن کان نسبُه قريباً.
وأما قوله: ((جهاراً): فمعناه علانيةً، لم يُخفِه، بل باح به، وأظهره
وأشاعه، وفيه: التبرؤ من المُخالفين، ومُوالاة الصَّالحين، والإعلان بذلك
إن لم يخَفْ [ترتُّبَ فتنة] عليه(١).
(تو): معناه: إني لا أوالي أحداً بالقَرابة، وإنما أُحِبُّ اللهَ سبحانه؛
لما يَحِقُّ له على العباد، وأُحِبُّ صالحي المؤمنين لوجه الله، وأوالي مَن
أوالي بالإيمان والصَّلاح، وأُراعي لذَوِي الرَّحِم حقَّهم بصِلَة الرَّحِم .
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ٨٧).
٥٠٥
٣٣١ - وعن أبي أيُّوبَ خالدٍ بن زيد الأنصاريِ ﴾: أن رجلاً
قال: يا رسولَ الله! أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ، وَيُبَاعِدني مِنَ
النَّارِ. فقال النبيُّ نَّهِ: (تَعْبُدُ اللهِ، وَلا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَتُقِيمُ
الصَّلاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ))، متفقٌ عليه.
(ن): (العبادة): هي الطاعة مع الخُضوع، وقوله: ((لا تشرك به شيئاً)
إنما ذكره بعد العبادة؛ لأن الكُفَّار كانوا يعبدون مِن دونه أوثاناً، ويزعمون
أنها شُركاءُ فنفى هذا، وقوله: ((تصل الرحم)؛ أي: تحسن إلى أقاربك،
وذوي رحمك بما تيسر علی حسَب حالك وحالهم؛ من إنفاق أو زيارتهم،
أو طاعتهم، أو غير ذلك، وأما ذكره ◌َّ صلةَ الرحم في هذا الحديث،
وذكر الأَوْعِية في حديث عبد قيس، وغير ذلك في غيرهما: فقال القاضي
عِياضٌ: ذلك بحسَب ما يخصُّ السائل ويعنيه(١).
(ق): لم يذكر في هذا الحديث شيئاً من فعل التَّطوُّعات، فدل على
جواز تركها على الجملة، لكن يُفوِّتُ مَن تركها (٢) ربحاً عظيماً، وثواباً
جسيماً، ومَن داوم على ترك شيء من السُّنن، كان ذلك نقصاً في دينه،
وقدحاً في عدالته، فإن كان تركُه تهاوناً بها ورغبةً عنها؛ كان ذلك فسقاً
يستحِقُّ به ذَمّاً، وقد كان صدر الصحابة فمَن بعدهم يثابرون على فعل
(١) المرجع السابق، (١ / ١٧٣).
(٢) في الأصل: ((تاركها)).
٥٠٦
السُّنن والفضائل مُثابرتَهم على الفرائض؛ لاغتنام الثواب، وإنما احتاج أئمة
الفقه إلى ذكر الفرق بينهما؛ لِمَا يترتَّبُ عليه من وجوب الإعادة وتركها،
وخوف العقاب على الترك، ونفيه إن حصل تركٌ ما بوجه، وإنما سكت واله
لهؤلاء السائلين عن ذكر التطوعات، ولم يذكرها لهم؛ كما ذكر في حديث
طلحة بن عُبيدالله؛ لأن هؤلاء - والله أعلم - كانوا حَديثي عهد بإسلام،
فاكتفى منهم بفعل ما وجب عليهم في تلك الحالة؛ لئلا يُثْقِلَ عليهم
فِيَمَلُّوا، فتركهم إلى أن تنشرح صُدورُهم بالفَهْم عنه(١).
٣٣٢ - وعن سَلْمَانَ بْنِ عامرٍ﴾، عن النبيِّ وَهِ، قال: ((إِذَا
أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ، فَلْتُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ؛ فَإِنَّهُ بَرَكَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَمْراً،
فَالمَاءُ؛ فَإِنَّهُ طَهُورٌ))، وقال: ((الصَّدَقَةُ عَلى المِسْكِينِ صَدَقَةٌ،
وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ: صَدَقَةٌ، وَصِلَةٌ)).
رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ.
ء
* قوله إيلاف: ((إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر))، سيأتي شرحه في
(باب الصوم).
* وقوله: (صدقة وصلة))، قال بعض العلماء: يعني: أن الصدقة إذا
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ١٦٦).
٥٠٧
كانت على الغُرباء حَسُن موقعُها، وعَظُم ثوابُها؛ فكيف إذا كانت على
الأقرباء الذين أُنْبِثُم من أَرُومَته (١)، وطلعتم من جُرثومته(٢)؟! وقد جاء في
الحديث: ((أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ على ذِي الرَّحِمِ الكَاشِح، يَقطَعُكَ وتَصِلُه)(٣).
٣٣٣ - وعن ابنِ عمرَ ﴾، قالَ: كَانَتْ تَحْتِي امْرَأَةٌ، وَكُنْتُ
أُحِبُّها، وَكَانَ عُمَرُ يَكْرَهُهَا، فقالَ لي: طَلِّقْهَا، فَأَبَيْتُ، فَأَتَى عُمَرُ عَ﴾
النبيَّ ◌َّهِ، فَذَكَرَ ذلكَ لَهُ، فقال النبيُّنَّهِ: ((طَلَّقْهَا))، رواه أبو داود،
والترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
((الثَّانِوَالْعَبْر)
* قوله قال: ((طلقها)):
(ق): فيه دليل على أنهما إذا أمرا، أو أحدُهما ولدَهما بأمر وجبت
طاعتهما فيه إذا لم يكن ذلك الأمرُ معصيةً، وإن كان المأمور به من قبیل
المُباحات أو المندوبات في أصله؛ لأن الله تعالى قرن طاعتَهما والإحسانَ
إليهما بعبادته وتوحيده، فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَاْ إِلَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ
إِحْسَنَا ﴾ [الإسراء: ٢٣]، فإن قيل: فكيف يرتفع حُكم الله الأصليُّ بحُكم
(١) في الأصل: ((انتمیتم من دوحه)).
(٢) في الأصل: ((جرثومه)).
(٣) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ٤٠٢)، من حديث حكيم بن حزام ظُته، دون
قوله: ((يقطعك وتصله)). وهو حديث صحيح. انظر: ((إرواء الغليل)) (٨٩٢).
٥٠٨
غيره الطارئء؟ فالجواب: أنه لم یرتفع حُکمُ الله بحُكم غيره، بل بحُكمه؛
إذ هو الذي أوجب علينا امتثال أمرهما.
وقد ذهب بعضُهم إلى أن أمرَهما بالمُباح يُصيِّرِه في حَقِّ الولد
مندوباً، وأمرهما بالمَندوب يزيده تأكيداً في نَدْبيَّتِهِ، والصحيح ما قدَّمناه،
انتھی(١).
في ((مسند أحمد)) و((المعجم الكبير) للطبرانيِّ عن معاذ بن جبل
قال: أوصاني رسولُ اللهَ وَّل بعشر كلمات، قال: ((لا تُشْرِكْ بِاللهِ شَيئاً، وإن
قُتلتَ وحُرِّقْتَ، ولا تعُقَّنَّ وَالِدَيكَ وإن أَمرَاكَ أن تَخرُجَ عَن أَهلِكَ ومَالِكَ،
ولا تتركَنَّ صَلاةٌ مَكْتُوبةً؛ فإنَّ مَن تركَ صَلاةَ مَكْتُوبةٌ مُتعمِّداً؛ فقد بَرِئَتْ منه
ذِمَّةُ اللهِ، ولا تَشْربَنَّ خَمراً، فإنَّهُ رأسُ كلِّ فَاحشةٍ، وإِيَّاكَ والمَعصِيةَ؛ فإن
بالمَعصِيَّةِ حَلَّ سخطُ الله، وإِيَّاك والفِرارَ من الزَّحْفِ وإِن هَلكَ الناسُ، وإن
أَصَابَ الناسَ مَوتٌ؛ فائبُتْ، وأَنْفِقْ على أَهلِكَ من طَوْلِكَ، ولا تَرَفَعْ عَنْهُمْ
عَصَاكَ أَدَباً، وأَخِفْهُم في الله)(٢).
ففي هذا الحديث، وحديث ابن عمر الخُروجُ عن المال، ومفارقةُ
الزوجة والعِيال؛ طلباً لرضا الوالدين، وإن لم تسمح نفسُه بتركهما؛ فليصبر
على مُخالفة هواه، قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَ هُواشَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمٌّ وَعَسَى أَنْ
تُحِبُواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرِّلَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]، ولقد شُوهد
من بركة ذلك ما يَعجِزُ عنه وصفُ الواصفين، وكفاك شاهداً قولُ الخليل عليه
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ /٥٢٠ - ٥٢١).
(٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥ / ٢٣٨)، والطبراني في ((المعجم الكبير))
(٢٤ / ١٩٠). وهو حديث صحيح. انظر: ((إرواء الغليل)) (٢٠٢٦).
٥٠٩
السلام لابنه إسماعيل: غَيِّر عتبةَ بابك(١)، فتركها في الحال من غير مُهلة،
وربما كان الخِيرةُ في مراجعتها، فيأمرانه بذلك، ویربح البِرَّ بأبويه؛ كما روى
الحافظ عمر بن عبد البَرِّ أن عبدالله بن أبي بكر﴾ لمَّا طَلَّق امرأته عاتكة بنت
زيد بأمر أبيه؛ أنشد أبياتاً؛ منها:
ولا مِثْلُها في غَيْرِ شَيْءٍ تطَلَّقُ(٢)
فلَمْ يُرَ مِثْلِي يومَ طلَّقْتُ مِثْلَها
فسمعها أبو بكر، فرقَّ له، وأمره بمراجعتها (٣).
٣٣٤ - وعن أبي الدَّرْدَاءِ ﴾: أَنَّ رَجُلاً أَتَاهُ، فقال: إنَّ لي
امْرَأَةَ، وَإِنَّ أُمِّي تَأْمُرُّنِي بِطَلَاقِها؟ فقال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ وَالـ
يقولُ: ((الوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، فَإِنْ شِئْتَ، فَأَضِعْ ذلِكَ البَابَ،
أوِ احْفَظْهُ))، رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيح.
[الثَّالِ الحَبُ
* قوله وير: ((الوالد أوسط أبواب الجنة»:
(نه): أي: خيرها، يقال: هو من أوسط القوم؛ أي: خيارهم (٤).
(١) في هامش الأصل: ((وسيأتي الحديث بطوله في كتاب المنثورات والمُلَح)).
(٢) في المصادر جاء البيت هكذا:
ولا مثلَها في غير جُرم تُطلَّقُ
فلم أر مثلي طلَّقَ اليومَ مثلَها
(٣) رواه ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) (٤ / ١٨٧٧).
(٤) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٥/ ١٨٣).
٥١٠
(ط): معناه: أن أحسن ما يُتوسَّل به إلى دُخول الجنة، ويُتوصَّل به
إلى الوصول إليها مُطاوعةُ الوالد، ومراعاة جانبه، انتهى(١).
٠٠٠
٣٣٥ - وعن البَرَاءِ بن عازِبٍ عُ﴾، عن النبي ◌ٍَّ، قال:
(الخَالَةُ بِمَنْزِلَة الأُمّ)، رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
. 13
L
* قوله ◌َّيفي: ((الخالة بمنزلة الأم))؛ أي: في عِظَم ثواب صِلتها، والبرِّ
والإحسان إليها، وقد روى ابن حِبَّان في ((صحيحه)) عن ابن عمرر﴿4﴾ا قال: أتى
النبيَّ ◌َّه رجلٌ، فقال يا رسولَ الله؛ إني أذنبت [ذنباً] كبيراً، فهل [لي] من
توبة؟ فقال له رسولُ الله ◌َّهِ: ((أَلَكَ وَالِدَانِ؟)) قال: لا، قال: ((فَلَكَ خَالٌ؟»
قال: نعم، قال: ((فبِرَّها إذا)(٢).
ورُوي أنه ◌َّ أتته خالتُه من الرَّضاعة، فنزع ◌َِّ رِداءَه عن ظهره، وبسَطه
لها، وقال: ((مَرْحَباً بأُمِّي)) (٣)، وأما حديثُ أصحاب الغار: فقد سبق في (الباب
الأول)، وحديث جريج: في (الباب الثاني والثلاثين).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١٦٦).
(٢) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٤٣٥). وهو حديث صحيح. انظر: ((التعليقات
الحسان علی صحیح ابن حبان)» (١ / ٤٤٢).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((مكارم الأخلاق)) (٢١٤)، من حديث عبدالله بن عبد الرحمن
ابن أبي الحسين مرسلاً .
٥١١
٤١-بال
تحريم العقوقِ وقطيعةِ الرَّحِمِ
، قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْهُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِ الْأَرْضِ
وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ ﴿ أُوْلَكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىَ أَبْصَرَهُمْ﴾
[محمد: ٢٢، ٢٣].
* وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَفِهِ، وَيَقْطَعُونَ
مَآ أَمَرَ اَللَّهُ بِهِ: أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَمُمْ سُوَّهُ الدَّارِ﴾
[الرعد: ٢٥].
وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَأْ إِلَّ إِيَّاهُ وَبِلْوَلِدَيْنِ
إِحْسَنَا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل ◌َّمَآ أَنٍ وَلَا
تَنْهُرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾ وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ
الرَّحْمَةِ وَقُل رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَا رَبِّيَانِ صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣ -٢٤].
(الباب الحادي والأربعون)
(في تحريم العقوق وقطيعة الرحم)
(نه): ((العقوق)) مشتق من العَقِّ، وهو الشَّقُّ والقَطع، يقال: عق والدَه
٥١٢
يَعُقُّه عُقوقاً؛ فهو عاقُّ: إذا آذاه وعصاه، وخرج عليه، وهو ضِدُّ البرِّ به(١).
(ن): جمع العاق: عقَقَة بفتح الحروف كُلِّها، وعُقُق بضم العين
والقاف، وقال صاحب ((المُحْكَم)): رجل عَقَقٌ، وعُقُقٌ، وعَاقٌّ بمعنىَ
واحد، وأما حقيقة العُقوق المُحرَّمة شرعاً: فقَلَّ مَن ضبطه.
وقد قال الشيخ أبو محمد بنُ عبد السَّلام رحمه الله: لم أقف في عُقوق
الوالدين، وفيما يختصَّان به من الحُقوق على ضابط أعتمد عليه؛ فإنه لا يجب
طاعتُهما في كل ما يأمران به، وينهيان عنه باتفاق العلماء، وقد حَرُم على الولد
الجهادُ بغير إذنهما؛ لِمَا يشُقُّ عليهما من توقُّع قتله، أو فوت عُضْوٍ من
أعضائه.
وقال الشيخ أبو عمرو بنُ الصَّلاح في ((فتاويه)»: العُقوق المُحرَّم كلُّ
فعل يتأذى به الوالد تأذياً ليس بالهَيِّن، مع كونه ليس من الأفعال الواجبة.
قال: وربما قيل: طاعة الوالدين واجبة في كل ما ليس بمعصية،
ومُخالفة أمرهما في ذلك عُقوقٌ، وقد أوجب كثيرٌ من العلماء طاعتَهما في
الشُّبُهات.
قال: وليس قولُ مَن قال من علمائنا: يجوز له السفر في طلب العلم،
وفي التجارة بغير إذنهما مُخالفاً لِما ذكرتُه؛ فإن هذا الكلامَ مُطلقٌ، وفيما
ذكرته بيانٌ لتقييد ذلك المُطلَقِ(٢).
* قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِ الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُواْ
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٢٧٧).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٨٧).
٥١٣
أَرْحَامَكُمْ ﴾ [محمد: ٢٢]؛ أي: تولیتم عن الجهاد، ونگلُتُم عنه أن تعودوا إلى ما
كنتم فيه من الجاهلية الجَهْلاء، وهذا نهيٌّ عن الإفساد في الأرض عُموماً،
وعن قطع الأرحام خُصوصاً.
وسبق طرَفٌ من معنى الآية في (الحديث الرابع) من الباب قبل هذا.
(م) : ﴿إِن تَولَئْتُمْ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: إن أخذتم الولايةَ، وصار الناس في أمركم أن تفسدوا في
الأرض وتُقُطُّعوا أرحامكم؛ تناحُراً على المُلْك، وتهالُكاً على الدُّنيا.
والثاني من الثَّولِّي، وهو الإعراض(١).
* قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيْتَقِهِ﴾ [الرعد: ٢٥]، هذا
حال الأشقياء، وصفاتُهم، ومآلهم في الدار [الآخرة]، ومصيرهم إلى خلاف
ما صار إليه المؤمنون؛ كما [أنهم] اتصفوا بخلاف صفاتهم في الدُّنيا، فأولئك
يوفون بعهد الله، ويَصِلُون ما أمر الله به أن يُوصل، وهؤلاء ينقضون عهدَ الله،
ويقطعون ما أمر الله به أن يؤُصَل، ويفسدون في الأرض، أولئك لهم اللَّعْنة،
وهي: الإبعادُ من الرَّحمة، وسُوءُ الدار: هي جَهَنَّمُ، وبئسَ القَرارُ.
قال أبو العالية: هي سِتُّ خصال في المنافقين، إذا كان فيهم الظَّهَرَةُ
على الناس؛ أظهروا هذه الخصالَ: إذا حَدَّثوا؛ كذبوا؛ وإذا وعدوا؛ أخلفوا؛
وإذا اؤتمنوا، خانوا، ونقضوا عهدَ الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر الله به أن
يُوصَل، وأفسدوا في الأرض، وإذا كان الظهَرةُ عليهم؛ أظهروا الثلاثَ
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٨ / ٥٦).
٥١٤
الخِصَالِ الأُوَلِ (١).
(م): ﴿ مِنْ بَعْدٍ مِيثَاقِهِ﴾؛ أي: بعد أن وَثَّق الله تلك الأدلةَ وأحكمها (٢).
الكشاف: من بعد ما أوثقوه به؛ من الاعتراف، والقَبول، ﴿سُوَّهُ الَّارِ﴾
يحتمل أن يراد به سُوء عاقبه الدنيا؛ لأنه في مقابلة ﴿عُقْىَ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٢]،
ويجوز أن يراد به جهنم(٣).
* قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّ تَعْبُدُوَاْ إِلَّ إِيَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، سبق في
الباب قبله.
٣٣٦ - وعن أَبِي بَكْرَةَ نُفَيْعِ بْنِ الحَارِثِ ﴿ه، قالَ: قالَ
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أَلَا أُنَبَتُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟)) - ثلاثاً -، قُلْنَا: بَلَى
يا رسولَ الله، قال: ((الإشرَّاكُ بِالله، وعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ»، وَكَانَ
مُتَّكِئاً فَجَلَسَ، فقال: ((أَلَاَ وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ))، فما زالَ
يُكَرِّرُها حَتَّى قُلْنا: لَيْتَهُ سَكَتَ، متفقٌ عليه.
(الأَوْلُ)
* قوله : ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟)) ثلاثاً:
(ن): أي: قال هذا الكلام ثلاث مرات، ولا انحصارَ للكبائر في عدد
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٨ / ١٣٩).
(٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٩/ ٣٨).
(٣) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٢ / ٤٩٦).
٥١٥
مذكور، وقد جاء عن ابن عباس ظكما أنه سئل عن الكبائر: أسبع هي؟ فقال:
هي إلى سبعين - ويروى: إلى سبع مئة - أقربُ(١)، وقد اختلف العلماء في حَدِّ
الكبيرة: وتمييزها من الصَّغيرة فجاء عن ابن عباس عُ: كُلُّ شيء نهى الله عنه
فهو كبيرة(٢)، وبهذا قال الأستاذ أبو إسحاقَ الإِسْفَرائينيُّ.
وحكى القاضي عياضُ عن المُحقِّقين قالوا: لأن كلَّ مُخالفة فهي
بالنسبة إلى جلال الله تعالى كبيرةٌ، وذهب الجَماهيرُ من السَّلَف والخَلَف
إلى انقسام المعاصي إلى صغائرَ وكبائر، وهو مرويٍّ أیضاً عن ابن عباس،
وقد تظاهر على ذلك دلائلُ من الكتاب والسُّنة، ولا شَكَّ في أن المُخالفة
قبيحة جداً بالنسبة إلى جلال الله، ولكنَّ بعضَها أعظمُ من بعض، وتنقسم
باعتبار ذلك إلى ما تُكفِّرِه الصلوات الخمس، أو صومُ رمضان، أو الحَجُّ،
أو العُمرةُ، أو الوضوءُ، أو صومُ عرفةَ، أو صومُ عاشوراء، أو فعل
الحسنة، أو غير ذلك مِمَّا جاءت به الأحاديث الصحيحة، وإلى ما لا يُكفِّره
ذلك، ولا شكَّ في حُسن هذا.
وإذا ثبت ما ذكرناه؛ فاختلف في ضبطهما اختلافاً كثيراً، فروي عن
ابن عباس: أنه قال: الكبائرُ كلُّ ذنب ختمَه الله بنار، أو غضَب، أو لَعْنَة،
أو عذاب(٣)، ونحوُ هذا عن الحسن البَصريِّ.
وقيل: هي: ما أوعد الله عليه بنار، أو حَدٍّ في الدنيا.
(١) رواه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) (٥ / ٤١).
(٢) رواه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) (٥ / ٤٠).
(٣) رواه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) (٥ / ٤١).
٥١٦
وقال الغزاليُّ: كلُّ معصية يقدِمُ المرء عليها من غير استشعار خوف،
أو حَذار ندم؛ كالمُتهاون بارتكابها، والمُتجرِّئ عليها اعتياداً، فما أشعر
بهذا الاستخفاف والتَّهَاون؛ فهو كبيرة، وما يُحمل على فَلَتات النفس،
وفَتْرة مُراقبة التقوى، ولا ينفكُّ عن تَنَدُّم يمتزج به تَنْغِيصُ اللَّةِ بالمعصية؛
فهذا لا يمنع العدالةَ، وليس بكبيرة.
وقال أبو عمرو بن الصَّلاح: الكبيرة: كلُّ ذنب كَبُر وعَظُمْ عِظَماً يصح
أن يطلق عليه اسم الكبيرة، ويُوُصَف بكونه عظيماً على الإطلاق، ولها
أمَاراتٌ؛ منها: إيجاب الحَدِّ، ومنها: الإيعادُ [عليها] بالعذاب [بالنار]،
ونحوها في الكتاب والسُّنة، ومنها: وصف فاعلها بالفِسْق، ومنها: اللَّعْن،
كلَعْنِ الله مَن غيَّر مَنارَ الأرض.
وقال الشيخ أبو محمد بنُ عبد السَّلام: إذا أردت معرفة الفرق بين
الصغيرة والكبيرة؛ فاعرض مفسدةَ الذنب على مفاسد الكبائر المَنصُوص
عليها، فإن نقصَت عن أقلِّ مفاسد الكبائر؛ فهي من الصَّغائر، وإن ساوت
أدنى مَفاسدِ الكبائر، أو زادت عليه؛ فهي من الكبائر، فمَن شتم الربَّ
سبحانه، أو رسولَ الله ◌َّهِ، أو استهان بالرُّسُل، أو كذَّب واحداً منهم، أو
ضَمَّخ الكعبة بالعَذِرَةِ، أو ألقى المُصحفَ في القَاذُورات؛ فهي من أكبر
الكبائر، ولم يصرح الشرع بأنه كبيرة، وكذلك لو أمسك بامرأة مُحصَنة لمَن
يزني بها، أو أمسك مسلماً لمن يقتله؛ فلا شك أن مفسدة ذلك أعظمُ من
مفسدة أکل مال الیتیم، مع کونه من الكبائر.
وكذلك لو دلَّ الكُفَّارَ على عورة المسلمين، مع علمه بأنهم يستولون
بدلالته، ويَسْبُون حُرَمَهُم وأطفالَهم؛ فإن نسبته إلى هذه المفاسد أعظمُ من
٥١٧
تولِيه يومَ الزَّحْف بغير عُذر، مع كونه من الكبائر، وكذلك لو كذب على
إنسان يعلم أنه يُقتل بسببه، أما إذا كذب عليه كذباً يؤخذ منه بسببه تمرةٌ
فلیس کَذِبُه من الكبائر.
قال: وقد نصَّ الشرع على أن شهادة الزُّور، وأكل مال اليتيم من
الكبائر، فإن وقعا في مال خطير؛ فهذا ظاهر، وإن وقعا في حقير؛ فيجوز أن
يُجعلا من الكبائر؛ فطاماً عن هذه المفسدة؛ كما جعل شربُ قطرة من الخَمْر
من الكبائر، وإن لم تتحقق المَفسدةُ، ويجوز أن يُضبطَ ذلك بنصاب السَّرقة.
قال: والحُكم بغير الحَقِّ كبيرة؛ فإن شاهدَ الزُّور مُتسبِّبٌ، والحاكم
مُبَاشِرٌ، فإذا جُعِل التسبُّب كبيرةً؛ فالمُباشَرة أَوْلَى.
قال: وقد ضبط بعضُ العلماء الكبائرَ بأنها كلُّ ذنب قُرن به الوعيدُ،
أو الحَدُّ، أو اللَّعْن، فعلى هذا: كلُّ ذنب عُلم أن مفسدتَه كمفسدة ما قُرن
به الوعيدُ، أو الحَدُّ، أو اللَّعن، أو أكبرُ من مفسدته؛ فهو كبيرة، ثم قال:
الأَوْلى: أن يضبط الكبيرة بما يُشعر بتَهاوُن مُرتكبها في دينه إشعارَ أصغر
الكبائر المنصوص عليها، هذا آخر كلام الشيخ أبي محمد بن عبد السلام.
قال الإمام أبو الحسن الواحديُّ المُفسِّر وغيره: الصَّحيحُ: أن حَدَّ
الكبيرة غير معروف، بل ورد الشرع بوصف نوع من المعاصي بأنها کبائر،
وأنواع بأنها صغائر، وأنواع لم توصَف، وهى مشتملة على كبائرَ وصغائرَ،
والحِكمةُ في عدم بيانها: أن يكون العبد ممتنعاً من جميعها؛ مَخافةَ أن
يكون من الكبائر، قال: وهذا شبيهٌ بإخفاء ليلة القدر، وساعة يوم الجمعة،
وساعة إجابة الدُّعاء من الليل، واسم الله الأعظم، ونحو ذلك مِمَّا أُخفي،
والله أعلم.
٥١٨
قال العلماء: والإصرارُ على الصغيرة يجعلها كبيرةً، وروي عن عمر
وابن عباس وغيرهما: لا كبيرةً مع الاستغفار، ولا صغيرةَ مع الإصرار(١)،
معناه: أن الكبيرة تُمْحَى بالاستغفار، والصغيرة تصير كبيرةً بالإصرار.
قال الشيخ أبو محمد بنُ عبد السلام في حَدِّ الإصرار: هو أن تتكرَّرَ
منه الصغيرةُ تكرُّراً يُشعِرِ مجموعُها بما يُشعِر به أصغرُ الكبائر(٢).
* قوله : ((وشهادة الزور)):
(ط): ((الزور)): أعلى الصدر، وَزُرْتُ فلاناً تلقَّيته بزَوْرِي، وقيل
للكذب: زُورٌ؛ لكونه مائلاً عن جهته(٣).
(ن): ((الزور)): الكذب، والباطل، والتُّهَمَةُ.
(ق): إنما كانت من أكبر الكبائر؛ لأنها يُتوصّل بها إلى إتلاف النفوس
والأموال، وتحليل ما حرَّم الله، وتحريم ما أحلَّ الله، فلا شيء من الكبائر
أعظمُ ضرراً، ولا أكثرُ فساداً منها بعد الشِّرْكِ (٤).
(ك): فإن قلت: إن الشرك أكبر الكبائر، فما وجه الآخرین؟
قلت: لأنهما أيضاً تشابها به من حيث إن الأبَ سببُ وجوده ظاهراً،
وهو يُربِّيه، ومن حيث إن الزُّورَ يثبت الحقَّ لغير مُستحقِّه؛ ولذلك ذكرهما
الله تعالى في سلكه؛ حيث قال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَأْ إِلَّ إِيَّهُ وَبِاَلْوَلِدَيْنِ
(١) رواه اللالكائي في ((اعتقاد أهل السنة)) (١٩١٥).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٨٤).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٥٠٥).
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٨٢).
٥١٩
إِحْسَنَاً﴾ [الإسراء: ٢٣]، وقال: ﴿فَاجْتَنِبُوْلرَّحْسَ مِنَ الْأَوْثَنِ وَأَجْتَنِبُواْ
قَوْلَ الزُّورِ ﴾ [الحج: ٣٠](١).
* وقوله: «وكان متكئاً فجلس»:
(ن): جلوسه ◌َّ؛ للاهتمام بهذا الأمر، وهو يفيد تأكيداً لتحريمه،
وعِظَم قُبحه، وأما قولهم: ((ليته سكت)) إنما قالوه وتَمنَّوه؛ شفقةً على
رسول الله ێے، و کراهة لما یزعجه ویغضبه، انتهى(٢).
ويحتمل أن يقال: إن تمنِّيهم لسكوته إنما كان؛ لأن تكراره ێے کان
يزيده تأكيداً وعِظَماً، فخافوا إن زاد على هذه المُبالغة أن يُوجَب لمُرتكبه
هلاكُ الأبد، فتمنوا سكوتَه لذلك.
٣٣٧ - وعن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو بنِ العاصِ عُ﴾، عن النبيِّ وَّر،
قالَ: ((الكَبَائرُ: الإِشْرَاكُ بِالله، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ،
وَالْيَمِينُ الغَموسُ))، رواه البخاري.
(اليَمِينُ الغَمُوسُ)): الَّتِي يَحْلِفُهَا كَاذِباً عَامِداً، سُمِّيَتْ غَمُوساً؛
لأنَّهَا تَغْمِسُ الحَالِفَ في الإثْم .
(الثَّانِى)
(تو): ((اليمين الغَمُوس)): هي الحَلِف بالله على أمر ماض مُتعمِّداً
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١١ / ١٧٥).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٨٨).
٥٢٠